حبيسة قصر الوحش 4

الفصل الرابع عشر

يوم مشرق فوق العادة كما قال عنه النبي( خير يوم طلعت فيه الشمس) كان حازم يجلس في حديقة المنزل وبيده مصحف يقرأ سورة الكهف كعادته , شعر بأنامل تربت علي كتفه فصدق و التفت لوالدته قالت له : ؤبنا يصلح حالي يا زوزو
نظر لها بنصف عين و قال لها : اولا ربنا يخليكي ثانيا زوزو دي وراها ايه
جلست سناء علي الكرسي مقابلته وقالت له : اه عاوزاك تروح تجيب حسناء زي ما اتفقنا تجيبها تتغدي معانا يوم الجمعه
حازم وكأنه تذكر للتو: اوه صحيح , ماشي خمس دقايق و هروح اجيبها
سناء : بس احنا لسه بدري , خليك قبل الظهر بساعه
حازم : انا عاوز ابص علي الفيلا بالمره احسن مرحتهاش من يوم ما خرجت من المستشفي
سناء : ماشي
حازم : اهم حاجه انتو عرفتوها
سناء: انا قلت لنرمين تقولها امبارح
حازم : ماشي ياماما
نهضت سناء ودخلت لتكمل ما بيدها من طعام و تركت حازم يتابع ترتيله للقرآن

ويلا اجهزي علشان ماما عزماكي علي الغدا
حسناء بخجل: شكراً , مش مشتاهله
حازم بحزم: يلا يا حسناء و انتي بتجادلي كتير كده
حسناء: لا شكرا انا هتغدي هنا ,كتر خيركم , متتعبوش نفسكم وابقي سلملي عليها
حازم بتحذير : حسنااااااء , ربع ساعه تكوني جاهزة هرن عليكي تنزل علطول , وبعدين مش نرمين مرتفقه معاكي علي كده
حسناء و بدي الخوف واضحا في صوتها من اسلوبه : لا , مش قالتلي
حازم : طيب اقفلي كده لما اتصل عليها أشويها علي الجنبين
حسناء: لا لا خلاص , هجز حالا متزعلهاش
حازم : ماشي
أغلقت الهاتف و قامت بتردد , وقفت أمام المرآه تنظر لنفسها بتضارب أفكار , حدثت نفسها و هي تقول: حاجه في قمة الاحراج , الناس دي طيبه و عندهم واجب و سخاء بشكل يخلي الواحد محروج والله , اعمل ايه أروح و لا بلاش , مش عاوزة اكون حمل زايد عليهم , كفايه اللي بيعملوه معايا
واثناء حديثها الحائر مع نفسها و الذي لا نتيجه نافعه له سمعت صوت هاتفها يعلو ثانيه , قالت : يانهار هو مش قال ربع ساعه انا لسه مجهزتش
نظرت للشاشه فوجدت المتصل نرمين فردت : السلام عليكم
نرمين بصوت متوعد بمزاح : انتي يابت انتي , دايما جيبالي التهزيق كده , طيب هو قالك مش نرمين قالتلي متقوليله أه و خلاص , اهو اعطاني موشح و لسه اللي هشوفه من ماما
حسناء: معلش والله يا نرمين , هي خرجت مني بتلقائيه و بعدين انا مش عاوزة اتعبكم معايا
نرمين : يلا يا بت قومي البسي , احنا كده كده بنتجمع مع بعض علي الغدا يوم الجمعه , مفيش تعب ولا حاجه
حسناء: والله يا نرمين انا محرجه منكم و من كتر جمايلكم عليا
نرمين : تقريبا حازم قالك ربع ساعه و هيرن عليكي مش صح
حسناء: اه
نرمين : طيب يلا بدل ما يعمل فيكي اللي عمله فيا دلوقتي
حسناء بسرعه : طيب سلام
نرمين : سلام
وبعد ان اغلقت مع حسناء قالت بنفسها : الحمد لله اننا ملتزمين و معندناش اختلاط والستات بتاكل لوحدها و الرجال لوحدهم
تركت حسناء الهاتف و اسرعت في ارتداء ملابسها حتي لا تتعرض لععبيصة حازم
وبعد دقائق أصبحت في سيارة حازم تجلس بالخلف وحازم بجوار السائق بالأمام
………………………………………………………
مر اليوم بسلام , قضته حسنا برفقة نرمين و نور و سناء , كانت تشعر بالحرج إلي حد كبير ولكن حنان سناء و دفء كلماتها جعلتها تتناسي حرجها بعض الشئ بالاضافة إلي مرح نرمين و وجمال رفقتها التي يملأها المزاح جعلتها تحب فكرة الانضمام لهم بعض الأيام في طعامهم
وفي نهاية اليوم عادت لمنزلها و هي تكاد تجزم بأنها مهما بحثت في العالم فلم و لن تجد مثل تلك الأسرة النادره بأخلاقها و كرمها و سخائها
بعد ان عادت بمرافقة حازم لمنزلها , وصارت وحدها بعد يوم وسط اسرة حازم , جلست قبل ان تسافر لأرض الاحلام تسرد علي عقلها شريط احداث اليوم
حقا كان يوما ممتع , وبعد ن كانت تعاني الاحراج من الاختلاط بهم بشكل كبير و لكنها بعد ذلك اليوم تمنت لو وطدت العلاقة بهم اكثر و أكثر , وذلك بسبب وجود نرمين والتي اشتاقت اليها ولمرافقتها بالرغم من ان رؤها لم تغب عنها سوي يومين فقط, ووالدتها سناء والتي تتسم بكل ألوان الحنان و العطف و كيف كانت تهتم بها و كأنها إحدي بناتها و اكثر و كيف تلح عليها في تناول الطعام و لا تتركها الا عندما تتأكد من انها انهت ما قدمته لها , و ولكن نور لم تستسغ جلستها ولا مرافقتها بالمره , ولم يرق لها اسلوب تعاملها و تجاهلها , كما يظهر ذلك في عيني نور و نظرتها تجاه حسناء, ولكن ليس بالضرر الشديد معاملة نور , فلم تلفت لتلك المعاملة بشئ من الاهمية
أما الاخير حازم و التي لم تره مطلقا سوي في رحلتي الذهاب و الاياب اثناء توصيله لها بالسيارة , وكانت اثناء تلك المدة القصيرة تقيم حملة مراقبة مكثفة علي قلبها تراقبه لحظه بلحظة كي تتأكد انه لن يحيد عن الشروط والتعليمات التي فرضتها عليه مستخدمة في ذلك غض البصر بالإضافة إلي القراءة بالمصحف والذي يحتوي علي تفسير ميسر كي تستنفذ كل تركيزها بالقراءة
عندما جاء بعقلها شعرت بإهتزاز اوتاد قلبها , وفي نفس اللحظة التقط رادار عقلها تلك الهزة فأعلن بدء قذائفة الحارقة الجالدة له كي يتراجع عند حدوده التي رسمتها و حددتها حسناء له
خرجت من المسجد و قلبها ممتلأ بنور القران و لذه الإيمان و التي لن يتذوقها الا من ذاق طعم الايمان و تغذي بحروف القرآن , كان حازم ينتظرها بالخارج كما اتفقا مسبقا , عدما خرجت كانت تبحث بعيونها عنه , حتي لمحته , وكان هو الاخر يقوم بما تقوم به و ما ان وقع نظره عليها حتي غض بصره ووقف كالصنم ينتظر وصولها , رأت حسناء موقفه هذا و الذي تعودت عليه فغضت البصر عنه هي الاخري و اتجهت ناحيته و هي تتأمل الأرض أمامها , يبدو انها بدأت تتبع استراتيجيته في تجنب الوقوع في الهوي , فهي و التي يفتن بها كل من وقع عينيه عليها لم تتحرك شعره في حازم اعجابا بها و بالتأكيد السر في ذلك هو اسلوبه في غض البصر و عدم التحدث معها الا بالضرورة
تابعت سيرها و هي تفكر بإسلوبه في التعامل معها و الذي اعتبرته بتفكيرها انه حصن منيع يحفظ قلبه , حتي ادركته فألقت التحيه وهي محتفظة بوجهة عينيها للأرض , رد التحيه و بدأ سيره تجاه الشركة و هي تتبعه علي بعد خطوة
تلقائيا بدء يحتل تفكيرها , وبدأت خلايا قلبها تتحدث عنه بهمس و لكن رغم صوتها الهامس لاحظ عقلها تلك الهمهمة و الهمسات و هجم عليه بسياط التبويخ و التحذير و التهديد
واثناء تلك المذلة الشنيعه التي يصبها عقلها علي قلبها سمعت صوته يقول: ايه اخبار الدرس؟
لم تستوعب بأنه يتحدث اليها ولكنها اختطفت نظره نحوه فوجدته يقلل سرعته نسبيا حتي اصبحت خلف يمينه ببعد ضئيل ثم التفت اليها بنظره سريعه و سألها ثانية : ايه اخبار درس القرآن
ردت من بين شرودها : الحمد لله , كله تمام
قال لها بنبره مشجعه : كويس قوي انك بتفكري في حفظ القرآن , بس اهم حاجه انك تستمري و متكسليش , وحاولي تبدأي بقصار السور
ردت حسناء: لا انا بدأت بسورة البقرة ان شاء الله
حازم : طيب ليه مبدأتيش بقصار السور علشان تحسي انك حفظتي كتير خاصة انك في البدايه علشان تحفزي نفسك لأن سورة البقره هتاخد منك وقت كتير
ابتسمت بفرحه وقالت له : انا حفظاها قبل كده , انا براجعها
قال دون ان ينظر لها و لكن بنبرة اعجاب: ما شاء الله ماشاء الله , انتي علي كده حافظة اجزاء بقي
ردت باندفاع و كأنها تريد ادهاشه اكثر و أكثر مثلما يدهشها هو بأخلااقه و تعاملاته دائما : انا حافظة المصحف كله
لم يستطع منع نفسه من منحها نظرة اعجاب مبالغ فيها , بل نظرة تعظيم و اجلال و قال لها بحروف مليئة بالاندهاش : بجد؟ مااااا شاااء الله , ما شاء الله
شعرت بحمرة تغمر وجهها تصاحبها فرحه تغمر قلبها , جعله يتراقص بعنف علي نغمات الفرحة التي سببتها وقع حروفه علي اذنيها وكأنها سمعت منه كلمة حب او هيام او ماشابه تفلتت عينيها من تحت حراسة ضميرها و عقلها وظلت معلقه بوجهه تبعث له رسائل رجاء وكأنها تقول له : ارجوك زدني من تلك الكلمات , حقا انا بحاجه شديده لجرعات و جرعات من تلك النظرة وبالمزيد من تلك اللهجه التي تحدثت بها الي للتو, اروجوك بث في المزيد و المزيد اني احتاجها شديدا لكي استطيع اكمال روحي الفارغه من الكثير مما احتاجه
ولكن عقلها استشاط غضبا و زجر عينيها بقسوة وخاصة عندما شعر حازم بنظرتها نحوه فالتفت ليتأكد مما يشعر به , وعندما لمحته يخطف نظره نحوه انتفضت بأكملها و حولت عينيها للأمام و سارت بآلية الريبوت الألي من شدة صدمتها , ببشرة شديدة الاحمرار و وجة صلب و مشية عسكرية وعيني محدقتين للأمام
ابتسم داخله علي مظهرها العبثي الذي يوحي مدي شدة حيائها , حاول تهدئة حالها فقال : بما انك ماشاء الله عليكي بتحبي دروس المسجد عاوز منك خدمة
لم ترد سوي بإيماء برأسها و هي مازالت مثبتة علي وضعية المشي الألي مما سبب لحازم عدم سيطرته علي ابتسامته وتفلتت من داخله لتطفو علي ثغره و هو يتابع كلامه لها : عاوزك تحاول تقربي من نور و تجبيها معاكي المسجد
ردت عليه بإقتضاب : حاضر
حازم وهو يبتسم اكثر: وربنا يجازيكي خير و يجعله في ميزان حسناتك
ثم انهي حديثه و تابع سيره و علامات اندهاشة ممزوجه بإعجابه تكسو وجهه مما اكتشفه عن حسناء , سارت خلفه و هي تشعر بخفه تنتشلها من الأرض لتسمو بها في عالم سعادتها , شفتيها تغتزل في شكل ابتسامة فرحة عذبه بسبب حديثه معها في امور جانبيه و التي تعد المره الاولي منذ ان التقيا قدرا
وصلا للشركة , وجدوا نور بإنتظارهم , اقبلت نحوها حسناء لتصافحها و لكن نور فاجأتها بأن اكتفت بتحيتها عبر كلمات الترحيب الروتينيه : اه حسناء ازيك , عامله ايه
حسناء و هي تتوقف حتي لا يتحول موقفها للاحراج : كويسه الحمد لله
نور لحازم : يلا يا حازم علشان توصلني البيت
حازم : اوك ثواني
انتظر الي ان دخلت حسناء غرفة مكتبها و تبعها و ما زالت علامات الاعجاب تكسو ملامحه , طرق الباب و دخل بعد ان اذنت له وقال : حسناء, انا هروح نور و هاجي علطول, اقفلي الباب عليكي كويس و متكلميش حد , انا مش هتأخر عليكي ولا تحبي تيجي معايا
حسناء بتعجب: ليه هو في ايه
حازم ليطمأنها : لا متخافيش مفيش حاجه , بس انا عاوز ابقي مطمن عليكي بس , خاصة انا لسه برضه مش عارف الموظفين هنا قوي
حسناء بتردد : طيب حاضر, هخليني هنا و هقفل عليا الباب
حازم : ماشي و رقمي معاكي لو احتجتي حاجه رني عليا
حسناء: حاضر
حازم : سلام
و خرج و هو يسحب الباب خلفه و انتظرها تغلق الباب علي نفسها ثم انصرف , ظلت واقفة تتابعه بعينيها حتي خرج من الباب و الذي كاد ان يصل برأسه إلي حافته العلويه من شدة طوله
ابتسمت و هي تعود لمكتبها و تقول: بجد انسان لا يمكن يتكرر , شوفي قلقان اني اكون لوحدي في الشركة
شردت لحظات ثم تنهدت تنهيدة طويله و قالت بصوت هامس: يارب قدرني اني احافظ علي قلبي و ما افتنش بصرفاته زي ما انت محافظ علي قلبه ,
هنا انتبه عقلها والذي اتقن فن اللوم و الزجر و التوبيخ وادرك ما يحدث حوله فقام مشمرا ليصب عذاب اللوم عليها و علي ضميرها و يوبخهم اشر توبيخ , فلاذت بالفرار منه من خلال انصبابها علي الاوراق التي تركتها بأحد الادراك في يوم العمل الماضي تكملها و هي تردد الاستغفار و تطلب العفو الثبات من الله
وانهت ما بيدها و قبل ان تعود بتفكيرها إلي ما يسبب لها معركة داخليه بين اجهزة جسدها , فتحت مصحفها و بدأت في قراءة الجزء الذي الزمتها به المحفظة
واثناء ما هي عليه , سمعت صوت هاتفها واذا بالمتصل حازم , استعاذت من الشيطان ثم ردت : السلام عليكم
حازم : وعليكم السلام , ايوا يا حسناء , انتي كويسة
حسناء: الحمد لله
حازم : كله تمام يعني
حسناء بتعجب و اعجاب: اه كله تمام
حازم : اوك انا كنت بس بطمن , انا وصلت نور و جاي في الطريق مش عاوزة حاجه اجيبهالك و انا جاي
حسناء و صوتها يملأه صدي ابتسامة: شكرا
حازم : ماشي يا حسناء سلام
حسناء: سلام
أغلقت الهاتف و وضعته امامها و هي مازالت مبتسمة و فجأ قالت لنفسها : هييييي تاني يلا استعيذي من الشيطان و كملي قراءة

 

الفصل الخامس عشر

 

………………………………………………………..
هدوء يلف المكان سوي من صوت صفحات احدي الروايات الذي يصدر من وقت لأخر , تثاءبت نرمين بكسل و هي تقول : هو حازم اتأخر كده ليه النهاردة؟
وما ان نطقت بتلك الكلمة حتي سمعت صوت سيارته بالخارج
قالت بمزاح: جبنا في سيرة القط
انتظرته حتي اقبل للداخل , وجدها تجلس بريسيبشن الفيلا , دنا نحوها و جلس علي كرسي مقابلها , كان يبدو عليه الشرود , اذن فهو يفكر بأمر ما هكذا طبيعته
قالت بمزاح : هو ليه يا حازم لما بجيب في سيرة اي حاجة بتيجي علطول ما عدا الفلوس مهما اجيب في سيرتها مش بتيجي
ابتسم حازم بجانب شفتيه استهزاءا علي اخته و قال : حاول تاني و تالت , حاولي ما دمتي حيه
ظلت نرمين تردد بسرعه برجاء و مغمضة العينين : مليون جنيه مليون جنيه ملون جنيه
ظهرت اسنان حازم و هو يبتسم علي موقفها و قال لها : نرمين , معدتيش تسهري تاني
نرمين وهي تنظر نحوه : ليه , انا مستنياك
حازم بسخرية : لا يا ستي معدتيش تستنيني , انتي حالتك بقيت صعبة قوي و وصلتي لمرحله متأخره , وبعدين لا الولد اللي في بطنك يطلعلك ولا حاجة
نرمين و هي تقذفه بوسادة : يا خفة
تفادها حازم بإنحناءة جانبا و قال لها : لا وبتتأخري كمان و كمان و ووصلتي لمرحلة استخدام الأيدي
ضحكت نرمين عاليا و قالت : ماشي يا حازم , معدش ليك كلام معايا
ضحك حازم و قال : لا ده انا جايه عاوزك في موضوع مهم
نرمين بلهفة : موضوع ايه
حازم : ههههههههه مش انتي قلتي معدتيش هتتكلمي معايا
نرمين : بدءا من بعد الموضوع ده , هخاصمك بس لما نتناقش
حازم : ماشي , موضوع العقد بتاع حسناء اللي قلتلك تكلميها فيه و انتي اتحرجتي
نرمين : يعني انت نفسك محروج وانا مش هتحرج اكلمها
شرد حازم و هو يبرم شفتيه بشدة, كأنه يفكر في أمر دولي ثم قال بتساؤل: خلاص اسيبها كده وربنا يسترها
نرمين : ويا سيدي لو حسيت بأي خطر واو حاجه هضرك كلمها واساسا هي متفاهمة و مش هترفض
حازم باستسلام : ماشي , انا بصراحة محرج اكلمها
صمتا قليلا وكلا منهم شاردا في جهه مختلفه و لكن في نفس الشخص, واول من تحدث منهم كان حازم , قال بنبره متحمسه بإندهاش: تصدقي يا نرمين ان حسناء حافظة المصحف كله
نرمين و هي متعجبه من نبرته : اه ما انا عارفه , انت مالك مندهش قوي كده
جازم : مندهش, دي حافظة المصحف كله , ومن يعظم شعائر الله يا بنتي
نظرت نرمين له بنظرة مكر و لكنها لم تتحدث بشئ عنها
حازم : طيب انا هقوم انام بقي علشان هقوم بدري ورايا شغل كتير
نرمين و هي تنهض ببطئ: انا كمان هقوم انام علشان هروح شقتي بكره , ابقي عدي علي ماما في اوضتها عرفها انك وصلت علشان تقدر تنام قريرة العين
حازم و هو يتجه للدرج: حاضر
استلقت نرمين علي فراشها وهي مبتسمة الثغر وبدأت تحدث نفسها : معقوله ممكن يكون حازم التفت لحسناء, يارب يكون حصل , صحيح ازاي مش هيقدر يعجب بيها دي تمتلك كل انواع الاسلحه الفتاكة لأي قلب رجل ههههههههههه , بجد فعلا ربنا يحفظها تشد اي حد يتعامل معاها مش شكلها وبس لا هدوءها و حيائها و طيبتها , اكيد حازم هيعجب بيها و المسأله مسأله وقت بس و – تابعت و هي تتراقص و بنرة الفراحه تملأ صوتها – وهنزف حسناء و حازم وهنزف حسناء و حازم وهنزف حسناء و حازم لولولوولي
…………………………………………………
دارت الكرة الأرضية حول نفسها أكثر من مره , كل مره تأتي الشمس لتقضي مع الكائنات يوما جميلا ثم يبتلعها الظلام ليفظها ثانيه مع قدوم فجر اليوم التالي
كانت حسناء تتابع حملتها الرقابية علي قلبها , ولكننا لم نستطع ان ننكر علي حضور صورة حازم بعقلها علي مدار اليوم بأكمله لحظة بلحظة , رغم وجود المعركة الدامية التي تحدث بين قلبها و ضميرها و عقلها دائما و التي نتاجها هو ادماء قلبها المناضل و حبسه في زنزانه اللوم و العتاب و مكوثه خلف قضبان التوبيخ و الزجر الا ان حازم كان دائما موجود بعقلها , يقف مقابل قلبها ينظران لبعضهما بأسي بضعف بإستسلام امام جبروت العقل و سطو الضمير و عذابهمها المسمتمر له
………………………………………..
كانت الشمس تبدأ في الظهور من وراء استرة الظلام , حينها انهت حسناء صلاة الضحي و اسرعت تجهز الأكياس التي تحفظ بها انجازها الأخير في الحياكة , جهزت كل ما صنعته و نظمته حتي انهت كل الكميه بعد ما يقرب من الثلاث ساعات
جلست بتوتر شديد كانت قلقه من تسويقها , فالمرة الماضيه نرمين حلت لها تلك المشكله ولكن تلك المره هي دون نرمين , كيف تتصرف , هل سيكون حازم بجوارها و مساند لها ايضا في ذلك ام انه سيعتبر ذلك ليس من مسؤلياته و لا من بنود العهد الذي وثقاه معا
قالت بنبرة الحيرة و القلق : انا هتحرج اطلب من حازم , هتصل علي نرمين تطلب منه , وربنا يستر
قامت في الحال تجري اتصالا مع نرمين والتي رحبت بها بشدة و عبرت لها عن مدي اشتياقها لرؤيتها ولم يخل كلامها من مزاحها الدائم فعتابتها علي عدم وفيها لوعده بأن تحضركي تطيل النظر لها كي تلد طفلا مثلها
وبعد ان انتهبا من حديثهم الودي قالت حسناء بلهجة الطلب المستحي: نرمين معلش هتعبك معايا في طلب
نرمين : اتفضلي
حسناء: انا خلصت خياطة الكمية اللي عندي و عاوز اوديها المحلات , ممكن تطلبيلي من حازم يجي ياخدني اصلي هتحرج اطلب منه
نرمين : والله ماشي من غير ما اشوفهم
حسناء: انا فصلت قصة واحد بس بألوان مختلفة و مقاسات مختلفه
نرمين : زي اللي وديتيها الملجأ؟
حسناء: اه
نرمين : جميله , ربنا يوفقك , بس انتي هتوديها المحل اللي كنا رحنا له و الراجل اتهبل علي شغلك ولا محل تاني
حسناء بحيرة : مش عارفه انا هروح المحل اللي كنا رحناه الاول وهشوف كده
نرمين : ماشي ربنا يوفقك ويكتبلك القبول, حاضر هتصل علي حازم حالا
………………………
انهت حسناء الاتصال و جلبت سجادتها تصلي ركعتي لله بنية اكرامها و توفيقها بتلك المره
وبعد ان انتهت همت بأن تعد كوبا من القهوة لتشغل نفسها وتقلل توترها , ولكن صوت الهاتف سبقها و علي ثانية
اقبلت تحمله وترد علي حازم بتوتر
حازم : السلام عليكم
حسناء: وعليكم السلام
حازم و كأنه مشغول بأمر ما: انا جاي في الطريق , جهزي نفسك علشان تروحي مشوارك
حسناء : حاضر
شرعت حسناء في ارتداء ملابسها و هي تشعر بإلتواء امعائها من كثرة توترها , ظلت تردد الدعاء و الرجاء لله حتي سمعت صوت سيارة حازم
حملت الأكياس و خرجت , لمحت حازم يقبل نحوها وعلامات التجهم تكسو وجهه , لم يقفز قلبها قفزته المعتادة عندما يراه و لكنه قفز قفزة من نوع آخر ,
رآها قادمة نحوه حامله بعض الأكياس , اقبل نحوها بسرعه و التقط منها الاكياس و قال لها بلهجه خاليه من اي تعبيرات : لسه في حاجه
حسناء بحذر: اه
ظنته سيثور بها و لكنه قال لها : طيب متجبيش حاجه , هحط دول و اجي اشيل انا
يا إلهي ما هذا الرجل , حتي وقت غضبه لم يتخلي عن شهامته معها
لم تعترض علي سبيل المجامله و اكتفت بأن سبقته تدل علي مكانها , وبعد ان نقل كل الأكياس للسيارة , ركبا و اتجها نحو العنوان الذي املته عليه , كان الصمت هو الحديث القائم بين الثلاثه الذين يمكثون بالسيارة , خلاف الايام السابقه فدائما ما كان حازم يتناول اطراف حديث مختلفه مع السائق و لكن اليوم يبدو ان شئ يعكر مزاجه أول كما قالت نرمين عنه سابقا , شئ يشغل باله
وصلا للمكان المقصود واتجها معا للمحل , كانت حسناء في قمة توترها , حتي انها شعرت بلحظة خوف وانها تريد ان تتراجع و تعود ادراجها من حيث أتت
دخلت حسناء تحمل كيسا به بعض قطع الملابس , ولكن البشري رحبت بها عند دخولها للمحل , حيث تهلل وجه صاحب المحل عندما رأي حسناء تدخل و قام يستقبلهم بترحاب مبالغ و قدم لهم بعض المشروبات
صاحب المحل: انا منتظر حضرتك من يومها الطلبيه اللي فاتت مغبتش عندي و كلها خلصت , وكنت عاوز اوصلك بأي شكل علشان اطلب طلبية تانيه
لم تجد حسناء ما ترد به فقد كان غضب حازم المبهم سبب في توترها ولكنها فتحت الاكياس بتردد شديد و هي تقول لصاحب المحل : بس المره دي مش معايا طلبك- تابعت و هي تجول بعينيها في المعروضات التي بالمحل – انا معايا ملابس اطفال مش عبايات حريمي
رد الرجل مطمئنا لها : انا عندي محل ملابس اطفال , انا لا يمكن ارد ليكي طلبيه
ظل يشاهد ما تريه من ملابس بإعجاب شديد , ثم اتفق علي السعر و طلب من العمال احضار باقي الاكياس , ودفع الثمن و قبل ان ترحل حسناء برفقه حازم الذي يبدو انه منشغل العقل بشكل كبير قال لها : طيب عاوز رقمك علشان لما الطلبيه تخلص اكلمك
وقبل ان تتفوه حسناء بحرف رد حازم : اتفضل رقمي و لما تحب تكلمها رن عليا
خرج حازم تتبعه حسناء , بعدما اصبحا علي بعد من المحل قال حازم : متعطيش رقمك لحد
حسناء دفاعا عن نفسها : انا مكنتش هعطيه
حازم : ولما تحتاجي حاجة تاني اطلبي مني من غير متقولي لنرمين الموضوع مش مستاهل
حسناء : حاضر
رغم انها ردت بكلمة “حاضر ” بتلقائية و ربما استسلام ولكنها ظلت تقلب الأفكار برأسها , وأخذت تخمن ان مصدر عبوث حازم هو طلبها من نرمين , امن الممكن ان يكون فهم الامر خطأ , لم تستطع استرسال المزيد من الافكار فقط وصلا للسيارة و ركبا
وما ان ركبت حتي فتحت مصحفها و شرعت في مراجعه الجزء الملزمة به , ولكن عقلها شرد بعيدا عن عينيها و بدأ يحسب و يجمع و يضرب التخمينات عن سبب تجهم حازم , حتي سمعت صوته بنبره عديمة المذاق: حسناء , أنا هروحك و بلاش تيجي النهاردة الشركة علشان مشغول
استقبلت اذنيها الخارجية تلك الكلمات فحدث بعدها تضارب في أفكارها و مشاكسه بين زعماء حربها ( العقل – القلب – الضمير)
قلبها صاح بجنون : لااااا أتريد ان احرم منك يومين مضو و يمومين آتيين , انا اعترض
أما ضميرها الديني: لم يختلف رأيه عن القلب و رغم توحد الرأي لكن السبب مختلف , فقد كان يريد عدم الانقطاع عن درس القرآن الذي لزم نفسه به
أما العقل و الذي كالعادة فرض رأيه علي جميع الحاضرين كان رأيه ان يطيع بإستسلام نظرا لوجود علامات مبهمة منذره علي ملامح حازم
فكان رد لسانها بناء علي موقف و رأي ذلك العقل الصلب: خلاص ماشي , اوك
أعادها حازم من حيث جلبها تركها بين الجدران برفقه تفكيرها القلق و تخميناتها المزعجه و هواجس خوف مريب
عندما وصلت كان في قمة جوعها , اتجهت نحو المطبخ تحضر سندوتشا تسد به ألم بطنها ثم عادت تجلس امام التلفاز
وقعت عينيها علي باقايا بعض قصاصات الاقمشة التي تنتشر بفوضي حول ماكينة الخياطة , قالت : أقوم انضف المكان
ولكن مللها كبل يديها و جلست مكانها بفتور , فقد كان عقلها مشغول بدرجة تمنعه من منحها فرصة لاي عمل أخر سوي التفكير
ظلت تقلب التخمينات داخل عقلها عن سبب عبود حازم
لم يكن قلقها من تجهمه تحديدا بل كان كل خوفها من ان تكون هي سبب ذلك التجهم وان يكون صدر منها ما عصبه دون قصد
قالت بشرود ممتزج مع نظرتا في اللاشئ و صوتها المختنق : ممكن يكون مضايق اني ببهدل بيته بالخياطة , او ممكن يكون فاكر ان مرتبه مش مرضيني وبلجأ للخياطه علشان محتاجه فلوس
شردت بروح تكاد تفارق جسدها من شدة الخوف: لا انا مستعدة اخسر اي حاجه الا حازم , ولو الخياطه مضيقاه انا هلغيها خالص اهم حاجه انه ميضايقش منها
لزمها القلق و الظنون السيئة طوال النهار حتي قضت يومها كله في جو خالي المذاق سوي من مذاق الخوف و القلق و الرعب من المستقبل و ما شابه ذلك من الكثير من الاحاسيس السيئه
تي دلتها تخميناتها علي المخرج من ذلك النفق الضيق المظلم الذي تعيش به منذ صباح اليوم عن طريق الاتصال بنرمين , علها تخبرها بما يقلل نيران الحيره و القلق داخلها حتي تستطيع علي الأقل تذوق طعم النوم في تلك الليلة
وفي الحال قامت لتتصل علي نرمين
حسناالسلام عليكم
نرمين :و عليكم السلام , نونه طمنيني عملتي ايه في الهدوم سامحيني انشغلت و نسيت اتصل عليكي
حسناء: تمام الحمد لله , الطلبيه كلها اتباعت في نفس المحل بتاع المره اللي فاتت
نرمين بتعجب: مش تقريبا كان محل عبايات
حسناء: هو قالي ان له محل ملابس اطفال
نرمين : طيب كويس و الله , وهتبدأي في الطلبيه الجايه علطول و لا هتخدي اجازة حابه
حسنا ء: ان شاء الله علطول , بس يومين كده احسن حاسه ان حازم مواجه مش تمام النهاردة
قالت حسناء تلك الكلمات ليس من اجل الاجابه علي كلام نرمين فحسب بل كانت تحاول الحصول علي اي طرف خيط يوصلها لسبب تجهم حازم
ضحكت نرمين عاليا من كلام حسناء مما اثار تعجب حسناء و قالت : الله يكون في عونك يا حسناء الايام الجايه
حسناء بتعجب: ليه؟
نرمين : حازم لما بيكون في حاجه شاغله باله بيكون مش طايق حد يكلمه , وكان بيكلم ابراهيم جوزي امبارح انه عاوز يفتح فرع جديد للشركة و ابراهيم قاله سيبني افكر , فهيفضل قافش كده لحد ما يفتح فرع جديد او يلغي الفكره من دماغه
حسناء براجاء مازح: طيب يا نوبك ثواب خلي جوزك يفكر بسرعه و يرد عليه
نرمين : ما هو ابراهيم فكر , وهي دي المشكله ان ابراهيم مش موافق
حسناء: طيب كويس
نرمين و هي تضحك: لا مش كويس خالص , حازم ممكن الفكره تكبر في دماغه و يفضل كده لحد ما ينفذها لوحده
حسناء: طيب و جوزك ليه مش موافق ممكن تكون فكره كويسه و الشركه تبقي سلسله شركات
نرمين : حازم هيموت نفسه يا حسناء , مش عاوز يقف عند حد معين في النجاح دايما عاوز اكتر و اكتر و المشكله بقي انه بياخد الشغل علي اعصابه , وهو لسه خارج من عمليات و غيبوبه , غير انه صرف ما يقرب من 200 ألف للمستفي يعني الوقت ده مش مناسب خالص له لا صحيا و لا ماديا , لكن هو عاوز يستغل الفكره بتاعة الشركة دي و يفتح كمان شركة
حسناء : طيب ما تحاولوا تتفاهموا معاه وتقنعوه ان الحياه مش نجاح في العمل بس و ان لجسدك عليك حقا
نرمين : زهقنا فيه والله بس هو دماغه مختلفه كده و مهما هنقنع فيه فكره مش هيتغير , اذا كان لما كان عاوز يخطب مكنش عاوز اي شروط فيها غير انها تكون قد المسؤلية و تساعده في بناء مستقبله – ثم اكملت كلامها ببعض الضحكات الخفيفه-
حسناء بتفهم : اه , عامة ربنا يقدرله اللي فيه الخير , ده انا فكرته متنرفز مني علشان طلبت منك او اني بخيط
نرمين : لا لا حازم من النوع اللي بيعطي كل واحده المساحه اللي هو حاببها في حياته مادام مش هيضر نفسه او غيره
حسناء : ربنا يصلح حاله و يرضيه , ماشي يا نرمين اسيبك ترتاحي بقي انا بس كنت قلقانه ليكون مضايق مني
نرمين : لا متقلقيش خالص بس حاولي تطنشي الايام دي وتستحملي , وتوقعي اي حاجه منه
حسناء: هههه ماشي هطول بالي علي الاخر
نرمين : ماشي يا نونه مش عاوزة حاجه
حسناء : لا ربنا يخليكي
نرمين : مع السلامة
كانت كلمات نرمين تلك بمثابة الشعلة التي فجرت قنبلة النشاط و الحماس و التفاؤل بل و الامل في قلب حسناء
فبعد ان انهت حسناء مكالمة نرمين جلست مكانها و هي تفكر ليس في المكالمة بل في جملة واحدة منها وهي ” اذا كان لما كان عاوز يخطب مكنش عاوز اي شروط فيها غير انها تكون قد المسؤلية و تساعده في بناء مستقبله”
حقا لقد فكت تلك الجملة شفرة مبهمة كثيرا ما أتعبت عقل حسناء و كثيرا ما سببت له الشرود و الحيرة , فقد كانت كثيرا ما تريد ان تعرف ما المواصفات التي يحتاجها حازم في شريكة حياتهو كثيرا ما كانت تخاف علي نفسها بأن تتهورو يتفلت لسانها من سيطرتها و يسأل هذا السؤال لنرمين و الآن لقد عرفت الإجابة دون ان تسأل
فجأة قفزت بعقلها فكرة خطيرة , قامت واقفه و هي تضع سبابتها علي رأسها و ترفع احدي حاجبيها و تقول بلهجه فرحه و كأنها عثرت علي كنز نادر : طيب ما احاول اثبت انا اني قد المسؤلية
سمع عقلها تلك الكلمات فقام من فوره ينهرها و لكنها شرعت تفاوضه عن سبب رفضه
ارتمت علي الكرسي خلفها تناقش عقلها الصلب : هو انا قلت هوقعه , انا قلت هثبت اني قد المسؤليه و هكون سند ليه في الشركة الجديده اللي عاوز يفتحها و هشجعه و هكون جنبه في الوقت اللي الكل اتخلي عنه , واساسا ده واجب عليا اني اقف جنبه , ويبقي في نفس الوقت اكون عملت اللي عليا و جايز جايز ربنا يحقق حلمي و ميضيعش حازم مني و لا اتحرم منه ولو محاوله محاوله
صمت عقلها امام كلامها المقنع هذا و لكنه هب مشترطا : أهم حاجه معملش اي حاجه تغضب ربنا يعني من بعيد لبعيد يعني لا اختلاط و لا كلام من غير فايدة و لا اي حاجه من الحاجات الفارغه دي ولو منجحتش المحاوله مفيش اعادة
رد قلبها بحماسة : اوك موافق
مع ان موعد سفرها لعالم الاحلام قد حان و لكن تلك الافكار الملونة بألوان الامل و التفاؤل بخرت النعاس من جفونها و شحنت قلبها و صدرها بالحماس و البهجه و قامت تشمر ساعديها و هي تقول : من اللحظه دي اقوم اشوف ورايا ايه قدامي مهمه صعب و مستقبل حبيب محتاج دعم
اسرعت تجري للأسفل تبدأ في تنظيف المكان كي تعد المكان لبدأ صفقه جديدة من الحياكة فليس لديها متسع من الوقت لتضيعه ويجب عليها الآن الحصول علي المزيد من المال لكي تكون الساعد المادي الذي سيتكأ عليه حازم ان احتاج , وبعد ان انتهت من تنظيف المكان وجدت رصيد الحماسة داخلها مازال فائضا فأكملت تنظيف كامل المنزل و تعيد ترتيب أثاثه بشكل مختلف ليكون دافعا لها للتغير في خططها كلها

 

الفصل السادس عشر

 

فوضي عارمة و صيحات فرحه ومصافحات و سلامات و قبلات , مشهد يشبه قاعة عرس بهيج , انه اليوم الأخير من اختبارات الفصل الدراسي الاخير من العام
كانت الأربع فتيات يسيران متجاوران و لم يقلوا فرحه عن باقي من حولهم من طلاب
نور: مش مصدقه نفسي ان التيرم خلص , كان تيرم كئيب , يلا عاوزين نفرفش و نعوض التيرم كله النهاردة
هبه معترضه : لا يا اختي , انا بتأسف و هستأذن للرحيل , فرحي بعد عشر ايام و عاوزة اروح اراجع قائمة المشتريات كده و اشوف ايه اللي ناقص غير ان ميعاد كورس ماسكات البشرة بالكوافير النهاردة
نور : ماشي يا ستي , معذوره يا عروسة , ها هنروح فين بقي يا بنات
نسرين بفرحة و هي تربت علي ذراع نور: معلش يا نور خالتي جايه بكرة من الكويت عاوزة اروح اظبط النهارده في الكوافير جايز محمود ابنها يتخبط في نظره و يعملها
نظرت لها نور شذرا ثم التفتت لمي و قالت : اوعي تطلعيلي انتي كمان بحجة
مي بفرحه تتراقص معها نسمات الهواء حولها : بتقولك فرحها بعد عشر ايام , اومال انا اللي شبكتي بعد بكرة و فرحي كمان شهرر
هبه : وخطيبك مستعجل كده ليه
مي : مش كفايه صابر بقاله سنين مش عارف يخطبني الا لما ميادة اختي تتخطب
نور : طيب يا اختي انتي و هي , اروح بقي اقضيها نوم
غمزت نسرين لهبه ان تخبر نور عما رأت من اسامة و لكن هبة قالت لها لا
وهنا افترقت الصديقات نور تجاه شركة اخيها و الثلاثه تجاه موقف السيارات
………………….
استعدت حسناء كامل الاستعداد و ظلت بإنتظار حازم ليصطحبها كانت قلبها مكدث بالحماسة و الايتعداد و قلبها ملئ بالأفكار التي يمكن ان تساعدها في ان تساعد حازم عن طرقها ولكن ما كان يعوقها هو كيفية الوصول لفتح الحديث معه
سمعت صوت السياره بالخارج فأسرعت للخارج تستقبله ببسمتها التي تملأ وجهها و ملامحها يكسوها التفاؤل و الاندفاع
نظرت نحو حسناء فكان مازال علي وضعه منذ أيام , شارد الذهن صلب الملامح , يبدو الغضب في نظرته , وكأنه يحمل هموم قبيله فوق راسه , شعرت انها تريد ان تجري نحوه بكل جوارحها و تقول له : لا تقلق فأنا هنا سأكون معك , لا يرتاح لي بالا حتي أري الفرحة تملأ وجهك و ان تنظر لحلمك محقق أما عينيك , انا هنا بكل ما أملك و سأجتهد حتي تملك ما تحلم به
ركبت السياره خلفه و بدأت تشرد فيما ظلت تخطط له من يومين و لكنها تذكرت جزء القرآن الذي تسمعه للمحفظه بعد دقائق فأخرجت المصحف و أخذت تردد بتركيز حتي و صلوا علي مقربة من المسجد
نزلت حسناء برفقة حازم من السيارة متجهه نحو المسجد ,
, لمحوا نور آتيه من بعيد , استغل حازم تلك الفرصه و قال لحسناء: حسناء انا هحاول اخلي نور تدخل معاكي المسجد , دورك انتي بقي تخليها تتشجع و تكمل معاكي
حسناء: حاضر من عيني
وصلت نور لهم , ألقت تحيه باردة كالعادة علي حسناء ثم وجهت كلامها لحازم: يلا علشان تروحني
حازم بعجله : طيب ربع ساعه بس هجيب طلب ضروري و هوصلك علطول و خليكي بس مع حسناء علي ما ارن عليكي
نور و هي تنظر نحو حسناء: اخليني مع حسناء فين
حسناء: في درس القرآن بالمسجد
نور بتذمر : لا وصلني الاول يا حازم عاوزة انا , تعبانه جدا
حازم بصصرامة : بقولك طلب ضروري
نور : خلا هنتظر في الشركة
حازم : متطلعيش الشركة لوحدك يا نور
حسناء : تعالي يا نور و مش لازم تشاركي اقعدي في جنب و خلاص
انصاعت نور أمام اصرار حازم , ودخلت مع نور متبرمة نحو المدخل المؤدي إلي مصلي النساء
قالت نور بتبرم : انا مش حابه ادخل انا معرفش حد جوه
حسناء مشجعه : متخافيش يا نور , انا معاكي اهو , ويا ستي متقرأيش و لا حاجه خليكي قاعدة بس
نور : أمري إلأي الله , اياك بس ميتأخرش عن ربع ساعه يا حازم
دخلت حسناء المسجد تتبعها نور
صليا صلاة العصر خلف الإمام, ثم اتجهت حسناء نحو حلقة القرآن ولكن لم تفعل نور , بل بقي مكانها
حثتها حسناء بأن تقبل و تجلس جوارهم , ففعلت علي مضض
وأثناء ما كانت الفتيات تقرأ و ترتل , كانت حسناء تتابعهم بعينها , بل وبقلبها دون ان تدري و بعد ان كانت تشعر بالنفور من ذلك الجو الذي يعد برأيها كئيب و خنيق شعرت بإنجذاب له و شعرت نحوه بالسكينه و راحة تثلج القلب لن تجده في اي شئ بحياتها , شعرت ان تلك الفتيات ليسوا منبوذين كما كانت تري بل مميزين بميزة إلاهيه محروم منها الكثير مما اختاروا طريق الهوي درب لهم في الحياه و للأسف هي واحده منهم
وبعد ان انتهوا من القرآن , وحان دور الفقرة التالية والتي تقوم بها فتاتان بالدور, حيث تعرض احدهم حديث بشرحه ا و دعاء و فضله و الاخري تسرد قصة بها عبرة
كانت نور تتابعهم منذ بداية الحلقة بفتور , حتي بدأت احداهن بسرد القصة فبدأت تستعين بالأذن الصاغية وتسمع بإهتمام و تركيز
قالت الفتاه :
”
عاش رجل فقير جداً مع زوجته ،
وذات مساء زوجته طلبت منه
مشط لشعرها الطويل حتى يبقى أنيق
نظر إليها الرجل وفي عينيه نظرة حزن
وقال لها أستطيع ذلك ..
حتى أن ساعتي تحتاج إلى قشاط جلد ،
و أستطيع شراءه ..
لم تجادله زوجته و أبتسمت في وجهه !
في اليوم التالي وبعد أن أنتهى من عمله
ذهب إلى السوق وباع ساعته بثمن قليل ،
وأشترى المشط الذي طلبته زوجته ..
وعندما عاد في المساء إلى بيته وبيده المشط
وجد زوجته بشعر قصير جداً ،
وبيدها قشاط جلد للساعة ،، فنظرا إلى بعضهما
وعيناهما مغرورقتان بالدموع
ليس من ما فعلاه ذهب سدى !!
بل انهما أحبا بعضهما بنفس القدر ..
وكلاهما أراد تحقيق رغبة اخر …
تذكر دائماً :
أن تحب شخص أو أن تكون محبوباً من شخص ما ،
عليك أن تسعى سعاده بشتى الطرق
حتى لو كان ذلك غالياً ..
فالمحبة الصادقة ليست أقوااال بل أفعاااال ..
انتهت الفتاه من سردها فبدأت الأخري في إلقاء الحديث و شرحه علي مسامعهم , قالتك
قد ثبت من حديث أبي قتادة، وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، وقلنا: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، قال: سمعته يقول: ((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ إلاَّ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ))[1].

وهذا الحديث العظيم قد اشتمل على ثلاث جُمَل.

الأولى قوله: ((لن تدع شيئًا))، وهذا لفظ عام يشمل كل شيء يتركه الإنسان؛ ابتغاءَ وجه الله تعالى.

الثانية: قوله: ((لله عزَّ وجلَّ))، هذه الجملة بَيَّن فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن الترك لابد أن يكون ابتغاءَ مرضاة الله لا خوفًا من سُلْطان، أو حَيَاء من إنسان، أو عدم القدرة على التمكن منه، أو غير ذلك.

الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أبدله الله خيرًا منه))، وهذه الجملة فيها بيانٌ للجزاء

الذي يناله من قام بذلك الشرط، وهو تعويض الله للتارك خيرًا وأفضل مما ترك، والعوض من الله قد يكون من جنس المتروك، أو من غير جنسه، ومنه الأنس بالله عز وجل ومحبته وطُمأنينة القلب وانشراح الصدر، ويكون في الدنيا والآخرة؛ كما عَلَّم اللهُ المؤمِنَ أن يدعو: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201].

انتهت الفتاه من سردها و لكن تركت كلماتها تتلاعب و تدور في عقل نور , يبدو ان القصة لامست شيئا في قلبها و ليس اذنيها و ايضا الحديث و كأنه رسالة موجهه لها خصيصا و كأن الفتاه تقصد ان توجه لها الحديث و ليس تسرده علي باقي الحاضرين
شعرت بدقات قلبها تعلو و تحدث ضجه في صدرها
انتبهت علي صوت المحفظة و هي تقول يلا يا بنات مين هتتطوع و تكلف نفسها بالقصة او الحديث الاسبوع الجاي
همست نور لحسناء و قالت لها : هيكون يوم ايه
حسناء: يوم الاربعاء زي النهارده
فردت نور بصوت يصل لأذان الجميع : انا وحسناء ان شاء الله
نظرت لها المحفظة بإبتسامة عذبة و قالت لها : ما شاء الله يا حببتي خلاص كلنا بإنتظارك ان شاء الله و نتمني تتابعي معانا علطول
بثت تلك الكلمات الثقه في قلب نور و عزمت ان تتابع مع نور ذلك الدرس و ان تختار طريق الهدايه لها مسلكا في الحياه
خرجت نور برفقه حسناء بعد الانتهاء من الدرس , وجدوا حازم بإنتظارهم فاتجهوا ناحيته , قالت حسناء بفرحه : نور هتيجي علطول ان شاء الله
نور : بإذن الله بس سيبيني بس المره الجايه علشان شبكة و احده صحبتي
حسناء: ماشي هنتظرك
نور وقد وصل صوتها لمسامع حازم : بإذن الله , الدرس ما شاء الله جميل و هتابع فيه علطول
ابتسمت حسناء و خطفت نظره نحو حازم لتستطلع رد فعل ملامحه من كلام نور و الذي يعتبر مفاجأه فوجدته يخطف نحوها نظره ممتنه شاكره , رقص قلبها فرحا بين ضلوعها من تلك النظره و شعرت وكأن مصباح أمل جديد أضاء في قلبها يبشرها بمستقبل ربما سيكون ملئ بتحقق حلمها حاملا أفراح لقلبها
اصطحبهما حازم للشركه و بعد ان جلست حسناء بمكتبها و اطمئن عليها , ذهب ليوصل نور إلي المنزل
وبعد ان وصلوا نزلت نور و هم حازم بأن يرحل لكن نور استوقفته فأتجه ليسمع طلبها
نور: حازم انا عندي فرح اتنين صحابي الاسبوع ده و عاوزه اشتري فستانين احضر فيهم
حازم : مينفعش واحد يقضي الاتنين يا نور
نور بتبرم : لا مش
قاطعها حازم فهو يعلم ان لا فائدة من الجدال معها وقال: خدي اللي انتي عاوزاه يا نور من ماما و انا هقولها تعطيكي اللي انتي عاوزاه ولو الفلوس مكفتش اسحبوا من الفيزا اللي سيبها جوة
تركها بقلبها المزرغد و ركب السياره و انطلق نحو الشركة
دخل الشركة و اتجه مباشرة نحو غرفته و هو شارد كليا و كل خليه من خلا مخه في اتجاه مختلف عن الأخري
لم يستطع الجلوس من كثرة التفكير , فقام من كرسه يجول بالغرفة و هو يعقد كفيه خلف ظهره
كانت يسير بخطي مبعثره و نظرات مشتته و لم يلحظ تلك العيون التي تتابعه من فتره للاخري من خلف الفاصل الزجاجي
كانت تتابعه و تملأ عقلها بالمزيد و المزيد من الآمال في ان تكون سنده و مخرجه من ضيقته و يد العون له في حاجته
وقبل ان ينتهي يوم العمل شعر حازم بأنه يريد ةان يستشق بعض الهواء الطلق ربما يجد بين ذراته فكره تلهمه في ما يريح خلايا دماغه من التفكير و يخمد نيران الحيره داخله, اغلق حازم غرفته و اتجه نحو حسناء يستحثها بأن تنهي ما بيدها حتي يرجعها لمنزلها
واثناء ركوبهم المصعد تشجعت حسناء و قالت : ممكن لو سمحت يا بشمهندس نروح محلات القماش الجمله اشتري شوية حاجات
نظره لها حازم و كأنه يقول لها : ليس الوقت المنماسب
ولكنه عندما وقعت عينيه علي وجهها حتي تذكر مصدر نجاحه في شركته تلك و هو مساعدته لها فلم يستطع رفض طلبها و قال لها من بين طيات فوران غضبه : حاضر
استقلا السياره ووصلوا لمقصدهم , ظلت حسناء تجول داخل المحل تبحث عما يناسب طلبها و لكنها لم تجد ما ترغبه فطلب من الحازم أن يذهبوا لمحل أخر
فوافق رغم كمية الغضب التي تضمر داخله فلم يكن مزاجه يسمح بذلك البته ولكنه تحامل علي نفسه و ذهبوا لمحل أخر , ولكنها ايضا لم تجد به ما تريد فطلبت ان يذهبوا للأخر ولكن لم تجد به ما تريده فطلبت الذهاب للرابع فأصطحبها لهناك علي مضض
كانت ملامحه في حالة تشنج مريب من شدة غضبه من حسناء وكأنه قنبلة موقوته ستنفجر بعد لحظات و بالفعل
نظر لها و هي تجول بعينيها و ظل يراقب ردود افعال ملامحها فقرأ منها عدم الاعجاب بشئ
فلم يتمالك اعصابه و لم يشعر بنفسه الا و هو ينهرها بصوت يدوي بالمكان : حسناااااء , اخلصي متفلقنيش عشر ساعات علي ما تختاري
نظرت له حسناء بعيني محدقتين مليئتين بالصدمة , لم تستوعب ما سمعته وكأن أحدها فرغ بها مولد طاقه كهربائية بشحناته العالية
دارت بعينيها في المكان فوجدت الجميع انتبه لصوته ووقوقفوا يصوبون تجاهها بنظراتهم المتعجبه المستنكره
شعرت بجمود غريب يسير بأوصالها وقفت كالصنم تحدق أمامها بوسع عينيها لا تشعر بما حولها لا تري لا تسمع و تعي شئ سوي بتلك الدموع التي تدفق لعينيها بإندفاع
تلفت حازم حوله فوجئ بتحول الموقف حوله بسبب اندفاعه تهوره في نهر حسناء
دنا منها و قال لها و هو يحاول تمالك اعصابه : تعالي ورايا و بكره كملي
سار بإتجاه الخارج ولكنه لم يجدها تتبعه بل مازلت علي وضعها المتجمد
فعاد لها ولقال لها : حسناء يلا تعالي
ولكنها مازالت متيبسه , فلم يكن سبيل لإفاقتها و الخروج من ذلك الموقف الذي لن يحسدهم عليهم احد إلا ان سحبها من مرفقها في اتجاه المخرج
افاقت من قبضت يده و التي شعرت انها نعصم من جهنم يلتف حول يدها فانتفضت بشده و سحبت يدها بعنف
نظر نحوها نظرة اسف مبالغة و لكنه لم ينطق بحرف
فتح لها باب السياره بنفسه و انتظر ان ركبت و اغلق بعدها , ثم ركب مكانه و طلب من السائق بان يتجه نحو منزلها
كان كل ما يشغل عقل حسناء اثناء ركوبها في السيارة شئ واحد و هو الا تخذلها دموعها و تسقط أمام حازم
لن من كان يجلس أمامه تناسي همه الاساسي وما كان يهمه منذ ايام و ظل يجلد ذاته العصبية المندفعه علي ذلك الموقف الذي تهور و فعله من دقائق
اختطف نظره تجاه حسناء عبر الصوره المنعكسه في مرآة السيارة ليطمئن عليها و لكنه لم يستطع الحصول علي ما يشفي نيران فضوله بسبب الظلام
وصلوا اخيرا إلي منزلها , وما ان توقفت السياره حتي اسرعت حسناء و فتحت الباب قبل ان ينزل حازم و اسرعت بخطي مهروله تجاه منزلها لتخبأ تلك الدموع التي لم تستطع كبتهااكثر من ذلك
نزل حازم خلفها و هم بأن يلحقها و لكنها فتحت البوابه و دخلت مسرعه بعد ان اغلقتها خلفها , مد حازم يده في الفراغ تجاهها و كأنه يحاول ان يستوقفها او ان يلحق بطيفها قبل ان ان يختفي وراءها
انزل يده بحسره مع سماعه لصوت ارتطام البوابه و هي تغلق
زم شفتيه بأسي و اغمض عينيه بألم , وعاد ادراجه للسياره و بصدره نار مستعره علي استعداد ان تلتهم كل ما يقابلها من الاخضر و اليابس من شدة قوتها
ركبت السياره و بقي شارد صامتا لا يصدر منه اي صوت سوي صوت تلك التنهيدات المتحسره التي تصدر منه بين الحين و الاخر
وصل للفيلا فلم يجد بها أحد , فدخل و جلس علي اريكة ببهو الفيلا, جلس يستند بمرفقه علي مسند الاريكة و يضع قبضة يده علي رأسه و هو يعقد جبينه بشدة و عينيه تملأها نظرات متحسره لائمة
ظل شاردا يستمع لصوت ضميرة اللازع الملئ بالتبويخ و الاستنكار و ينزل عليه سياط عذاب لا يعرفه مطلقا الا تلك اللحظة
افاق علي صوت نور و والدته المليئة بالبهجة و هم قامتان من الخارج
سناء: حازم انت رجعت بدري كده ليه
حازم وكأنه لم ينتبه لكلامها : انتوا كنتوا فين
سناء: كنا بشتري لنور فستان علشان فرح صحبتها
حازم : طيب انا طالع انام
سناء: مش هتتعشي
حازم: مليش نفس
ثم تحرك تحت ناظر والدته المتحسره حتي ادخل غرفته
سناء: ربنا يفك عنك يا حازم يا ابني
نور: ابنك هيقضي علي نفسه بسبب دماغه دي
سناء: والله قهرني عليه
نور: كبري دماغك ,انا هاخد العشا بتاعي و هطلع اقيس الفساتين دي كده و اعمل بروفه علي المظهر الاخير
ثم تركت والدتها و حملت الاكياس بفرحه و دخلت حجرتها
ارتدت فستانها الأول و ظلت تدور حول لنفسها تتأمل مفاتنها أمام المرآة
سمعت صوت وصول رسالة علي هاتفها فقالت , زمانها نسرين لما اغيظها و اقولها اني اشتريت الٍفستان
اسرعت تمسك بالهاتف بسرعه و لكن ما رأته سبب لها صدمه عصبية يبستها بالحال قد كانت رسالة من حبيبها اسامة : ” حببتي….وحشتني….

 

الفصل السابع عشر

 

ما ان وقعت عيني نور علي الشاشة حتي قطبت جبينها بشده ليس غضبا و لكن من هول المفاجأة التي لم تكن تتوقعها علي الأطلاق
خرج صوتها مهزوزا منذرا بقدوم عاصفة بكاء قادمة : اسامة….مش ممكن
تجمد جسدها بأكمله و هي تعاود النظر لأسم الراسل مرات ومرات حتي تتأكد مما تراه و عندما تأكدت ظلت تنظر لكلمات الرسالة و التي لم يتخطي عددها ” الكلمتين ” و لكنها ظلت تحدق بهم حتي يخيل للناظر أنها تقرأ صفحة كاملة في جرنال مشهور
ورغم صلابة مظهرها و ثبات عينيها علي الشاشة و لكن ذلك لم يكن مماثل عما كان يحدث داخلها مطلقا
كان داخلها فوضي صاخبة مصدرها اصوات دقات قلبها العنيفه حتي كادت تفجره , عقلها الغارق في لجة الذكريات التي تفجرت داخله فجأه , ظلت تمرر شريط طويل من الذكريات التي دامت طوال الثلاث سنوات الماضيه أمام عينيها وبالرغم من ان اكثرها ذكريات سيئة من قسوة و ألم إلا انها اشتاقت اليها كثيرا كثيرا و سرعان ما حنت روحها لتلك الأيام برفقة حبيبها أسامة
عادت بظهرها للخلف حتي لامست السرير فهوت بنفسها عليه بعدما شعرت بالدوار و بألم اجتاح مقدمة رأسها
وفي الحال بدأت عينيها تنزف دموع غزيرة متألمة, تبكي بحرقة و قلبها يزداد من سرعات دقاته , لا تعلم اشتياقا لحبيبها أم فرحته بعودته بعدما ظن انه رجاء مقطوع الأمل , ظلت تتمناه لحظة بلحظة , تعد الايام و الليالي بقلب مجروح نازف , لقد عانت حرمانها منه شهور قاسية , موحشه بدونه ليس لها طعم الا المرارة و ليس لها لون إلا العتمة ,مروا عليها كدهور عدة من شدة قسوتها
وهاهو الآن يعلن لها صراحة عبر كلماته انه يرفض لها المزيد من العذاب و لا يرضي لها الضياع في ايام ظلماء بعد اليوم
مسحت دموعها بظهر يديها حتي تكشف لعينيها الرؤية , ثم نظرت لشاشة هاتفها ثانية
مررت عينيها علي حروف اسمه ثم كلماته و بعدها خرج صوت ضعيف من شفتيها اقرب إلي الهمس و قالت : انت كمان وحشتني قوي , بس انت عذبتني جامد و محستش بيا في اصعب ايام حياتي
زادت نوبة بكائها و علت نهنهتها بعدما نطقت بكلماتها تلك والتي تود ان تقولها له وليس لنفسها
وبعدما هدأت نسبيا , اعتدلت جالسة , استند علي وسادة و ظلت تتتأمل الرساله للمرة المائة
نظرت للمكان الذي يجب ان تكتب له فيه الرد
قربت أناملها منه علي وشك ان تضغط علي بعض الحروف و ترسلها له و لكنها في أخر لحظة قالت: لا صحيح وحشتني بس لازم تدوق اللي انا دقته يا اسامة و لازم تطلب مني مره و اتنين علشان ابقي غالية , احسن انا رخصت نفسي ليك , اه هرجعلك و لسه بحبك و لا عمري هيعدي عليا يوم من غير ما احبك وافكر فيك و اشتقلك بس مش هرد دلوقتي
أغلقت هاتفها و وضعت ملابسها في الخزانه ثم استلقت علي السرير استعدادا للنوم , و بدأت تتخيل حبيبها التي بلغ شوقها له حد المنتهي , وبدأت تسبح بعقلها في عالم الاحلام السعيد الذي يزينه وجه اسامة و يعطره عطر اسامة و يلونه كلمات اسامة , شعرت لوهله انه لا تتحمل عذابه عندما لم ترد عليه و اوشكت ان تقوم و تبعث له رساله عما يضمر داخلها و لكنها تماسكت بصعوبه و عادت بعقلها لأمالها الجميله والبسمة تزين وجهها و لا تعلم اي شئ عن تلك البسمة الخبيثة التي تلون وجه اسامة في الوقت ذاته بسمة مليئة بألوان الخبث و المكر و الدهاء و هو يتخيلها بعدما رأت تلك الرساله التي طالما تمنتها كثير و يتخيلها وهي غارقة في انهار سعادة مزيفة كاذبة
……………………………………………………….
في الغرفة المجاورة كانت هناك نيران مستعره بحد الحريق , مصدرها كان ذلك الرجل الناري الضخم حازم
كان يجلس بملابس عمله , مستندا بظهره علي السرير , ملامحة تشبه ملامح الوحوش من شدة غضبه , يكاد يجزم من يراه انه من تستعين به الامهات في ارهاب اطفالهم لكي يسرعوا للنوم او يطيعونهم في طلباتهم
كان هذا و ضعه منذ ان دخل غرفته مما يقرب من الساعه , لا يفعل شئ سوي الجلوس و الشرود و رسم ملامح منقبضة بشدة علي وجهه تزداد عبوسا مع الوقت , يجلد ذاته بأقسي الكلمات و التهديدات التي يخاف ان يلقاها عقابا من الله بسبب معاملته لحسناء
زفر بقوه , ويا لرحمة الله انه ليس أمامه شجره وإلا لأقتلعت , تبعها بقوله : استغفر الله العظيم , انا غبي , يعني مستفدش من الدرس اللي قبل ده لما أكرمتها نجحت و ربنا حققلي حلمي و دلوقتي رايح ازعقلها ومستني ربنا يوفقني و يحققلي حلمي
عادة ثانية بعقله للشرود , وبعد دقائق قال بحده و هو ينهض : انا هقوم اتصل عليها اصالحها
وبعد ان حمل الهاتف و هم ان يضغط علي ذر اتصال , توقف طاعة لصوت كرامته الذي دوي كصفارة انذار داخل عقله
وضع لهاتف جانبا و بدل ملابس عمله بأخري للنوم و هو مازال يفكر في كيفية استرضاء حسناء دون المساس بكرامته
لم يجد أمامه سوي الطريقة التي اعتاد ان يستعملها معها و هي المزيد من العطاء
تخيل حسناء و هو يضع امامها الكثير من الأشياء , ولن للاسف شعر بسخافة تفكيره , فعلا انها ليست قطه يسترضيها بقع سمك لذيذة وبعدها تعود كما كانت
انها انسانه ذات قلب , ذاقت ما يكفي و يفيض من الألم في عالمها القديم و انتقلت لعالمه الذي اشبعها هو سالفا ألما و ظنون سيئة و حبس , ألا تستحق ان تعامل بآدميه وتنال حقها في الاعتذار
مسح وجهه بكلتا يديه بقوه أنه يحاول مسح تلك الفكره تماما من تفكيره و لكنها مازالت معلقه بقوه بل تثبشت اكثر و اكثر حتي شعرانها الواجب تجاهها
قال بنفسه ك يا تري بتعمل ايه دلوقتي , فلم يكن لديه رد علي نفسه سوي : زامنها طبعا بتعيط يا غشيم
تخيل دموعها و هي تذرف من تل اللؤاؤتين الزرقاوتين ل تتهادي علي الوجنيتين الناعمتين , لتعكر ذلك الوجه البرئ
اعتصر قلبه ألما من مجرد تخيله انه أبكي تلك المسكينه دون سبب و انه سيكون سبب لحرمانها الراحة و النوم في تلك الليلة بالتأكيد
تمدد بفراشه و دثر جسده بغطاء خفيف عله يستطيع النوم بعد يوم طويل
ولكنه لم يستطع النوم و هو يعلم انه سرق من حسناء النوم في ليلتها تلك وظل يفكر في كيف استرضاءها بشكل كاف و لا يمس ككرامته
………………………………………………………..
وضعت حسناء يدها تعتصر جبهتها من شدة الالم الذي سببه اعصار البكاء الذي لزمها منذ اكثر من الثلاث ساعات بعدما أوصلها حازم للمنزل
قامت معتدله وتركت الوساده التي كانت تحتضنها وكأنها تحاول ان تستمد منها بعض الانس في الحياه الخالية من الرحمة
جلست تستعيد انفاسها من بين تشنجاتها , وبدأت في التفكير في الموقف , فمنذ ان دخلت لهنا و هي تبكي و لم يكن امامها الفرصه لكي تفكر
بدأت تعرض الموقف علي عقلها بهدوء , وعندما سمعت صدي صوت حازم و كلماته لها فبدأت تندفع باكية بحرقه ثانية
لم تكن كلماته سبب بكائها ولكن خوفها من ان تفقده و ان يتخلي عنها
قالت : انا اللي غبية , انا عارفة انه مضايق المفروض مكنتش طلبت منه النهاردة
ثم تابعت: انا عارفه اني غلطت بس مش ده المهم دلوقتي, المهم انا خايفة يكون بدأ يزهق مني و بقيت حمل عليه و عاوز يعفي نفسه من مسؤلتي
فكرت بشرود برهه بعدها قالت مندفعه : انا فعلا لازم اخفف عنه شويه , والمفروض المده اللي هو مشغول فيها و يشوف شركة جديده اكون عندي دم و بلاش شركة الايام دي خالص, انا من بكره هطلب منه انه يجيب حد غيري و اخد اجازة شوية , لحد ما هو يطلب اني ارجع تاني للشغل لما يفوق من اللي هو فيه
كان رأيها صائب و مقنع من وجهه نظرها و لكنها و جدت قلبها يكاد يلفظ انفاسه الاخير مفارقا للحياه , ولكنها بقيت علي رأيها و ظلت تحاول انعاش قلبها بكلماتها المصاحب لدموعها : معلش عارفه اني صعب عليا و مش هقدر بس ده الحل الوحيد و إلا هفقدة وهيزهق مني و مش هيقدر يستحمل
تذكرت أحلامها التي حاكتها بعقلها خصيصا له , بحلم و حياه تجمعهم , سخرت من نفسها و قالت : لا ارجوكي بناقص افكارك دي كلها , اذا كان من اول خطوه بوظتي الدنيا , يمكن بعدي هيكون اكثر أمان لمستقبلي , ومحاولتي فاشله كل الفشل ومش مهم انه يحبني و يكفي اني عايشة في كنفه افضل من اني افقده خالص و لو مكتوبلي انه يكون من نصيبي هيحبني من غير محاولات ولو مش من نصيبي لو عملت ألف محاوله واثبتله نفسي مليون مره مش هيحبني و لا هاخده
حقيقه كلماتها الأخير كانت بمثابة السكين الحاد الذي غرس في قلبها ولكنه مجبر علي الاستسلام لأنها الحقيقة
………………………………………………………………….
بثقت شمس اليوم التالي بعدما تآكلت وسط ظلام الليل , ليل طويل حتي الملل , دقائقة كالدهور , غيم الحزن ساعته , ولون الألم دقائقه , سواء ألأم ذكريات علي نور أم ألم ضمير لازع علي حازم أو ألم الخوف و الحزن علي حسناء , لم تغمض عين لحازم و لا لحسناء ونور , فتلك النيران التي تشتعل في صدورهم حالت بينهم و بين ليللة هنيئة لعقلهم وراحة لجسدهم
, كان كل منهم غارق في لجة افكاره , حتي أشرقت شمس اليوم التالي علي غفله منهم , ولكن شروق الشمس و بدأ يوم جديد لم يكن كفيل بأن ينهي صراعهم النفسي بل كان مكمل لتلك الليلة بكل تفاصيلها القاسية ,
قامت نور بعينيها المتورمتين و انفها الاحمر و تناولت بعض الطعام بعدما عانت من سهر يوم وسط دموعها و قلبها الجريح و عقلها المشتت فيما يجب ان يفعله و ما سيكون رد فعله تجاه حبيبها الذي ظلمها و الآن أتي يستسمحها بعدما ذاقت أصعب نكهات الشوق وا لجرح علي يده
قالت بنفسها ك انا هحاول انام دلوقتي و هبقي اتصل علي نسرين اخد رأيها
ثم دخلت لفراشها و سرعان مااستسلمت عيونها المرهقه للنوم
,
قامت حسناء هي الأخري بعدما صلت صلاة الضحي و بقيت مكانها شارده بعقلها تملي علي نفسها ما يجب ان تفعله تجاه حازم من ان تبتعد عن حياته و تريحه بعض الوقت من مسؤليتها , فالبتأكيد قد ارهق كثيرا من حمل لها علي كاهله , ولكنها لم تستطع الذهاب للسرير فقد بقيت باقي اليوم تداوي جروح قلبها المكلوم من بعدما قررت الابتعاد عن حازم و تظل بالمنزل
بينما حازم قام وخرج من المنزل كي يشغل عقله بالعمل و يحمه من تلك الافكار التي تزاحمت عليه حتي هوي من شدة ما يفعل به , و هاربا من ضميره الذي لم يفتر عن تقطيعه من كثرة سياط الندم التي أشبعه بها طوال الليل
رغم كمية الألأم التي تسكن خلايا عقله من كثرة التفكير و قلة الراحه و لكنه اتجه للشركة , وصل قبل موعد وصول الموظيفن , فتحها و دخل في حجرته وجلس وحده , هم بأن يفتح بعض الملفات و لكن سرعان ما أحاطته أفكاره ثانية مما جعل رئتيه تشعر بالأختناق , فأغلق ما بيده و خرج من الشركه و لم يرتد سيارته بل ظل يسير بلا هدي وسط الماره ينظر هنا و هنا دون ان يري ما امامه , وكانه خيال يسير في الطرقات , فكان عقله مشغولا تارة بشركته التي يرديد ان يفتتحها و تارة اخري بحسناء و التي اهانها بشكل لا يستطيع هو تحمله ان وضع بموقف مشابه , وظل يجاهد عقله لإقناعه بأن يتنازل عن جزء من عزة نفسه و يمنح تلك المسكينه حقها في الاعتذار و يغير معاملته لها ويقلل بعض الشئ من تجاهله الشديد لها و اعتبارها لا تحتاج سوي المال فقط , حتي مل السير ايضا فاتصل علي السائق فأتي له في المكان الذي قادته قدمه إليه و ذهب لمنزله بعدما نال جسده كمية لا بأس بها من الإرهاق و الاجهاد و استسلم اخيرا للنوم
………………………………………………….
أشرقت الشمس في اليوم التالي و استيقظت معها جميع الكائنات و ايضا استيقظ هموم حازم معه , قام من سريره , وظل جالسا عليه بعض الوقت
وبعدما نال قسطا من الشرود , تثائب بقوه , ثم قال : لا انا لازم اقوم , انا امبارح قضيت الليوم كله نوم و لا رحت الشركه دي و لا دي , وقال ايه عاوزة افتح شركه مان , بنظامي ده هضيع الشركئتين اللي حيلتي و هقعد جنب ماما اقشر بطاطس
ثم قام فجأة و قال بلهجه آمرة صلبه : يلا يا حازم بطل كسل و شغل العيال الصغيرة ده , وموضوع حسناء هحله النهارده بهدوءو خلاص و لو المره دي اصالحها بنفس طريقة المره اللي فاتت مادام انا مش فاضي, لازم لازم النهارده اخد قرار نهائي في موضوع الشركة الجديد و لو فعلا هفتحها يبقي لازم اخد اي خطوه ايجابية علي ارض الواقع النهارده مش افكار و بس
ثم اتجه الي خزينة ملابسه و أخرج ما سيرتديه اليوم و اتجه بخطوات متلاحقه للحمام , حتي يستعد بجرعه نشاط كبيرة لبدء يومه
وبعد ان استعد للمغادره , قال: هروح الشركة القديمة دلوقتي و هبقي اتصل علي حسناء قبل ما اروحلها بساعه
ثم ذهب لشركته بعدما و دع والدته بوجه و اجم و ملامح شاحبه بعد عزوفه عن الطعام منذ امس الليله قبل الماضيه و تركها بعد ان طبع علي ملامحها القلق من أجله
وصل لشركته و بدأ في عمله بتركيز كبير يحاول جاهدا ان تجميعه و لن للأسف فكانت حسناء تشغل القسط الاكبر من تفكير حتي سرقت كل تركيزه
ورغم محاولاته العديده في التركيز بما بين يديه و لكن محاولاته لها باءت بالفشل , وبالنهاية استسلم لإلحاح عقله بأن يتصل عليها أولا حتي يستطيع كبت النيران المشتعله بداخله حتي كادت تقضي علي اعضاءه الداخليه
تأفف بغيظ كأنه ينفث بعض النيران المشتعله داخله, ثم أمسك بالهاتف و بعد ان بحث عن اسم حسناء, هم ان يضغط علي زر الاتصال , ولكنه شعر بخفقان شديد في قلبه , ربما كرامته هي من وراء ذلك الخفقان , فتلك المره الاولي بحياته ان يقدم اسف مباشر لأحد , فمابالك ان يكون ذلك الاسف موجه لفتاه , ايا كانت تستحق الاعتذار ولكنه لن يكون بالسهل عليه القيام بذلك
برم شفتيه بقوه ثم سحب كميه كبيره من الاكسجين و كأنه يحاول الضغط علي نفسه
و بعدها ضغط علي زر اتصال
دقائق و آتاه صوتها المبحوح الضعيف من كثرة البكاء : السلام عليكم
حازم و قد تملكه القلق و الارتباك : وعليكم السلام , ازيك يا حسناء
حسناء بلهجه مكتومه كأنها تحاول كتم دموعها التي علي وشك الاندفاع : الحمد لله
صمت لحظه كي يحاول تجميع حروف ” اسف” حتي يبعثها لتلك المسكينه و لكن تلك الثلاث حروف تبخرت من حلقه فورا وتركته حائرا في موقف لا يحسد عليه , حاول تجميع اي كلمات اخري يبرر بها سبب اتصاله واخيرا حصل علي بعضها , تنهد بقوه ثم قال لها : انا هاجي اخدك النهارده بدري شويه
دقائق و سمع صوت حسناء تتخلله هزة دموع و هي تقول : انا مش هقدر اجي النهارده
لم يتحكم بأعصابه , كيف يجبرها ان تأتي كي يستطيع ان يقدم لها اعتذاره , قال دون ان يفكر: وشغلك ده
حسناء بنفس النبره الباكيه: اعذرني انا محتاجه اخد اجازة شهر فشوف حد يجي مكاني
يالها من حمقاء اهي مصره علي اشعال نار غيظي , قال لها بنبره آمره : هو انتي فاكره هضغط علي زرار هلاقي واحد يجي ياخد شغلك, تعالي كملي شغلك علي ما ألاقي حد و ابقي خدي اجازة براحتك
صمتت حسناء أمام اسلوبه المنذر بعاصفة غضب اخري وقالت : حاضر
ردت بصوت اعيد له بعض هدوءه : طيب اجهزي يلا علشان هاجي اخدك دلوقتي
حسناء بتعجب: الساعه لسة 11
حازم : اجهزي وجاي اخدك دلوقتي
حسناء : حاضر
……………………………………………………….
قامت حسناء بمشاعر متخبطه , كل ما بيتت نيتها عليه سوف يمحي بعد دقائق, يبدوا انها كلما تنوي شئ سيخلفه حازم , ولكنها قالت : اول ما يلاقي واحد غيري انا هاخد اجازه طويله ان شاء الله
نهضت بعجله تجهز نفسها فهي ليست علي استعداد استقبال نوبه غضب اخري منه فهي لم تشفي بعد من سابقتها
وبعد ما يقرب من النصف ساعه سمعت بوق السيارة بالخارج فهرولت سريعا و كأن احدهم يلاحقها و نزلت تجاه الخارج
وما ان وطأت قدماها خارج المنزل حتي وقعت عينيها عليه فألتحمت نظراتهم لدقائق قبل ان يغض كل منهم نظره عن الاخر
دقائق كشفت لكلاهما كثير عما عاشه الاخر في اليليتين الماضيتين
راي حازم أمامه فتاه تتمايل من شده ضعفها بملامح شاحبه يكسوها الاصفرار و تحمل نظره عاتبه حزينه , نظر لها ثانية و هي تقترب منه تتأمل الارض أمامها فرأي اليتم مجسد في هيئة فتاه هزيله ضعيفه حزينه وحيده
امتغص قلبه بشده من أجلها , شعر بأن لاشئ في الحياه إلا و اذاقها مرارته و يأتي هو في النهايه يقسو عليها دون سبب و يترك العنان لتعصبه يقسوه عليها هو الاخر
فتح لها باب السياره و هو مازال ينظر نحوها دون ان يدري , شعر بها و بكم الدموع المحتقن داخل عينيها عندما رأته , ومدي محاولتها ان تبدو طبيعيه امامه
ركب السيارة ثانية و طلب من السائق الانطلاق للشركة الجديدة
ثم لزم صمته و هو يراقب المباني و الماره حوله , من يراه يحسبه ينظر حوله ليشغل وقته فقط و لكن في حقيقه الامر كان عقله مشغول بمن تجلس خلفه
كانت كل مشاعر الرحمة و الرأفه و الشفقه و ربما الحنان تجتمع داخله تجاه تلك الفتاه , شعر انه يريد ان يجلس بجوارها يربت علي ظهرها يبث داخلها بعض الحنان الذي فقدته طوال حياتها , هو لا يعلم شئ عن تفاصيل حياتها و لا شئ عن طبيعة شخصيتها و لكن هيئتها توحي بمدي حاجتها لحنان فقدته كثيرا حتي اصبحت كورقة شجر صفراء أرهقها صيف حارق و أتي خريف عنيف ليقضي علي ما تبقي منها برايحه العنيفة و أتربته العاتيه
وصلا للشركة مع اذان الظهر , توقفت السيارة أمام المسجد كما طلب حازم
نزل حازم ثم فتح الباب الخلفي لحسناء و قال لها بعدما خطف نظره نحو وجهها الشاحب زادت قلبه لينا من اجلها
قال لها : حسناء ندخل نصلي الظهر و لما تخلصي انتظريني عند المدخل زي كل مره
أومأت برأسها و تابعت خطواتها للداخل
و حازم اتجه هو الاخر للصلاه و عقله مشغول بحسناء , فكيف له كل تلك المده يعامل بذلك الشكل مجرد شئ يلقي له بعض الطعام من اجل ان يحافظ علي عهد مع الله حفاظا علي حياته , ويكاد يشعر تجاهها احيانا انها حمل او كحبل ملفوف حول عنقه يهدده من وقت للاخر اذا تراخي في عطاياه نحوها و لم ينظر لها علي انها انسانه لها حق العيش بكل اشكاله و ليس الطعام فقط
أنهي صلاته و خرج مسرعا ينتظرها حتي لا تنتظره وحدها بالخارج
وصل قبلها بدقائق , وبعد ان وصلت له قال لها بنبره توحي بحنان فياض: هنروح مشوار قبل ما نطلع الشركة
كان رد حسناء تل المره ايضا إيماءه دون ان تنظر تجاهه ثم تبعته بهدوء
لاحظت مدي قربه منها تلك المره عن سابقتها , تعجبت داخلها وقالت: تقريبا لسه باله مشغول ومش واخد باله انه ماشي جنبي , انا احاول افضل ساكته النهارده خالص و متكلمش بأي كلام نهائي وربنا يسترها و اليوم يعدي علي خير
ساقتها قدمها خلفه حتي دخلت محل هدايا و اكسسوار
دهشت من سبب قدومه إلي هنا , وجدته يجول بعينيه بين الساعات الحريمي فزادت دهشتها , التفت لها وقال : حسناء اختاري ساعة شيك لنرمين علشان عيد ميلادها
همت ان تقول ان اعياد الميلاد حرام و لكنها برمت لسانها داخل فمها محتفظة بصمتها مخافة غضبه
مررت عينيها بتمنع في ارجاء الواجهه الزجاجيه التي ترص داخلها الساعات ثم اختارت واحده
وقالت له : بيتهيقلي دي حلوه و فخمه
قال لها : ماشي
ثم طلب من العامل ان يحضرها له و يضعها بعلبة مناسبه
وبعدما انتهوا خرجوا من المحل, خرج حازم تتبعه حسناء, تعجبت عندما وجدته يتجه لإكمال طريقه عكس اتجاه الشركة و لكنها ايضا لزمت صمتها
دخل حازم أحد المطاعم عالية المستوي و حسناء بخطي مسلوبة الإرادة مخافة ثورته
جلس علي احد الطاولات الكبيرة المخصصه لعائلة تتكون من ستة افراد ثم طلب النادل كي يملي عليه طلبه
لم تتعجب حسناء تلك المره و لكن ظنونها اوحت لها بأن عائلة حازم ستأتي لإقامة حفل عيد ميلاد نرمين و بالتأكيد هي من طلبت من حازم احضارها
خرجت من تفكيرها علي صوته و هو يقول لها: هتطلبي ايه يا حسناء
حسناء: انا مش جعانه دلوقتي
قال لها مازحا وهو يصوب نظره تجاهها: علي فكره الكذب حرام , انا متأكد انك مأكلتيش حاجه من اول امبارح
لم ترد عليه و لكنها هربت بوجهها بعيد عنه للجهه الاخري وهي تضم شفتيها و عينيها تلمعين تحبس دموعها من الانفلات
وصل النادل فقال له حازم : هاتلي يا افندم وجبتين من ده
انصرف النادل تاركهم يعانون خرس مؤقت , وبعد ما يقرب من العشرة دقائق لاحظت حسناء تشنج ملامح حازم و هو يغمض عينيه بشدة و يقبض وجهه بعنف و يحبس الهواء داخله
نظرت نحوه بتعجب و قلق و فجأه و جده يندفع بقول : حسناء انا أسف
ثم نظر نحوها نظره مطوله يستشف من ردة فعلها السماح له و لكنه وجد عكس ذل تماما , وجد عيني متحجرتين مليئتين بدموع حبيسة و ثغر حزين مقوسا للاسف , و عروقا بارزة تبدي مدي تشنجها الداخلي محاولة ان لا تفضحها دموعها أمامه , ولكن سرعان ما تحول موقفها ضدها
إذ بدأت شلالات دموعها في التدفق بغزاره , استندت بمرفقيها علي الطاوله أمامها و خبأت وجهها خلف كفيها و تركت العنان لدموعها و آهاتها و تنهيداتها وكل ما تحبسه داخل روحها المختنقه
كادت أنامله تتفلت من سيطرته يمسح تلك الدموع التي عصرت قلبه أكثر مما عصرت قلبها و لكنه لحق بها في اللحظة الأخير
ظل يقبض قبضة يده بشدة محاولا التحكم بأعصابه و لربما التحكم بدموعه هو الآخر, و هو ينظر لها باسف و ملامحه متأثرة بشدة لموقفها الضعيف
قال لها بصوت راجي مهتز: خلاص يا حسناء , ارجوكي خلاص , انا اأسف والله , صدقيني غصب عني , مقصدش والله انا كنت متعصب وقتها
كان يحاول تهدئتها بكلامه و لكنها لم تكن تفعل شئ سوي الإزدياد في البكاء
ظل صامت يراقبها حتي تهدأ , يخرج تنهيده حاره من وقت لأخر
جاء النادل بالطعام و ظل يضعه أمامهم علي الطاوله حتي انتهي و انصرف
نظر حازم ثانية لحسناء فوجده مازالت علي وضعها مختبئة داخل كفيها و لكن صوت بكائها انخفض
قام من مكانه و جلس علي الجهه الاخري من الطاوله لا يفصل بينه وبينها سوي كرسي واحد ثم مد يده نحوها بمنديل ورقي و هو يقول لها بصوت رخيم بنبره هادئة دافئة : خلاص يا حسناء
صعقت عندما سمعت صوته قريب منها فاخرجت وجهها الدموي الملطخ بالدموع و نظرت ذعرا نحوه
ابتسم من منظرها المفزوع و قال لها ممازحا : لو أعرف كنت قعدت هنا من ساعتها
فقامت تنهره بنظراتها و جلست بالجهه الأخري
فقال لها و هو مازال محتفظا بإبتسامته الساخره وقال: بالله عليكي متستخبيش تاني
جلست و ظلت تجفف دموعها بمنديل و هي تتهرب بناظرها بعيدا عنه متجاهله مزاحه تماما
قال لها برجاء مازح: خلاص بقي يا حسناء متخليش قلبك اسود
عقدت يديها أمامها علي الطاوله و ابتعدت بعينها عبر النافذة الزجاجية التي علي يمينها ولم ترد عليه
قال حازم بنبره جادة : حسناء معلش اعذريني انا كنت ساعتها مضايق مش قصدي اني اهينك او ازعلك قدام الناس , معلش بجد انا مخنوق جدا جدا الايام دي , حاولي تستحمليني
لم تعيره حسناء اي ردة فعل لكلامه فأكمل وهو ينظر تجاهها : انا أول مره احس اني تايه بالشكل ده و مش عارف اخد قرار كده , عاوز افتح شركه جديده و الكل واقف ضدي و ممانع تماما
لا يعرف لماذا تحول فجاه من حازم الكتوم اللغز لكتاب مفتوح كل صفحاته نصب عينيها , وقبل ان يلوم نفسه علي ذلك سمع ردها بصوت ملبد ببقايا البكاء: والكل معارض ليه
حازم : شيفين ان كفايه الشركتين اللي عندي , محدش فاهم دماغي
حسناء و قد انتهزت الفرصة بأن تقدم دعمها له : شئ كويس جدا انك تحب تواصل نجاحك و متقفش عند خطوة نجاح لأن النجاح الحقيقي في الاستمرار , بس مش ممكن الشركه دي تخليك تقصر في التانين
حازم : الشركة القديمة دي فاتحها من اكتر من عشر سنين و كنت انا اللي متصدر السوق بشكل فظيع و ساعتها مكنش فيه غير اجهزة الكمبيوتر و كان عليها اقبال كبير جدا و علشان استثمر فلوسي كنت باخد المكسب احطه في مقدمة أراضي و اقسط باقي المبلغ و في سنه كنت شاري أرض كبير و كان ثمنها غالي جدا و اقساطها أخدت سنين اللي هي ارض الفيلا اللي انتي فيها دلوقتي و في السنه دي بدأ ينزل في الاسواق اللاب توب فمكنش معايا وقتها سيوله علشان اقدر ابدأ اجيب اللاب في شركتي لأن كان قسط الأرض كبير و كنت واخدها من شركة استثمار يعني مكنش ينفع استسمحهم اني أجل القسط شويه , وطبعا ده مثل مشكله كبيره جدا لشركتي انها أخدت سمعه انها متخصصه بس في اجهزة الكمبيوترفقط حتي بعد كده لما دخلت فيها اللاب و التابلت مكنش فيه سحب كبير و طبعا اقبال الناس دلوقتي قل كتير علي الكمبيوتر علشان كده فكرت في الشركة الجديدة و فكرتها كانت اني وفرت مكان بس و الشركة المصنعه هي اللي فرشتلي الشركة علشان كده مش هتلاقي غير ماركة واحده بس
اندمجت حسناء بكل تفاصلها في كلام حازم بل شعرت بما يشعر به , واحست برغبه عارمة في دعمه و مساعدته ولو نفسيا في مأزقه هذا
أكمل كلامه بعدما رأي تفاعل حسناء معه و توقفها عن البكاء : يعني الشركة القديمة دي شغلها ضعيف مقارنة بقبل كده و الشركة الجديده دي مش بتاعتي لوحدي , انا ليا نسبة و ابراهيم جوز اختي نسبة, عاوز ارجع زي زمان ليا شركة مستقله بإسمي و تكون ليها الصداره في السوق زي شركتي زمان
حسناء وملامحها و نبرة صوتها توحي بمدي اهتمامها: طيب و ايه اللي معطلك , انت شركتك الاولي نجحت فيها لوحدك وقادر تنجح مره و اتنين و ألف ليه متذبذب المره دي
حازم بحسرة : الكل واقف ضدي جامد , بل بيحاولوا انهم يقنعوني ان كفايه اللي عندي , وانا مش عاوز اوضح اني عاوز شركة خاصة بيا من غير شريك علشان محدش يفهمني غلط
حسناء: طيب ما تحاول تطور الشركة القديمة و حتي تستفاد من اسمها القديم و شهرتها و في نفس الوقت متشتتش نفسك
حازم : حاولت كام مره اطورها بس خلاص هي خادت انطباع, و بعدين انا حابب افتح شركة هنا في حي الجامعه , الشركة الجديده ماشاء الله بتعمل مبيعات جامده جدا عن المنطقه التانيه
حسناء : طيب ما تبيع الشركة القديمة
حازم : مش هينفع , اولا ليها معزة كبيره عندي هي اللي بسببها ربنا وفقني و بقيت رجل اعمال ليا تقلي في السوق غير ان فيها نخبة موظفين نادرن مش هعرف اعوضهم
حسناء و كأنها عثرت علي خريطة الكنز الغامض.. طيب ايه رأيك متلغيش الشركة القديمة و اعملها مخزن و اكتب عليها عنوان الشركة الجديده و بالمره تحافظ علي الموظفين انك تاخدهم الشركة الجديدة و يبقي مخسرتهاش و كسبت زباينك القدماء و فتحت الشركة الجديده و مشتتش نفسك علشان تقدر تواصل
شرد حازم قليلا بملامح مبعثرة و قال بوجل : خايف اورط نفسي و ارجع اندم و اضحكهم عليا
لم يفصح حازم كليا عن عجز نقوده ولكن حسناء فهمت مباشرة ما يرمي له فقد اخبرتها نرمين من قبل فقالت له : طيب بس توكل علي الله و ممكن لما الفلوس تعجز معاك تحاول تصفي الشركة للبشمهندس إبراهيم و ممكن تبدأ بإيجار شقه بدل ما تشتري
شرد حازم في كلامها باهتمام و كأنها أوصلته للحل الامثل لما كان يؤرق باله
فأكملت حسناء بلهجه مشجعه : توكل علي الله و استعين بيه و ابدأ في الشركة الجديده و ان شاء الله ربنا هيوفقك
أمسك حازم قطعه من الخبز وقال لها و صوته يشع منه الحماسة و راحة البال : طيب يلا كلي قبل ما الأكل يبرد قصدي يتلج و هندرس الموضوع ده بعدين

 

الفصل الثامن عشر

 

همت حسناء ان تعترض فقال و هو يشير بسبابته لها : عارفه لو قلتي شبعانه ها ها ها مش هعمل حاجه بس يلا كلي , الاكل ده هيدفعله فلوس فعاوزك تمسحي الاطباق دي كلها
نظرت بخجل للطعام أمامها ثم عاودت النظر له فقال لها : هبص بعيد اهو علشان متقوليش محروجه
فبدأت حسناء تأكل وعينيها تشعان سعادة و أمل و تفاؤل بل و حب و عشق ايضا
وبعدما انتهوا و رفع من أمامهم الطعام و طلبا مشوربا قالت حسناء مستفهمه : هي مامتك و البنات مش هيجوا
نظر لها حازم بتعجب علي سؤالها و قال : ليه
حسناء: مش النهارده عيد ميلاد نرمين
حازم و هو يبتسم بخبث : لا النهارده مش عيد ميلادها ولا حاجه , الساعه دي ليكي
نظرت له شذرا ممزوجا ببسمة تحاول كتماها وقالت : بتكذب؟
حازم بإحراج : كدبة بيضة يا حسناء عديها
حسناء : الكدب ملوش الوان , انا مش هاخد الساعه
حازم : خلاص يا ستي و احنا راجعين هشتريلك واحده تانيه
حسناء : لا خلاص انت المفروض تحافظ علي كل جنية علشان تقدر تفتح شركتك
حازم برجاء شديد : يارب يارب
ثم وجه كلامه لها : يلا الساعه داخلة علي 2 ونص , انا مرحتش الشركة امبارح كمان زمان ابراهيم هيفرقع
حسناء و هي تنهض: ماشي يلا
واثناء سيرهم كانت حسناء غارقة في سعادة لم تشعر بمثلها بحياتها , فقد عاد اليها أملها حاملا بشري سارة لها بأنه في طريقه للتحقيق و ادخال السعادة لقلبها , فقد اقتنع حبيبها برأيها بشدة و ووعدها ان يفكر بالأمر و يطبقه بل و ايضا طريقته في معاملتها اصبحت اكثر أملا, فقد قل تجاهله و تبدل بنقاشها في امور خاصة و يكفي اعتذاره لها اليوم
فاقت من شرودها علي صوته : تعالي نروح من الشارع التاني احسن هنا برج بيتبني و في زحمة
ساروا بشارع جانبي ليتجهوا نحو الشارع العمومي مقابل الجامعه مباشرة و عندما وصلوا للطريق الرئيس وجدوا فوضي شديدة و سيارت شرطه و الكثير من الناس متجمهرين بشكل فوضوي
عندما وجد حازم هذا المنظر اقترب من حسناء و وضع يده خلف ظهرها علي بعد مناسب حتي لا يصتدم بها أحد و قال لها : امشي جنب السور يا حسناء و يلا بسرعه احسن هنا باعه جائلين كتير و بلطجية
نظرت له حسناء له بذعر وقالت : هو فيه ايه؟
حازم : دي حته ارض مقابل الجامعه فاضية بتاعة واحد فقير كان وارثها و كل شويه الباعه الجائلين يتجمعوا فيها و الشرطه بتيجي تطاردهم
حسناء بلطف: يا حرام مش يسيبوا الناس تشوف رزقها و اكل عيشها
حازم و هي يضحك لبراءتها : لا مش حرام , هم ليهم اماكن تانيه يقفوا فيها انما ده مكان مهم و راقي مينفعش يشوهوا منظره و المشكله ان الحكومة هددت صاحب الارض انهم هياخدوها لو معملش حولها سور بس هو راجل ظروفه الماديه صعبه
طيب ما يبعيها أو يعملها سور
حازم : محدش هيرضي يشتريها , ولو عملها سور هتكلفه كتير لأنها علي شكل مثلث رفيع طولها يجي 30 متر و قاعدته 5 متر
حسناء بإندفاع : طيب اشتريها انت
نظر لها باستهزاء ثم ابتسم فقالت بأكثر حماسه : اللي تشتري بيه شقه ادفعوا فيها و اشتريها و ابنيها شركة
حازم : وهعمل بيها ايه أنا محتاج شقه كبيره علشان اقدر اتاجر في كل الماركات
حسناء : دي احسن من شقه كبيرة تقدر تعملها زي مؤسسه كبيرة كل دور اعرض فيه ماركة معينة و دور للصيانه و دور للإداره و كمان طولها ده هيفيدك ان تعمل وجهات زجاجيه فخمه و هتبقي جميله جدا, انت مش محتاج من الوسع في حاجه قد ما انت محتاج وجات تعرض فيها الاجهزة
حازم : هي فكره جهنمية بس انتي مقابل الجامعه مباشرة , تعرفي المتر هنا بكام؟
حسناء: انت بتقول الارض ممكن تروح من الراجل و محدش هيشتريها يعني ممكن يبيعها بأي سعر
حازم : الله اعلم بس ميتهيقليش
حسناء : طيب اسأل كده
حازم ليصمتها : ماشي يا حسناء بعدين
تسمرت حسناء مقابله و قالت : لا حالاً مش بعدين
نظر لها بتعجب فأكملت : انت هتغرم حاجه لما تسأل
قال لها : وهسيبك هنا ازاي انتي اتجننتي
نظرت قريبا للمحل الذي ابتاعت منه الساعه صباحا و قالت : هات الساعه كده
تناولت منه الساعه و اتجهت للمحل بسرعه و قالت له : هبدل الساعه علي ما تخلص
وقف حازم متعجبا من كلامها ولكنه قدر حماستها و مدي اهتمامها بمستقبله و دعمها له فإنصاع لكلامها و اتجه مباشرة للرجل الفقير الذي يقف بملامح تحمل كماً هائلاً من الهموم التي تبدو بشدة في طيات وجهه الذي بدأ يتآكل بسبب عوامل الزمن القاسية
حازم : السلام عليكم ازيك يا حاج حلمي
حلمي ونبرته توحي بمدي همومه : وعليكم السلام
حازم : تبيع الحته دي بكام؟
وقعت الكلمات علي مسامع الرجل كأنها طوق نجاه
حلمي : خمسين ألف جنيه
نظر حازم مندهشا بملامح منقبضة فظن الرجل انه يشعر بغلوها بسبب مساحتها التي لا يستطيع احد الاستفادة منها : خلاص يا سيدي 30 ألف علي الاقل اكمل باقي جهاز بنتي من غير ما احتاج لحد
حازم : طيب نصف ساعه و قابلني عند المحامي شوقي في العنوان ………و هنكتب العقد حالا
تدخل احد رجال الشرطه : بس تسورها من بكره يا افندم
حازم : من بكرة هبنيها بإذن الله
هرول حازم بعقل غير مصدق يزف البشارة التي لم يتوقعها لحسناء
ما ان رأته حسناء عبر النافذه الزجاجيه حتي خرجت مسرعه تحاول ان تستنتج الاخبار من ملامحه
حازم بفرح : حسناء ربنا يصلح حالك يارب
حسناء بتعجب: ايه وافق
حازم : و بسعر اقل من ايجار شقه لمدة شهرين تلاته
حسناء بفرحه : الحمد لله
حازم و كلماته متسارعة : بسرعه هروحك البيت علشان ارجعك و أروح للمحامي اكتب العقد و هروح لشركة مقاولات تبدأ من بكرة تبني فيها
حسناء و هي تسرع خطواتها تلحق بحازم الفرح : ماشي ربنا يوفقك يارب و يسدد خطاك
حازم و هو يلوح بيديه من شدة فرحته : ايوا يا حسنا كتري الدعاء , متبطليش دعاء ليل و لا نهار
………………
عادت حسناء لمنزلها و انجز حازم مهامه عند المحامي ثم اتجه مباشرة لشركة المعمار الهندسي
و اثناء جلوسه مع المهندس تلقي اتصالاً من نور
نور : السلام عليكم
حازم : وعليكم السلام ايوا يا نور
نور : حازم تعالي وصلني شبكة مي صحبتني
حازم بعجله : معلش يا نور خدي ماما معاكي أصلي مشغول جدا
نور بفرحة تحاول تخفيها : ماشي يا حازم ربنا يعينك
أغلقت نور الهاتف و قفزت في الهواء من شدة الفرح و اسرعت لوالدتها تطلب منها بأن تأتي معها فوافقت سناء فقد كانت تخشي من اعتراض حازم علي مظهر نور المتبرج
دخلت نور الحفل بطله مبهرجه من شدة تبرجها و ظلت تبحث عن نسرين حتي تأخذ برأيها في موقف اسامة و لكن وجود والدتها عاقها من التحدث بمفردها مع نسرين و ايضا تسرع نسرن بالانصراف لكي تنضم لاسرة خالتها في رحلتهم لأحد المدن الساحلية
فعادت بحيرتها لتبقي وحيدة تائهه بين افكارها المشتتة , لا تعرف أي وجهة يجب عليها أن تتجه , ولا اي موقف يجب ان تأخذه تجاه حبيبها
………………
كانت حسناء تجلس لا يسع قلبها كمية السعادة التي تشعرها بسبب موقفها اليوم مع حازم , لحظهتا لم تستطع ان تنكر ما يحمله قلبها له و لم تسمع لصوت عقلها الذي يدوي داخلها
كانت تجلس تستعيد كل لحظة مرت معه اليوم بالتفصيل و تحاول الاستمتاع بها لمرات و مرات
واثناء ما هي عليه استقبلت اذنيها صوت هاتفها و سرعان ما انفرجت اساريرها عندما وجدت المتصل حازم فردت بفرحة : السلام عليكم
حازم : وعليكم السلام , حسناء اجهزي بكرة من بدري هتيجي معايا شركة المقاولات علشان نختار مع بعض التصاميم
حسناء بفرحة : حاضر
حازم : معلش يا حسناء استحملي شوية و خليكي معايا اليومين دول علي ما اخلص الشركة
حسناء : من عنيا
حازم : ماشي يا حسناء اسيبك يلا ترتاحي علشان ورانا شغل كتير من بكرة
حسناء: انا هدخل دلوقتي عالنت اشوف بعض التصاميم الكويسه علشان لمااجي اختار بكره
حازم بإمتنان : شكرا يا حسناء و ربنا يقدرني و اردلك جميلك
حسناء : علي ايه بس
حازم : ماشي يا حسناء سلام
……………………….
تتابعت الايام , كان حازم يشتعل حماسة و حسناء تزداد تعلقا به دون ان تدري بسبب لقاءاتهم المتتاليه المشتركة بسبب الشركة الجديده فكان يأخذ برأيها في كل شئ , تدعمه برأيها و تشجيعها و أفكارها
بينما نور تختبئ خلف شاشة هاتفها حائرة بين دموعها عن موقفها مع حبيبها اسامة تتابع رسائله الشبه يوميه و لا تعرف كيف تتصرف
وتابعت نور و حسناء دروس القران بالمسجد مما أدي الي نشأه علاقة بسيطه بينهم ولكن علي الاقل افضل من ذي قبل
وذات يوم اثناء جلوس نور تتصفح الانترنت عبر هاتفها فوجئت بإتصال من اسامة
سقط هاتفها من بين اناملها من هول المفاجأه ووقفت تتأمله دون تستطع ان تقدم نحوه خطوه بل ظلت متجمدة الهيئة و العقل ايضا , لا تستطيع ان تفكر فيما يجب ان تفعله حتي, واكتفت بأن تتابع الهاتف بنظرها حتي انتهت المكالمة و همد صوت الرنين
استطاعت بصعوبه ان تخرج من صدمتها و اقدمت نحوه بخطي مترنحه و فكر مغيب , انحت والتقطته بأنامل مرتعشة
جلست علي طرف السرير و هي تمسك به و تتأمل شاشته , استنشقت اكبر كميه ممكنه من الهواء المنتشر بالغرفه ثم قالت بنبره مشجعه : كفايه قوي بعد و حرمان من بعض لحد كده يا نور , بجد مش هقدر علي انه يتعذب زيادة , لما يتصل تاني انا لازم اتشجع و أرد علشان ميضعش مني و أرجع اندم
اعتدلت في جلستها و أمسكت بالهاتف تتفحصه بإنتظار مكالمة تالية من اسامة
ولكن انتظارها طال , حتي بدأ القلق يتخلل قلبها , وبدأ عقلها ينشغل في عد الدقائق و الثواني بشوق بإنتظار ظهور اسمه ثانية أمام عينيها
ولكن يبدو ان وضعها هذا سيطول كثيرا كثيرا و عقلها سيظل يعد الثواني حتي ينفذ طاقته و يرفع راية الاستسلام في وجه هذا الانتظار
وعندما مر ساعات و لم يعاود اسامة الاتصال و أيقنت نور بأنه لن يتصل , تملكها الندم و الحسرة علي عنادها معه و بدأت تعاتب نفسها عنلي عدم اسراعها في نجدة قلبها المكلوم الذي عاني كثيرا علي يد حبيبها و هاهي تأتي الآن و تكمل تعذيبها له
كادت تهم بالإتصال عليه و لكنها وجدت الوقت تأخر كثيرا و أوشك الفجر ان يرفع اذانه , فدخلت لفراشها و بدأت في ري وسادتها بدموع الحسرة , وقلبها ينزف دما من أجلها و من اجل حبيبها الذي ظنته يعاني اهمالها و بعدها عنه و عدم مسامحته و بقيت تنهر نفسها من أجله و لا تعلم أي شئ عن ذلك الدخان الذي يخرج من فمه بغيظ و هو يقف في شرفة منزله يفرغ غضبه منها في سيجارته المسكينه التي يخنقها بعصبية بين أصبعيه المتشنجين مثل باقي جسده
كان يقف يتأمل السماء شديدة السواد مثل قلبه تماما وعقله يحيك بداخل افظ انواع الوعيد لتلك التي اعلنت ان تعبث معه بسفاهتها و سخافة عقلها و قد غيب عنها مدي علمه بكل تفاصيل شخصيتها و كيف درس بجد كل نقاط ضعفها و اتقن كيفية تعذيبها و التعامل معها بشكل يجبرها علي الركوع امام قدميه وطاعة جميع اوامره
سحب محتويات سيجارته بعمق وهو يغمض نصف عينيه , ثم ابعدها وبدأ في نفث دخانها ببطء بعدها قال بتوعد منذر : مش من عادتك يا ست نور التقل ده , فاكره هتلوي دراعي , علي اساس اني مثلا هصدقك انك بدأتي تستغني عني , اومال لو مكنتش انا اللي مربيكي علي ايدي , خليكي مبسوطه بتقلك عليا لحد ما تندمي , ….اممم بس انا عارف هتصرف معاكي ازاي يا بتاعة انتي , بتتقلي طيب انا بقي مش هبعت رسايل و لا هتصل و اخليكي تعيطي بدل الدموع دم و انتي اللي تترجيني و تبوسي جزمتي و اوعدك يا عبود انا اللي هكسب الرهان , دي نور و عارفها وحفظها عن ظهر قلب كمان …صبرا صبرا
………………………………………………..
مرت الساعات الليلية متسارعه بشوق لظهور شمس جديده تبعث الأمل في القلوب و تبدد الظلام الذي غلف العالم ,
انهت حسناء صلاة الفجر و جلست مكانها تردد الاذكار الصباحية بخشوع , جال بعقلها الايام السالفه و التي ملئها الأمل بسبب المواقف المتكرره مع حازم بل و تحوله من شخص جامد في تعامله معها , فقد كان مجرد رفيق لسائقها في ذهابها و إيابها من الشركة و من يحضر لها الطعام ولا يتعامل معها نهائيا سوي بغض البصر و كلمات مقتضبه و كيفيه تحوله لشخص طبيعي تربطه بينه و بينها علاقه عمل بحدود الاحترام المتبادل و الادب و الالتزام الديني
كان دائم الاتصال بها بشكل يومي , يخبرها بما تم انجازه في شركته الجديده و يطلب منها البحث عن بعض الاشياء عبر الانترنت بالاضافه لأخذ رأيها في بعض الأمور
حقا كانت متعجبه من ذلك فدائما ما كانت تسمع عنه من نرمين انه غامض و لا يحب ان يطلع اي شخص بما بخاطره و لا اي شئ يتعلق بعمله ولا يحب استشارة احد بأي شئ خاصة في مجال عمله او يطلب المساعده ويعتبر ذلك من علامات الفشل ولكن هو الآن يخبرها بأدق تفاصيل شركته الجديدة و يطلب دائما منها دعمه بأفكارها و رأيها و بحثها عبر الانترنت في تجميع الافكار التي تجعله ينشأ شركة فريدة من نوعها
ابتسمت برضا يغمر قلبها و سعادة تدغدغ جميع ذرات جسدها و فرحه تسمو بقلبها مع ذلك الخاطر
قالت بصوت محتقن من شدة الفرحة : النهارده الاتنين , يعني هشوف حازم , اووووه , هقوم بقي اخلص اللي ورايا علشان اكون جاهزة
لم تلحظ من عقلها معارضة كما كان يحدث من قبل و لا اصوات صفارت الانذار و الوعيد و التهديد التي عهدتها منه بل شعرت و كأنه يشاركها الفرحة و يتسابق مع قلبها في التفكير بمن سكن روحها و اصبح الجزء الافضل في عالمها و مصدر نشوة قلبها و فرحة أيامها و سعادة اوقاتها
…………………………………………….
كان يجلس علي ارتفاع اربعة مترات من مستوي الأرض , علي كرسي خشبي و بيده كوبا من الشاي يرتشفه بشرود و هو يضع ساقا فوق اخري
كان يجلس في الطابق الثاني من المبني الجديد الذي مازال تحت الإنشاء ليكون مقر شركته او بالأحري مؤسسته الجديده , ذهنه شارد بعيد في احلام عظيمة و نجاحا كبير رغم عينيه التي لم تتوقف عن التجول بين الماره و السيارات و لكنها لم تكن تري شيئا مطلقا او ربما كانت تري و تبعث بما تراه لعقله و لكنه كان عاجز عن تفسير اي شئ مما يري او استقبال اي شئ يرسل اليه بسبب كثرة انشغاله
وقعت عينيه علي المكان الذي وقفت فيه حسناء بصرامة تلح عليه في طلبها ان يذهب و يسأل عن تلك الارض و يبتاعها لتكون اول درجه في درجات تحقيق حلمه
انفرج ثغره تلقائيا من مجرد تذكره للموقف و رسم طيف حسناء بعقله و ظل يسرد علي نفسه موقفها الحسن معه و مدي اهتمامها بمستقبله و تحفيزها له , حقا انها لإنسانة رائعه من وجهة نظره , يبدو ان كلما مر الوقت كلما ستبهره اكثربأدبها و شخصيتها
قال بنفسه : ربنا يصلح حالك يا حسناء و يكرمك و يقدرني و اردلك الجميل ده
عاد ثانية بعقله للشرود لكن تلك المره كان شروده بها, تعجب رغبته الشديده في اشراكها في نجاحه و فرحته , فرغم انه لم يسمح لأحد بالتدخل في تفاصيل عمله من قبل و لكن بما انها صاحبة الفكرة شعر ان من حقها ان تشاركه فرحة نجاح فكرتها بالإضافة لأفكارها الجيده التي تساعده و ربما ايضا هو بحاجة لدعمها و تحفيزها في ذلك الوقت الحساس من حياته بسب معارضة الجميع له
رفع هاتفه علي اذنه بعد ان قام بالاتصال عليها حتي سمع صوتها المليئ بالحماسة
حسناء : السلام عليكم
حازم و: وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته , ازيك يا حسناء
حسناء وهي تحاول تبدو هادئه حتي لا يصل إليه صوت دقات قلبها المتسارعه من شدة لهفتها: الحمد لله , وجبتلك اللي طلبته من النت
حازم بإمتنان : شكرا , ربنا يجازيكي خير, معلشي تعبك معايا بس انا مش هقدر ألاقي حد اعتمد عليه في الموضوع ده غيرك , وكمان ماشاء الله ذوقك جميل و بتختاري حاجات مميزة
حسناء بفرحة و كأنه ألقي علي مسامعها قصيدة غزل : دي حاجه بسيطه يا بشمهندس , انت تأمرني
حازم : طيب اجهزي علي الساعة واحده علشان هروح اجيب نور من البيت و نيجي ناخدك علشان متتأخروش علي المسجد
حسناء: خلاص ماشي هقوم اطبع التصميمات علشان منسهاش
حازم : ماشي يا حسناء , سلام
أغلقت حسناء الخط ثم وضعت يدها علي جانب صدرها الايسر تحاول تهدأة دقات قلبها و إلا سيلفظ من مكانه من شدة ضرباته الفرحة
ثم قامت كطفله صغيرة تجهز طبع بعض الأوراق , ثم جهزت من لباسها و جلست تنظر فارسها الذي سجنها ببيته ثم سجنته هي بقلبها , فكما تدين تدان
لم تفتر عن رفع عينيها تجاه الساعه التي المثبته علي الحائط و كأنها تحفزها علي الاسراع كي تكحل عينيها بمن اشتاقت له و تروي ظمئها له فهي لم تعد تطيق بعده ولو دقائق فما بالك تبقي ليلتين تعاني احتياجها قربه و تناضل بقلبها الضعيف شوقها له
واخيرا سمعت صوت السياره بالخارج , قفزت بفرحه وقالت و هي تسرع للخارج : اخيرا
اتجهت نحو السياره , وجدت حازم يقف أمام السياره ينظر لها بابتسامة عذبه و نظره تحمل شئ من الامتنان
اصطدمت عيونهم فأسفرت عن ابتسامة مشتركه بينهم قبل ان يغض حازم بصره للجهه الاخري , ضغطت حسناء علي اسنانها و قالت بنفسها : ما هو احترامك ده هو اللي مخليني احتقر نفسي
اضطرت هي الاخري ان تنظر ارضا حتي بلغلت السيارة , فرغم اشتياقها الشديد له و تتوقها لرؤية وجهه و لكنه اجبرها بأدبه ان تعود لرشدها و تراقب افعالها و تراعي ربها
وصلت للسيارة فألقت عليه التحيه كي تخطف نظره له عن قرب : السلام عليكم
فرد : وعليكم السلام اتفضلي يا حسناء
ركبت السيارة فوجدت نور تجلس بالخلف وبيدها المصحف و وجهها ملئ بالحزن و اليأس والألم و ربما ارهاق سهر او تعب جسدي
سلمت عليها حسناء و كالعادة تصافحها نور ثم تبقي صامته , فهي حتي الآن لم تشترك معها في حوارات جانبية او مواضيع خاصة و حديثهم دائما ما يكون مقتصر علي درس القرآن ولكن علي الأقل افضل من معاملتها السابقه لحسناء والتي كانت توضح مدي حنقها لها و عدم استساغتها لشخصها
انطلقت السيارة بهم , استنشقت حسناء الهواء بقوة فقد كان محملا بعطر حازم المميز , ظلت تستنشق بعمق و كأنها تريد ان تملأ مخزون كافياً لرئتيها تكفيها لليوم التالي الذي لن ستري به حازم .
كانت غارقه في خاطرها المحشو بكل تفاصيل الشخص الذي يجلس امامها , صوته , عطره , عبقه , كل شئ
لكن نور , كانت هي الاخري غارقه في شرودها ولكن كان مزاجها عكر باللون الاسود القاتم بسبب الليلة الماضية و ما حدث بها وسبب لها الندم و الحسره
كان قلبها مثقل بالهموم , احست انها تريد ان تفضفض لأي شخص كي تخفف القليل من الحمل الثقيل الذي يقبع علي صدرها , نظرت لحسناء و قالت بنفسها: يا تري لو قلت لحسناء هتخفف عني ولا هتقولي حرام و ابعدي عنه و متسمعيش كلامه
ردت علي نفسها بيأس و خيبة امل: اكيد هتقول حرام و عيب و ابعدي, هي اللي زيها عمره ما يحس بيا , دي مش هيفرق معاها اي راجل , زمانها واثقه ان لو واحد ضاع منها هتلاقي آلاف غيره يتمني ولو اشارة من صابعها ,
اختطفت نظره حاسدة تجاه حسناء التي تتظاهر بأنها منشغله بالطريق حولهم , ثم قالت بغيظ: لا مش هقولها حاجه, انتي فين يا نسرين ملبوخه في ابن خالتك وسيباني تايه لوحدي , حتي مي و هبه محدش فاضيلي غير اني متأكده انهم مش هيحسوا بيا و هيحاولوا يبعدوني عن اسامة
فضلت نور الصمت و كبت همومها داخلها و تعايشها مع عذابها الداخلي وحدها وألا تفصح لحسناء بأي شئ رغم احتياجها الشديد لمن تحكي له كي تفرغ نار صدرها المشتعل
وصلوا للمسجد و قضوا درسهم كما اعتادوا ثم خرجوا لحازم الذي كان ينتظرهم عند البوابة
حازم : قبل ما انسي , هاتي يا حسناء التصاميم اللي طبعتيها
اخرجتها حسناء من حقيبتها و قدمتها له و هي تغض بصرها فهو دائما ما يجبرها علي الحرمان منه و زيادة شوقها له مع كل مره يتقابلون بها بسبب غض بصره و بدلا من ان تكون لقاءاتهم لكبت نار الشوق كانت تزيدها استعارا و شده ولا تروي ظمئها له ولو بقطره واحده
التقطتها حازم و ظل يتفحها واحده تلو الاخري ثم انتقي منهم اثنين و قال لحسناء بإهتمام : التصميمين دول عجبوني , حاولي تشوفي مميزات كل واحد و اختاري الافضل و بكره هكلمك
حسناء: خلاص حاضر
حازم : طيب يلا علشان تروحوا
حسناء بتساؤل : هو انا مش هطلع الشركه
حازم : لا انا خلصت اللي ورايا وانتوا في المسجد و مش هرجع هناك النهارده , ورايا شغل كتير في الشركة الجديده
حسناء بخيبة أمل و صوت هادئ رغم نواح قلبها داخل صدرها : ماشي
حازم : معلش يا حسناء الاسبوع ده مش هفضي خالص فمش هجيلك غير يوم الاتنين الجاي
صعقت حسناء من كلامه ولم تستطع الرد بل نظرت له نظرة مبهمة فوضح لها عذره قائلا : انا ورايا شغل كتير في الشركة الجديده , هبدأ اشطب في الأدوار اللي اتبنت مع الادوار اللي لسه هتتبني و هيكون في عمال كتير و عاوز الاسبوع ده ابدأ ابعت رسايل للشركات و اتابع الردود
لم تستطع حسناء الاعتراض ولو بكلمة واحده و انقاذ قلبها المحتضر بعد استقباله لتلك الكلمات و شعورها بالاختناق وكأن الاكسجين سحب من حولها
قالت بداخلها و هي تتبعه نحو السياره: انت ظالم يا حازم هيبقي اسبوع صعب قوي

 

الفصل التاسع عشر

 

………………………………………………………..
بدأ الاسبوع المشؤوم في المرور بأيامه الفارغه و ليالية الموحشه و ساعات القاسية و دقائق ايامة التي تشبه الدهور من شدة بطئها , لم يكن سهل بالمره علي كلا من حسناء و نور التعايش بطبيعيه مع تلك الايام , كلاهما أمرهما متشابه , ايامهم ممثاله لبعضهما , الاثنتين يعانون ألم الوحده و نار الشوق , يعيشان حياه اشبه بحياة الاموات , وكأنهم جسدين مسلوبين الروح او كظل أشخاص يعيشون محملين بالهموم
حتي انقضي ذلك الاسبوع العصيب و الذي لم يتذواقوا اصعب من ايامه مراره و أتي يوم الأثنين , اليوم المنتظر , التي كثيرا ما تطلعت حسناء لقدومه بفارغ الصبر , وعندما قاربت الساعه الثانيه قامت و ارتدت اسدالها و ظلت بإنتظار حازم
قالت بقلق : بس هو مكلمنيش وقالي انه هيجي , اتصل عليه جايز يكون نسي
قامت مسرعه و وجلبت هاتفها ثم اتصلت عليه
حازم : السلام عليكم
حسناء و قلبها يعزف سيمفونية الاشتياق: وعليكم السلام , ايوا يا بشمهندس مش هتيجي تاخدني علشان درس القرآن
حازم وكأنه تذكر للتو: اووووه درس القران , انا كنت ناسي خالص, اممم طيب معلش يا حسناء انا هعتذرلك النهارد والله مشغول جداا جدا ومش هقدر اجيلك خليني لبعد يكره
استشاطت حسناء غضبا منه , ألا يفهم ذلك الرجل ما يحدث لها في بعده و ما يعانيه قلبها من اجله , أليس ذلك ارجل يمتلك بصدره قلب ليشعر بها ويرأف لحالها
وعندما لم يسمع منها حازم ردا , كأنه رساله رفض عما قال لها فعلم مدي مللها من الوحده, شعر بمدي قسوته معها ولكن ليس باليد حيله فقال لها كي تشغل نفسها بشئ يقلل وحشة وحدتها : ومعلشي يا حسناء هتعبك معايا , عاوزك تدخلي علي النت تشوفيلي افضل لون للوجهات الزجاج
حسناء بفتور : حاضر
حازم : معلش يا حسناء , اول ما ربنا يكرم و افضي شويه هعوضك الحبسه دي
حسناء بنبره اكثر فتور: طيب
أغلقت الهاتف ثم ضربت الارض بقدمها بغيظ و هي تلقي بالهاتف علي السرير وقالت بحنق: ايه ده لسه هفضل محبوسه كمان كام يوم و لا بيقولي لما بفضي الله اعلم كمان كام شهر , علي اساس اني قادره استحمل اسبوع علشان يقولي لما افضي و يفضل يأجل فيا لحد ما يفضي , لا انا هشوف حل للموضوع ده
ظلت تقلب الافكار برأسها علها تجد مخرج من ذلك المأزق و تنقذ قلبها الضعيف
قالت بفرحه : لقيتها
قامت مسرعه و التقطت الهاتف الملقي بعشوائيه علي السرير و اتصلت علي نور و هي تقول: اكيد لما نور تقوله عاوزه تروح المسجد هيوافق , هو اساسا ما صدق ان ربنا هداها و وافقت تدخل المسجد
وبعد دقيقه اتاها الرد : السلام عليكم
حسناء: وعليكم السلام ازيك يا نور
نور بصوت يحمل الكثير من الحزن : الحمد لله
حسناء: مش هتروحي النهارده المسجد
نور : معلش يا حسناء مزاجي مش تمام مش هقدر اجي , سامحيني روحي لوحدك النهارده
حسناء بخيبة امل تخيم علي نبرة صوتها: ماشي يا نور , مش عاوزة حاجه
نور : شكرا مع السلامة
حسناء : الله يسلمكك
اغلقت الهاتف و أرتمت علي السرير بتذمر و هي تقول : وبعدين هي الحكايه معقدة كده ليه
بقيت مكانها تتأمل سقف الغرفة بملل , لم تكن تعاني الملل و الحبس اكثر مما كانت تعاني علة قلبها من كثرة الشوق لحازم ولكن ليس لديها خيار غير التحمل و البقاء بالانتظار
وبعد مرور ساعات قامت و بدلت اسدالها بملابس منزلية و ادت صلاة المغرب و اتجهت لجهاز الحاسوب و فتحته بفتور وهي تقول: لما نشوف الوجهات بتاعتك يا سي حازم
ولكنها لم تكن بحالة نفسية تسمح لها بالبحث و التصفح فأغلقت نافذة الانترنت و قبل ان تغلق الجهاز بأكمله قالت : لما افتح كده الملفات الللي علي الجهاز جايز ألاقي حاجه تسليني ولو اني مليت الدنيا كلها
ضغطت علي احد الملفات ويالحظها وجدت شئ يعد بالنسبه لها كطاقة النور الذي انقذت قلبها الذي كاد يلفظ آخر انفاسه , وجدت ملفا مكتوب عليه ” صوري”
رغم ضميرها الذي بدأ يعلو صوته ولكنها تجاهلته و اسرعت تفتح الملف
قالت بفرحه ممزوجه بدهشه … واااااو صور حازم
شرعت تفتح واحدة تلو الاخري , تفتح صورة و تظل تحدق بها تتأمل تفاصيل ذلك الوجه الذي كادت تموت من اجل رؤيتها , رغم عدم قدرتها علي النظر بوجهه بشكل مباشر فما بالك الآن فهي تستطيع ان تتأمل و تطيل النظر و تشبع عينيها و تروي ظمأ قلبها منه
بقيت ساعات تشاهد الصور و ما ان تنتهي حتي تعيد فتحهم مره اضافيه حتي قاربت المائة مره , تعبت عينيها من كثرة التحديق بالشاشة و لكن شوقها لم يقل و قلبها لم يشبع
أغلقت عينيها بقوة و ضغطت علي رأسها بألم , ثم قالت برجاء لنفسها : هتفرج كمان مره واحده و هقفل الكمبيوتر
حركت اناملها و بدأت في سرد الصور حتي توقفت عند صوره مكونه من وجه حازم فقط تزينه ضحكه تكشف عن اسنانه
ثبتتها ثم ظلت تتأمل تفاصيلها , كادت تنهض و تحتضن شاشة الجهاز من كثره انجذابها لتلك الضحكه التي تحدث صدي نغمة حب عذبه داخل قلبها كلما نظرت لها
قالت فجأه و هي تنهض : جاتلي فكره
اتجهت للمكتبه و أتت بورقه ووضعتها بالطابعه ثم ضغطت علي “”طباعه””” وقفت تستقبل الورقه المطبوع عليها وجهه بنهم
أمسكتها بأناملها و هي تكاد تأكلها بعينها الفرحتين ثم دارت كالأطفال بسعاده و هي تهلل بصوت عالي : ياااااااااااااااااااي
أغلقت الكمبيوتر و اسرعت للفراش لتريح رأسها من الألم الذي يأكل في رأسها بعنف و هي ممسكة بوجه حبيبها تحفظ ملامحة و تدرس جمال ضحكته و تذاكر نظرته وكأنها لديها اختبار حازم صباح الغد , حتي آتاها النوم يداعب جفونها بلطف فقالت بهيام للورقة : تصبح علي خير يا حازم
ثم مدت يدها تحت الوسادة ووضعته تحت رأسها علي أمل ان يزورها بأرض الأحلام ليعوض بعده عنها كل تلك المده
……………………………………..
كانت نور تتصفح الانترنت بملل علها تشغل قلبها قليلا لتخفف عنها كم الهموم الذي اصبحت اشبه بتل كبير الذي يكفي لجميع مخلوقات الارض
وفجأه
.
.
.
. ظهر أمامها أسم حبيبها في اتصال , لم تنتظر لحظة وضغطت بلهفة و سرعه علي زر الاستجابه
قالت بهمس و نبره باكيه: ألو
اسامة : …………
أعادت : ألو
أسامة: …………..
قالت بصوت مرتفع نسبيا : ألو
اسامة : ……..
قالت بقلق : أسامة , ألو , ايوا يا اسامة
اسامة : ……….
وبعدها انقطع الاتصال , نظرت للهاتف بأعصاب متفككه و مشاعر متخبطه ثم قالت بقلق شديد : ماله مش بيرد ليكون حصله حاجه
وبعد تردد طال للحظات اسرعت تعاود الاتصال عليه , وظلت تتنظر رده ولم تعلم شئ عما يحدث علي الجهة الاخري من الاتصال
أسامه و هو ينظر لصديقة المتراهن معه : شوفت أدي اول مره اتصل عليها اهو , مقدرتش تستحمل و اتصلت هي جري و هغسلك بكرامتها الارض دلوقتي و هي هتتحايل عليا اسامحها
ثم ضغط علي زر الاستجابه ثم علي مكبر الصوت فسمع صوتها الذي يبدي مدي خوفها من أجله : ألو
اسامة : ……….
نور : ألو ..أسامة …
أسامة و هو ينظر بمكر لصديقة و يغمز له بعينيه : وحشتنيني يا جزمه
لم تستطع نور التماسك اكثر فإنفجرت باكيه تفرغ النيران التي تكبتها داخل قلبها
صمت اسامة وهي يحاول تمثيل دور من يبكي هو الأخر و هو يضحك بصمت لصديقه
وبعد دقائق قال بصوت يحاول تصنع فيه نبرة البكاء و الحزن : خلاص يا حببتي اهدي
ولكنها لم تستجيب لرجاءه الكاذب و ظلت تفرغ كل ينابيع الدموع التي بعينهيا تصحبها آهاتتها و نهنهتها و اوجاعها
أسامة : انتي اللي عملتي فينا كده و حكمتي علينا بالموت و احنا احياء
خرج صوتها من بين بكائها : اسفه
اسامة : شوفي مع انك انتي اللي غلطانه يا زباله و دمرتينا بس انا طلعت احسن منك و كلمتك انا
أعادها اسفها بعمق : اسفه
قال لها : لا أسفه دي مش هتنفع , انتي ظلمتيني جامد
قالت بصوت ملبد : معلش
قال لها : اصرفها فين دي , انا مش هرضي عنك الا لما تيجي تتأسفي علي أرض الواقع
قالت : حاضر
اسامة : امتي
نور: بعد بكره
اسامة بغيظ: وبعد ليه ما تخليها بكره بس
نور: مش هينفع بكره
قال بغضب: يعني مش عارفه تيجي علي نفسك برضه علشاني
نور بلهفة : معلش يا اسامة انا تعبانه علي ما اقدر افوق شويه
اسامة : تعالي ولما هتشوفيني هتشفي علطول
نور: اكيد
اسامة : يعني بكره
نور: معلش يا اسامة استحمل لبعد بكره
اسامة بنفاذ صبر: بس بشرط , تيجيلي زي ما انا عاوزك وما تزعلنيش منك تاني و تعانديني و تيجي بالشوال الاسود
نور بتردد : حاضر
اسامة بتهليل و هو ينظر لصديقه بإنتصار : مشتااااق انااااا مشتااااق
ابتسمت نور و هي ترتشف بقايا دموعها داخل عينيها فمن اللحظة لا مزيد من الدموع , كفاها ألما , فقد تشبع قلبها وجعا و علت روحها عذابا و هاهي الآن علي مشارف مرحله جديده من عمرها لن تسنح لأي شئ في الوجود تعكيرها ثانيه
فاقت من شرودها علي صوته .. طيب يا بيبي اسيبك تريحي بقي و في انتظارك
قالت له : مش هسمع صوتك بكره
اسامة : لا انا لسه زعلان و مش هروق ولا اسمعك صوتي إلا لما تيجي تصالحيني الاول , علشان كده قلتلك بكره بس انتي اللي مصممه تعذبينا
نور : اسفه يا اسامة غصب عني
اسامة : ماشي في انتظارك الساعه كام
نور : اذان الظهر
اسامة : ماشي يلا اسيبك بقي تريحي من كتر العياط
نور : لا برتاح لما اسمع صوتك
اسامة بفرحه لهذا الانتصار العظيم : وانا مش هريحك الا لما تصالحيني
نور: حاضر
اسامة : يلا سلام
نور: مع السلامة , هتوحشني
اسامة : مش هصدق
نور: لا صدقني
اسامة : بعد بكره هبدأ اصدق
نور : ماشي
اسامة : مع السلامة
ثم اغلق الخط حتي لا يعطيها فرصه للمزيد من استدراجه في الحديث حتي يترك نار قلبها مشتعله كي لا تتأخر عليه
انهي اتصاله و بدأ في هيستيريا ضحك ساخر منها و من صديقه الذي وقف يصفعه بنظرات غيظ لأنه سيخسر الرهان
أما نور فظلت تحتضن الهاتف لصدرها و هي مغمضه العينين تاكره لقلبها يستشعر لذه فرحتها بعودة حبيبها
ثم قامت وقالت انا اقوم من دلوقتي اخطط ده هلبس ايه تحت الاسدال علشان اخلعه في الجامعه و هاخد الميك اب في شنتطي و اقوم من دلوقتي اظبط مسكات و شويه روشنه كده لوشي و هروح بكره الكوافير يااااه وحشني قوي

 

الفصل العشرون

 

فتحت حسناء عينيها مع أذان الفجر , بقيت مكانها مستلقيه علي السرير بكسل فقد نامت متأخرا ليلة أمس بعد مكوثها مقابل الحاسوب ساعات
كان أول من زار عقلها في هذا الصباح كعادتها في الأونه الأخيره “حازم” .. ابتسمت له عندما رأته مقابلها بمخيلتها وقالت موجهة كلامها له : صباح الخيريا زومة
مدت يدها تحت وسادتها بعد ان تذكرت صورته القابعه قريبا من رأسها و اعتدلت جالسه و هي تمسك بصورته بيديها تتأمله بعشق لدقائق وبعدها سمعت صوت ضميرها و هي يقول بغضب : هو انا قايمة أصلي الفجر و اخد حسنات و لا قايمة ابص لراجل غريب و اخد ذنوب علي الصبح , انا لازم اقطع الصوره دي دا انا هروح النار بسببها
صاح قلبها بفزع : حازم ؟؟ اقطع حازم ؟؟ بالله عليكي هيهون عليكي تشوفي وشه بيتقطع قدامك
وبالطبع رأفت بحال قلبها و لبت طلبه و وضعت الصورة تحت وسادتها ثانيه , وهمت واقفه و خرجت من الغرفه لتؤدي صلاة الفجر
وبعد ان انتهت من صلاتها و اذكارها عادت لسريرها لتكمل نومها فلم يأخذ جسدها الليله الماضيه قسطا كافيا من النوم
وبعد ان استلقت علي الفراش و استعدت للنوم قامت ثانية و علي ثغرها بسمة وهي تقول لنفسها : والله دقايق بس
وفتحت الحاسوب و ضغطت بالفأره علي الملف “صوري” وبدأت في عرض صوره واحده تلو الاخري , تقف عند كل صوره بعض الدقائق تتأمله بعيون تفيض بعشق لا اراديا خارج عن سيطره عقلها حتي بزغت شمس اليوم الجديد
قالت : يا خبر ده النهار طلع , هكمل بس الصور عالسريع وهدخل انام
………………………………………………………
دخلت سناء علي نور بعد صلاة الظهر فوجدتها مازلت سابحة في عالم النيام , هزتها برفق و هي تناديها : يانور بت يانور
همهمت نور بنعاس : اه
سناء : قومي يلا الظهر أذن و نرمين زمانها جايه
انتبهت نور و مجرد استيقاظها التقط عقلها ذبذبات من الليلة الماضيه فهبت معتدله و هي تقول لوالدتها بحماس : هي الساعه كام دلوقتي
سناء و هي تسحب الستار لتدخل الشمس لتخبرها بنفسها اجابه علي سؤالها
نور : هو الظهر أذن؟
سناء : من ساعه
بدأت نور تعرض علي والدتها كذبتها التي حاكتها ليلة أمس في هيئة طلب: ماما انا هروح الجامعه بكرة قبل درس القران بدري شويه علشان هبه هتسافر السعوديه و عاوزانا نسلم عليها قبل ما تسافر
سناء بتعجب : طيب ليه مرحتوش تسلم عليها في شقتها
نور و هي تبتلع ريقها و قلبها يكاد يهوي أرضا من ان تكتشف كذبتها و عقلها يعمل بسرعه لتخطيط كذبه اخري : اصلها عاوزه تخرج و تتفسح شويه
سناء وهي تلوي شفتيها بتعجب: المفروض انها لسه عروسه
نور : هي حره يا ماما , المهم انا هروح بكره عالساعه 11 الظهر كده
سناء : ماشي يانور
نور : طيب انا عاوزة اروح الكوافير النهاردة
سناء : مش انتي لسه كنتي في الكوافير قبل فرح مي
نور بتذمر و صوت ينذر بنوبه غضب وبكاء: ماما بقولك ايه, ده بقالها اكتر من عشر ايام
قاطعتها سناء بنفاذ صبر وهي تقول: نوووووور من غير وجع دماغ قومي روحي
نور وهي تنهض مسرعه : طيب انا هقوم ألبس و أمشي
سناء: طيب مش تستني تسلمي علي اختك وتتغدي معانا , دي جايه في الطريق
نور بعدم اهتمام: مش هتقعد معانا لحد يوم الجمعه , خلاص هبقي اقعد معاها لما ارجع
واسرعت لترتدي ملابسها دون ان تنتظر من والدتها رد اخر .
خرجت من المنزل و بعد ان ابتعدت قليلا عنه استقلت تاكسي لأحد المولات التي اعتادت ان تشتري منها ملابسها , واسرعت تنتقي علي عجله ملابس جديده كما قالت “علي ذوق اسامة ” فهو قد عاد لها بعد طول اشتياق و عذاب شهور طوال و هي غير مستعده بأن يبعد عنها ثانية و يبقيها وحيدة تتجرع كؤوس مرارة البعد و الهجر
ابتاعت بنطالا ضيقا بلون العسل مشابها للون الجسد و بلوزه من القماش المطاطي الذي يلتصق تماما بالجسد باللون ذاته و بلوزة اخري باللون الاسود الشفاف لترديها فوقه و وشاحا شفافا باللون الأسود , وبعدها خرجة بسرعه متجهة لمركز تجميل عالي المستوي قريبا من ذلك المتجر
وبعد ان دخلت و حجزت مكانا لها سمعت اتصالا علي هاتفها , فتحته فوجدت المتصل والدتها فردت بخوف من ان تنهرها والدتها
نور: الو
سناء : اتأخرتي كده ليه يا نور
نور : اصل الكوافير زحمة و فيه عرايس
سناء : ليه انتي رحتي كوافير غيربتاع ماجده اللي جنبنا
نور بقلق : اه اصل ماجده المره اللي فاتت بوظتلي وشي
سناء بعصبية : طيب متتاخريش يا نور
نور : بقولك زحمه , ده انا لسه دوري مجاش
سناء : يعني قدامك قد ايه
نور: لما اخلص , مش عارفه
سناء : طيب يا نور بنا يهديكي وبعد كده قبل ما تروحي في اي مكان تعرفيني
نور : حاضر
مرت ساعات ذلك اليوم , و نور مغموره في فيضانات سعادة و آمال تبنيها لليوم التالي , شغلت يومها بأكمله في التجهيز لمقابلة اسامة
……………………………………………………………..
تناول حازم فطارة علي عجله كعادته و قبل ان ينهض غمزت نور لوالدتها ان تطلب من حازم طلبها
سناء: معلش يا حازم ابقي تعالي خد نور علي الساعه 11 الظهر كده هتروح لواحد صاحبتها الجامعه
نظر حازم بعدم رضا وقال لها : انا مش فاضي النهارده , أجليها ليوم تاني
احتقنت الدماء بوجه نور و كذلك الدموع بعينيها وقالت بشكل تحاول ان يكون طبيعيا : النهارده درس القران , احنا مرحناش من عشرة ايام
حازم : احفظوا في البيت انا مش فاضي الايام دي خالص
نور : مش بعرف اواصل
حازم و هو ينهض : اللي عاوز يواصل هيواصل
رمت نور مابيدها بغضب بعد خروج حازم وقالت ببكاء: طيب وهبه هتسافر من غيرما اسلم عليها , خلاص انا هروح بتاكسي
اشارت لها سناء بأن تخفض صوتها حتي لا تثور ثائرة حازم وبعد ان خرج قالت لها : خلاص يانور انا وانتي اخر النهار هنروح نسلم عليها في شقتها
نور بعصبيه : انا زهقت من حبسة البيت عاوزة اخرج مع صحابي شويه , انا هروح بتاكسي
سناء : يبقي انتي عاوزة تعملي مشكله و تولعيها نار يا نور
نور : خلاص يبقي اتصلي علي ابنك و اضغطي عليه يجي ياخدني لأنه لو مأخدنيسش هروح انا
سناء: ماشي
…………………………………………….
خرج حازم مسرعا نحو شركته القديمة بعد ان مر علي شركة متخصصه في تصميم الوجهات الزجاجيه
بدأ في المرور علي الموظفين بسرعه و التأكد من ان الاوضاع تسير بشكل جيد , ثم دخل غرفته و راجع بعض الملفات سريعا و ابقي بعضها لمراجعتها لاحقا ثم هم ان يرحل للمؤسسه الجديده , وقبل ان يخرج اتصل علي حسناء
حازم : السلام عليكم
حسناء : وعليكم السلام
حازم : ايوا يا حسناء انتي جهزتي اللي قلتلك عليه
حسناء بغيظ: لا
حازم بتعجب علي لهجتها : ليه
حسناء: هبدأ حالا علي ما تيجي تاخدني هكون جهزتها
حازم : لا معلش يا حسناء النهارد صعب اجي اخدك خلينا للاسبوع الجاي
قالت حسناء ردها الذي جهزته سابقا فقد توقعت تأجيل حازم: طيب معلش يا حازم هتعبك معايا , لما تبقي تفضي ابقي بس هاتلي جبنه و عيش اصلي مش هعرف اخرج
حازم بحرج: اااااااااااه صحيح انا مجبتلكيش طلبات من زمان, والله غصب عني يا حسناء خلاص اجهزي وهاجي اخدك تروحي درس القرآن وبالمره نور عاوزة تروح ونبقي تشتري طلباتك
حسناء بفرحة تحاول اخفاءها : معلش يا بشمهندس انا تعباك معايا
حازم : لا انا اللي مقصر سامحيني
قالت بنفسها و هي تبرم شفتيها : مش مسمحاك طول ما انت حارمني منك و مطنشني كده
ردت عليه : لا عادي كتر خيرك عارفه انك مشغول
حازم : طيب اجهزي بدري شويه اصلي معايا سواق جديد علشان السواق التاني جاله عقد سفر و ده جه مكانه و سواقته بطيئه
حسناء : حاضر
انهت حسناء المحادثة و قامت تتراقص وهي تقول: الخطه نجحت الخطة نجحت فعلا ” ان كيدهن عظيم” لو حازم يعرف اني لسه عندي علبة جبنة كامله كويس انه بينسي و مش بيركز , بيقولي مجبتلكيش من زمان وهو لسه جايبلي من عشر ايام اكل يكفي جيش
اسرعت تفتح الانترنت تبحث عن طلب حازم الذي طلبه منها منذ ليلتين و انشغلت هي عنه بتصفح صوره و البحث فيها

………………………………….
اتصل حازم من فوره علي نور فانتشلها من بين اعصار بكاءها الشديد و من وسط فوضي غرفتها بعد ان بدأت تفرغ كبت غضبها في إلقاء الأشياء هنا و هناك
قال لها : اجهزي يا نور علشان اجي اخدك
نور وهي تحاول ان يكون صوتها طبيعيا : حاضر
حازم : بس بسرعه علشان متأخرنيش
نور: عشر دقايق و هكون جاهزة
ثم قامت بسرعه تلهفا علي مقابلة حبيبها , ارتدت ملابسها الجديده و التي تظهر مفاتنها بإغراء بالغ و تفجر انوثتها بوحشيه
ثم ارتدت اسدالها فوقها و وضعت ادوات الزينه بحقيبتها ومصحفها و اتجهت للأسفل بإنتظار حازم
وجدت نرمين تجلس مع والدتها في بهو الفيلا
نرمين : انت مصممه برضه يا نور تشعليلها وتروحي بتاكسي
نور : حازم جاي في الطريق هو انتي متصلتيش عليه يا ماما
سناء : لا متصلتش
وقبل ان يطول حوارهم سمعوا بوق سيارته بالخارج فاسرعت نور للخارج و قلبها يتراقص فرحا
……………………………………………
وصلو لبوابه الجامعه الرئيسيه , ترجلت نور من السيارة و انتظرت انصراف حازم, كان قلبها ينبض بسعادة و روحها غارقه في شلالات الفرحه , جميع خلايا جسدها تنقبض و تنبسط من شدة فرحتها الممزوجه بالتوتر من لقاء اسامة , فمع ان الخطه تسير كما خطط لها جيدا حتي الآن وكل العواقب تم ازالتها و هاهي علي مشارف مقابلته و لكن احساسها بالذنب انها كذبت علي والدتها بالاضافه لخيانة ثقة اهلها بأنها ستنتزع زي الحشمة و تستبدل بزي يرفضه اهلها كان يسبب لها ألم بقلبها و كأن كائن خفي تخلل جسدها و وصل لقلبها يعض به
وبالطبع تغافلت عن كل تلك الاحاسيس التي ستعكر صفو يومها و اقدمت نحو الداخل و قبل ان تخطو اول خطوة لداخل الجامعه توقفت, قالت : اتصل علي اسامة اقوله نتقابل بعد ساعه في اي مكان بعيد عن كليتنا علشان الدكتور محمد صاحب حازم ممكن يشوفنا و تبقي ليلتي لبن
فتحت حقيبتها , وقعت عينيها علي المصحف بجوار ادوات الزينه , لا تعرف لماذا تذكرت شئ , رغم انها من وضعتهم بيديها داخل الحقيبه و لكنها وجدت ما سمعته بالمسجد اول يوم يقفز بعقلها فجأة و كأن احدهم يهمس بأذنيها بهم ليذكرها ليكون انذار من الله , حتي تكون مسؤله عن عاقبة ما ستقوم به الآن
((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ إلاَّ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ
وتلك القصه التي تحكي عن زوج و زوجته الحبيبين الذي بذل كل منهم اغلي ما عنده مقابل فرحة لحظة في عيني حبيبه
وقفت مكانها متيبسه , أعادت نظرها للمصحف المجاور لأدوات الزينه , المصحف الذي هو رسائل من الله الذي بيده ان يعوضها حبيبها في الحلال بشرط ان تدعه في الحرام , وادوات الزينه التي ستغضب بها الله مقابل ان ترضي حبيبها , حبيبها الذي لن يتنازل حتي الان عن مظهرها الذي يغضب الله ولم يخشي ان يحرمهم الله من بعضهم
قالت بصوت به نغمة التردد و الحيرة : اعمل ايه ياربي , خايفه مرحلوش يرجع يخاصمني تاني , انا مقدرش استحمل بعده اكتر من كده , سمعت صوت صدي بعقلها يقول ” إلاَّ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ”, ثم تذكرت الحديث الذي عرضته هي بنفسها علي الجميع ( من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) .
نظرت بحيره علي مد بصرها فرأت مئذنة المسجد الذي تحفظ فيه القرآن , ثم التفتت تنظر داخل سياج الجامعه فرأت اسامة يقف بعيدا و بيده سيجارته ومعه مجموعه الشباب الذين لا يدل مظهرهم الا علي السفاهه و الضياع
شعرت انها امام اختبار من الله , امام اختيار صعب , اختبار فيصلي في حياتها علي اثره ستكون عاقبتها , اما توفيق الله لها و تعويضها لحبيبها في الحلال إما غضب الله عليها ومن ثم حرمانها منه
استندت لسور الجامعه و اغمضت عينيها كأنها تحاول التركيز بهذا الاختبار الرباني
فتحت عينيها فرأت المئذنه شامخه من بعيد و كأنها تناديها و تقول لها : ألم تتذوقي حلاوة رضا الله و لذة الانس بذكر الله بعد ان تعبتي من مرارة علاقتك باسامة سنين
شعرت عقلها يتشتت بعنف , ظلت تفكر كثير وفي نهاية الامر اتخذت قرارها المصيري الذي سيسبب فتك دموي لقلبها وقالت برجاء: يارب انا مش هغضبك و هتخلي عن اسامة ومش هروحله دلوقتي بس بنيه تعوضهولي في الحلال و تهديه و يجي يتقدملي و نحب بعض في الحلال
ثم ضغطت علي زر الغلق لهاتفها تماما حتي لا تضعف امام كلام اسامة و اسرعت للمسجد تجلس به حتي يحين موعد درس القران
واتجهت لطريق الهدي و لم تلحظ ذلك المخادع الذي لمحها من بعيد و ذهب خلفها يتابعها بقلب يكاد ينفجر غيضا.ومعه صديقه الساخر منه بشدة
عبدالله : هههههههههه شكلك وحش
اسامة و هو يتظاهر عدم المبالاه : مضحكش علشان انت مش 0فاهم حاجه
عبدالله : انا كسبت
اسامة : ماشيي ياعم بس لسه في رهان جاي وانا الل هكسبه
………………………………………………….
كانت حسناء تجول في ارجاء المنزل بقلب مشتعل من شدة فرحتها بقدوم حازم , فبعد ان اخبرها انه سيأتي ليصطحبها بعد ساعات و هي لم تستطع خمد نيران الفرحة داخل قلبها, لا تعرف ماذا تفعل كي تنتهي تلك الساعه الفاصله بينها و بين رؤيته و كيف تقضي علي الدقائق المتبقية حتي تشبع روحها بقربه , فرغم انه يجبرها علي عدم استطاعتها رؤيته ولكن يكفي شعورها بهالة قربه و عطر روحه و نغمة صوته لتعيد لها الحياه و شعورها بألذ انواع السعادة التي يمكن ان تتذوقها
شعرت بملل شديد من الوقت المتبقي فقالت بنبره لازعة موجه كلماتها لعفارب الساعه : يووووووه بقي , ماتخلصي انت ماشية تتلكعي كده ليه
التفتت للجهه الاجري و هي تكتم ضحتها علي نفسها , وقالت : معلش مخي اتلسع , الله يسامحه حازم بقي
سمعت بقايا صوت ضميرها الضعيف و هو يقول : علي فكره خدي بالك انا مقدرتش ألتزم بحدودي مع حازم زي ماكنت ناويه
فردت هي بنفاذ صبر : هو انا بعمل حاجه حرام و لا تغضب ربنا , انا يعتبر محافظه علي حدودي بس قلبي مش بيدي والرسول صلي الله عليه وسلم قال كده
رد ضميرها ثانية ولكن تلك المره بكل طاقته : لا انا بغضب ربنا و مش بحافظ علي حدودي ولا حاجه يكفي اني ليل ونهار قاعده ابص علي صوره و انا عارفه ان النظره حرام ” العين تزني وزناها النظر ” وكمان دايما مشغوله بيه ومعدتش محافظة علي مراجعه القران بنفس الكم اللي كنت محدداه و كمان البرامج الدينيه اللي كنت متابعها نسيتها خالص و طبعا الخياطه بطلتها و ليل ونهار مش فاضيه لحاجه غير افكر في حازم و احلم بوهم الله اعلم هيطول ولا هقوم علي كابوس عن قريب
انا ماشي مش هقدر امنع نفسي من اني احبه لكن لازم اراقب تصرفاتي واراعي ربنا فيها زي ما هو بيعمل و اشغل نفسي عنه شويه مش اسيب للشيطان الفرصه الكامله اني احبه وممكن في الاخر يكون مش من نصيبي
جلست تلوم ذاتها و انتهز ضميرها تلك الفرصه و قام بدور الأب المتسلط علي اكمل وجه , حتي سمعوا صوت بوق سيارة حازم بالخارج
فقامت وهي تردد الاستغفار بصمت و تدعو الله ان يثبتها علي قرارها واتجهت نحو السيارة دون ان ترفع عينيها من الأرض حتي وصلت وجلست بمكانها المعتاد خلف الرجل الذي سبب لها الارتباك في حياتها بعدما غمرها بالامان و العطاء
ومباشرة فتحت مصحفها و دست عينيها به حتي لا تضعف امام قلبها , كي لا تقع عينيها علي من يسحرها دون ارداة و يبخر ما تظل تدبر له و تجزم مرات و مرات ان تثبت عليه
لم تقع عينيها مطلقا علي حازم و لم تلحظ تذمره الشديد من السائق الجديد الذي اشعل غيظة من دقائق عندما كانت هي آته تجاهم و السائق يكاد يلتهم ملامحها بعينيه المحدقتين بشده ولم يكتفي بذلك فبعد ركبت السيارة التفتت نحوها بشده لولا انشغالها الشديد في ان تحفظ نظرها لصعقت من نظرته المتأملة
استشاط حازم غضبا و لكنه حاول الحفاظ علي هدوءه الخارجي رغم النيران التي تضرم بداخله
انطلقت السياره بهم وحازم تحول من فوره إلي جاسوسا دوليا علي ذلك السائق و عن اتجاه نظره , ولكنه وجده لا يكف عن الإلتفاف بين كل دقيقه والاخري يخطف نظره سريعه للخلف
لا يعلم لما إلتفت بسرعه تجاه حسناء ليتأكد انها لن تبادله النظر هي الاخري , التفت بعنف فوجدها مغيبة بعقلها بين كلمات المصحف الذي بيدها و لا تشعر بما حولها , فقال للسائق بعنف: ركز في الطريق قدامك يا باشا , السواقه مش لعبة
انفرجت شفتي السائق الشاب لتكشف عن اسنانه الصفراء من كثرة تدخينه ثم خرج صوته و الذي يحاول جعله اكثر نعومة و لباقة للفت انتباه حسناء : متخفش يا باشا , انت معاك سواق عشره علي عشرة , ممكن يسوق و هو نايم
استعرت النيران داخل حازم اكثر و لكنه زفر بشدة فقط حتي لا يتهور و يقضي علي ذلك الكائن البغيض وقال : ايا كان بص قدامك و انتي ماشي
دقائق ووجده يعيد ضبط وضع المراه التي امامه لتنعكس صورة حسناء له
هب حازم قائلا : انت كده مش هتشوف الطريق وراك
فرد السائق : لا يا باشا شايفه متقلقش
لاحظت حسناء الحوار االحاد الذي بدأ يزداد بين السائق و حازم فانتبهت من قراءتها و نظرت فوجدت صورة السائق تنعكس امامها في المرآه و يصوب تجاهها نظره , همت ان تنحني للأمام و لكنها وجدت حازم يميل المراه بعنف للجهة الاجري ثم قال له بغضب شديد : اتفضل سوق و المرايه مش هيتغير وضعها عن كده
تغير لون وجه السائق دلاله علي الغيظ و اكمل قيادته للسيارة و هو يدير حوار صامت مع حازم , حتي وصلو للمسجد
نزل حازم اولا و فتح لحسناء الباب بنفسه و قال لها : نور في المسجد لما تخلصوا اتصلوا عليا
لم تستطع ان تمنع نفسها من إلقاء نظره له و هي ترد بالاجابه , فرأت وجهه محتقن بدماء الغضب و مقطب جبينه بشدة بضيق
اتجهت نحو مصلي السيدات و ذرات عقلها تدير بين بعضها حوار مستفهما : هل من الممكن ان يكون سبب غضب حازم هو نظرة السائق لها
قالت بحسرة : يارتني كنت انتبهت بدري شوية علشان اعرف الحوار من أوله
ابتسمت بغبطة ومن مجرد تساؤلها هذا السؤال رغم عدم معرفتها لإجابته
وصلت لباب مدخل السيدات , التفتت تجاه بوابه ساحة المسجد فرأت حازم مازال يقف بانتظار دخولها المسجد حتي يطمأن عليها
قفز قلبها بفرحة وتحولت جميع خلاياه لذلك الشخص الذي اعلن حربه ضد صمود قلبها و جزم بأنه سيوقعه في حبه رغما عنه
دخلت المسجد فوجد نور تجلس وحدها بالمسجد وعلي ملامحها أثار الحزن و الحيرة
سلمت عليها ثم صليا جماعه و بدأ في درس القرآن
كانت كلاهما مصابه بالشرود , ولكن نور تسبح بعقلها في بحار الحيرة و الحزن بينما حسناء كانت تحلق بجناحي الأمل في عالم السعادة و السرور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *