حتى اقتل بسمة تمردك 4

الحلقة (17):

نبرته الهادئة و المهددة في آن معا ملأت قلبها رعبا ، فيما إنحني علي الفراش و قبض علي يدها بأصابعه الفولاذية ثم أشعل صوته بفضب حارق و تابع قائلا:
-اتجرأتي عليا اوي يا داليا بس و ديني الحركة دي مش هتعدي بالساهل و لا ليلتك هتعدي علي خير.
حدقت فيه بثبات مرعب ثم نطقت أخيرا فقالت محتدة:
-علي فكرة حضرتك .. انا مش ندمانة نهائي علي اي حاجة عملتها اي واحدة مكاني لو كانت شافت جوزها في الوضع اللي كنت فيه كانت هتعمل اكتر من كده.
أطبق يديه علي كتفيها العاريتين و راح يهزها بلا رحمة و هو يزأر من بين أسنانه:
-بتهزأيني قدام ضيوفي و الموظفين بتوعي و كمان بتقولي مش ندمانة ! لأ و لحظة قولتي ايه ؟ جوزك ! ده بأمارة ايه ؟؟
شعرت بقلبها يكاد ينخلع من صدرها ، و جاهدت بقوة حتي لا تفر دمعة خوف من عينها ثم قالت بأنفاس متقطعة:
-بأمارة اننا متجوزين طبعا .. ماعتقدش حضرتك نسيت يعني.
إشتعلت عيناه كالنار و هو يحدجها بغضب عارم ، ثم أنزل يديه و قبض علي معصمها بقوة قائلا بنبرة زادتها رعبا:
-طيب .. استعدي بقي يا داليا .. انا نازل اكمل الحفلة مع الناس اللي تحت قدامك شوية وقت .. حاولي تستفيدي من وقتك ده لاني لو رجعت و قابلتيني بالرفض .. هتجبريني ساعتها اني اتعامل معاكي بطريقة مؤلمة مش هتتحمليها.
لم ينتظر ردها ، بل هب واقفا ثم غادر الغرفة تتآكله عصبيته ، بينما ظلت لفترة طويلة بعد ذهابه تحدق في أثار قبضته الحمراء حول رسغها و كأنها سوار عبودية طبعته علي لحمها أصابع سيد جبار !
الليلة سوف يطالبها بأن تلعب دور الزوجة المطيعة و الخالية من الروح ، لا مهرب لها من عقابه المحتوم ، يبدو أنها لا تستطيع إحتمال عذاب أكبر ، فحبها له هو العذاب الأليم بحد ذاته !
أخذت تفكر به مليا .. قاسٍ هو إلي أبعد الحدود ، و ربما غير آبه لأي شخص أو لأي شيء ، و لكن الأمر الأكيد ، أنه في غضبه يبدو أكثر جاذبية !
تلك الأفكار المجنونة أذهلتها ، فكيف تجده جذابا في لحظات كهذه ؟ كيف تحبه إلي هذه الدرجة و هو السبب بكل آلامها ؟ و كيف لا تحبه أيضا و هو أكبر لغز بالكون ؟
هو السيء العنيف القاس ، و لكنه الأفضل علي الإطلاق ، يملك جاذبية صارخة ، منذ قليل لم يكن وسيم الطلعة كعادته فملامحه كانت صلبة و قاسية إلي درجة أن وصفه بالرجل الوسيم فقط كان نعتا لا يفي بالمطلوب ، إذ أنه دائما سواء في هدوءه أو ثورته يمتلك نوعا من العنف الرقيق ، أكد لها أن حياته لم تكن حياة إنسان لاه مسترخٍ ، كان معتادا علي الرفاهية فعلا ، لكن الشخصية التي بانت من خلال ملامحه لم تخلق من مثل نمط الحياة هذه ..
كان قاسيا في مشاعره و سلوكه ، و لكنها وقعت بحبه سهوا ، أغرمت به إلي أقصي حد ، فهو من حرك مشاعرها لأول مرة ، هو من أوقظ تلك الأنثي بداخلها ، هو من أوقد تلك الشعلة الملتهبة بداخلها التي بثت لهيب حبه بكيانها و التي لن تنطفئ حتي يتوقف قلبها عن الخفقان ..
لم تعلم كم مر عليها من الوقت و هي جالسة تخوض صراع قوي بين عاطفتها و عقليتها ، لم تنتبه إلا عندما إنفتح باب الغرفة و دلف”عز الدين”بمنتهي الهدوء بعد أن أغلق الباب من خلفه ، بينما هبت من الفراش مذعورة حين رأته يتقدم صوبها ببطء و كأنه أسد متربص جاهز للإنقضاض علي فريسته ، فرت من أمامه راكضة حيث إلتصقت بالجدار في أخر الغرفة ، فيما ألقي بثقله علي الفراش متهالكا مما أدهشها و أثار حيرتها !
بينما تنهد بعمق مسندا رأسه إلي حائط الفراش ، و تمعن فيها بكسل متأملا خوفها الظاهر بوضوح في دموع عينيها و رعشات جسدها ، ثم همس بلهجة صارمة:
-تعالي هنا.
تجمدت”داليا”بمكانها ثم هزت رأسها بخوف قائلة:
-لأ .. ارجوك .. قول اللي انت عايزه انا سمعاك من هنا.
أعاد عبارته بلهجة حادة مرتفعة:
-تعالي هنا.
إنتفضت”داليا”و دمعت عيناها ، ثم هزت رأسها ببطء رافضة ، أمهلها عشر ثوان للعدول عن رأيها ثم فقد صبره ، فقفز واقفا علي قدميه بعنف شديد و تقدم صوبها بخطوات غاضبة حتي وصل إليها ، فطرح يديه علي كتفيها ثم شدد قبضته عليها قائلا بنعومة شرسة:
-انتي بتزودي عصبيتي يا داليا .. اسمعي الكلام احسنلك.
ثم غرز أصابعه في كتفيها غير آبه بمقاومتها الركيكة ، فهتفت تقول بإرتباك مجنون:
-انا عارفة اني غلطت .. بس بس ..
-غلطتي !!
قاطعها بقوة ، ثم تابع بصوت قاس ٍ و كأن الغضب يسحق الكلمات بين أسنانه:
-انا متاكد انك ماكنتيش في وعيك اساسا لما اتصرفتي معايا انا كده و قدام الناس كمان .. بس احب اقولك ان اللي عملتيه ده اتنسي خلاص و محدش هيجرؤ يفتكر اللي حصل اساسا .. عارفة ليه ؟ لان كل الناس اللي شوفتيهم دول بيخافوا مني و اكبرهم قبل اصغرهم بيعملي حساب الا انتي.
إبتلعت ريقها بصعوبة و كادت تتكلم فسارع إلي القول بحدة:
-هو الموقف ده فعلا اتنسي بالنسبة للناس .. لكن بالنسبة لي انا لسا ماتنساش و مش هيتنسي قبل ما ادفعك التمن يا داليا .. واضح اني كنت لطيف معاكي لدرجة صورتلك اني ضعيف لكن لأ يا داليا مش انا .. مش عز الدين نصار اللي تعمل فيه كده واحدة زيك .. انا شكلي فغلا كنت غلطان لكن خلاص مش هتمادي تاني في الغلط ،، بس الاول لازم اصلح غلطتي.
تسمر بصرها في عينيه المشتعلتين وسط وجهه الغاضب المخيف ثم قالت بصوت مبحوح:
-ابعد عني .. لو سمحت.
برقت عيناها بدموع الخوف و هي تتوسل إليه ثم تابعت:
-انا بعتذرلك .. انا اسفة .. سيبني بقي.
إبتسم بتهكم قائلا:
-اعتذارك مقبول يا داليا .. بس ده مش هيمنعني عن اللي في دماغي بردو.
ثم قربها إليه حتي ألصقها به فشعرت بصلابة جسده ، بينما وضع قبلة عميقة علي وجنتها فإرتعت علي أثرها ، ثم نزل بقبلاته التي إزدادت حرارة و قسوة إلي عنقها ، فيما يداه تتلمس بقوة و بطء كافة أجزاء جسدها في إكتشاف مثير لمعالمه الأنثوية .. :
-بس .. ارجوك .. كفاية ماتعملش فيا كده.
رجته بضعف ، بينما عاد ينظر إليها و قد سيطر علي أنفاسه اللاهثة ثم رفع حاجبيه بإندهاش مصطنع و قال:
-و انا بعمل فيكي ايه بس يا داليا ؟ انتي مراتي و بطالب بيكي .. ده حقي.
رمقها بحدة ، فإنهارت قواها تماما تحت إصراره العنيف فراحت تبكي بهوان قائلة:
-ارجوك .. بلاش دلوقتي.
كانت تعلم بأن كل توسلاتها لن تؤثر فيه مثقال ذرة إذ أدركت أنها أبعدته عنها ما فيه الكفاية ، و أنه قد وصل إلي نقطة اللاعودة في نفاذ صبره و غضبه ، بينما عيناه الجائعتان مشطتا جسدها الملتف بالثوب الأسود المثير الذي كشف عن معظم جسدها و أبرز منحنياتها و مرتفاعتها .. ثم فجأة تذكر أنها ظهرت أمام ضيوفه بهذا الشكل مما أوقد نيران الغضب بكيانه مرة أخري ، فحدق فيها بقسوة ثم إنحني برأسه و إلتهم شفتيها بعنف ، قبلها بوحشية فأحست و كأنه يمتص الحياة من بين شفتيها ، حاولت جاهدة أن تقاوم ، أن تهرب ، لكنه أخمد محاولاتها بعنف و إصرار بالغين ، حتي خارت قواها و إستسلمت لدفء جسده الغامر ..
و لكن فجأة قفزت برأسها صورته مع جومانة في مشهد الرقصة الحميمية ، فعادت إلي صوابها و أبعدت وجهها عنه بقوة صارخة:
-لأ .. لأ مافيش اي حاجة هتتم بإرادتي.
رمقها بغضب ثم رفعها بين ذراعيه مزمجرا:
-يبقي غصب عنك بقي.
و توجه بها نحو الفراش ثم ألقاها بعنف ، و قبل أن تفيق من صدمتها كان قد كبل حركتها بجسده الضخم حيث قت*ل لها كل أمل بالفرار منه ، ثم أطبق شفتيه علي شفتيها مسكتا صراخها بقبلة وحشية ، فأيقنت بمرارة أن
أي مقاومة لن تأت بنتيجة ، و أنها لن تنسي أبدا هذه الليلة طوال حياتها … !

*******************************************************************
في الصباح التالي ، إرتدت”ياسمين” ملابسها و جمعت أدواتها و أشيائها المهمة إستعدادا للذهاب إلي الجامعة ، و بينما كانت تهم علي مغادرة غرفتها سمعت صوت إرتطام الحصي بزجاج شرفتها ..
قطبت حاجبيها مستغربة ثم إتجهت نحو الشرفة و فتحتها ، لتكتشف أن الفاعل هو”عمر” .. إبتسمت بخفة و هي تطل من الشرفة و كأنها جوليت تستقبل روميو:
-صباح الخير يا دكتورة.
حياها”عمر”بإبتسامة مرحة ، و قد وقف تحت الشرفة بملابسه التي لم تخل من الأناقة ، بينما حيته”ياسمين”بدورها:
-صباح النور يا استاذ.
ثم تابعت متسائلة:
-يا تري اقدر اعرف ايه الحكاية ؟ و كنت بترمي ايه في البلكونة ؟؟
ضحك بخفة ثم أجابها متجاهلا جزء من سؤالها:
-بصراحة انا رايح الجامعة عشان اجيب جدول الامتحانات لعبير فقلت الحقك يعني.
رمقته بحيرة قائلة:
-تلحقني يعني ايه ؟!
-اقصد اوصلك في سكتي يعني ما انا بقولك رايح الجامعة.
قالت بشك:
-بس اللي اعرفه انك دلوقتي مرفود من الجامعة بسبب خناقتتا المشهورة .. هتدخل عادي كده ؟؟
إمتعض وجهه بإنزعاج مصطنع فقال:
-طيب بتفكريني ليه دلوقتي ؟ انتي شكلك مش عايزاني اوصلك صح ؟؟
نظرت إليه صامتة ، فأومأ رأسه قائلا:
-عموما انا حبيت اعرض عليكي مساعدتي بما اننا بدأنا صفحة جديدة زي ما انا فاكر يعني .. بس واضح ان الكلام ماكنش طالع من قلبك.
قهقهت”ياسمين”بقوة ثم عادت تنظر إليه قائلة:
-تعرف ان الطريقة دي من اقدم الطرق للإستدراج ! بس انا موافقة انك توصلني بمزاجي فاهم ؟ بمزاجي.
عض علي شفته بغيظ خالطه إعجاب دفين ، ثم تطلع إليها باسما و قال:
-ماشي يا دكتورة .. و انا مستنيكي.
و أختفت”ياسمين”من أمامه إلي الداخل ، ثم إلتقطت أشيائها قبل أن تلبي دعوة”عمر”بكل مرح ..
علي الطرف الأخر كان”عمر”ينتظر نزولها ، و عندما ظهرت أمامه أخذ يتأمل جمالها الشبيه بجمال الأزهار ، ثم إقتطف لها زهرة صفراء ذهبية تقبلتها بإبتسامة خجلة ، ثم إستقلا السيارة معا و إنطلقا خارج أسوار القصر بينما كان موكب الشمس يتهادي في الأفق ، و نسيم الصباح يهب بلسعة باردة منعشة ..
إستغرقا في الطريق نصف ساعة تقريبا حتي وصلا إلي الجامعة .. :
-طيب يا استاذ عمر .. شكرا علي التوصيلة.
شكرته”ياسمين”باسمة ، فإحتج ضاحكا:
-طيب ايه لزمتها يا استاذ عمر دي .. ناديني باسمي عادي انا مش لابس طربوش يعني.
ضحكت لتعبيره قائلة:
-ماشي يا عمر .. شكرا تاتي و سلام بقي.
و كادت تدفع باب السيارة لتخرج إلا أن صوته المتردد إستوقفها:
-تحبي ارجع اخدك بعد ما تخلصي محاضراتك ؟؟
إلتفتت إليه مجددا ثم قطبت حاجبيها قائلة:
-مش عايزة اتعبك انا عارفة السكة كويس.
-مافيش تعب يا ستي و الله صدقيني انا فاضي مابعملش حاجة.
إبتسمت بخفة ثم قالت:
-ماشي .. و طالما انت مُصر كده يبقي انا اللي هاجيب جدول امتحانات عبير و خليك انت ماتدخلش منعا للمشاكل.
أومأ رأسه باسما ثم سألها:
-طيب هتخلصي الساعة كام ؟؟
نظرت في ساعة يدها ثم أجابته:
-هخلص علي الساعة 1 و نص.
-تمام هجيلك من 1.
منحته بسمة جامدة مراوغه ، ثم ترجلت من سيارته …!

********************************************************************
إستيقظت”داليا”متأخرة نحو منتصف النهار ، فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها وحيدة بالفراش بل بالغرفة بأكملها .. دمعت عيناها و هي تتحسس الوسادة و الغطاء حيث كان يرقد”عز الدين”قبل قليل ، ثم إستوت جالسة علي الفراش الذي شه نهاية عذريتها …
هزت رأسها بقوة و هي تبتسم بمرارة سرعان ما تحولت إلي بكاء مرير ، دفنت وجهها بالوسادة التي مازالت تعبق برائحته و أخذت تنشج بقوة متذكرة تفاصيل الليلة الماضية ، بقدر ما تاقت إلي تلك اللحظة بقدر ما كرهتها عندما وقعت ، فهو إستخدمها كوسيلة لإشباع رغباته و حاجاته فقط ، و كان غير آبه إلا بنفسه مما أشعرها بالذل و الهوان ، ربما لو كان لطيفا معها لكانت تغاضت عن أشياء كثيرة و بادلته بمشاعرها الحأشة ..
لأول مرة تعرف”داليا”الشعور بالقهر و الإذلال .. في النهاية و عندما بدأت تشعر بنفسها علي وشك الإنهيار التام ، سحبت نفسها من الفراش و دلفت إلي الحمام ، بعد أن أخذت حماما كاملا ، لفت جسدها بروب الإستحمام ثم خرجت إلي الغرفة ، توجهت صوب المرآة ، وقفت تتأمل نفسها لطالما دل مظهرها علي الضعف ، لطالما كانت نفسها هشة قابلة للكسر ، و لكنها تحملت الشقاق طوال عمرها ليأتي حبيب قلبها و بض*ربة واحدة يحولها فتاتا ..
ثم فجأة عادت إليها كل الأفكار و المشاعر التي ملأت نفسها و قلبها بعد رؤية”عز الدين”مع”جومانة”و تصورت أن ملابس تلك المرأة منثورة في كل مكان بهذه الغرفة مما جعلها تنفجر باكية ، فهي تحبه كثيرا .. تحبه و تريده لها هي فقط ليس لـ”جومانة”و لا لأي إمرأة ممن يحومن حوله كالنحل حول وعاء عسل !
يجب أن تفعل شيء .. و لكن ماذا عساها أن تفعل ؟؟

*******************************************************************
وصل إلي شركته باكرا ، إذ شعر بضيق رهيب يحتل نفسه ..
كان جالسا خلف مكتبه شارد الذهن ، مشوش الأفكار حين دلف”خالد”فجأة صائحا:
-و ربنا انت ناوي علي خراب بيتنا .. بقي انا بقالي يومين غايب عن شغلي و بيتي عشان اشوف مصالحنا و اجي انهاردة الاقي شيكات البنك لسا ماتمضتش ؟!
و لكنه لم يحرك ساكنا ، فقطب”خالد”حاجبيه ثم هتف بإسمه:
-عز الدين .. عز .. عز الديييين !!
إنتفض منتبها ثم حول نظره إلي”خالد”قائلا:
-ايه يا خالد في ايه ؟؟
-في ايه !!
ردد متهكما ثم تابع:
-انت اللي في ايه ؟ مالك ؟؟
هز رأسه عابسا ثم أجابه:
-مافيش حاجة.
-مافيش حاجة ازاي ! انت مابتسرحش كده الا لو كان عقلك مشغول بحاجة و حاجة كبيرة كمان .. قولي يا عز في ايه ؟؟
تأفف قائلا:
-قلتلك مافيش حاجة يا خالد.
ثم سأله:
-قولي انت كنت عايز ايه ؟؟
تنهد”خالد”و هو يرمقه بشك ، ثم جلس قبالته و قال:
-اولا في شيكات مهمة عايزة تتمضي.
-و ثانيا ؟؟
-ثانيا بقي عايزك في موضوع.
-خير موضوع ايه ؟؟
-عبير يا عز.
قطب حاجبيه متسائلا:
-مالها عبير ؟؟
-امتحاناتها الاسبوع الجاي.
هز كتفيه في هدوء قائلا:
-طيب !!
-طيب ايه بس انت مش قولتلي قرب امتحاناتها هتقولها علي ميعاد الفرح ؟؟
-انا قلتلك قرب ما تخلص امتحاناتها يا خالد.
قال”عز الدين”بصرامة ، فتأفف”خالد”قائلا:
-مش هتفرق يا عز.
-انت مالك مستعجل كده ليه ؟ ما هي موجودة هتروح فين يعني ؟؟
-يا اخي بحبها ده غير اني خللت خلاص بقالي سنين مستنيها و انت اللي كنت دايما بتأجل بحجة دراستها اديها هتخلص اهو جوزهالي بقي.
رمقه بضجر ثم قال:
-خلاص بقي يا خالد انت صدعتني بالموضوع ده.
-صدعتك ! بقي كده ؟؟
زفر”عز الدين”بقوة ثم قال:
-اسمع يا خالد .. انا اكتر واحد مستعجل علي جوازكوا بس كل حاجة لازم تكون في وقتها .. صحيح انا عايز ارتاح من
مسؤلية عبير و اطمن عليها لكن كمان هي اختي الوحيدة و ابويا وصاني عليها اكتر من عمر .. عشان كده عاملتها بمنتهي اللطف من و هي طفلة لحد دلوقتي راعيتها اوي.
-يعني انا اللي هعذبها يا عز ؟ بقولك بحبها .. بحبها.
-خلاص يا سيدي عرفت انك بتحبها.
ثم تنهد بثقل و قال:
-هبقي أفاتحها في الموضوع لما اروح و انت ابدأ في التجهيزات.
هب”خالد”واقفا و قد إنفرجت أساريره ثم قال:
-انت بتتكلم جد ؟؟
-ايوه يا سيدي.
قال”عز الدين”في ضيق ، فتعالت ضحكات”خالد”ثم تركه مهرولا إلي الخارج بينما ذهل”عز الدين”قائلا:
-لا حول و لا قوة إلا بالله !!

********************************************************************

كلما عزمت علي القيام بالأمر يصيبها الجُبن .. فتتساءل .. أين كان الجُبن و الخوف عندما وقعت في المحظور ؟ أين ؟
و لكن عليها بفعل ذلك ، فليس أمامها خيار أخر ، إما أن تنتهي دون مشاكل ، إما أن تبقي في مواجهة مصيرها البائس المجهول .. هكذا صور لها شيطان نفسها حياتها البائسة ، حتي إنسجمت في تخيلاتها و كادت تمزق شرايينها بتلك الآلة الحادة ، لولا دخول الخادمة في الوقت المناسب:
-ست عبير.
هتفت”فاطمة”بخفوت ، بينما إنتفضت”عبير”مذعورة ثم خبئت الس*لاح الحاد تحت وسادتها قائلة بغضب:
-مش تخبطي قبل ما تدخلي ؟ ازاي تدخلي عليا منغير اذن ؟؟
توترت”فاطمة”ثم أجابتها متلعثمة:
-انا اسفة يا ست عبير ماكنش قصدي.
زفرت”عبير”بحنق ثم سألتها بنبرة أقل حدة:
-عايزة ايه ؟؟
-عز الدين بيه عايزك.
-عز الدين !!
رددت مستغربة ثم سألتها:
-هو فين ؟؟
-مستنيكي تحت في الهول الكبير.
أومأت رأسها قائلة:
-طيب انا نازلة روحي انتي بقي.
أطاعتها”فاطمة”حيث إنسخبت في هدوء ، بينما تحاملت”عبير”علي نفسها و تهضت ، ثم إتجهت صوب خزانتها و أخرجت رداء أبيض رقيق لتلف به جسدها ، و لتدارِ أيضا موضع سكون طفلها الذي بدا عليه النمو ، ثم غادرت غرفتها متهالكة حتي وصلت إلي حيث ينتظرها أخيها ..
كان يجلس بهيبة و عنفوان كعادته علي أحد المقاعد الوثيرة ، و ما أن رأها حتي إبتسم بخفة ثم دعاها للجلوس قائلا:
-تعالي يا عبير .. تعالي اقعدي.
إبتسمت بشحوب ناظرة إليه بأعين ذابلة ظللها السواد ، فيما إسترعي ذلك إنتباهه فسألها:
-مالك يا عبير ؟ انتي تعبتي تاني و لا ايه ؟؟
– لأ يا حبيبي مش تعبانة انا بس لسا صاحية من النوم.
همهم قائلا:
-مش عارفة انا ايه حكايتك ؟ بقالك فترة مش مظبوطة !!
توترت أعصابها فسألته بإرتباك:
-مش مظبوطة ازاي يعني يا عز ؟؟
هز كتفيه قائلا:
-مش عارف ! حاسك مكتئبة كده بقيتي بتقعدي في البيت كتير و مابتخرجيش مع صحابك زي عادتك بطلتي تطلبي مني فلوس زي الاول بردو حتي طريقة لبسك اتغيرت.
لم تجد كلاما مناسبا للرد علي ملاحظاته الثاقبة فإعتصمت بالصمت فيما هز رأسه قائلا:
-خلينا في المهم دلوقتي .. انتي اكيد عايزة تعرفي انا عايز اكلمك في ايه ؟؟
أومأت رأسها دون كلام ، فقال بتمهل و هو يناولها مجلد أسود أنيق:
-خدي الكتالوج ده .. عايزك تختاري احلي حاجة و اغلي حاجة اللي يعجبك شوري عليه بس و انا عليا الباقي.
أخذت”عبير”المجلد من يده ثم فتحته و تصفحته ذاهلة ، ثم عادت تنظر إليه متسائلة:
-ايه ده يا عز ؟؟
-ايه يا عبير مش واضح و لا ايه ؟ ده كتالوج هتختاري منه فستان فرحك.
إبتلعت ريقها بصعوبة و قد شحب وجهها حتي البياض فقالت:
-فرحي ؟ .. فرحي ازاي يعني انا مش فاهمة حاجة ؟؟
-ما هو عشان ما ببقاش الموضوع مفاجأة بالنسبة لك قررت افاتحك فيه دلوقتي .. انا حددت ميعاد الفرح مع خالد بعد امتحاناتك في نص الشهر الجاي .. مبروك يا حبيبتي.
هزت رأسها بقوة ثم نهضت و رددت كلمة”لأ”بلا وعي حتي سقطت مغشيا عليها ..
فأطلقت”فاطمة”صرخة عالية عندما دخلت في تلك اللحظة حاملة كوبا من القهوة لـ”عز الدين”فإنفلت من بين يدها و سقط أرضا ، بينما هرع”عز الدين”علي شقيقته بفزع حيث جثي علي ركبتيه إلي جانبها و أمسك بوجهها بين كفيه قائلا:
-عبير .. عبير مالك ؟ عبير !!
-ايه اللي حصل ؟؟
هتفت”داليا”بذعر عندما شاهدت ما حدث لدي وصولها ، و قد جاءت مهرولة علي أثر صراخ”فاطمة” ..
رمقها”عز الدين”بإضطراب و قلق ثم قال بتوتر:
-عبير .. مش عارف .. مش عارف مالها !!
ثم أخرج هاتفهه و طلب الطبيب كي يحضر لفحص أخته ، ثم أنهي المكالمة و حمل”عبير”إلي غرفتها حيث مدد جسدها المتراخ فوق فراشها الوثير ..
مرت ساعة كاملة حتي آتي الطبيب ، و بعد أن فحصها إنسحب من غرفتها إلي الخارج فتتبعه”عز الدين”بينما”داليا”جالسة إلي جانبها و القلق يعصف بها هي أيضا .. :
-مالها يا دكتور ؟؟
سأل”عز الدين”الطبيب بقلق ، فإبتسم الطبيب ذا الشعر الثلجي قائلا:
-ماتقلقش يا عز الدين بيه دي كانت إغماءة بسيطة و هتفوق حالا ماتقلقش.
-سببها ايه الاغماءة دي يعني ؟؟
-و الله مافيش اي مشكلة عضوية ممكن تكون نفسيتها تعبانة او ممكن تكون بتفكر كتير و قلقانة من ميعادها.
-ميعادها ! .. مش فاهم !!
ضحك الطبيب بخفة ثم قال:
-هما الستات دايما كده بيخافوا من اول مرة بس بعد كده هتتعود.
-هتتعود علي ايه ؟ اختي مالها يا دكتور فيها ايه ؟؟
-معقول !!
-معقول ايه ؟؟
سأله”عز الدين”بنفاذ صبر فأجاب:
-معقول ماتعرفوش انها حامل ؟؟

الحلقة (18):

ظهر”عمر”في تلك اللحظة ، فأقبل بتوجس علي شقيقه و الطبيب ، بينما إحتلت الصدمة أركان وجه”عز الدين”حيث إتسعت عيناه بشدة و تصلب فمه بإضطراب غير مصدق .. :
-في ايه يا عز ؟ ايه اللي بيحصل هنا ؟؟
قال”عمر”ذلك موجها حديثه إلي أخيه ، بينما تجاهله”عز الدين”و عاد يسأل الطبيب مرة أخري و أخيرة:
-انت .. متأكد .. متأكد يا دكتور انها حامل ؟؟
أومأ الطبيب رأسه قائلا:
-طبعا متأكد يا عز الدين بيه دي دخلت في الشهر الرابع الاعراض واضحة جدا و انا بصراحة مندهش انكوا ماعندكوش علم بالخبر !!
و كأن هذا الكلام هو ما كان يحتاجه”عز الدين”تماما كي يصدق و يتدارك الأمر ، بينما أعاد”عمر”سؤاله مجددا:
-عز الدين ! في ايه ؟؟
إلتفت”عز الدين”إلي أخيه فحدجه بصرامة قائلا:
-وصل الدكتور.
ثم إستدار و إتجه إلي غرفته سريعا .. دلف بعصبية و أخرج هاتفهه و بحث في قائمة الإتصالات عن إسمه حتي وجده ، فأجري الإتصال به .. ليأتي صوته الهادئ بعد لحظات:
-ايوه يا عز !
-تعالالي حالا.
قال بلهجة هادئة مرعبة ،بينما علي الطرف الأخر سأله بقلق:
-في حاجة و لا ايه ؟؟
-لما تيجي هتعرف.
أجابه بصوت صارم أجش ، فصمت قليلا ثم قال:
-طيب انا جاي انت في البيت يعني ؟؟
-ايوه.
-ماشي انا عموما قريب من البيت.
-متتأخرش.
نبهه”عز الدين”بجمود ثم أغلق الخط و نيران الغضب تتأجج بداخله ، فيما دلف”عمر”فجأة صائحا:
-عز الدين .. الكلام ده حقيقي ؟ الكلام اللي سمعته من الدكتور ده صحيح ؟ عبير حامل ؟؟
حول”عز الدين”نظره الغاضب إلي أخيه قائلا:
-اخرس .. اخرس انت دلوقتي.
-يعني ايه اخرس انت دي ؟ هو انا مش اخوها بردو و لا ايه ؟!
هتف”عمر”بعصبية بالغة ، فصاح به”عز الدين”بغضب جامح:
-اخوها ! لو كنت اخوها زي ما بتقول كنت فتحت عينك عليها كنت خدت بالك منها كنت عملت حساب اني شايل علي كتافي مسؤلية حملهالي ابوك و هي اني احافظ علي الشغل و علي الثروة و الجاه اللي عملوا عشانكوا لو كنت اخوها كنت اتصرفت زي الرجالة.
صمت”عمر”مصدوما أمام إتهامات شقيقه ، فرمقه”عز الدين”بحقد سافر قائلا:
-اديني سبب واحد يخليني ماقطعكش حتت.
أطرق”عمر”رأسه بإنكسار ، بينما دلفت الخادمة في هدوء حذر قائلة:
-عز الدين بيه ! خالد بيه وصل تحت.
ما أن سمع”عز الدين”ذلك حتي هرول راكضا إلي الأسفل يتبعه”عمر” ..
و أخيرا و صلا إلي”خالد”الذي بدا مندهشا من الشكل الذي بديا عليه الشقيقين ، بينما إقترب منه”عز الدين”ثم جذبه ثيابه صارخا:
-انت عملت ايه في عبير ؟؟
-عملت ايه في عبير !!
ردد”خالد”بإضطراب ذاهل ثم تابع:
-ماعملتش حاجة .. ليه مالها عبير ؟؟
صاح”عز الدين”بقوة:
-انت هتستعبط عليا يا خالد !!
أنزل”خالد”يدي”عز الدين”عنه بعنف ثم صاح بحدة:
-كلمني عدل يا عز الدين انا مش فاهم حاجة .. قولي ايه الحكاية عشان اعرف ارد عليك ؟!
-حقيقي مش عارف في ايه ؟؟
هتف”عمر”بحنق و هو يرمقه شزرا ثم تابع:
-مش عارف انك استغفلتنا و غلطت مع عبير ! ايه كنت فاكر ان الموضوع هيفضل سر و اننا مش هنعرف ؟؟
-ايه الكلام الفارغ ده ؟؟
هتف”خالد”بصدمة مقطبا حاجبيه في غضب ثم تابع:
-مافيش اي حاجة من دي حصلت .. مين اللي قال كده ؟؟
-انت لسا هتكدب بعد ما عرفنا انها حامل ؟!
تضاعفت صدمة”خالد”بقوة عارمة ، فإتسعت عيناه و كاد لا يصدق ما سمعه فقال:
-هي مين دي اللي حامل ؟ عبير ! عبير حامل ؟ ازاي ؟!
في تلك اللحظة كانت النظرات مشدودة إلي”عز الدين”الذي بدا و كأنه سينفجر في أي لحظة تحت تأثير غضبه ، إذ أنه لم يخدع أحد بسكوته فقد كان ثائرا كالبركان بداخله ، بينما أمسك”خالد”بذراعه و ألح قائلا:
-قولي يا عز .. قولي الكلام ده مش صح عبير مش حامل انتوا بتهزروا مش كده ؟؟
كاد”عز الدين”يشك بإنفعال”خالد”لولا أنه لمح عيناه تبرقان بوميض دامع فقطب حاجبيه قائلا بحدة:
-انت قصدك تقول ايه ؟ يعني هي مش حامل مـ …
-مش مني.
هتف بصوت حاد كالس*كين ثم تابع بمرارة:
-انت متأكد يا عز الدين ؟ مين اللي قالك كده ؟؟
كان كلام”خالد”و نظراته المقهورة كفيله لتفجير بركان الغضب بنفس”عز الدين” .. :
-عبييييير.
علا صوته و كأنه سوط لاهب ، ثم أسرع راكضا إلي غرفة شقيقته يتبعانه”خالد”و”عمر” ..
دفع باب الغرفة بعنف إرتعدت”داليا”بقوة علي أثره حيث كانت تجلس علي الفراش إلي جانب”عبير”التي بدا عليها السقم و الإنهيار ، ما أن رأت أخيها أمامها حتي ضغطت بيداها بشدة علي يدي”داليا”و كأنها تحاول أن تستمد القوة منها ، بينما تقدم”عز الدين”صوبها بخطي واسعة غاضبة حتي وصل إليها ، فقبض علي خصلات شعرها ثم إنتزعها من الفراش بقوة وحشية صائحا:
-قووومي .. انطقي و قوليلي مين اللي عمل فيكي كده ؟؟
شدد قبضته علي خصلات شعرها ، فأخذت تتلوي من الألم صارخة بضعف ، و عندما لم تجد”داليا”أي تدخل من قبل “خالد”أو “عمر”مما أدهشها هرعت نحوه و شدت ذراعه و هي تستجديه قائلة:
-حرام عليك سيبها بتعمل فيها كده ليه ؟؟
-ابعدي عني.
كان العنف يتدفق من عينيه و كاد يصعق كل من بالغرفة بغضبه ، فإنتفضت”داليا”مذعورة إلا أنها تابعت محاولاتها اليائسة لحماية”عبير”من تلقي الأسوأ من شقيقها .. فيما نطقت”عبير”أخيرا فقالت بصوت متهدج و أنفاسها تتلاحق بعنف:
-سامحني .. سامحني يا عز الدين.
راح يهزها بلا رحمة صارخا:
-انطقي مين اللي عمل فيكي كده ؟ خالد ؟؟
إنهمرت دموعها بغزارة ، ثم هزت رأسها نفيا و هي تنقل نظراتها بين”خالد”و شقيقها بمرارة ، بينما ترك شعرها فجأة ثم صفعها بقوة ، فترنحت و إنهارت علي فراشها و هي تنشج بالبكاء المُر ، كانت تنتحب و كأنها تحتضر ، فأسرعت”داليا”و أمسكت بذراع”عز الدين”مجددا في محاولة يائسة للحؤول دون إسترساله في الغضب ، فيما إلتمعت عيناه ببريق مخيف فإنحني صوب أخته و إنهال عليها بالصفعات صائحا بجنون:
-هدبحك يا عبير .. هدبحك .. طلعتي سافلة زي امك يا ***** يا *****.
و لكن لمن كل هذه الكلمات و الصفعات ؟ فهي ما عادت تسمعه إذ فقدت وعيها تدريجيا جراء الألم النفسي و الجسدي ..
فصرخت”داليا”بذعر عندما شاهدت الدماء تدفق من داخل”عبير”و تلوث ثيابها و أغطية فراشها .. و كأن تلك الصرخة هي الصفعة التي تلقاها”خالد”ليتحرك من موضعه ، فهرع نحو”عبير”في لهفة مضطربة مانعا أخيها من إلحاق مزيدا من الأذي بها ، بينما أسرعت”داليا”و أمسكت بهاتفها لتطلب مساعدة شقيقتها …

********************************************************************

مر إسبوع كاملا علي تلك الحادثة و كأنه دهرا ..
فقدت”عبير”طفلها نتيجة الضغط العصبي الشديد الذي تعرضت إليه و الذي أثر علي سائر أعضاءها سلبا فلازمت المكوث بالمشفي حتي الأن ، بينما ساءت الأوضاع و إنقلبت الأحاول رأسا علي عقب علي الجميع .. فقد خيم جوا من الكآبة و الحرد و النكد علي قصر الـ”نصار”بحيث لا مجال للكلام مع أي فرد بالمنزل ، و لا حتي هناك مجال لتناول وجبة طعام جماعية علي طاولة واحدة !
أما بالنسبة إلي”داليا”لم تتمكن في الأيام الماضية من محو آثار الصدمة التي تركتها”عبير”و مع مرور الأيام وجدت”داليا”نفسها تميل إلي التعاطف تجاه”عز الدين”فقد صُدم كثيرا بحياته ، و تلك الصدمة الأخيرة كانت بمثابة الضربة القاضية التي كان يحتاج إليها كي تق*تل بداخله باقي المشاعر الحية و ليصبح أخيرا بلا قلب ..
لطالما أجفلت”داليا”عن التصرفات القاسية التي تلقتها طوال هذا الأسبوع من”عز الدين” ، حيث غفرت له و قدمت إلي قلبها الأعذار ، فهي تعلم كم هو مجروح و مكسور ، لقد إنعكس الحادث بمجمله سلبا في أعماقه و تركه غير قادر علي إقصائه من ذهنه ، يقلق نهاره و ليله حتي توهن و فقد شهيته تجاه كل شيء و قد إنزوي وجهه المكسور العابس خلف ستار من العزلة و الوحدة ، فتأثرت”داليا”بشدة و حزنت لحزنه ، حتي إختفت البسمة عن وجهها و غمرتها الكآبة لأجله …

*********************************************************************

كانت”عبير”قد نُقلت إلي غرفة خاصة للعناية بها ، فيها كل مستلزمات الراحة ، و كان”خالد”الوحيد الذي وقف إلي جانبها ، و لكن معاملته لها لم تكن مثل سابق عهدها ، إذ شوبها جفاء و قسوة بالغين ، لكنه جاهد كي يعاملها بلطف فقط حتي لا تسوء حالتها ..
رغم أنه لم يتركها وحدها بالمشفي يوما ، إلا أنه كان دائم الجلوس بقاعة الإستقبال ، إذ وجد صعوبة في النظر إلي عيناها ، كلما تخيل الأمر يعتريه ألم قوي ، عندما تلقي الخبر ذلك اليوم شعر و كأن موجة عاتية صدمته بلا رحمة ثم تركته بارد الأطراف ..
أخذ يتساءل في نفسه مرارا .. لماذا ؟ .. لم يجد جوابا مقنعا علي سؤاله ، فهو كان يغمرها بحبه ، لطالما أغدق عليها بمشاعره الجأشة ، لم يتوقف عن ذلك يوما ، كان يخشي عليها من أقل ضرر قد يصيبها ، غير أنه إنتظرها لسنوات طويلة حتي تنضج لكي تصبح ملكا له ، لكي تصبح إمرأته و أما لأطفاله ، لم يخطر بباله و لا حتي بأحلامه أن أحدا غيره سوف يتخذها أو يتسلل إلي مخدعها بهذه السهولة !
رغم كل ما حدث ، رغم أنها قضت علي مشاعره ، لم يستطع منع نفسه عن حمايتها من بين براثن أخيها ، لولاه لكانت إنتهت لا محاله ..
ثم تذكر فجأة رد “عز الدين”علي طلبه حين ذهب إليه و طالبه بتعجيل إجراءات الزواج .. “فاكر يا خالد لما قلتلك قبل كده ان عبير دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية ؟ انا كنت عامل حساب كده و حذرتك .. نبهتك ان لو حصل اي حاجة هتكون انت و هي المسؤولين قدامي” ..
بعد حديثهم العقيم إستطاع”خالد”أن يقنع”عز الدين”بالموافقة علي إتمام الزواج ، لكنه لم يستطع أو يجرؤ حتي أن يقنعه بمسامحة أخته ، إذ أنه أساسا يجد صعوبة في ذلك ، لكنه فعل كل هذا دون تفكير كي يحميها من غضب أخيها و إنفعاله المُدمر …
أفاق من شروده فجأة ، ثم تنهد بثقل و نهض تاركا قاعة الإستقبال ، و إتجه إلي غرفتها كي بطمپن عليها و هو يتمني من صميم قلبه أن تكون نائمة تجنبا لأي مواحهة أو صدام قد يحدث بينهما ..
و بالفعل كانت نائمة في هدوء فوق الفراش الأبيض الصغير ، و مع أن عينيها كانتا مغلقتين ، إلا أنها سمعت وقع خطواته فهمست علي الفور:
-خالد !
فتحت عينيها ببطء و زاغت ببصرها قليلا حتي إستقرت عينيها علي وجهه ، فإبتسمت بضعف ، بينما رمقها بجفاء ثم تقدم نحوها بهدوء ساحبا مقعد صغير و جلس فوقه ، كان يتحاشي النظر إليها ففاجئته عندما مدت يدها بجهد و أمسكت بيده ، عند ذلك رفع نظره إليها و كان وجهه خال من أي تعبير ، فشدت علي أصابعه و جذبت يده إلي خدها و قد برقت بعينيها الدموع ، علم أنها تتوسل بعض العطف منه ، و لكنه لم يتأثر لذلك مثقال ذرة بل أنه سحب يده من قبضتها بقسوة ثم سألها بجمود:
-عاملة ايه دلوقتي ؟ بقيتي كويسة ؟؟
أومأت رأسها مؤكدة ذلك ، ثم سألته بصوت محشرج شوبه البكاء:
-عز الدين و عمر مسألوش عليا لحد دلوقتي ؟؟
صمت للحظات ثم هز رأسه نفيا ، فأغمضت عينيها بوهن لتجري الدموع علي خديها غزيرة ثم همست:
-وحشوني .. نفسي اشوفهم.
ثم فتحت عينيها و حدقت فيه قائلة:
-خالد .. انا بجد مش عارفة اقولك ايه او اشكرك ازاي علي اللي عملته معايا ا …
قاطعها بلهجة جامدة صارمة:
-انا عملت كل ده بس عشان احميكي من اذي اخوكي .. انا و انتي عارفين هو بيبقي عامل ازاي لما بيكون عصبي او غضبان.
تألمت”عبير”للغاية لتحوله الكبير ، لكنها تعلم أنها تستحق ذلك بل و أكثر من ذلك ، لذا صمتت و شعرت بالإمتنان لمجرد وجوده إلي جانبها ، فإبتسمت هامسة:
-سامحني يا خالد .. علي اي حال حاول تسامحني .. انا غلطت بس انا فعلا اسفة .. عرفت غلطتي متأخر بس بردو علي اي حال انا اسفة.
بينما لم يستطع منع نفسه فقطب حاجبيه بكسرة و سألها:
-مين اللي عمل فيكي كده ؟ مين يا عبير ؟؟
هزت رأسها ثم أشاحت بنظرها عنه إلي الجهة الأخري ، فهب واقفا علي قدميه ثم إنحني علي الفراش و أمسك بكتفيها بقوة ثم أعاد سؤاله بإنفعال:
-قوليلي .. قوليلي مين اللي عمل فيكي كده ؟؟
هزت رأسها بمرارة قائلة:
-مش هقولك .. مش هقولك يا خالد.
-لازم تقوليلي و لازم اعرف .. ماتفتكريش ان الموضوع انتهي انا مش هرتاح الا لما اعرف مين اللي عمل فيكي كده و لا هرتاح الا لما اطلع روحه في ايدي.
أجابته باكية:
-عشان كده انا عمري ما هقولك هو مين لاني مش هقدر اسامح نفسي لو حصلك اي حاجة بسببي.
رمقها بغضب قائلا:
-يسلام ! خايفة عليا انا و لا خايفة عليه ؟؟
أجابته بقوة:
-خايفة عليك انت .. انت اللي تهمني دلوقتي مش هو و لا اي حد ناني.
هز رأسه بعدم تصديق و هو يحدجها بسخرية ، ثم تركها فجأة و غادر الغرفة ، فراحت تجهش بالبكاء المُر …

********************************************************************
-يا ياسمين ارجوكي سيبيني في حالي دلوقتي.
قال”عمر”ذلك في لطف محاولا إصراف”ياسمين”عنه ، بينما عندت”ياسمين”قائلة:
-ماهو بص يا برنس انا مستحيل هاسيبك في الكآبة دي مش كفاية البيت كله كئيب !!
-يا برنس !!
علق”عمر”بإستغراب جدي ، فقالت بحدة مصطنعة:
-اه يا برنس ايه ؟ مش عاجبك كلامي ؟؟
-بقي في دكتورة حلوة زيك تقول يا برنس ! دي لغة بين الشباب و بس.
-بغض النظر عن كلمة حلوة اولا ده اسلوبي ثانيا انت لازم تخرج من الحو ده ماينفعش كده بكلمك بجد.
أومأ رأسه قائلا:
-حاضر حاضر هخرج بس ادخلي انتي بقي جوا و سيبيني اقعد مع نفسي في هدوء شوية.
همهمت قائلة:
-هممم لهجتك بتقول العكس عشان كده هفضل هنا و احرمك من الهدوء يا سيد عمر.
عض علي شفتيه بغيظ ثم نظر إليها مليا ، فلم يستطع منع نفسه من الإبتسام ، فإبتسمت”ياسمين”بدورها و قالت:
-ايوه كده .. عارفة اني غيظتك و رزلت عليك بس طلعت بنتيجة ايجابية في الاخر و هي انك ابتسمت.
ثم تنهدت و تابعت:
-كده بقي اقدر اسيبك تقعد مع نفسك في هدوء زي ما كنت عايز.
ثم إلتفتت و كادت تذهب فإستوقفها قائلا:
-استني.
إستدارت إليه مجددا و رمقته في تساؤل ، بينما ظل ينظر إليها باسما و كاد يتكلم فقاطعه صوت رنين هاتفهها .. أخرجت هاتفهها ثم قالت قبل أن تستدير و تتركه:
-يلا تصبح علي خير.
ثم فتحت الخط و مضت في سبيلها إلي الداخل ، لكنه سمعها تدعو المتصل بـ”أيمن” .. فقطب حاجبيه عابسا ثم تساءل .. من هذا أيمن ؟؟ ..

********************************************************************
كان باب المكتب مفتوحا ، و أنوار المصابيح تضيء أغلفة الكتب الجلدية المرتبة علي الرفوف الخشبية العالية التي كانت تصل إلي سقف الحجرة ، حين دلفت”داليا” حاملة كوبا من القهوة و نظرت إلي وجه”عز الدين”الجالس وراء مكتبه ، كانت ملامحه راكده تكسوها مسحة ألم غاضبة دفعت”داليا”إلي الإبتسام علها تخفف عنه ..
تقدمت صوبه فإنتبه لوقع خطواتها و نظر إليها عابسا ، فإبتسمت و هي تضع أمامه كوب القهوة قائلة:
-حضرتك بتشتغل من الصبح فقلت اعملك قهوة تساعدك علي التركيز.
قالت ذلك ثم إتجهت صوب آريكة جلدية توسطت حجرة المكتب فجلست فوقها قائلة:
-تضايق لو قعدت ؟؟
رمقها بإستهزاء ساخر ثم نهض و ترك لها المكتب بأكمله !
فتنهدت بثقل ، و لكنها أصرت علي إثارة أي حديث معه فقط لابد أن يتكلم و لا يظل صامتا هكذا .. نهضت و تبعته إلي الغرفة ، لكنها لم تجده حين دخلت !
ثم فجأة سمعت صوت هدير المياه بالحمام ، فعلمت أنه يتحمم ، مما أراحها قليلا و جعلها تبتسم ، يبدو أنه يجاهد في التخلص من كآبته ، إزدادت إبتسامتها إتساعا فإتجهت إلي الخزانة و راحت تعد له ملابس ، إلا أنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت هاتفهه يطلق نغمته الصاخبة معلنا عن وصول رسالة جديدة ، إحتقن وجهها بغضب ، فعي تعلم أن لا أحد يرسل أليه الرسائل في هذا الوقت سواها .. و بكل الكره الذي تحمله لها بداخلها تقدمت صوب الفراش و تناولت الهانف ، ثم فتحت الرسالة لتقرأ كلمتين أثارتا غيرتها و غيظها”وحشتني اوي” ..
لم تعلم كم مر عليها من الوقت و هي ممسكة بالهاتف تتأمل الرسالة الوجيزة و الغيرة تنهش قلبها ، حتي أفاقت علي صوته:
-بتعملي ايه ؟؟

الحلقة (19):

إرتعدت بقوة علي أثر صوته الحاد ، لكنها إستطاعت أن تعيد هاتفهه كما كان بسرعة فائقة غير مرئية ، ثم إلتفتت بثقة و نظرت إليه باسمة ثم قالت:
-كنت بجهزلك هدوم.
و رفعت قطعة من ملابسه أمام عينيه ، فيما حمدت الله أنها كانت تمسك بها ، بدا غير مقتنع لكنه حدجها بقسوة قائلا:
-انا ماطلبتش منك تجهزيلي اي حاجة.
-منغير ما تطلب ده واجبي كزوجة .. دي ابسط حاجة ممكن اعملها.
أجابت بثبات واثق ، فرمقها بسخرية هازئة ثم قال:
-شكلك مابتعرفيش تأدي غير الواجب ده.
أجفلت خجلة ثم عضت علي شفتها بقوة ، فأضاف بحدة:
-بطلي تتذاكي عليا يا داليا .. انتي بتلعبي بالنار .. فاهماني ؟؟
إستقبلت نظراته الثاقبة بإضطراب ، بينما إبتعد عنها فجأة متجها صوب الخزانة و الماء يقطر من شعره علي كتفيه إلي صدره و ظهره .. بدا لها ظهره رائعا ، حيث تلألأت بشرته البرونزية المغطاة بقطرات الماء تحت أضواء الغرفة الخافتة ،كان حقا رائعا ، لم تبالغ أو تكذب حين قالت أنه أكثر جاذبية في غضبه ، كل هذه الأفكار وترتها كثيرا فإستدارت بقوة و إتجهت إلي الفراش ، أخذت تستعد إلي النوم و هي تدعو أن تمر الليلة بسلام كما مرت الليالي السبع الفائتة ، إستلقت ثم تظاهرت فورا بالنوم العميق ،بينما إنتهي هو من إرتداء ملابسه ، فسمعته يقترب منها، أحست به يعاينها و يتمعن في وجهها ، فوجدت صعوبة في المحافظة علي تنفسها الطبيعي المنتظم ، و قد راح قلبها يخفق كالمطرقة ، فتساءلت .. هل إنطلقت عليه حيلة نومها ؟ .. ليس من السهل أبدا خداع رجل حاد الذكاء و الملاحظة مثل”عز الدين” ، خاطبت نفسها و هي تترقب خطوته التالية ..
بدا أنه غير مكترث كثيرا بوضعها ، فها هو يبتعد قليلا و يحتل مكانه بالفراش في هدوء إلي جانبها ، كادت تفتح عينيها قليلا و تختلس النظر إليه ، ثم إستقر رأيها علي تحاشي أي خطأ يورطها في مماحكات مؤلمة و مهاترات باتت تعرف عواقبها ، و بعد لحظات معدودة إستطاع النوم أن يجردها من التفكير و التأهب بل من الواقع بأكمله ..
و كما بحدث عادة بعد ليلة من التفكير العميق و التوتر العصيب ، كان نومها متقطع قلق ، تخللته الأحلام و الكوابيس المزعجة ، لا تزال غير مطمئنة لوجود زوجها إلي جانبها ، فهو لا يزال يعاملها بقسوة و عنف ، غير أنها لم تنس بعد و لن تنس أبدا تلك العلاقة الحميمية التي تربط بينه و بين”جومانة” ..
في البداية كانت الأحلام متناثرة و متداخلة ضمت أشخاصا و أمكنة و أحداثا لا علاقة بهم تربط فيما بينهما علي الإطلاق ، ثم إتضح الحلم فجأة ، و عاد بها إلي اللحظات التي سبقت حادث”عبير”بليلة واحدة ، تلك الليلة الأولي بحق بينها و بينه ، تذكرت كافة التفاصيل ، و تراءت لها أيضا صورة تلك المرأة التي راقصت زوجها بالحفل .. أخذت تحس و كأنها تعيش المواقف و الأحداث من جديد و بشكل حقيقي جدا ، فضاق نفسها بشدة و راحت تنتفض في فراشها محاولة الخلاص من عذاب الحلم ، أوثق يديها خلف ظهرها بإحدي يديه ثم نزع ثوبها بالأخري ، دموعها تسيل من عينيها في صمت ، لا مجال لها من الهرب منه …. إنطلقت منها فجأة صرخة ذعر هائلة و هي تقاتل من أجل حريتها في ذلك الكابوس الثقيل ، فأنتفض”عز الدين”بمكانه مستيقظا علي أثر صرختها ، ثم أسرع و أضاء مصباح الطاولة المجاورة للفراش .. :
-في ايه ؟؟
سألها و هو يمسك ذراعيها بكلتا يديه ، فيما كانت ترتجف بذعر بين يديه ، و كانت عيناها تعكسان الخوف العميق الذي مازالت تشعر به جراء الكابوس .. :
-كـ كابوس.
أجابته بصوت مبحوح ، ثم قالت معتذرة و شفتاها ترتجفان بشدة:
-اسفة اني صحيتك.
رمقها بنظرة قاسية ذات مغزي ، فاجأتها تلك النظرة ، فهزت رأسها قائلة بعدما خمنت مغزي نظرته:
-بتبصلي كده ليه ؟ ماظنش انك معتقد اني بحاول اقربك مني بتصرفاتي ! انا فعلا شفت كابوس ماقصدش يعني.
-لو تقصدي ايه المشكلة ؟؟
إشتعل وجهها و هي تقول بإرتباك:
-لأ .. لأ طبعا مش قصدي أ ..
-اسكتي.
قاطعها بحدة ثم صمت قليلا و قال متهكما:
-مشكلتك يا داليا انك بتتعاملي معايا انا و اكيد .. لأ ده واضح جدا ان خبرتك قليلة مش زيي .. بس لازم تفهمي ان مش انا اللي بتأثر بدموع الستات زي غيري و لا بتأثر حتي بالجمال انا بقدر اتحكم في نفسي كويس وقت ما ببقي عايز علي عكسك انتي.
عليه اللعنة .. خاطبت نفسها .. إنه يعتقد أنها تفتعل تصرفاتها عمدا كي تثيره و تجذبه إليها ! .. يا له من شيطان خبيث .. :
-بس علي اي حال مافيش مشكلة احنا متجوزين و طبيعي يكون ليكي متطلبات.
رن صوته بإذنها هازئا قاسيا ، فأحست بمقاومتها المتلاشية تعود إلي التصلب ، فقالت بقوة نافية التهمة:
-انا مابفكرش في الحاجات دي خالص.
و لكي تثبت صدق كلامها نظرت إلي عينيه مباشرة ، و لكن قوتها لم تنجح تماما ، إذ قرأت في نظرته شيئا جعلها ترمش مضطربة ،و في اللحظة نفسها ، إنحني بغاية اللطف و الرقة و عانقها .. حاولت الإفلات لكنه قبض علي خصرها و ثبتها بمكانها حتي خارت قواها و هدأت ، فرفع يده و أخذ يداعب شعرها و يبعد خصلاته الحريرية عن جبهتها و أذنيها ، عانقته تلقائيا تحت تأثير لمساته الساحرة ثم رفعت يدها و أحاطت عنقه و مررت أصابعها في شعره الأسود ، فأبعد وجهه عنها قليلا و غمغم ساخرا:
-كنت بحسبك مابتفكريش في الحاجات دي خالص !!
لسعتها جملته الهازئة ، و أشعرتها بعجزها عن مقاومة إرادتها العاطفية ، فإندفع اللون الأحمر إلي خديها و قالت:
-تصرفاتك هي اللـ …
-مش عارف ليه دايما بتدوري علي مبررات ؟!
قاطعها بخفة ساخرة ، فأجابته غاضبة:
-عشان تصدقني.
-انا مابقتش اصدق حد.
غمغم بخشونة و هو يضمها بقسوة مجددا إلي صدره ، فنسيت كل آلامها إذ كانت ترغبه الأن بمحض إرادتها ، رغم عنفه و قسوته فقدت الشعور بكل شيء إلا بحاجتها إلي قربه و دفئه .. فهتفت في نفسها الكلمة التي تتحرق شوقا لتهمسها بأذنه”بحبك” … !

*******************************************************************

بعد مرور عدة أيام قليلة ، تعافت”عبير”تماما كما تمت إجراءات الزواج أيضا ، فتركت المشفي كي تنتقل إلي منزل زوجها ..
كانت السيارة في إنتظارهما عند المصف الجانبي للمشفي ، و بعد أن وضع”خالد”أغراضها و حقائبها علي المقعد الخلفي ، إستغربت أن يفتخ لها باب السيارة الأمامي ، و أن يتبرع بمساعدتها علي الصعود ، و فيما همت علي ذلك ، إستدارت بسرعة و نظرت إليه …
لم يكن ينظر إليها ، بل كان مركز بصره أرضا ، أصبح جافا للغاية ، لكن خشونته أضفت عليه وسامة من نوع خاص ، عيناه السريعتا الملاحظة ، فمه المتماسك ، وجهه المتصلب ، شعره الأسود الكثيف اللامع ، أدركت في تلك اللحظة أنها بدأت تحبه !
و شعرت بالتعذية لكون تصرفاتها في الماضي وصلت إلي حد مبتذل غير لائق لا أخلاقيا و لا إنسانيا ..
كان ينتظر صعودها ليغلق الباب ، و عندما لم تفعل نظر إليها رافعا حاجبيه في دهشة:
-ماتركبي ! في حاجة ؟؟
هتف متسائلا ، فهزت رأسها نفيا ثم منحته إبتسامة صغيرة و إستقلت في هدوء ، فأغلق بابها بصرامة ثم إستدار و إستقل أمام المقود إلي جانبها ، شغل المحرك ثم أدار عجلة القيادة و أنطلق متجها إلي منزله ..
كانت خطوط الصباح الممتزجة بخيوط الشمس الذهبية تكسر السماء بضؤ ساطع أنار الطريق و ما حوله ، بينما ضاعف”خالد”سرعة السيارة عندما بلغ الطريق العام المؤدي إلي قلب المدينة الحديثة ..
و بعد مرور عدة دقائق كانت السيارة تنعطف إلي طريق جانبي يكسوه الغبار أمامه بوابتي حديد كبيرتين ، ترجل”خالد”من السيارة لفتح البوابتين ، ثم عاد و مر عبرهما ثم ترجل مرة أخري و أوصدهما من جديد قبل أن يعود و يتابع طريقه ، لم يكن المنزل يبعد أكثر من ميلين عن البوابتين ، فإتضح إلي”عبير”أنها سوف تمكث بفيلا أنيقة ، إذ أنها لم يسبق لها و زارت منزل”خالد”من قبل ، لم تكن بحاجة لذلك ، فهو كان دائم الحضور لديهم ..
كان المنزل رائع بحق ، رغم أنه لا يضاهي جمال قصر الـ”نصار”العظيم ، لكنه بني علي الطراز الإيطالي الجميل غير أن الأشجار أحاطته بشكل مذهل و الأزهار أيضا و ذلك الينبوع الصغير الذي صدر منه خرير مياه يجلب إسترخاء عالي، لم تكن تتوقع أن يكون منزل”خالد”بهذا الجمال ، بدت مذهولة و مضطربة في آن معا .. توقفت السيارة بصورة تدريجية بساحة المنزل البسيطة ، فترجل”خالد”برشاقة و في غضون دقائق قليلة كان قد نقل الحقائب من السيارة إلي الداخل ثم عاد إلي”عبير”و ساعدها بحزم في الدخول إلي المنزل ..
كان بيته في قمة الروعة و الأناقة و حسن الترتيب ، و قد تمازجت فيه المفروشات الحديثة بالتحف القديمة في ظل إضاءة عرف صاحبها كيف يبرز بواسطتها كل مكامن الجمال ، أفاقت من تأملها مذعورة حين حملها فجأة بين ذراعيه و توجه بها نحو الدرج ، كادت تتكلم فبادرها بجمود:
-اعتقد انك مش هتقدري تطلعي السلم علي رجلك.
كانت تنظر إليه بعينين خائفتين لكنه سرعان ما أخمد خوفها حيث إحتواها بلطف و كانه يبغي تطمينها بالشكل نفسه الذي يطمئن به حيوانا صغيرا و هو يأسره بين ذراعيه ، و هنا شعرت بنفسها مضطرة إلي قول أي شيء لتكسر حدة الأجواء المتوترة:
-البيت حلو اوي .. انت اللي فرشه علي ذوقك ؟؟
كان قد وصل بها إلي الغرفة ، فإتجه نحو فراش عريض ذا غطاء قرمزي أنيق ثم وضعها فوقه قائلا:
-كنت حريص اني اعمل نسخة مصغرة من القصر و لو بسيطة عشان ماتحسيش بأي فرق لما تيجي و تـ …
صمت فجأة ثم رمقها بجفاء قائلا:
-عموما الببت بقي بيتك و الاوضة دي بتاعتك لو احتاجتي اي حاجة قوليلي.
ثم إستدار و كاد يخرج فأستوقفته قائلة:
-طب و انت هتنام فين ؟؟
أجابها و هو لا يزال علي وضعيته:
-البيت فيه خمس اوض .. اي اوضة ممكن انام فيها .. عن اذنك.
ثم تركها و غادر الغرفة سريعا مغلقا الباب من خلفه في هدوء ، فتنهدت بأسي ثم جلست تتأمل الغرفة بذهن مشوش و هي تفكر في المستقبل البعيد … !

*********************************************************************

كانت تعدو مهرولة إلي خارج المنزل ، فأستوقفها صائحا:
-ياسمين !
توقفت فجأة ثم تلفتت حولها عابسة إلي أن وقع بصرها عليه فسألته:
-عمر .. ايه عايز حاجة ؟؟
إقترب منها بخطوات واسعة حتي وقف في مواجهتها في بقعة ظللتها أغصان الأشجار ثم سألها:
-رايحة فين علي الصبح كده ؟ انا فاكر ان ماعندكيش كلية انهاردة و لا مستشفي !!
أومأت رأسها مصححة قوله ثم قالت:
-صح انا ماعنديش اي حاجة انهاردة فعلا بس طلبوني في المستشفي في حالة مستعجلة.
ثم إنفرج ثغرها بإبتسامة بسيطة و قالت:
-بس انا ملاحظة انك حافظ جدول تحركاتي بالتفصيل !!
ضحك بخفة ثم أجابها:
-سو يا حبيبتي .. طبعا لازم احفظ جدول تحركاتك انتي بقيتي تخصيني و تهميني في نفس الوقت.
-ماشي يا عم المسؤول عن اذنك بقي عشان كده هتأخر.
-طب استتي هوصلك.
-لأ خليك في دكتور زميلي مستنيني برا .. سلام.
ثم تركته و تابعت سيرها المهرول ، بينما تجهم وجهه فجأة ، و أراد لو يمنعها من الخروج و لكن بأي صفة ؟ .. صر علي أسنانه بحنق و هو يتساءل .. ماذا يحدث ؟؟

********************************************************************

-حمدلله علي سلامتك يا بيرو .. حمدلله علي سلامتك يا حبيبتي.
قالت”ريم”ذلك مخاطبة”عبير”عبر الهاتف ، فأجابتها”عبير”:
-الله يسلمك يا ريم .. شوفتي اللي حصلي ؟!
واستها قائلة:
-معلش يا عبير علي اي حال ربنا ستر .. و كويس انك خرجتي من الكابوس ده علي خير مش مهم ايه اللي حصل بقي.
-بس اخواتي وحشوني اوي.
قالت باكية ثم تابعت:
-تصوري ماسألوش عليا خالص لحد دلوقتي !!
-طيب اهدي بقي و ماتعمليش في نفسك كده كله هيبقي تمام .. صدقيني كل حاجة هترجع زي الاول و احسن بس اصبري شوية .. هما لسا مصدومين يا عبير اللي حصل ماكنش سهل عليهم.
-لأ يا ريم .. انا عارفة اخواتي .. و خصوصا عز الدين عمره ما هيسامحني .. انا كرهت نفسي بجد اذيته اوي لتاني مرة في حياته مش هيسامحني .. مش هيسامحني.
ثم تعالي صوت نشيجها فهدئتها”ريم”قائلة:
-يا حبيبتي انتي اخته مش هيسامحك ازاي ؟ اصبري عليه بس زي ما قلتلك.
-اخته !!
هتفت ساخرة ثم أضافت كان أولي سامح امه يا ريم .. انتي ماتعرفيش هي حاولت معاه اد ايه طول السنين دي و هو كان دايما بيقابلها بالعنف و الرفض و لا كأنها امه .. عز الدين بارع في القسوة يا ريم لو قسي علي حد عمره ما بيحن تاني.
في تلك اللحظة سمعت طرقا علي باب الغرفة ، فكفكفت دموعها ثم إنهت الإتصال مع صديقتها و هتفت قائلة:
-ادخل.
إنتفتح باب الغرفة ليدخل”خالد”في هدوء حاملا بين يديه وجبة الغداء لها ، إقترب منها متمهلا و هو يصوب إهتمامه علي ما يحمله بين يديه حتي وصل إليها ، فوضع أطباق الطعام علي طاولة صغيرة قرب الفراش قائلا بجمود:
-ده الغدا .. اسف لو ماعحبكيش بس ده اللي عرفت اعمله من بكرة هاجيب واحدة تمسك شغل البيت.
إندفع الكلام من فمها بهدوء:
-مافيش داعي انا بقيت كويسة و ممكن اعمل كل حاجة بنفسي.
رمقها بدهشة ساخرة ثم قال:
-انتي !!
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل ، فأومأت رأسها قائلة:
-ايوه انا.
-بس علي حد علمي انتي مابتعرفيش حاجة في شغل البيت !!
-مش مشكلة هتعلم.
هز كتفيه بلا إكتراث قائلا:
-ماشي .. كلي بقي قبل ما الاكل يبرد و ماتنسيش تاخدي دواكي.
-و انت مش هتاكل ؟؟
سألته بخفوت فأجابها:
-هاكل في اوضتي.
ثم إستدار و غادر الغرفة بعد أن أغلق الباب من خلفه ، هبطت دموع”عبير”دون شعور ، يبدو أنها سوف تتجرع الكأس المُرة لوقت طويل و قد لا تكون هناك نهاية أبدا … !

********************************************************************
خلال الأيام القليلة التي تلت ثاني ليلة حقيقية لهما ، لاحظت”داليا”تغيرا غريبا جدا في تصرفات”عز الدين”ليس في كل تصرفاته ، إنما في البعض منها ، لقد أبدي تحولا بسيطا أدهشها ، مثلا حين أعطاها مبلغا من المال و أرسل معها سائقه الخاص إلي السوق كي تشتري بعض الملابس و الأغراض لنفسها ، و لكنه علي أي حال لم يستطيع أن يبدل طباعه أبدا ، إذ أنه قال فور أن لمح الدهشة بعينيها”انا بس لاحظت ان هدومك قدمت شوية ده غير انهم من النوع الردئ جدا و ماتنسيش انتي متجوزة مين .. مايصحش تظهري قدامي او قدام اي حد بالشكل ده” ..
يا له من رجلا قاسٍ متغطرس ! .. لا يستطيع التخلي عن سخريته و إزدراءه إطلاقا ، و رغم ذلك سعدت”داليا”كثيرا بعد أن عادت محملة بعشرات القطع من الملابس و باقي الأغراض من أداوت التجميل و غير ذلك ، و لم تنس شقيقتها بالتأكيد ، فقد نالت”ياسمين”بعض القطع الثمينة و الأغراض المميزة أيضا ..
و مع أنها باتت أكثر أثارة و جاذبية في إطلالتها الجديدة إلا أنه بدا غير مكترث لذلك ، يبدو أنه لم يبالغ عندما أكد لها قدرته علي التحكم بغريزته و السيطرة علي نزواته الطارئة ، تمنت لو أنها تملك قوة إرادته و برودة أعصابه ..
مع الوقت راحت”داليا”تكتشف أن أعمال زوجها الواسعة تعد أهم شيء بحياته .. حيث أنها تبتلع معظم وقته ، علي الطرف الأخر لم تسمع”داليا”أي أخبار عن”عبير”سوي أنها بخير و في مأمن مع”خالد” ، يبدو أنها لن تنال عفو أخيها بسهولة !
كانت”داليا”تقف بوسط المطبخ ، تشرف علي الخادمات و تساعدهن في إعداد وجبة الغداء ، و فيما كانت تباشر في تقطيع الخضروات جاءتها”فاطمة”قائلة:
-ست داليا.
-نعم يا فاطمة في حاجة ؟؟
سألتها”داليا”و هي تركز إهتمامها علي عملها ، فأجابتها”فاطمة”:
-في ضيفة طالبة تشوف حضرتك.
قطبت”داليا”حاجبيها بإستغراب قائلة:
-ضيفة طالبة تشوفني انا ؟ مين دي يا فاطمة ؟؟
-جومانة هانم.
أحست”داليا”بإنقباض خفيف في صدرها لدي سماعها إسم غريمتها .. فحولت نظرها إلي”فاطمة”متسائلة:
-انتي تقصدي جومانة خطاب ؟؟
أومأت”فاطمة”رأسها قائلة:
-ايوه هي حضرتك .. انا قعدتها في الصالون الصفير.
إحتقن وجه”داليا”بغضب ، فتساءلت مغتاظة .. لماذا جاءت ؟ .. ماذا تريد تلك الساقطة ؟؟ ..
تركت”داليا”ما كانت تفعله ، ثم توجهت نحو صنبور الماء و غسلت يديها ثم جففتهما و قبل أن تخرج من المطبخ نادت”فاطمة”و سألتها:
-قوليلي يا فاطمة .. شكلي كده كويس ؟؟
إبتسمت”فاطمة”ببساطة ثم أجابتها بصدق:
-قمر يا ست داليا .. انتي ما شاء الله جميلة جدا اصلا.
منحتها”داليا”إبتسامة لطيفة ثم أسرعت لتقابل الزائرة .. عندما إلتقتا كانت”جومانة”تجلس فوق مقعد وثير ، واضعة ساق فوق الأخر و قد إرتدت ثوب قصير بالكاد يغطي فخذيها ، لم تنهض علي الفور حين رأت”داليا”بل إتبعت البرود في تصرفاتها متعمدة ، ثم أخيرا نهضت و نظرت إليها بإعتلاء ساخر ، بينما إستقبلت”داليا”نظراتها بإبتسامة هادئة واثقة ، و تعمدت هي أيضا ألا تصافحها بل إكتفت بقولها:
-اهلا بيكي يا انسة جومانة .. منورة.
رمقتها”جومانة”بعداء سافر ثم قالت بحدة:
-ما بلاش تستمري في الترحيب المزيف ده يا .. هه .. يا مدام داليا .. انتي عارفة كويس زي ما انا عارفة اننا بنكره بعض.
إصطنعت”داليا”إبتسامة خفيفة ثم سألتها:
-طب و لما حضرتك عارفة كده كويس .. ايه اللي جابك ؟؟
هزت”جومانة”كتفيها بلا إكتراث قائلة:
-انا كنت جاية لعز .. بس اتضح انه مش موجود فقلت اقابلك انتي عشان توصليله حاجة كان نسيها عندي.
ثم فتحت حقيبة يدها و أخرجت خاتم عرفته”داليا”علي الفور ، أنه لـ”عز الدين”، قطبت حاجبيها في تساؤل ، بينما ضحكت”جومانة”بغنج قائلة و هي تضع الخاتم بكف”داليا”:
-الخدامة بتاعتي لقيته و هي بتوضبلي السرير .. ماتنسيش تديهوله بقي.
لوهلة أرادت”داليا”أن تنهار باكية ، لكنها أخفت مشاعرها المتأججة في صدرها كي لا تعطي غريمتها مجالا للشماتة بها أكثر ، و بينما كانت تهم”جومانة”علي الرحيل ، إقتربت من”داليا”ثم همست بأذنها ساخرة:
-مسكينة انتي يا داليا .. يا حرام صعبانة عليا خالص .. كنتي فاكرة انك هتفضلي مراته علطول ؟ جايز انتي دلوقتي مراته فعلا و جايز هو مبسوط معاكي لانك حلوة .. بس مسيره يمل و يزهق منك .. انتي مش هتقدري تلبي احتياجاته .. عز الدين نصار مايكتفيش بست واحدة .. سلام يا حبيبتي.
ثم مضت في سبيلها إلي الخارج ، تاركة”داليا”خلفها تكاد تم*وت قهرا ، لم تستطع”داليا”السيطرة علي دموعها التي هطلت بغزارة ، فبسرعة وضعت يدها علي فمها تكبت نشيج مُر يكاد يفتك بها ، ثم ركضت مهرولة بإتجاه الغرفة ، إرتمت علي الفراش دافسة وجهها لدي الوسادة الناعمة ، ثم أخذت تجهش ببكاء مرير ، أرادت أن تصرخ بقوة حتي ينقطع نفسها ، فمازال صوت”جومانة”الهازئ يرن بأذنيها ، كما لا تزال كلماتها تعذبها و تحرق قلبها بلا رحمة ..
لم ينقطع بكاء”داليا”منذ أكثر من ساعة ، سكتت فقط حين أتاها صوته العميق متسائلا:
-ايه ده مالك ؟؟
رفعت وجهها المغطي بدموعها عن الوسادة المبتلة ، ثم نظرت إليه واهنة ، فسألها مجددا بنبرة جامدة إنما أقل حدة:
-ايه اللي حصل ؟؟
فإبتسمت بمرارة ، ثم تحاملت علي نفسها و نهضت لتقف في مواجهته ، ثم أمسكت بيده و وضعت بها خاتمه قائلة:
-انسة جومانة .. جت عشان ترجعلك ده .. بتقول خدامتها لقيته و هي بتوضبلها السرير.
حدق فيها”عز الدين”بثبات ، فلم تستطع قراءة تعابير وجهه ، إذ كانت ملامحه جامدة و كأنه يعترف بصحة شكوكها .. :
-طلقني.
هتفت دون وعي ، فسألها هازئا:
-نعم ؟!
-بقولك طلقني.
قالت بوعي هذه المرة ، ثم صرخت بوهن:
-انا خدت قراري .. همشي من هنا خلاص مش عايزة اعيش معاك.
تقلصت عضلات وجهه بغضب فقبض علي معصمها بعنف ، ثم صاح بقسوة:
-مافيش حد هنا بياخد قرارات غيري و مش بمزاجك انتي هتفضلي هنا لحد ما اقرر انا انك تمشي.
غالبت بجهد شعور بالغثيان إحتلها فقالت لاهثة:
-انا بكرهك .. بكرهك و مابقتش طايقاك خلاص انت انسان اناني خاين و …
قاطعها حين إرتفعت يده المفتوحة و صفعتها بقوة ، فإنتفضت”داليا”بعنف باكية و هي مسجونة بين ذراعيه ، بينما أحمر أحد وجنتيها و سالت دموعها المتساقطة علي الأخر ، فأخذ”عز الدين”يهزها بعنف صائحا:
-لو نطقتي كلمة تانية هتشوفي تصرفات مش هتعجبك ابدا يا داليا .. اوعي تنسي نفسك مرة تانية و انتي بتكلميني و خليكي فاكرة كويس ان منغيري كنتي فضلتي في الشارع لحد دلوقتي.
كانت هزته العنيفة لها بكلماته بمثابة الضربة الأخيرة لتحطيم تماسكها ، فدفعته عنها بضعف و إندفعت صوب الحمام ، إرتفعت محتويات معدتها فجأة فأفرغت كل شيء بالحوض ثم غلست وجهها بالمياه الباردة حتي خارت قواها ، فتهاوت قدماها و جثت علي الأرض منهارة و هي ترتجف بقوة و دموعها تنساب بغزارة ، كانت تشعر بقدر هائل من الأعياء حال دون إهتمام بما يحدث بالإضافة إلي آلمها النفسي ..
بينما دلف”عز الدين”إليها مسرعا ثم …

الحلقة (20):

دلف إليها مسرعا ، فشحب وجهه عندما وجدها منهارة إلي ذلك الحد ، بينما تطلعت إليه واهنة و دموعها تناسب بغزارة علي وجنتيها ، ثم أرخت أعصاب جسدها لتنكفأ علي وجهها ، فأخذت تبكي و تنتحب بمرارة ، لكنه لم يسمح لها بمزيدا من البكاء بقاعة الحمام الفسيح ، إذ أنه إقترب منها بخطوة واحدة ثم إنحني و أقتلعها من علي الأرض حاملا إياها علي ذراعيه ، ثم إتجه بها إلي الداخل … :
-اوعي سيبني .. نزلني ..
قالت ذلك في رغبة يائسة لإبعاده عنها ، إلا أن دوار رأسها أرغمها علي قطع عبارتها التي خرجت مشوشة و بلا هدف … :
-بس .. اهدي.
أمرها”عز الدين”بإقتضاب و قد بدا واضحا أن غضبه شديدا ، إستسلمت كليا للعذاب الرائع الذي إستشعرته و هو يحملها قريبا من قلبه ، فشددت من إلتفاف ذراعها حول عنقه ، و ألقت رأسها علي فجوة كتفه ، ثم أغرقت وجهها بصدره أكثر فأكثر كي تستطيع أن تستنشق رائحته … فقفز فجأة إلي سمعها صوت”جومانة”و تذكرت أيضا ما فعله بها منذ قليل ، فإنتفضت باكية ثم توالت محاولاتها الركيكة في الخلاص منه ، حيث أخذت تتلوي بين ذراعيه هامسة بصوت ضعيف شوبه بكاء مرير:
-اوعي سيبني .. بقولك سيبني .. انا بكرهك .. بكرهك.
صم أذنيه عن صوتها الضعيف ، و تابع سيره حتي وصل بها إلي الفراش ، فمددها بهدوء و جلس علي الحافة إلي جانبها . ثم إنحني صوبها و وضع يديه قرب رأسها حيث حاصرها بين ذراعيه ، بينما هي لم تستطيع أن تكف عن البكاء لحظة واحدة ، فخنق صوت نشيجها مطبقا شفتيه علي شفتيها بقبلة عميقة ، رفعت يديها و أخذت تدفعه عنها و لكن دون جدوي ، فقد بدا غير آبه بمقاومتها الهشة و إعتراضها الكاذب ، بينما إتخذت قرارا في نفسها .. ستتركه ، و ليكن ذلك اللقاء وداعهما الأخير ..
هبطت دمعة حارة من عينها و هي تبادله القبلات بضعف و إستسلام ، هذه اللحظات لن تنساها أبدا ، حتي”جومانة”ستكون عاجزة عن تجريدها من حقها بالإحتفاظ لنفسها بهذه الذكري .. كان قد حل ربطة عنقه و أزرار قميصه في لحظات قصيرة ، فإبعد وجهه عنها قليلا و أمعن النظر فيها ، ظل يحدجها لبرهة ثم مال برأسه صوبها مرة أخري ملثما عنقها بقبلات محمومة ، لترتجف بين ذراعيه ، و لتحيلها تلك القبلات إلي إمرأة تطلب العفو دون صوت !
قضيا الوقت كله بمفردهما داخل الغرفة ، مرت ساعات طويلة عليهما و كأنها ثوان قصيرة ، كان نومها متقطع قلق و كذلك كان نومه ، فقد خيم عليهما جوا متوترا و عصيبا جعلهما مغيبان بفكرهما عن الواقع ، لا يشعران بمضي الوقت ..
إستيقظ”عز الدين”عند الساعة السادسة صباحا ، نظر إليها و هي نائمة إلي جواره كطفلة بريئة ، ثم تنهد بثقل و نهض متوجها صوب الحمام ، وقف تحت صنبور المياه و أطلق العنان لذاك الرذاذ الساخن لينساب علي جلده و يلهبه دون رحمة .. ثم أخذ يتساءل في نفسه .. ماذا حدث ؟ ما هذا التحول الجذري الذي أحدثته تلك الفتاة بحياة”عز الدين نصار” .. هل أصبحت في النهاية متشوقا للإقتراب من إحداهن ؟ .. لا مستحيل !
هز رأسه بعنف حتي تبعثرت قطرات الماء من علي رأسه يمنة و يسري .. :
-لأ ماحببتهاش .. انا ماعنديش قلب.
هتف بإعتراض يائس ، و مسح علي شعره إلي الوراء بكفاه ثم هز رأسه مزمجرا:
-ماحبيتهاش.
عاد إلي الغرفة بخطي مبتلة ، ثم وقف أمامها يمعن النظر فيها ، أغراه منظر شعرها الحريري المبعثر علي الوسادة ، فإقترب منها بحذر ثم إنحني و وضع قبلة طويلة علي جبهتها ، مسح بيده علي شعرها ثم تركها و إتجه نحو الخزانة ، فتحت عينيها ببطء لتعتريها دهشة عارمة … :
-مستحيل !!
هتفت غير مصدقة !
ظلت متظاهرة بالنوم العميق حتي خرج من الغرفة ، بالتأكيد ذهب إلي عمله ، عند خروجه من الغرف مباشرة فتحت عينيها علي وسعهما ، ثم تنهدت بأسي و شردت في ليلة البارحة ، طوال الليل أوقعها الألم في شباك السهد ، ألم قلب يكويه العذاب و هواجس ذهن يحاصره اليأس ، كم يصعب عليها تصديق بأن حياتها القصيرة مع”عز الدين”قد إكتظت بذلك الكم الهائل من العذاب و الألم ، تقلبت كالمحمومة من جنب إلي جنب و هي تفكر بـ”عز الدين”الذي كان يرقد إلي جانبها طوال الليل و لم يتركها لحظة واحدة .. خاطبها صوت ضميرها .. “تحبينه ؟ و هل إنتِ أكيدة بأنك الوحيدة في حياته ؟؟ ” .. لم تجد جوابا منصفا لقلبها ، فإنخرطت في نشيج جاف أحسته يخنق حلقها ، و تمنت لو تستطيع أن ترطب ألمها بذرف الدموع ، لكن عينيها أمستا كبئر جفت مياهه إلي أخر قطرة .. هي”داليا”تلك الفتاة البسيطة المتفوقة بدراستها ، و المجتهدة بعملها ، و التي نادرا ما أظهرت مشاعرها ، كما أنها لم تسمح لأعصابها مرة بأن تنهار بهذا الشكل من أجل رجل ، لقد أصبحت منذ أن إلتقت”عز الدين نصار”تعاني من كل أنواع التطرفات العاطفية .. فقد أوجد فيها إنسانة جديدة ، أنبض فيها عروقا كانت هاجعة ، كما عذبها أيضا و ألمها حتي جعلها تظهر ضعفها و دموعها و شقاءها و عواطفها الحارة و كأنها فتاة في سن المراهقة ، ألقي بها في أحضانه القاسية المتمردة و علمها ما لم تكن تعلمه عن الحب ، فجسدها خير شاهد علي ذلك و قلبها أيضا ، إنه ما أحب فيها إلا الجسد ، هكذا صرح لها عقلها حقيقة مشاعره تجاهها .. أقرت و الأسي يملأ قلبها بصدق تلك الحقيقة ، فهي لم تنس إعلانه صراحة أنه تزوجها لأنها أعجبته و ليس أكثر و لأنه لم يكن ليصل إليها سوي عن طريق الزواج ، هزت رأسها بمرارة ثم نفضت عن ذهنها تلك الأفكار المؤلمة ، و نهضت متدثرة بثوبها المُلقي أرضا إلي جانب الفراش ، جلست أمام المرآة ، إنتبهت إلي ذلك الإحمرار علي يمين رقبتها ، فإرتعش جسدها ، إذ تذكرت ملمس شفتيه القاسيتين و هي تلثمها بقوة ليحيلها إلي إمرأة مخدرة متجاوبة ، تحسستها بإطراف أصابعها لتكتشف منها المزيد علي بعد أنحاء متفرقة من جسدها .. هاهو كالعادة يترك أثرا لا يزول بسهولة ليذكرها به دائما ، تلك البقع الحمراء حتما ستزول من جسدها ، و لكن مستحيل أن يُمحي الأثر من قلبها و عقلها … !

********************************************************************

أمضت”عبير”أسبوع حافل بمنزل زوجها ، فقد بذلت جهدا غير عاديا ، حيث تعلمت كافة الأشغال المنزلية من طهو و تنظيف و غير ذلك ، و رغم أن طعامها المحترق كاد يفقد”خالد”شهيته تجاه جميع أصناف المأكولات ، إلا أنه وجد لذة مختلفة فيه جعلته يلتهمه بشراهة غير آبه بطعمه ، بينما إمتنعت”عبير”بشدة عن تذوق لقمة واحدة من طعامها العجيب ، بل إكتفت بتناول الوجبات السريعة ، علي الجانب الأخر ، كانت تشعر بالكبت و الضيق في صدرها ، فهي تريد أشياء كثيرة من زوجها بدون أن تعرف طبيعة هذة الأشياء !
و قد تصرف”خالد”معها بأدب طيلة الوقت ، و كان لطيفا إلي أبعد الحدود ، فماذا تريد أكثر من ذلك ؟ .. إكتشفت أن ما يضايقها حقا هو جفائه الغير معتاد بالنسبة إليها ، فهي إعتادت علي”خالد”المحب الحنون الذي كان يتحرق لمجرد رؤيتها فقط ، و الذي كان يهب واقفا في حضرتها إحتراما و محبة ، و لكنه الأن تحول بصورة كبيرة غير مألوفة لها ، باتت تحس أنه أصبح غير شغوفا بها كما كان في السابق ، كما أنه لم يعد يقتنص الفرص كي يودها مثلما كان يفعل دائما ، حيث كان يلثم وجنتها بقبلة عابرة ، و أحيانا يحتضنها بحنان هامسا بأذنها كلمات العشق … شعرت بالحزن الشديد لتحوله الكبير ، رغم أنها تعلم جيدا أن كل ذلك طبيعي و أنها تستحق أن تُعامل بشدة و قسوة حتي تكفر عن ذنبها ، و لكنها بشر علي أي حال و قد تعذبت نفسيا بما فيه الكفاية ، كما أنها في أمس الحاجة إلي العطف و الحنان بعد أن فقدت الإتصال بأخويها ..
عندما عاد من عمله ، كانت قد إنتهت لتوها من تنظيف المنزل ، و كم بدا عليها التعب و الأرق ، لكنها تحاملت علي نفسها و إتجهت إلي المطبخ لتسرع في إعداد وجبة العشاء ، بينما صعد إلي غرفته كي يبدل ملابسه ..
لدي عودته إلي المطبخ رأي أربع سمكات سلمونية مرقطة موضوعة علي طاولة رخامية ، أسرعت”عبير”فورا و إنهمكت في إخراج أحشائها و تنظيفها ، ثم رشتها بالطحين و الملح و مددتها في مقلاة كبيرة مدهونة بالزبد ثم وضعتها علي نار موقدة مباشرة ، قطب”خالد”حاجبيه ذاهلا و تساءل .. من أين تعلمت كل ذلك ؟ .. أصبحت ماهرة في إعداد الطعام ، غير أن الرائحة الزكية تصاعدت شهية ، لم تنتبه”عبير”لوجوده إلا عندما إستدارت لكي تحضر الأطباق ، تشابكت نظراتهما فإبتسمت ببساطة قائلة:
-غيرت بسرعة .. تعالي اقعد بقي الاكل خلاص قرب يخلص.
بعد أن غسلت يديها ، كان”خالد”قد سحب مقعد مرفق بطاولة صغيرة توسطت قاعة المطبخ ، بينما سكبت الأرز في طبقين و وضعت علي الطاولة أبريقا من العصير الطازج ، ثم إندفعت مسرعة نحو الموقد لتنقذ السمك من أزيز المقلاة الحارقة ، ثم وضعته محمرا شهيا علي طبق التقديم و جلست قبالة”خالد”قائلة:
-يلا دوق بقي .. انا متأكدة ان اكلي انهاردة هيعجبك.
أومأ رأسه دون كلام ، ثم بدأ في تناول الطعام ، إلتقم قطعة من لحم السمك فوجد الطعم لذيذا بحق ، فأخذ يأكل بشراهة بالغة ، فهو يعمل و بالتالي لدي عودته إلي المنزل يكون جائعا ، و ما أشهي الطعام حين يكون المرء جائع !
بينما إتسعت إبتسامة”عبير”عندما وجدته يلتهم الطعام بتلك الشهية ، فيما توقف عن إيصال ملعقة الأرز إلي فمه ، ليرفع حاجبيه بحيرة متسائلا:
-ايه .. مابتكليش ليه ؟؟
منحته إبتسامة مترددة ثم قالت:
-هاكل .. هاكل.
ثم أمسكت بملعقتها و بدأت تتناول الطعام بدورها .. ظلت تترقبه و هو يأكل ، إنتظرته حتي فرغ من تناول طعامه ، و قبل أن ينهض و يتركها كعادته سارعت إلي القول:
-خالد !
كاد ينهض لكنه سكن بموضعه ناظرا إليها في تساؤل ، فقالت في توتر:
-كنت .. كنت عايزاك في موضوع.
حدق فيها بتركيز بالغ ، ثم سألها بإصغاء:
-خير موضوع ايه ؟؟
إدردت ريقها بصعوبة ثم قالت بصوت مبحوح:
-عايزة اروح ازور عز الدين و عمر .. ينفع توديني اشوفهم ؟؟
ضغط علي شفتيه بقوة ثم صمت لبرهة و قال:
-اظن من الافضل بلاش تحتكي بيهم دلوقتي.
-بس دول اخواتي و وحشوني اوي.
هتفت واهنة و سرعان ما تجمعت بعيناها الدموع ، و رغم ذلك لم يتأثر”خالد”بل تنهد بعمق ثم قال ناهيا الحديث:
-لازم تعرفي اني اتجوزتك بالسرعة دي عشان ابعدك عنهم و بس .. لو كنتي رجعتي الله اعلم كان ممكن يحصلك ايه ! اخوكي مابيقدرش يتحكم في اعصابه و خصوصا ان غلطتك كبيرة و فكرته بذكريات قديمة طول عمره بيحاول ينساها.
آلمتها عبارته ، فإنقبض صدرها في حزن ، بينما تابع بلا إكتراث:
-لو عايزة ترجعي انا ماعنديش مانع .. بس نصيحتي ليكي بلاش .. علي الاقل دلوقتي ممكن تصبري شوية لحد ما الامور تهدا و بعدين ابقي ارجعي.
لقد تعمد”خالد”أن يظهر هزءه و إزدراءه لها ، إلا أنه لم يتصور أن وقع كلماته سيكون عميقا بنفسها إلي هذا الحد ، إذ أنها أطرقت رأسها بأسي و بدت مفاصل أصابعها شديدة البياض و هي تقبض بيدها علي الملعقة ، أدرك”خالد”أنه أصاب منها وترا حساس مما أراحه و أزعجه في آن معا ، فهو يريدها أن تتعذب و أن تتألم كما عاني هو الأمرين في الأيام السابقة ، و بنفس الوقت ضايقه أن يراها متألمة إلي هذا الحد ، لكنه ض*رب بنداء قلبه و مشاعره عرض الحائط و هب واقفا ، ثم تركها و مضي في سبيله متجها إلي غرفته ، بينما كبتت نشيجها و إنتحبت بصمت .. حتي هو لم يعد يهمه أمرها .. خاطبت نفسها بمرارة .. حتي هو لم يعد يريد وجودها بحياته ، لم يعد يحبها و إنما تزوجها فقط كي يحميها من غضب أخيها ، شعرت “عبير”بالتعاسة و ودت لو ركضت خلفه و توسلت إليه أن يغفر لها و قالت له أن عواطفها المضطربة هي سبب كل ما حدث لها ، و لكن كيف السبيل إلي الحديث معه ؟ ربما لو تحدثت إليه لرمقها بقسوة و إزدراء كما فعل منذ قليل ، إستنشقت”عبير”نفسا عميقا و هدأت نفسها ، ثم نهضت و أمسكت بالأطباق بيدين مرتعشتين و إتجهت إلي الحوض عازمة علي تنظيف الصحون ، كان الألم مستحوذ علي سائر حواسها ،فلم تنتبه إلي خطاها ، فتعثرت قدمها ليسقط أحد الأطباق من يدها و لتدوس بقدمها علي حطامه المكسورة ، فإنغرزت بعضها في جلدها ، فأطلقت صرخة مدوية و سقطت علي الأرض و هي ممسكة بقدمها المجروحة ، راحت تتفحص ما أصابها ، فرأت الدم يتدفق من التمزقات التي شقت جلدها ، و إمتزجت آلام جروحها بشعور الكآبة الذي كانت تكابده ، فأطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها ، إستغرقتها هذه الحالة فغطت عينيها بذراعها ، فلم تلاحظه يتقدم نحوها مهرولا ، و عندما أحست بوجوده تطلعت ببصرها نحوه ثم مسحت بسرعة آثار دموعها عن خديها بظهر يدها كالأطفال ، بينما تطلع إليها في قلق خاول أن يخبئه دون جدوي فسألها:
-ايه اللي حصل ؟ سمعتك بتصرخي ؟!
هزت رأسها بإضطراب ثم قالت و شفتاها ترتجفان بشدة:
-مافيش .. مافيش حاجة.
نظر إليها بتشكك ، ثم جال بنظره في أرجاء المكان حتي وقعت عيناه علي بقع الدم فوق الأرض بجانبها ، فإتسعت عيناه في هلع ، ثم أسرع و جثي علي ركبتيه أمامها رافعا قدمها المجروحة و فخصها ، فقالت واهنة:
-قلتلك مافيش حاجة .. انا كويسة الطبق اتكسر بس و …
-ششش اسكتي.
قاطعها بحزم آمر ، ثم تحرك و حملها علي ذراعيه ، توجه بها نحو غرفتها ، أصبحا أمام باب الغرفة ففنحه راكلا إياه بقدمه ، ثم دلف بها و سار نحو الفراش ليضعها فوقه ..
تركها للحظات ، ثم عاد حاملا صندوق الإسعافات الأولية ، جلس قبالتها ، ثم أولا أمسك بقدمها و راح يخرج منها قطع الزجاج بتمهل ، بينما أخذت تئن بصمت من الألم ، و لكن غمرتها فجأة موجة من الدفء الحالم ، و أحست بأنه لا زال يكن لها بعض المشاعر ، و بخاصة حين طفق يغسل قدمها برقة متناهية بدت متناقضة بشكل لا يصدق مع تصرفه السابق ، بعد ذلك طهر الجروح بسائل معقم ثم جفف قدمها علي مهل ، و لفها بضمادة نظيفة ، طوال الوقت كانت لمساته ناعمة كالمخمل .. حتي إنتهي من إسعافها ، فمددها علي فراشها و غطاها جيدا حتي ذقنها ، فبكت بوهن هامسة:
-شكرا .. و اسفة تعبتك.
حدق بوجوم إلي وجهها ، و إبتسم بسخرية ثم أومأ رأسه ، فلمست”عبير”في نظرته شيء من العذاب ، فيما أخذت تتوسل إليه و قد بح صوتها:
-عايزة اشوف اخواتي .. ارجوك.
تنهد بثقل ثم أغمض عينيه بقوة و هو يصارع مشاعره المتأججة في صدره ، ثم عاد ينظر إليها .. تأثر بدموعها هذه المرة ، فمد يده و ربت علي وجنتها بلطف قائلا:
-حاضر .. حاضر يا عبير.
إبتسمت حين سمعته يطمئنها فأغمضت عينيها لا شعوريا و إستغرقت في نوم هادئ و هي تشعر بشعور مريح و”خالد”يربت علي وجنتها ثم ينحني ليضع قبلة علي جبهتها … !

*******************************************************************
في الصباح التالي ، إستيقظت”ياسمين”علي أصوات زقزقة العصافير و حفيف أوراق الشجر ، فتحت عينيها دون أن تحرك رأسها ، فتمتعت بمنظر آشعة الشمس الذهبية التي كانت تغطي سقف غرفتها الملونة ، شعرت أن الثلاثة أسابيع التي قضتها في قصر الـ”نصار”جعلتها تتعلق بهذه الغرفة و أثاثها الجميل ، و ستائرها التي حيكت باليد ، و بهذه المكتبة التي وفرها لها”عز الدين”من أجل دراستها ، كان لطيفا معها بحق ، حيث أنه نسي أنها أهانته بمنزلها ، تغاضي عن جميع المشكلات و قابلها بمنتهي الرحب و السعة حتي أشعرها بأنها في منزلها .. أنتزعها من تفكيرها فجأة صوت إرتطام الحصي بزجاج شرفتها ، فإبتسمت فورا لأنها علمت من الفاعل ، فدفعت الغطاء عنها و نهضت متجهة صوب الشرفة ، توقفت فجأة و أختبئت وراء حافة الشرفة لتختلس النظر إليه ، فسمعته يناديها عابسا ، فكبتت بكفها ضحكة مرحة ، فعاد يناديها مرة أخري يطالبها بإظهار نفسها فورا:
-ياسمين .. انا عارف انك فوق و سامعاني .. هتبصيلي و لا اطلعلك انا علي الشجرة دي ؟؟
عند ذلك إنفجرت ضاحكة ، ثم دفعت باب الشرفة الزجاجي و طلت إليه قائلة:
-عايز ايه يا عم انت ؟ كفاية بقي بقيت مزعج .. ايه ماوركش غيري ؟؟
منحها إبتسامة مرحة ثم قال و هو يرمش ليحمي عينيه من ضؤ الشمس:
-لو ماكنتيش بصيتي كنت هطلعلك علي الشجرة بجد.
ضحكت بخفة قائلة:
-ليه حضرتك روميو مثلا ؟ عموما انصحك ماتعملهاش لانك لو وقعت من علي الشجرة و رقبتك اتكسرت انا مش هتبرع و اعالجك زي ما عملت قبل كده.
قهقه بقوة ثم قال:
-لا ماتقلقيش انا محافظ علي صحتي كويس عشانك يا جميل.
-يسلام ! طب و انا ايه دخلي بصحتك ؟؟
-دخلك كبير طبعا .. مش سبق و قلتلك انك تخصيني ؟ تخيلي كده مثلا ان حد ضايقك مين اللي هيتصدرله غيري يا سو يا حبيبتي ؟؟
-ماشي يا سيدي شكرا .. رغم اني بعرف ادافع عن تفسي كويس بس المهم .. انت كنت عايز مني ايه علي الصبح كده ؟؟
-عايزك تنزلي تفطري معايا يلا تعالي.
-اشمعنا انهاردة يعني ؟ ايه السبب ؟؟
-منغير سبب يا ستي هتنزلي و لا لأ ؟؟
لفظ أخر كلماته مزمجرا فضحكت قائلة:
-ماشي نازلة.
إنفرج ثغره بإبتسامة واسعة ثم قال:
-مستنيكي .. بسرعة متتأخريش.

*******************************************************************

مر أسبوع أخر عليها بمنزله و هي لا تزال زوجته ، كلما بحثت عن فرصة مناسبة كي تتركه و ترحل عنه بلا رجعة تجد الأبواب مغلقة بوجهها ، فهو بات يغير مواعيد ذهابه و عودته إلي المنزل ، مما جعلها خائفة من إقتناص أي فرصة قد تضعها أمامه في مواجهة حادة ، و لكنها مازالت عند قرارها ، ستتركه رغم أنه أبدي تحولا بسيطا حيث أنه ما عاد يتعرض لها بالكلام القاس الجارح ، بالإضافة إلي أنه أصبح يتجنبها قليلا كي لا يحدث بينهما أي شجار قد يؤدي إلي عواقب لا تبقي و لا تذر ..
فكرت بشقيقتها ، يجب أن تبقي هي عندما تذهب أولا ثم تتصل بها من الخارج و تبلغها بمغادرة القصر هي أيضا ، كان هذا هو قرارها الحكيم فهي لا تريد إحداث بلبلة كي لا تلفت إنتباه أحد إلي مخططها الذي عزمت منذ أسبوع علي تنفذيه ..
فكرت به أيضا ، كم حدثت نفسها طوال ذلك الأسبوع بتجاهله و دفن ذكراه إلي الأبد خلال الأيام الفائتة ، لا يمكنها بناء أي مستقبل مع هذا الرجل ، بل ستجد نفسها بائسة ، تعاني الوحدة و الشقاء و الغيرة و العذاب ، لتطرد شبحهه مرة واحدة و إلي الأبد ، إنه رجلا لن يتواني أبدا عن تدميرها و سحق آمالها فهي و من دون أي شيء هشة قابلة للكسر ، يكفيها ما فعله بها إلي الأن ..
كانت تقف بالمطبخ تشرف علي الخادمات كعادتها في كل يوم ، فستللت فجأة إلي أنفها رائحة الطعام ، فشعرت بالغثيان يعاودها بقوة مجددا ، لكنها غالبته بكل قواها .. لم تشعر بـ”فاطمة”حين إقتربت منها و سألتها بنبرة قلقة:
-ست داليا .. انتي كويسة ؟؟
حولت”داليا”نظرها إليها ثم إبتسمت بشحوب قائلة:
-اه يا فاطمة .. كويسة .. روحي كملي شغلك.
أومأت الفتاة رأسها ثم إنسحبت في هدوء ، بينما أتاها دوار قضي علي تماسكها ، فترنحت بضعف ، ثم سقطت فاقدة للوعي ..
إستعادت”داليا”فيما بعد وعيها غير كامل ، حيث أنها كانت نصف واعية بما بدور حولها ، ميزت أصواتا لأشخاص تعرفهم و أصواتا أخري لأشخاص لا تعرفهم ، و كان من بينهم”عز الدين” .. بدا صوته في البداية قلقا متوترا ، ثم تحول بالتدريج إلي الإنفعال و التساؤل ، لم تستطع تمييز الحوار الذي دار من حولها ، جاهدت كي تستعيد كامل وعيها دون جدوي ، فأستسلمت للإغماءة تحتلها ..
بعد قليل فتحت”داليا”عينيها دفعة واحدة عندما سمعت صوت هاتفهها يصدر نغمته الصاخبة ، معلنا عن وصول رسالة جديدة ، إنتصبت نصف جالسة و هي تشعر بإعياء شديد ، و بطنين مزعج يدوي بأذنيها ، ثم مدت يدها و تناولت هاتفهها لتقرأ الرسالة التي وصلت لتوها … إتسعت عينيها و هي تكتم فمها بيدها كي لا تطلق صرخة آلم مدوية بأركان المنزل ، و بدون أن تفكر قفزت من الفراش متجاهلة آلمها الجسدي متذكرة آلمها النفسي ، يكفي هذا ، يكفي حقا ، لقد تحملت منه حتي طفحت كأسها ، ما الذي تنتظره بعد ؟ أن يأتي لها بنسائه إلي المنزل ؟
فتحت الخزانة ، بدلت ملابسها بيدين مرتجفتين ، ثم خرجت من الغرفة ، هبطت الدرج بحذر دون أن تصدر أي صوت ، ثم إندفعت مهرولة بخفة إلي الخارج ، واصلت ركضها حتي وصلت إلي البوابة الكبيرة ، فأمرت الحارس قائلة:
-انت .. افتح الباب.
رمقها الحارس بدهشة ثم قال بإرتباك:
-حضرتك .. حضرتك هتخرجي لوحدك ؟؟
-و انت مالك ؟ افتح الباب بقولك.
صاحت غاضبة فتوتر الحارس قائلا:
-حاضر حاضر بس يعني الجو ليل و ..
صمت بقلة حيلة ثم قال:
-هو فين مصطفي طيب ؟ ياخد حضرتك بالعربية في المكان اللي انتي عايزاه هو لسا داخل لعز الدين بيه ا …
-افتح الباااب.
قاطعته صارخة ، فإنتفض الحارس علي أثر صرختها ثم فتح لها اليوابة علي مصراعيها و هو مشتت لا يعلم أكانت فعلته صحيحة أم خاطئة ، و ياللهول إن كانت خاطئة ، فحتما سوف يلقي حتفه علي يد”عز الدين” ..
بينما خرجت”داليا”تاركة خلفها منزل يعج بذكرياتها الأليمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *