لولا التتيم الجزء الثاني
#لولا_التتيم #الفصل_السابع #ناهد_خالد
“أهلك.. هم وطنك, مهما بعدت عنه ستعود إليهِ يومًا, وطنك هو مرساك حين تضربك أمواج الدنيا, هو الأرض الدافئة التي ستحتضنك حين يقرصك برد الغربة”
وهذا ما حدث معه تمامًا, ظل يتجول بالشوارع لساعات لم يحسبها, وأخيرًا وجد ذاته يعود لمرساه.. لمنزله القديم, لأهله, ورغم خزيه من الموقف واستعداده لتلقي الكثير من اللوم , إلا أنه صُدم حين سألته والدته بكل هدوء:
– أنتَ بجد هتبات هنا؟
ابتسم ابتسامة باهتة يسألها:
– ايه أوضتي مش فاضية؟ اوعوا تكونوا بعتوها؟
ردت نافية:
– لا فاضية, ومستنية صاحبها… بس يا ترى إقامة مؤقته؟
هز رأسه نافيًا بزفرة قوية:
– لا, مش مؤقته.. إقامة دايمة .. الطير رجع لعشه يا ماما, أخيرًا اكتشف أنه كان غلطان لما أغرته حاجات تانية واتنازل عن دفا عشه وراحته فيه.
– طب ما الطير ياما استحمل, اشمعنا المرة دي؟
رفع شفتيهِ بألم:
– عشان المرة دي غير يا أم بدر.. أنا ممكن استحمل صحيح, واستحمل أي حاجة في الدنيا, إلا أن حد يعايرني أو أحس أنه متفضل عليَّ, عمري ما اسمح لحد يكسر عيني أبدًا.
سألته بتروي:
– واثق من قرارك يا بدر؟
عقد حاجبه مستغربًا:
– فكرتك أول واحده هتفرحي يا أم بدر وتقوليلي زين ما عملت!
نفت برأسها توضح:
– مفرحش في وجع ابني حتى لو كان هو الصح له, مفرحش إني اثبتلك إني كنت صح وأنتَ موجوع.. لازم تبقى واثق من قرارك عشان متندمش عليه بعد كده.
هز رأسه نافيًا بثقة:
– مش هندم.
وبالفعل لم يندم.. مرَ يومان ولم يندم أبدًا على ما فعله, وبعد مكالمتها كان يظن أنه سيميل لكنه لم يفعل, وكأن قلبه ثار أولاً مدافعًا عن كرامته قبل عقله.
خرج من غرفته يرتدي حذاءه وهو يقول:
– أنا نازل يا ماما.
– ماشي يا حبيبي ربنا معاك.
ترجل للوقوف في محل والده ثانيًة, منذُ أمس وهو قرر أن يعمل بهِ مرة أخرى كما كان يفعل منذُ كان في الرابعة والعشرين, ذلك المحل الذي لطالما أحث والدته على بيعه , الآن فقط أدرك أهميته, الآن فقط أدرك أنه لولا هذا المحل لكان يتسول في الشوارع الآن بحثًا عن عمل لن يجده بسهوله.
وقف في محل العطارة الكبير الذي دوُن عليهِ من الخارج ” عطارة حسن المناوي” يتابع أعمال البيع باهتمام كي يسترجع طريقة البيع التي نساها مع مرور الوقت, كان يتابع العمال بأعين ثاقبة فلا يجب أن يتضح لهم أنه جاهل بأمور البيع كي لا يستهزئون بهِ أولاً, وقد يستغل أحدهم جهله ثانيًا, اقترب منهُ الحاج “درويش” هذا العجوز الذي تولى العمل بالمحل منذُ عشر سنوات كاملةً, وهتف بهدوء: