لولا التتيم الجزء الثالث

انتبهت لوجوده وشروده الذي ظهر عليهِ بنظرته الحزينة التي تحفظها جيدًا أعلمتها بما يفكر، لتحاول إقصاءه عن تحميل ذاته الذنب أكثر فقالت بمرح:

_ تعالى يا بابي الحقلك معلقة نوتيلا لاحسن يونس هيخلصها كلها.

اقترب منهما ضاحكًا بخفوت ليلتقط برطمان “النوتيلا” وهو يبعده عن يد طفله مغمغمًا بضيق زائف:

_ كده يا صفية! بتسبيله البرطمان يخلصه أنتِ عارفه إني بحبه.

قطب الصغير حاجبيهِ:

_ يا بابي النوتيلا للصغيرين.. أنتَ صغير يعني؟

رفع حاجبيهِ له بدهشة وهو يردد:

_ صغير! هي للصغيرين بس! مين ضحك عليك وقالك كده! وبعدين اه أنا صغير.

ردد الأخيرة بسماجة، ليزفر “يونس” بضيق قاطبًا حاجبيهِ معلنًا غضبه الطفولي، وفي خضم شجارهما الطفولي كانت صفية تلتقط ملعقة مملوءة من مسحوق الشيكولاته الرائع لينظرا لها هاتفان في صوت واحد:

_ مامي…!!

_صفية..!!

أخرجت الملعقة من فمها وهي تضحك عليهما:

_ في ايه سرعتوني! عادي يعني يا يونس جو هيجبلنا غيره.

رفع “يوسف” حاجبه بسخرية رغم سعادته الداخلية لاستعادة هذا الجو بينه وبين عائلته الصغيرة الذي لم يعيشه منذُ أشهر.. هذا الدفء، والأصوات التي تتعالى ليعم الضجيج في أجواء الشقة، تلك الشقة التي كانت كالقبر في سكونه المريب منذُ غيابهما عنه، الآن فقط دبت الروح في هذه الشقة من جديد.

_________________

بخطى ثابتة، وجسد شامخ، ونظرات واثقة، لا تمت أبدًا لعمر حاملها، كان يسير بتروي وهو يضع لفافة من التبغ البني الفاخر في جانب فمه فقط، وعيناه تطوف حوله بتقييم أثار الذعر في من يقفون باستواء وكأنهم في محكمة ما، أو يؤدون أحد صلواتهم بخشوع!
انتهى الممر ليقف أمام الباب المعني فاتحًا إياه بهمجية بحتة نبأت من بالداخل بهويته، فمن سيدلف بهذه الطريقة غيره!

_ welcome بالفاشل.

قست ملامحه وهو يجلس بارتياح شديد على أحد المقاعد ومدد قدميهِ بمنتهى قلة الذوق فوق الطاولة الصغيرة، بينما أزال بإصبعيهِ اللفافة قائلاً بصوت رخيم:

_ الفاشل ده لولاه كان زمانك مش عارف تقعد في البلد لحظة، لولاه كان زمان مصر كلها عرفت هويتك.

رفع الأخير حاجبه المجعد يبدو أنه أثر لحرق ما لم تنجح عمليات التجميل في معالجته وهو يقول:

_ مش من حبك فيا يا حليتها.. أنتَ بس عشان خايف على السنيورة.

حدقه بجانب عيناه وهو يضغط أسنانه بقسوة بينما ردد بجدية بحتة مخيفة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *