لولا التتيم الجزء الثاني

رفعت عيناها التي أدمعت فجأة لوالدتها وقد تغيرت ملامحها وهي تقول:

_هبل؟ هو أنتِ ازاي مش حاسة بيا؟ أنتِ بجد شايفة إن الي عمله عادي؟

هتفت والدتها بهدوء:

_ هو متخيلش الموضوع يوصل لكده.

هزت “صفية” رأسها بعدم استيعاب مرددة:

_ بجد؟ ده مبرر يعني؟ أنتِ لو حاسة بيا بجد مش هتقولي كده.. ولا هتستهوني بالموضوع كده.. يوسف أذاني فوق ما يتخيل بالي عمله.. ده أنا مسكت ايده واترجيته.. قولتله لو عمل كده عمري ما هسامحه، وكل ده مرجعوش عن الي عمله.

كانت تشرح بيدها المشهد الذي حدث منذُ أشهر، وهي تمد يدها للهواء كأنها مازالت تمسك يده، لتمسك والدتها بكفها حين رأت دموعها قد انسدلت على وجنتيها لتهتف برفق:

_ أنا عارفة أنه يمكن غلط.. بس لو فكرتِ في مبرراته هتلاقيه عنده حق يا صفية هو..

قاطعتها وهي تسحب كفها منها بعنف لتهدر بصوتٍ عالٍ وهي تشير لذاتها:

_ عنده حق! أنا مش قادرة انسى المشهد ده، مش قادرة انسى احساسي وقتها وأنا مش قادرة ادافع عن نفسي.. مش قادرة ارفض ولا عارفه اخد موقف، رجائي له كان الحاجة الوحيدة الي قدرت اعملها.. بس هو خذلني.

أنهت جملتها بشهقة بكاء خرجت منها فجأة بعد أن تجسد المشهد أمامها.. وأُعيد لها كل ما شعرت بهِ حينها.. لقد كان موقف قاسيًا لا تظن أنه سيمحى من ذاكرتها بسهولة، تتجنب لقاءه لأنها تشعر أنها بمجرد رؤيته سيعود لها كل إحساس شعرت بهِ ذلك اليوم، سيشعر قلبها بنفس الرهبة، والقلق، وتلك الدقات العنيفة التي كادت توقفه يومها، تلك اللحظات العصيبة التي أصابت قلبها بنغزات لم تنساها للآن بل ومازالت تشعر بآثارها رغم مرور أشهر على حدوثها.

كادت والدتها أن تتحدث لكنها صمتت حين دلف الصغير “يونس” يركض وهو يردد ببهجة:

_مامي بابي قالي اني هروح معاه.

استدارت تمسح دموعها بكف يدها المرتعش من أثر الذكرى المريرة بالنسبة لها، وعادت له مرة أخرى تسأله بابتسامة باهتة:

_تروح معاه فين؟

رد الصغير ببراءة:

_ بيتنا.

قطبت حاجبيها تنظر لوالدتها معقبة:

_ ده ايه ده؟

_ هو طلب إن يونس يقضي معاه يومين، قولتله هعرفك وأرد عليه، رغم أنه مش محتاج أذنك عشان ياخد ابنه.

ابتسمت ساخرة وهي تقول:

_ بتقولي كده عشان تعرفيني إني مليش حق الرفض يعني!

ابتسمت والدتها ببرود وهي تقول:

_ ما أنتِ ملكيش حق الرفض فعلاً.. هروح أعلق على الغدا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *