على رقاب قدر نافذ بقلم شاهندة ج 4
(بدارة) في كل مكان حوله ، في وجه صغيرتها الملائكي ، في صوتها الجائع ،في هدوئها اللطيف ولمستها الدافئة وهذا لم يزد (مهران )سوى اعتزالا لنفسه عن الجميع وحتى ابنته ، أصبح مجرد شخص بائس ، عصبي .. حزين لا تريحه مواساة ولا تعزية .
احتارت (ناتالي وثريا) في أمر الصغيرة فلم تجدا بدا من ضمها إلى رعاية( فضيلة )حتى ترضعها مع ولدها (فاروق) ..وكان ذلك وقد انتقلت معها (ناتالي) كي تكون لها أما عوضا عن الأم التي فقدتها ..
بعد مرور شهرين وقد بدأ الجميع يعتاد فُقد (بدارة) وكفوا عن بكائها والتحسر على فقدانها إلا (مهران) الذي مازال على وضعه بالرغم من زيارة الدكتور (ياسين) – طبيب نوار النفسي الذي نشأت بينهما صداقة -ومحاولة التنفيس عنه وحمله على ترك ذكرى( بدارة) حتى تهنأ في قبرها لكنه لم يستطع تمالك نفسه وذكراها تحاوطه كذراعيّن تشدان عليه بقوة ..
حان موعد وضع (زهرة) فأنجبت ولدا بصحة جيّدة اكتسب سمرة والده وملامح والدته وأخذ إسم خاله ” مهران” ، اجتمعت العائلة مجددا في سبوع المولود في وليمة بسيطة مراعاة لمشاعر الحزن التي خيّمت على قلوبهم ..
حضر الجميع ما عادا (مهران ) الذي لازم دور أحزانه- الطابق الثالث من بيتهم الذي جعله مسكنا له ول(بدارة) وصغيرتهما فأطلقت عليه العائلة دُور الأحزان الذي يعتزل فيه (مهران) نفسه مع حزنه- وقتذاك أدرك (عويس) أنه لابد أن يفعل شيء لإخراج (مهران) من ما هو فيه ، استأذن من حضوره الذي أمّن( عسران) عليهم وتوجه نحو( مهران) وقد قرر ألا يعود إلا وهو بيده ..
فتحت العمة( نفيسة )الباب وقد تفاجئت بالحاج (عويس) يقتحم البيت فقالت بينما هو يواصل طريقه إلى الأعلى :
_ ماحدش إهنه ياحج ، كلاتهم عندك بالبيت !
فرد عليها بصوت عال :
_ فيهّ يانفيسة فيهّ لكن هو نسيّ نفسه و واضح الكل نَساه !
فتح باب الغرفة المظلمة فأزكمته رائحة التبغ المحترق فراح يسعل وقد أشعل كل الأضواء ودخل يزيح الستائر ويفتح الشبابيك الثلاث لتنسحب الرائحة خارجا
والتفت يطالع (مهران) الذي يجلس على الكرسي المتأرجح يلف نفسه بشال أسود كان ل(بدارة) ولا تزال رائحتها عالقة به ..
سحب كرسيا وجلس قبالته بينما هو ساهم زائغ البصر قد اسود وجهه وتشققت شفتاه وخط الدمع على خديّه خندقيّن سوداويّن بينما جفنيّه المنتفخيّن يوحيان أنه لا ينام إلا فاقدا لوعيه من البكاء والإرهاق ، استغفر وحوقل ثم قال بصوت باكي :
_ يومها لمن جيت وجلتلي يا أبا الحج بدارة رايدة تتحدت وياك ودخلت عندها حبت على يدي وسحبتني، جعدت حداها فحطت راسها على كتفي وجالتلي : ” يابوي رايدة منك تسامحني لمن هربت من البيت وجليت منك جدام العريس وأهله سماح حجيجي من جلبك الطيب ” مسحت على راسها وجلتلها : ” يابدر داري وحياتي كولاتها لو على السماح مني فاني لا يمكن أشيل منك، جلبي راضي عليك يانن عيني ، أني اللي أجولك السماح عشان غصبتك وخليتك تهربي ده غلطي مش غلطتك ..
ولو رايدة الحجيجة أني مبسوط بهروبك ،هو اللي خلاني أرجع أتصافى مع عسران وبسببه هشيل حفيدتي باذن الله الي هتبجى أغلى منك ..فبجولك من اللول ماعيزشي غيرة بيناتكم انتي وبتك عشان جدها هيدلاعها جوي جوي …