نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر جزء 9

احتدت نظراتها وهي تعود بالخلف تتأمله جيدًا، لا تصدق أن زوجها أيضًا وقع اسير هذه البراءة الخادمة لهذه الفتاة، ألا يكفي ابنها الذي اصبح لا يرى أحدًا سواها وكأنها الملاك الذي نزل على الأرض بالخطأ، فقالت بتهكم:
– ما تقول فيها شعر كمان يا عامر، انا مش فاهمة إيه اللي جرالك إنت وابنك، عشان تتعلقوا بالبنت دي وتنسوا أصلكم ومركزكم الإجتماعي وسط البشر والعالم كله؛ اللي بتراقب كل تفاصيل حياتكم، وبينتقد كل كبيرة وصغيرة تعملوها؟
أجابها مشددًا على حروف كلماته غير مبالي بثورة غضبها، ولا بهذا المنطق الذي تتحدث به متشدقة:
– أرجع تاني واقولك، دي مرات ابنك وهتبقى أم أحفادك قريب، وحكاية اني حبيت البنت أو اتعلقت بيها، وانتِ عايزة دا ما يحصلش ليه بقى؟ وانا شايف فرحة ابني وراحته معاها، والوسط اللي انتٍ فرحانة بيه ده؟ ما احنا كل يوم بنسمع عن فضايح وخيانات بالكوم فيه، لكن انتِ ابنك اتجوز على سنة الله ورسوله مع اللي شاف راحته معاها، زي ما في ناس كتير بتعملها برضوا بس في السر، إنما نحن ابننا راجل وما بيخافش من حد عشان يعمل حاجة في السر
صمتت تتأكل من الغيظ وقد ألجمها بكلماته المنتقاة بدقة، فقالت متهربة:
– ع العموم كل واحد حر في حياته، المهم بقى، انا جهزتلك كل حاجتك، عشان نروح مع بعض
– لا انا مش هاروح دلوقت، هستنى حبتين على ما يجي جاسر.
قالها على الفور، وردت هي مستفسرة:
– وهتستنى جاسر ليه بقى؟ إذا كان هو أصلًا مجاش النهاردة.
تحمحم يجلي صوته بتوتر يكتنفه الاًن قبل إخباره بما انتواه مع ابنه، لعلمه الاَكيد، كم هذا سيغضبها فقال بارتباك:
– أصلي ناويت اروح معاه……. اقضي فترة علاجي عنده.
– تروح فين؟
صاحت بها غير مكترثة لصوتها العالي ومكانتها الإجتماعية في مشفى كبير كهذا، لتكمل بعدها:
– إزاي يعني ياخدك عنده؟ وانت تروح ليه بيته من الأساس وبيتك راح فيين؟
أغضبه صياحها ليزيد بداخله احتقانه منها، فذهب عنه توتره، ورد حازمًا يمنع عنها فرص الجدال بأسلوب تعلمه جيدًا حينما يأتي لاَخره:
– عنده ولا معندوش، أنا قررت ومش هارجع في كلامي، ومحدش له حاجة عندي عشان يمنعني .

