لولا التتيم الجزء الثالث
– جيت من الشغل امتى؟
سؤال سخيف في هذا الوضع لكنها تحاول جذب أطراف الحديث معه, ثانية, اثنان, ثلاثة .. ولم يجيب لتدرك أن الوضع متأزم أكثر مما هو عليه, فحاولت التحدث مرة أخرى لتدفعه للإجابة فقالت بدون حساب:
– هو ايه الي حصل؟ أنا مش عارفة ازاي تعبت كده, كلمتك كتير أوي ومردتش عليَّ, جيت بالصدفة ولا حد كلمك؟؟
وكان أكثر شيء خاطئ فعلته الآن أنها ذكرته بما حدث ليثير بركانه الذي يحاول اخماده بصعوبة والآن فشل في هذا, التف لها بأعين جامدة ولكن ما إن دققت بها ستجد نيران مشتعلة خلف جمودها, وببطء مهلك للأعصاب كان يقول:
– أممم, كلمني الي روحتي خبطي عليه, قال إن الدكتور قال كان عندك حمى ولو مكنتيش اتلحقتي كنتِ هتموتِ..
صمت قليلاً ليكمل باستهزاء هادئ:
– قوليلي أنهي عندك أفضل الموت ولا إنك تخرجي بلبسك ده قدام واحد غريب؟
لامرأة محجبة مثلها أن تخرج بهذا المظهر الفاضح أمام غريب يماثل التعري تمامًا دون مبالغة, فمن لم يرى غريبًا خصلاتها يومًا كيف سيكون شعورها حين يرى مفاتنها بهذا الشكل المؤسف…
أخفضت رأسها بأعين دامعة وهي تجيبه بخفوت لإدراكها بمدى غضبه الآن رغم هدوءه المزيف:
– عمري ما هفضل حد يشوفني بالشكل ده.
همهمة هادئة خرجت منهُ قبل أن يثور بها فجأة حتى أنها انتفضت فزِعه على صوته الجهور:
– ولما هو كده بتطلعي ليه قدامه بالشكل ده؟
حاولت التبرير له بتروي لتقول بعدما ابتلعت ريقها بخوف:
– أنا والله مكنتش حاسة بنفسي.
انتفض واقفًا وهو يصيح بها بانفعال جلي:
– ليه كنتِ تعبانة ولا شاربة مخدرات؟!
نهضت تواجهه لتقول بهدوء محاولة امتصاص غضبه رغم غيظها من عدم تقديره لمرضها:
– لا كنت تعبانة, بس تعب عن تعب يفرق.. أنا فعلاً مكنتش حاسه بنفسي كنت محتاجة أي حد ينجدني من النار الي كانت في جسمي.
رفع شفته العليا ساخرًا وهو يسألها بنبرة لم تروق لها:
– واشمعنا جارنا ده؟ ليه مطلعتيش لجارتنا الي فوق؟ أهي ست وعايشة لوحدها.
هزت رأسها بعدم تصديق تجيبه:
– بقولك تعبانة ومش حاسة بنفسي؟ هقف اختار اروح فين! بعدين تلميحك مش عاجبني يا عاصم, أنا مقدره غضبك من الموقف بس ياريت تاخد بالك من كلامك.
أشار لنفسه بنفس عصبيته التي لم تخمد:
– أنا الي بقيت غلطان دلوقتِ؟ بعدين أنتِ مش هتعلميني أتكلم ازاي ولا أقول ايه.
