نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر جزء 9
❈-❈-❈
منكفئة على الأوراق التي أمامها تدعي التركيز وهي لاتفقه مما تقرأه شيئًا على الإطلاق، لقد حاولت مرارًا وتكرارًا بالعودة عليهم ومراجعتهم ولكن لا فائدة، فمنذ رؤيتها له صباحًا وعقلها تشتت بصورة غريبة وغير معتادة، ولا تعلم، إن كان بسبب هذا الإشتياق الكبير الذي شعرت به وقت رؤيته المفاجأة، أم هي الحيرة التي انتابتها مع معاملته الباردة لها وكأنها امرأة عادية بالنسبة إليه، ولم يجمعهم هذا النزال الطويل قبل سفره مع إصرارها على تكملة الارتباط بكارم.
نفضت رأسها لتستجمع نفسها مع تذكرها لهذا الرجل الذي ارتبطت به وتم عقد قرانه عليه، فلا يصح التفكير في غيره، عادت بهز رأسها عدة مرات لتفرك بكفيها على شعرها في محاولة بائسة لتستفيق، دنت برأسها تقرأ البنود التي أمامها في المستند، فأتت على الفور صورة هذه الفتاة الجديدة، وهذه الهيئة المبالغ وكأنها إحدى عارضات الأزياء، ثم هذه الصفة التي أطلقها عليها :
– لهلوبة!
غمغمت بالأسم ثم انتبهت على صوت طرق على باب غرفتها، لتفاجأ بهذه الملعونة أمامها وكأنها أتت على النداء، مع ابتسامة ساحرة بثغرها الذي لونته باللون الوردي ليتناسب بشدة على بشرتها البيضاء وهي تخاطبها:
– هاي يا فندم ممكن أدخل .
كظمت غيظها الغير مبرر لترحب بها على مضض:
– اتفضلي يا….
– لينا يا فندم.
قالتها على الفور لتكمل بتهذيب لا يناسب ما ترتديه من ملابس محكمة بشدة على قدها الممشوق، وهذه الجيبة التي لا تصل حتى لركبتيها لتُظهر عن ساقيها الرائعتين.
– استاذة كاميليا.
اردفت بالأسم الفتاة لتلفت انتبهاهها، وقد بدا انها شردت في النظر إليها، استدركت كاميليا متحمحمة تظهر الجدية بقولها:
– نعم يا..لينا، كنتِ عايزة إيه بقى؟
ردت وهي تتقدم إليها تتهادى بخطواتها وبطرف كفها ازاحت شعرها الذهبي للخلف، وابتسامتها الرائعة لم تغادر ثغرها:
– كنت عايزة منك باقي المستندات والعقود يا فندم.
سألتها بجمود وهي تشير لها على الساعة الملتفة على رسخها :
– عايزهم ليه دلوقتي وميعاد الإنصراف من الشغل خلاص على وشك؟ ثم انت لحقتي تخلصي اللي فاتوا أصلًا؟
ردت لينا بابتسامة ازداد اتساعها:
– أنا فعلًا خلصتهم يا فندم ودلوقتي كنت عايزة الباقين عشان اخدهم معايا البيت واشتغل عليهم براحتي.
صمتت كاميليا يكتنفها الذهول، بفعل هذه الفتاة وسرعتها في إنجاز عملها مع هذا الجمال المبهر الذي تتميز به، فقالت تشير لها بذقنها دون أن تكلف نفسها عناء رفعهم بيدها:
– اهم دول اللي قدامك، خديهم.
دنت الفتاة تتناولهم فتساقط معها الشعر الحريري قبل أن ترفعم على الفور وتستقيم بظهرها مستئذنة لتخرج، وقد تركت خلفها رائحة عطرها القوية التي غمرت الغرفة، لتغمغم كاميليا بصدمة:
– يانهار اسود، ودي بيتعامل معاها طارق ازاي ؟
فركت على رأسها بيأس مقررة المغادرة وترك ما بيدها من عمل وقد ضاق بها وارهقها التفكير، لتفاجأ بدفع الباب فجأة قبل أن يلج منه خطيبها المزعوم، كارم .
تطلعت إليه قليلًا بدهشة لتسأله:
– إنت مخبطتش ليه يا كارم ع الباب قبل ما تدخل؟
أكمل بخطواته نحوها حتى أقترب يقبلها على وجنتها:
– وهاخبط ليه وانا داخل عند مراتي؟
قالها والتف بوجهه ينتوي تقيبلها في الأمام، فارتدت سريعًا للخلف مبتعدة قائلة باعتراض:
– خلي بالك يا كارم احنا في المكتب.
تقدم ليكرر المحاولة بجذبها من ذراعها يرد بثقة:
– وإيه يعني ما هو مكتبك يعني مش مكتب حد غريب؟
نزعت يده عنها بعنف قائلة بحدة:
– بلاش الأسلوب دا يا كارم معايا احسنلك .
توقف يضع كفيه في جيبي بنطاله، يتطلع إليها بغموض صامتًا، مما جعلها تتراجع عن حدتها :
– اَسفة لو اتعصبت عليك، بس معلش يعني ياريت متكررهاش تاني
رد بوجه جامد لا يظهر تقبله للإعتذار:
– ومكررش ليه هو انت مش مراتي برضوا؟
– مراتك ع الورق يا كارم، لسة مبقتش في بيتك.
هتفت بها بوجهه، ليقابل ردها بصمت مرة أخرى قبل أن يخاطبها بنبرة هادئة مريبة:
– أجهزي يا كاميليا عشان اروحك .
ابتعلت ريقها فهذا التحول الغريب بشخصيته دائمًا ما يثير بداخلها القلق، بالإضافة لإصراره في توصيلها في الذهاب والعودة ومحاصرته الدائمة لها باتصالته العديدة طوال الوقت.
أنهت سريعًا وخرجت خلفه من غرفتها لتصطدم عينيها على الفور، بهذه الفتاة وهي تخرج من الغرفة المقابلة ومعها طارق.
– ودا امتى رجع ده؟
غمغم بالسؤال كارم ليفاجأ بالمذكور يبعت إليه التحية بابتسامة عريضة وهو يقطع الرواق مع هذه الفتاة التي تسير بجواره كطفلة فرحة مع والدها، ليسبقا باللحاق بالمصعد.
تبسم كارم بجانبية ساخرة يقول لها عن قصد:
– مابيضعيش وقت.
