نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر جزء 9

❈-❈-❈

– معفولة يا جاسر؟ يعني انت بتتكلم جد ما بتهزرش؟
هتفت بها لمياء بعدم تصديق بعد أن أردف لها جاسر عن هذا المطلب الغريب حينما يصدر منه هو شخصيًا، والذي أكده بقوله جاسر بنبرة مقنعة بعد أن جلس يتناول من طبق الفاكهة الذي أمامه على الطاولة:
– واهزر ليه بس يا ست الكل؟ انا عامل العزومة عشان اجمع حبايبنا، بمناسبة خروج والدي بالسلامة من المستشفى وحمل مراتي ، الظرفين الحلوين دول بقى ، مش يستاهلوا حفلة بذمتك؟
جلست لمياء في الكرسي المقابل تومئ له برأسها وقد افتر ثغرها بضحكات سعيدة أظهرت أسنانها وهي تجيبه:
– صح عندك حق يا جاسر، هما فعلًا يستاهلوا حفلة مش عزومة، إيه رأيك بقى لو نخليها حفلة فعلًا؟
هذه المرة كانت الضحكة من نصيبه نفسه، قبل أن يجيبها بتفكير:
– لأ يا أمي مش لدرجادي، نكتفي دلوقت بالعزومة عشان صحة بابا كمان ما تتعبش ولا انتِ تحبي إيه؟
أجابته بلهفة وفرحة لازالت لا تستوعبها بعد:
– كل اللي تقول عليه كويس يا حبيبي، مدام هتراعي كمان صحة عامر، وانا كفاية عليا انك حنيت وعايز تقرب المسافات بيني وبين ميري، دي مهما كان بنت خالتك يا حبيبي والدم عمره ما يبقى مية.
هز برأسه يُظهر اقتناعه الكامل مع ابتسامته التي لا تفارق فمه قبل أن يقول لها:
– طب خلاص بقى يا أمي مدام اتفقنا، يبقى اتصلي انتِ يا ست الكل واعزمي بنفسك، برضوا انتِ هاتقنعيهم أحسن مني!

الفصل السابع والأربعون(1)

جالسة على كرسيها تراقبه من فترة لا تذكر عددها،
بعد ليلة مرهقة فعليًا لها من النوم المتقطع، والذي لا تعلم إن كان سببه هو تغيرها لمكانٍ لم تعتاد عليه قبل ذلك على الرغم من شعورها بالدفء بمشاركته الغرفة التي شهدت سابقًا على أيام عزوبيته، أو يكون السبب الاَخر هو تفكيرها المستمر في هذه المأدُبة التي قرر فعلها اليوم بالمنزل بمساعدة والدته التي دبت في جسدها الحماسة بشكل يثير الإندهاش والغرابة أيضًا فهذه المرأة تكتنفها سعادة غير طبيعية منذ أن علمت من جاسر بترحيبه لدعوة ابنة شقيقتها أو زوجته الأولى ميرهان لحضور هذه المأدُبة، تتاَكل من الفضول بداخلها لتعلم بالغرض الحقيقي من وراء هذه المأدُبة، وهي الأعلم بطبع زوجها الإنعزالي من وقت زواجها به، دائمًا لا يفضل الحفلات ولا السهر مع أحدُ غيرها، او هذا ما رأته هي في هذه الأشهر القليلة معه!
نار تسري بأوردتها كل ما تذكرت أنها ستلتقي بهذه المتكبرة اليوم والمطلوب منها الترحيب بها في المنزل الذي كان مقرها هي قبل ذلك، تحتد عينيها في النظر إليه وشيطان عقلها يصور لها عدة سيناريوهات تزيد من اشتعال نيران الغيرة بصــ درها بعد أن علم بخطبتها، ولربما كان هذا سببًا ليحن إليها ولأيام زواجه بها
– يا نهار اسود ليكون هو دا اللي حاصل فعلًا، ولا مصيبة كمان لو مكانش في خطوبة أصلًا وهو بيضحك عليا، والنعمة دا لو حصل بجد لا يمكن هسامحك يا جاسر أبدًا.
ظلت تغمغم بكلماتها وحديث نفسها المشتعل بالظنون، تضع غيظها بالقرقضة على أطراف اظافرها حتى أخذها الوقت، ولم تشعر به هو نفسه حينما استيقظ وانتبه على جلستها الشاردة وفعلها الغريب، حتى نهض يجفلها بقبلة كبيرة على وجنتها بصوت عالي ويًتبعها بقوله:
– صباح الفل، الجميل بقى سرحان في إيه؟
عبس وجهها وبرقت عينيها ترمقه بنظرة مشتعلة بصمت دون أن تجيبه ولو بحرف، لا تعلم بأنه فهم ما يدور بعقلها الاَن جيدًا من ظنون وأفكار متطرفة، توحي بها ملامحها البريئة والتي لا تعرف التصنع، ولكن هذا لا يمنع شعوره بهذه التسلية الغير عادية في مناكفتها ، وأردف يدعي الدهشة:
– يا بنتي اتكلمي وقولي، ليه التكشيرة دي كدة بس ع الصبح.
– وانت مالك؟
هتفت بها حادة مباغتة كادت أن توقعه من الضحك، ولكنه سيطر بصعوبة ليتمالك نفسه حتى عن الأبتسام، رغم ارتسامه بوضوح على ملامح وجهه، ورد بجدية مزيفة يدعى العتب:
– كدة برضوا يا زهرة؟ دا رد ترديه على سؤالي؟ لا يا زهرة انا مش متعود منك على كدة.
استدركت شاعرة بحجم خطئها بهذا الرد الغير لائق لسؤاله، فقالت ملطفة وقد انتابها فجأة شعور بالذنب :
– معلش متزعلش مني، بس بصراحة بقى انا أساسًا قايمة متقريفة ومزاجي زفت عشان معرفتش انام كويس بعد ما غيرت مكاني، وانا مصدقت اتعود على مكاني الجديد في بيتنا هناك.
أومأ برأسه لها يدعي تقبله الإعتذار الغير مباشر منها بصمت مما اضطرها لتزيد بسؤاله:
– لكن انت ماشاء الله بقى باين عليك قايم من نومك مبسوط!
توسعت على فمه ابتسامة أضاءت وجهه ليجيبها فاردًا ذراعيه باسترخاء :
– ومانبستطش ليه بقى؟ ودا اول يوم ليا في الغرفة دي اللي طول عمري متعود فيها على وحدتي والوحشة اللي كنت بحسها دايمًا، اصحى بقى على منظر كدة يسعدني ويشرح قلبي، حبيتي قاعدة قدامي بعد ما شاركتني فيها، لا وشايلة جواها ابني اللي جاي في السكة كمان..
قطع فجأة يتناول كف يدها ليكمل حديثه بصدق ما يشعر به:
– اَخيرًا هيبقالي ذكريات حلوة ابدلها بالذكريات الوحشة القديمة .
وصلتها كلماته بما تحمله من معاني جميلة لتزيد بداخلها اليقين من صدق عشقه لها مع تأثرها الحقيقي، لمعاناته السابقة مع هذا الشعور القا,تل بالوحدة، ولكن عقلها الساخن بالأفكار الجامحة الاَن يرفض الأستسلام دون أن تسأل عن ما يدور به:
– جاسر هو انت اتأكدت فعلًا أن ميري اتخطبت، ولا دي إشاعات والناس بتطلعها وخلاص؟
إلى هنا وقد فقد زمام أمره ولم يعد لديه قدرة على كتم ضحكاته، حتى اثار ضيفها منه أكثر وصارت تحدجه بنظرات شرسة تساهم في استمرار ضحكاته، قبل أن يهدأ اَخيرًا ناهضًا من أمامها يردف مع ذهابه نحو حمام الغرفة:
أما انت غريبة والله يا زهرة، بقى كل الهليلة دي عشان تسأليني اتأكدت من خطوبة ميري ولا لأ ؟ طب انا هكون بكدب ليه بس يا بنتي؟
ختم جملته الاَخيرة بابتسامة متلاعبة قبل أن يغلق باب الحمام أمامها بمنتهي البرود، مما جعل أبصارها معلقة لحظات على الباب المغلق تتمتم بغيظ:
– بقى أنا اللي غريبة يا جاسر؟…. ولا انت اللي تشل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *