نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر جزء 9
❈-❈-❈
هتتأخري النهاردة في شغلك؟
سألها مخاطبًا لها بجواره وهو يقود سيارته ، واجابت بعملية وهي تراجع على بعض الأوراق سريعًا:
– أممم بصراحة مش عارفة هبقى اشوف .
– لأ هتشوفي دا إيه؟ انتِ لازم تفضي نفسك عشان مشوارنا.
قالها بحزم اثار انتباهها لتترك ما كانت تتطلع به، وتسأله بنزق:
– ليه بقى لازم يا كارم؟ دا مشوار عائلي لمناسبة سعيدة في عيلتكم، وانا لسة ع البر يا كارم .
– لأ مش ع البر يا كاميليا.
هتف بها وهو يضغط بقوة ليوقف السيارة فجأة فجعلها تهتز بجسدها لأمام بعنف قبل أن ترتد سريعًا بفعل حزام الأمان، رفعت رأسها تواجهه مخضوضة:
– ليه كدة يا كارم؟ انت خضتني بجد على فكرة .
لانت لهجته ليرد باعتذار:
– انا اسف، بس انتِ اللي اضطرتيني لكدة.
– انا برضوا اللي اضطريتك لكدة؟ طب ازاي؟
هتفت بها بعدم استيعاب لتجده ينظر لها مؤكدًا بقوة:
– ايوة انتِ يا كاميليا، عشان الكلام ده في كل مرة بتقوليه اطلب منك ترافقيني في مشوار لعيلتي، انا مش فاهم ايه سر رفضك الدائم لكل خروجة اطلبك فيها؟
حاولت كبح غضبها لتجيبه بنبرة هادئة نسبيًا حتى لا تثير غضبه:
– بسببك يا كارم، وبسبب تدخلك حتى في اللي هلبسه، دا انت بتختار الفستان وتختار الكوافير اللي هروحله، دا غير طقم الألماظ اللي لازم البسه، وانا ما بحبش التكلف، انا واحدة بميل للبساطة.
سمع منها ليرد بعدم اكتراث:
– اه والبساطة دي هتنفعك بإيه بقى لما تظهري اقل من أي واحدة من بنات العيلة؟ الكلام اللي انت بتقوليه دا يا كاميليا خيالي اوي وملهوش دعوة أبدًا بالواقع اللي احنا عايشينه
رددت وهي تُشير بسبابتها نحوها :
– انا كلامي خيالي يا كارم؟
اومأ بعيناه قبل أن يقول ملطفًا في محاولة لإقناعها:
– كاميليا عايزك تفهميني، انا فخور بيكِ وعايزة الدنيا كلها تشوف اختياري الصح، ست جميلة وناجحة في شغلها، يبقى فاضل بس انها تبقى سيدة مجتمع راقية وانت تصلحي للدور ده، حرام ترضيني فى حاجة زي دي.
صمتت بعدم رضا فلم يعجبها حديثه ولكنها فضلت عدم الاصطدام .
علم هو بما يدور برأسها فتناول كفها يقبلها ليقول برقة:
– حبيبتي انا ماليش غيرك، لا عندي اخوات بنات ولا ولاد، انتِ دنيتي كلها بعد أمي وانا مصدقت لاقيتك.
❈-❈-❈
وصلت لمقر عملها لتجد هذه الزحمة بالطابق الموجود به غرفة المكتب الخاص بها، عمال وموظفين لم تعتد رؤيتهم، أعدادهم تتزايد بكثرة كلما تقدمت بداخل الرواق حتى تفاجأت، بالتجمع الكبير أمام غرفته، وهو الغائب لأكثر من شهر في إجازة لم يحدد مدتها، إذن ايكون قد عاد من سفره؟ فقد اخبرتها زهرة بذهابه ألى عائلته بكندا، ام من الجائز أن يكون قد احتل غيره مكانه؟ او ربما استقال من منصبه بعد ماَساته معها ومعاناته التي شهدتها بنفسها، وأوجعت قلبها معه.
وصلت إلى التجمع امام الغرفة المذكورة، فانتبه الرجال متزحزحين عن أماكنهم كي يسمحوا لها بالدخول، لتدلها ضحكته المجلجلة عنه في قلب المساحة المزدحمة،
بجسده الطويل يرتدي حلة سوداء فاخرة، يعطيها ظهره وهو يتحدث مع رئيس العمال الذين أتو لتحيته بعد رجوعه من غيبته ، في حدث لا يتكرر مع غيره وذلك لتقربه من الجميع وبساطته في الحديث مع كل العمال دون تفرقة .
ضخ قلبها بقوة ليصير نبضه قويًا وسريعًا دون هوادة، وكأنه في سباق للعدو، لقد اشتاقت له ولرؤيته ولصوته ومزاحه، ومشاكسته، حتى عتابه ولومه لها.
هذا شئ تأكدت منه جيدًا في الأيام التي قضتها في العمل بدونه.
– استاذة كاميليا وصلت اهي، تعالي احضرينا بقى يا ست.
هتف بها رئيس العمال فاستدار بجسده إليها لتشعر بتوقف قلبها عن النبض للوهلة الأولي قبل أن يستعيد توزانه وتتمالك نفسها وهو يقترب ليصافحها بنبره عادية:
– اهلا يا كاميليا عاملة إيه؟
ابتعلت لتجلي حلقها كي ترد:
– اهلآ بيك يا طارق، حمد لله ع السلامة، انت وصلت امتى؟
– انا وصلت من امبارح يا ستي.
قالها والتف للعمال متجاهل النظر إليها وكأنه تركها بالأمس وليس ثلاثين يومًا، لم يشعر ولم يصيبه ألم الأشيتياق الذي مزق قلبها وجعلها الاَن تنسى نفسها مستغلة انشغاله بالتحدث مع العمال الذين يطالبون بمكافاة استثنائية فرحة رجوعه للعمل، وتتأمل ملامحه المشرقة بنهم، وقد زادت وسامة على وسامتت وعاد لمرحه القديم في حديثه معهم:
– سايبن شغلكم وعاملين مظاهرة. عشان لما افتن عليكم لجاسر الريان محدش فيكم يجي يشتكي ولا يزعل.
هتف بها فانطلقت الضحكات مع ردود افراد من العمال بتفكه من واقع عشمهم في كرمه وطبيعته السمحة ، حتى انتهى النقاش بصرف المكافأة التي أصروا عليها، لينصرفوا بعدها مهللين بانتصار، مع قول الدعوات له،
فلم يتبقى سوى هو وهي التي عادت لعمليتها في مخاطبته :
– على فكرة انا منظمة وموثقة لكل حاجة اتعملت في غيابك، ومستعدة ابعتلك حالًا الملفات تراجع فيهم براحتك .
وعلى عكس ما كانت تفعل دائمًا، هذه المرة كانت تخرج الكلمات من فمها سريعة وبلهفة، وعينيها تتحاشى النظر إليه، ولا تعلم إن كان السبب هو هذا الخجل في مواجهته بعد الذي صار بينهم اَخر مرة، ام هو الخوف من أن ينتبه بعيناه الجريئة التي أذا أمعنت النظر بخاصتيها فسوف يرى هذا الشوق الذي يفضح ما بداخلها الاَن وبقوة.
– تمام يا كاميليا، ابعتيهم للسكرتيرة بتاعتي بقى واحنا نظبط.
رفعت رأسها باستفهام، متعجبة لسماع الجملة، فرد هو بابتسامة متوسعة وقد قرأ استفسارها فهتف بالأسم:
– لينا تعالي سلمي على رئيستك الجديدة في الشغل .
التفت كاميليا لخلف ظهرها نحو الجهة التي كان يتحدث إليها طارق ، لتجد الفتاة خلفها بالقرب منها ،
ضيقت عينيها وهي تتأمل بها جيدًا، بشعرها الأصفر والمسترسل بنعومة فائقة على جانبي وجهها الشديد البياض وعيناها ذات اللون الفيروزي الرائع، بجمال خلاب وملابس فوق ركبيتها اظهرت عن ساقيها الطويلة بسخاء ورائحتها التي كانت تزكم أنفا منذ فترة وهي التي تصورت بغبائها انها كانت عالقة بأحد العمال .
– اهلا وسهلا حضرتك تشرفنا .
قالتها الفتاة بابتسامة رائعة من ثغرها الجميل، تجاهلتها بعدم زوق لتتوجه بالسؤال إليه بلهجة جافة:
– ودي امتى لحقت توظفها وانت مسافر؟
أجابها واضعًا كفيه في جيبي بنطاله وابتسامة موجهة للفتاة:
– لينا مش محتاجة اختبار ، دا معرفة من زمان، بس إيه لهلوبة
– لهلوبة!
رددتها خلفه قبل أن تلتف إلى الفتاة ترمقها بنظرة من اعلى لأسفل بتفحص، ثم تابعت بازدراء:
– اه صحيح، واضح فعلا انها لهلوبة