❈-❈-❈

عادا الإثنان من عيادة الطبيبة النسائية بعد أن أجرت فحصوها مع زهرة واطمأنت على حالة الجنين، كما أمرت ببعض النصائح التي يجب اتباعها طوال مدة الحمل، وبداخل المنزل كانت تسير بجواره بخطوات متأنية حتى جلست على أقرب اَريكة وجدتها أمامها؛متابعة حديث جاسر المحتد مع والدته في الهاتف:
– يا ماما بتزعقيلي ليه بس؟ هو هيقعد عند حد غريب يعني؟ ………… يا ست افهمي، أنا اللي اقترحت عليه الاقتراح ده عشان اراعيه……… ياماما والله ما قصدي، انا عارف ومتأكد انك مبتقصريش معاه، بس انا قولت اخفف عنك يعني……….
وكأن بكلماته يقصد زيادة غضبها مع ازدياد صراخها الباكي في الهاتف، فتابع في محاولة لإرضاءها:
– طيب ما تيجي انتِ معايا واهو يبقى تغير جو بالنسبالك.
حتى هذه لم تفلح فقد استمرت في بكائها، حتى انتهاء المكالمة بينهم دون أي نتيجة تذكر، دفع جاسر الهاتف من يده على الطاولة الزجاجة الصغيرة ومعها سلسلة مفاتيحه وسقط هو على الاَريكة بجوارها، يزفر متفافاَ، مغمضًا عينيه ليضغط بطرفي سباته وإبهامه على أعلى أنفه، عله يخفف من إرهاقه، ثم التف على قول زهرة له:
– برضوا رفضت إنها تيجي هنا معاه؟
حرك رأسه بيأس وهو يعتدل بجسده مائلًا نحوها:
– للأسف بتقولي ان بيتها أولى بيها، واني بمحاولتي دي، بساهم في زيادة الفرقة ما بينها وبين بابا.
سمعت منه زهرة بتأثر صامتة فاستطرد بتعب:
– طب اعمل إيه بس عشان ارضيها؟ ما هو انا مش هقدر أسيبه تعبان كدة وانام في بيتي هنا وقلبي مشغول عليه، خصوصًا بقى وانا ملاحظ انه لسة زعلان وواخد جمب منها، ولا هقدر كمان أسيبك انتِ هنا لوحدك.
– خلاص يبقى نروح احنا ونقعد عندهم .
– إيه؟
تفوه بها بغير تصديق، وتابعت هي مؤكدة رغم ما رأته سابقًا من لمياء، والتمسته من معاملة جافة منها:
– أيوة يا جاسر، نروح نقعد معاهم انا وانت نراعي عمي على ما ربنا يتمم شفاه على خير أو حتى يتحسن وبعدها نرجع على بيتنا .
سهم قليلًا أمام قولها بملامح ثابتة قبل أن يقترب منها مقبلًا وجنتها ممتنًا على حل مشكلته ببساطة أراحت قلبه، وقال بصدق ما يشعر به نحوها:
– كل يوم بتأكديلي بالفغل انك جنتي على الأرض؛ اللي ربنا كرمني بيها عشان احسن شكره واحمده ليل نهار عليكِ .
صمت برهة بتفكير ثم أكمل يطمئنها هي أيضًا:
– وعلى فكرة يا زهرة بخصوص والدتي لو انتِ قلقانة منها، فخليك فاكرة كويس أوي، إني لا يمكن هاسكتلها لو حصل أي إشكال ما بينكم، ولا والدي كمان، ولا انتِ ماواخداش بالك بمعزتك عنده.
تبسم ثغرها بابتسامتها التي تزيد من تعلقه بها يومًا بعد يوم:
– طبعًا عارفة ومتأكدة كمان، عمي عامر دا عسل ربنا يعجل بشفاه يارب، وطنت لميا ربنا يقرب ما بينا ان شاء الله، ما حدش عارف.
تنهد مطولا براحة وهو يعود بظهره للاَريكة، متمتمًا بتفكير:
– وبكدة هتبقى العزومة في بيت والدي تمام!
– عزومة إيه؟
سألته تقطع عليه شروده، تطلع إليها قليلًا بصمت قبل أن يجيبها وقد بدا أنه حسم أمره في إخبارها:
– أصل يا ستي، حابب اني أعمل عزومة كدة ع الضيق بعدد محدود من اصدقائنا، بمناسبة ان والدي ربنا أخد بإيده، زي مصطفى ونور مراته مثلا، طارق وكارم وكاميليا، ميرفت وميرهان…
– إيه ميرهان؟
هتفت بها مخضوضة لا تصدق بنطقه للأسم حتى، فوجدته يردف متصنعًا الجدية:
– أيوة ميري يا زهرة، ما انا مش عايز ماما تتحرم منها، دي مهما كان برضوا تبقى بنت اختها، ومش معنى ان كل واحد راح لحاله مننا يبقى خلاص هانقطع بقى.
مالت إليه بوجهها تقول مستنكرة:
– يا سلام، وانت اسم الله عليك، بتحن اوي للراوبط الأسرية .
شعر بسعادة تدغدغ قلبه مع رؤية هذا الجانب الجديد منها، وردها الساخر رغم خجلها الدائم فقال يشاكسها:
– بتغيري يا زهرة؟
زفرت تُشيح بوجهها عنه فتقرب يلح بمشاكستها أكثر وبإطراف أصابعه يمازحها على طرف أنفها:
– ماتقولي يا بنتي وعبري عن اللي مضايقك، بتغيري يا زهرة؟
نزعت يده تزأر بوجهه بشراسة:
– والله لو ما بطلت يا جاسر هزعل بجد، وانت عارف إن الزعل وحش عليا، ولا نسيت كلام الدكتورة؟
– إيه دا إيه دا؟ هي هرمونات الحمل هبت علينا ولا إيه؟
قالها بمرح متزايد ، وحينما لم يلقى استجابة منها، خفف ملطفًا يقول لها:
– ع العموم انا سمعت انها اتخطبت، والدها ما شاء عليه ما بيضعش وقت
غمغم بداخله:
– والله ما انا عارف مين المغفل دا اللي رضي بيها أصلًا؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *