لولا التتيم الجزء الثالث

وبعد الكثير من الخفقات.. وقفت لتعلن انتصارها، ولم تكن جائزته مادية بل معنوية بحتة.. ألا وهي العائلة.

#لولا_التتيم #الفصل_الأخير #ناهد_خالد
شعرت بأحد يحاول إفاقتها لتستجيب بصعوبة وهي بالكاد تستطيع فتح عيناها ليهتدي لمسامعها صوته وهو يهتف برفقٍ:

– قومي يا صفصف يلا بطلي كسل.

غمغمت بصعوبة وهي تشعر بأن حلقها يُنحر:

– كسل! أنا شيفاك بالعافية أصلاً.

مسد بكفه على شعرها بحنو وهو يردد:

– مهو عشان تشوفيني كويس لازم تاكلي, مينفعش تفضلي من غير أكل وتستسلمي للمرض كده!

أغمضت عيناها بوهن وهي تعقب:

– غضب عني يا يوسف والله, حاسة إن مفيش حتة في جسمي سليمة.

أمسك كفها يشد عليهِ كأنه يساندها وقال:

– عارف يا حبيبتي, بس برضو لازم تقاومي, أنتِ بقالك أربع أيام على الوضع ده وشكلك مُرهق خالص مينفعش كده.

فتحت عيناها بضعف مرةً أخرى وغمغمت بتعب:

– أنا أسفة, عارفة إني متقلة عليك اليومين دول عشان شغل البيت, كفاية إنك بترجع من الشغل تطبخ وتنضف.. أنا والله لو اقدر كنت قمت عملت أنا شغل البيت بس لما بقف بدوخ و…

قاطعها بضيق حقيقي:

– في ايه يا صفية هو كل يوم نفس الأسطوانة دي؟ هو انا اشتكيتلك يا ستي؟ بعدين أنتِ شايلة البيت السنة كلها, مش هيجرى حاجة لو شيلته أنا كام يوم ولا شهر حتى! وبخدم مين في الأخر, أنا وأنتِ وابني وأمي, يعني مش حد غريب, متكبريش الموضوع.

انهى حديثه ونهض تحت أنظارها متجهًا لطاولة صغيرة بمنتصف الغرفة كان قد وضع عليها صينية الطعام سلفًا, فجذبها وعاد إليها جالسًا فوق الفراش أمامها بعدما وضع الصينية فوق قدمه وقال:

– يلا بقى عشان تاكلي, في أدوية مهمة لازم تاخديها.

اعتدلت بصعوبة وفقط رفعت رأسها على الوسادة بتعب ظاهر, فاقترب هو منها أكثر وبدأ في إطعامها وسط تزمرها من وقت لآخر ليتوقف وإصراره على تكملة الوجبة, حتى انتهيا أخيرًا فأعطاها الدواء لتعود للانسحاب بجسدها للأسفل ووضعت رأسها فوق الوسادة مغلقة عيناها بتعب, فشعرت بهِ ينهض من فوق الفراش ثم شعرت بشفتيهِ تطبع قبلة عميقة فوق وجنتها قبل أن يبتعد مغلقًا إضاءة الغرفة خلفه, فتحت عيناها في الظلام ورغم انعدام الرؤية ظاهريًا إلا أنه في الحقيقة تشعر أنها الآن ترى أفضل من أي وقت مضى, كيف للإنسان أن يسعى وراء سراب فيخرب بيده أشياء يملكها, ويفقد لذة امتلاكها!؟
الحب ضروري لكنه ليس أساسي.. الحب لا يأتي أولاً هناك أشياء أهم, هناك الكثير من الضروريات ليست أساسيات, فجسم الإنسان يحتاج للماء بشكل أساسي لكنه يحتاج للسُكر بشكل ضروري.. وهنا يمكنه العيش لفترة طويلة دون سُكر وليس دون ماء.. كلما عرفنا الفرق بين الضروري والأساسي كلما أصبحت حياتنا أصوب.. العلاقات من الضروري أن يكن الحب طرفًا فيها, ولكن علاقة لا تملك سوى الحب وهناك الكثير من النواقص بها لن تكتمل, هنا سيتحول الحب لجحيم دون أدنى مبالغة.
سألت ذات مرة جارً لي كنت أشهد قصة حبه لزوجته من قبل زواجهما حتى, وبعد حرب ضارية مع أهله تزوجها, كافح كثيرًا فقط ليصل لها, وبعد خمسة أعوام شعرت بأنهما مجرد غريبان يشتركان في شقة واحدة وليست حياة واحدة حتى, ولقربي منه سألته دون حرج عن الخلل الذي أصاب علاقته بزوجته وحبيبته أولاً, فأجابني بكل صراحة “أن الحب وحده لا يكفي”, لم يكن بينهما توافق وكان هذا بداية الأمر.. ثم تحول لاختلافات بينة في الرأي لم يتحليا فيها باحترام كلاً منهما الآخر, ثم أصبح الشجار يوميًا على أتفه الأسباب وكلاً منهما يحاول إثبات صحة رأيه حتى فقط, حتى وصل بهما الحال لعدم القدرة على المناقشة الهادئة بينهما, فأصبح كلاً منهما يتجنب الآخر! فأصبحت حياتهما مجرد.. شريكان في السكن!!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *