لولا التتيم الجزء الثالث
نفى برأسه وعيناه تنضح صدقًا:
_ لا، مشفتوش ولا مرة.
اومئ برأسه بلامبالاة فيبدو أن هذا الشاب لن يفيده، ليهتف ل “حازم” :
_ خده على العربية.
نهض يسير أمام “حازم” بخطى مذبذبة وجسد يرتعش، وعينان مسلطتان على الأرضية، عينان ظهر بهما الآن مدى الشر الكامن بداخلهما، عينان تلونتا بالخبث والدهاء، يبتسمان بسخرية على حماقة رجال الشرطة الذين صدقوه بسهولة، وكيف لا وهو من يتقن كل شئ.. الكذب، والتصنع، يتقن جيدًا تقمس أي شخصية تطلبها الظروف ليخرج كالشعرة من العجين كما يقولون..
شاب لم يقل اسمه الحقيقي، لم تكن نظراته حقيقية، لم يكن خوفه حقيقي، لم تكن حتى ارتعاشة جسده صادقة.. شاب أثبت أن “آدم الصياد” مجرد ضابط سابق أحمق!! وللحق إن أثبت هذا على ضابط من أكفأ الضباط في مجاله.. إذًا يجب الخوف منهُ.
انهى سرده لِمَ حدث وقال:
_ بس يا سيدي.. الأطفال اكتشفنا إن في منهم مغيب من شهر، والحمد لله رجعوا لأهاليهم، والشاب هو كمان رجع لحياته.
_ الحمد لله.
رددها “يوسف” براحة داخلية شاكرًا الله أن الأمر انتهى هنا، ليتسائل:
_ كده الموضوع خلص؟
هز رأسه نافيًا بضيق:
_ للأسف لأ، طول ما معرفناش مين كبير المنظمة دي… بس عمومًا بالنسبه لك مش هيفكروا يقربولك تاني لانهم هيبقوا مكشوفين، مش هيحطوا نفسهم في موضع خطر زي ده، وبرضو معارفي هيحطوا حراسه عليك أنتَ وأسرتك لشهر كده من بعيد لبعيد عشان نشوف لو في رد فعل ولا لأ.
اومئ برأسه متفهمًا في هدوء ثم قال:
_ ربنا يستر.. أنا بجد مش عارف اشكرك ازاي لولاك…
قاطعه “آدم” بعدما نهض مبتسمًا:
_ مفيش داعي تشكرني.. انا شكري بيوصل بفرحتكوا برجوع ابنكوا.
طالعه “يوسف” بامتنان:
_ بجد ربنا يكتر من أمثالك.
تحرك للخارج وهو يردد بمرح:
_الخير في أمتي ليوم الدين يا عم يوسف، بعدين أنا معملتش حاجه لكل ده الموضوع بسيط، ربنا يباركلك فيه.
انهى حديثه حين وصل للباب ليقول “يوسف” بجدية:
_ مستعجل ليه طيب، استنى نتغدى سوا، ومش عزومة مراكبية والله.
التفت مبتسمًا باقتضاب:
_ تسلم واجبك وصل.. السلام عليكم.
_ وعليكم السلام ورحمة الله.
رددها بتوديع قبل أن يغلق الباب ويتجه لمحل تواجد أسرته الصغيرة ألا وهو المطبخ، وقف على بابه يتابع تناول الصغير لطعامه بشراهة ليتنهد بحزن على ما عاشه بسببه تلك الأيام الماضية التي بالطبع لم تخلو من الجوع والخوف و البكاء، وكان هو عاجزًا عن إنقاذه باكرًا.