لولا التتيم الجزء الثالث
في البداية لم يكن سؤاله سؤال بالمعنى الحرفي بل كان كاستدراج لها ليفهم كيف تفكر وإلامَ سيهديها عقلها, ولكن بداخله لم يفكر قط في أن يخضع لرغابتهم كي يحمي طفله, كيف سيفعل هذا وهو قد أقسم أن يصون مهنته وأن يعمل مخلصًا ويحافظ قدر استطاعته على أرواح الناس؟ كيف سيفعل هذا وهو إنسان؟ .. لديه ضمير سيردعه وسيقتله في اليوم مئة مرة إن فعلها.. وللحقيقة لم يتوقع حديثها هذا بل أنه توقع العكس تمامًا بدافع أمومتها ومشاعرها التي ستخشى على طفلها فقط دون حساب لأي شيء آخر! ولكنها أبهرته بتفكيرها وحديثها ليجد نفسه يجذبها لأحضانه بكل رفق العالم, ويحيطها بذراعيهِ بكل معنى للاحتواء عرفناه يومًا, وكأنه يطيب قلبها بهذا العناق, ويهدأ روع روحها بضمته, وعنه فقد شعر بشعور يماثل سقوط مياه باردة على جسد محموم, رغم رعشته إلا أن الأمر ممتعًا, ورعشته هنا أتت من مشاعره التي ثارت ترحب بأول شعور بها بين أحضانه بعد أشهر غياب, ورغم أنه ليس وقت مناسب لشعور هكذا ولكن منذ متى والمشاعر تخضع للتوقيت!؟
وعنها حين جذبها لأحضانه فكرت لوهلة بالامتناع والابتعاد, وكان هذا قبل أن يطوقها بذراعيهِ ويشعرها بكل هذا الاحتواء الذي فقدته, كم كان عناقه رائعًا حتى أنها لم تقوى على الابتعاد, ولم تفكر فيهِ ثانيًة فقط أغمضت عيناها وأراحت رأسها على أسفل كتفه وتركت لذاتها الشعور بهِ وبقربه.
مرت دقائق لم تُحسب من كلاهما وكأنهما قصدا توقيف الوقت الآن حتى يجددان مشاعرهما المُرهقة كي يستطيعا مواجهة ما هو قادم.. حتى هتف هو أولاً وكفه ارتفع ليمسد على حجابها بحنو, ويهمس بجوار أذنها:
– خليكِ واثقة إن ربنا مش هيضرنا فيه, لأن ربنا رحيم بعباده ومش هيوجعنا كده, وإن شاء الله هيهديني للحل المناسب للورطة دي.
فتحت عيناها تستجمع ذاتها قبل أن تبتعد عنه ببطء حتى أصبحت تواجهه وقالت:
– أنا عندي حل ممكن يفيدك.
وللمرة الثانية خالفت توقعاته, فقد ظن أنها بمجرد ابتعادها ستنفجر بهِ مبدية اعتراضها على ما فعله وأنه قام باحتضانها, لكنها فاجأته حين بدت بكل هذا الهدوء وهي تتحدث بشيء آخر تمامًا, أخذ نفسًا عميقًا شاعرًا بأنه على وشك الشعور بمعنى “رب ضارًة نافعًة”!!
– ايه هو؟
قالت مقترحة:
– عندي واحده صاحبتي جوزها كان مقدم في المخابرات بس استقال, ودلوقتي عنده شركه أمن تقريبًا.. اعتقد هيفيدك.