رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق

_ أنا عارف إنك كرهاني… عندك حق… أنا بكره نفسي من ساعة ما رميتك في الملجأ.

وقد اخترقت رأسه تلك الذكرى التي حُفرت داخل قلبه.

فلاش باك …

هرول “عزيز” لداخل المشفى بعدما تلقى خبر حادث شقيقه وزوجته.

دون وعي منه كان يلتقط ذراع إحدى الممرضات ليوقفها عن سيرها بممر المشفى.

_ أخويا ومراته عملوا حادثه على الطريق.

سألها “عزيز” بأنفاس لاهثة ثم أزاح يده عنها بعدما أدرك فعلته.

تحولت نظرات الممرضة الممتعضة إلى أخرى مشفقة ثم قالت:

_ البقاء لله، هما أصلاً جايين متوفين.

خارت قواه وارتفع صوت نحيبه ثم سقط أرضًا على ركبتيه وصوت شقيقه “محمود” ليلة أمس يتعالا داخل أذنيه.

_ أنا خايف عليك يا “عزيز” من الطريق ده، أبعد عن رفقة السوء اللي أنت ماشي معاهم دول.

و “عزيز” كالعادة يسمع حديثه من أذن ليخرجها من الأذن الأخرى بعدما يأخذ منه المال الذي يُنفقه على مزاجه.

_ هي سيجارة حشيش بنشربها سوا مع شويه هلس… يلا سلام يا “محمود” أشوفك بكره على القهوة بعد ما تخلص ورديتك على التاكسي.

تحرك “عزيز” ليغادر شقة شقيقه المستأجره لكنه توقف عن السير عندما سمع صوت “محمود” يرتفع منادياً له.

_ “عزيز” ،خد بالك من نفسك.

آخر كلمة قالها “محمود” له، وها هو اليوم يدفنه ويقف على قبره وفي يده تلك الصغيرة التي كتب لها الله النجاة، فقد تركوا “ليلى” لدى جارتهم وذهبوا لمشوارهم الذي كان المثوى الأخير لهم.

نظر إلى ابنة شقيقه التي التهت في تناول حلوتها التي تحبها لا تعي شئ حولها ولا بأي مكان تقف.

غادر المقابر وهو يحملها بين ذراعيه يُقاوم ذرف دموعه حتى لا تسأله الصغيره لماذا يبكي.

_ فين بابا وماما يا عمو؟؟؟

_ مسافرين يا حببتي.

قالها “عزيز” بصوت متحشرج مهزوز ثم أشاح عيناه عنها، فهو لا يستطيع النظر بعينيها…

_ هما قالولي هيروحوا مشوار صغير وراجعين.

حاول “عزيز” إخراج صوته.

_ المشوار طلع بعيد أوي.

لم تفهم الصغيره عبارته واستمرت بأكل الحلوى خاصتها.

باك.

عاد “عزيز” من ذكرياته وقد سالت الدموع على خديه بعدما مزقت الذكرى فؤاده.

جر قدميه نحو أقرب مقعد ثم هوى بجسده عليه يتمتم بحزن.

_ كنت شاب فاسق ومستهتر خفت عليكِ من نفسي… عيشت سنين بشوف أخويا ف أحلامي وهو بيبصلي بحزن… عيشت عمري اللي فات كله بذنبك.

خرجت الكلمات من شفتيّ “عزيز” دون ترتيب ومَا زالت دموعه تسيل على خديه مهما قاوم ذرفها.

ارتجف قلب “ليلى” وتعلقت عيناها به بعد محاولتها
-مراراً- عدم النظر إليه والتأثر به.

تلاقت عيناه بها وقد مزقته تلك النظرة التي تنظر بها إليه.

_ لو عايزه تجيبي سكينه وتحطيها فـ قلبي أنا موافق يا بنتي، يمكن ارتاح من الشعور اللي عيشت أكتر من عشرين سنه عايش بيه.
….

مساءًا !!

كان العم “سعيد” يقف كعادته قُرب “عزيز” أثناء تناوله لوجبة العشاء حتى يخبره بكل ما يحدث بالمنزل رغم أنه لم يعد هُناك ما يثرثر به إلا أن العم “سعيد” إعتاد على هذا الأمر.

_ في حاجه لازم تعرفها يا بيه.

قالها العم “سعيد” ثم أخفض رأسه.

رفع “عزيز” عيناه إليه قائلاً:

_ في حاجه حصلت يا عم “سعيد” ، محتاج حاجه…

لم يعرف العم “سعيد” من أين يبدأ حديثه، فـ الحكاية طويله ولا يعرف بها أحد إلا هو وشقيقته “عايدة”.

_ “عزيز” كان له بنت أخ بيدور عليها من سنين والنهارده جاتله يا بيه بعد ما عرفت توصل لطريقه.

رفع “عزيز” الملعقة التي كان يرتشف بها شوربة الخضار خاصته ثم قطب حاجبيه وتساءَل مندهشًا.

_ هو “عزيز” عنده بنت أخ، هي كانت تايهه منه السنين دي كلها… طيب ليه مقالش لينا زمان كنا ساعدناه.

تنهد العم “سعيد”، فهذا السؤال ما كان يخشاه منذ زمن… فمن يسمع الحكاية يستنكر فعلت “عزيز” ويشعر بالشفقة نحو الفتاة اليتيمة.

_ أنا مش عارف أبدأ الحكاية منين يا بيه.

ضاقت حدقتي “عزيز” وهو يُراقب تلبك العم “سعيد”.

_ مخبي إيه عني يا راجل يا طيب احكيلي.

قالها “عزيز” ثم تراجع بظهره للوراء وانتظر.

شعر العم “سعيد” بالخجل، فهذا السر لم يكن عليه إخفائه عن السيد “رياض” رحمه الله…. ففعلت “عزيز” وحياته القديمة لا تجعل أحد يطمئن له؛ لكن يشهد الله ما جعله يخفي هذا السر أن “عزيز” قد تغير وصار رَجُلاً آخر و من أجل شقيقته أيضاً التي أحبته وتزوجته.

فلو عَلم السيد “رياض” رحمه الله منذ البدايه ما آمن له وجعله يعيش في منزله ولا أعطاه ثقته وجعله السائق الخاص بأحفاده.

_ صدقني يا بيه أنا مكنتش عايز لا اخبي على “رياض” بيه الله يرحمه ولا عنك لكن “عزيز” آمني على سره لأنه خاف.

_ يا راجل يا طيب كمل كلامك على طول بلاش تخلي دماغي تروح وتيجي وأسئ الظن.

أسرع العم “سعيد” بالكلام حتى لا يزرع الشك في قلب سيده.

_ لا يا بيه متخفش مافيش حاجه تقلق منها.

_ عم “سعيد”.

قالها “عزيز” بضجر عندما توقف العم “سعيد” عن مواصله حديثه.

_ “عزيز” لما أخوه ومراته ماتوا سابوا بنت عمرها تلت سنين، الحال كان ضيق معاه وكانت الدنيا وخداه بالشرب والقاعده في الغرز، بس يشهد الله عليا يوم ما دخلته البيت ده كان فعلاً اتغير وعايز حد يمدله أيده وأنتم طول عمركم أهل كرم يا بيه.

أماء له “عزيز” برأسه ثم قال:

_ كمل يا عم “سعيد” الحكايه.

ابتلع العم “سعيد” لُعابه لجفاف حلقه ثم واصل كلامه.

_ لما قابلته بالصدفه كان ضايع في حياته، عايش في أوضه على السطوح وشغال عتَّال… حكيت للسيد “رياض” عنه ومتأخرش في إنه يساعده.

لما السيد “رياض” عرض عليه فلوس… رفض وقاله إنه لو عايز يساعده، يشوفله شغل يعيش منه.

هذه التفاصيل كان يعلمها “عزيز” لكنه ترك العم “سعيد” يسترسل في الحديث إلى أن تذكر أمر تلك الطفلة الصغيرة التي تركها والديها فتساءَل.

_ البنت كان مصيرها إيه مع عم مش عارف يساعد نفسه،أنت قولت متاهتش منه.

والعبارة رغم ثقلها على لسان العم “سعيد” إلا أنه حررها أخيراً.

_ حطها في دار أيتام.

ارتجف قلب “عزيز” من سماع الكلمة، وشعر بالعطف نحو تلك الفتاة.

_ ليه سابها “عزيز” كل السنين دي ف الملجأ.

وسُرعان ما تدارك شئ أخبره به العم “سعيد” وسط الكلام.

_ أنت قولت إنه فضل سنين يدور عليها؟

حرك العم “سعيد” رأسه ثم قال:

_ بعد دخولها الملجأ اتبناها ناس وبعدين سافروا الخليج ده اللي عرفه من مشرفة الدار لما راح يرجعها بعد ما بقى عنده وظيفة وسكن يعيش فيه، لكن البنت قالت إنها كانت عايشه في مدينة الإسماعيليه… إظاهر إن الناس اللي اتبنوها كانوا عايزين يخفوها عنه، خافوا ليرجع ياخدها منهم.

_ لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

رددها “عزيز” بصوت مسموع ثم تساءَل.

_ وراحوا فين الناس اللي اتبنوها؟

_ ماتوا يا بيه.

تنهد “عزيز” بحزن وعاد يردد بشفقة على حال تلك الفتاة.

_ لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
البنت اتيتمت مرتين.

حرك العم “سعيد” رأسه وقد اِرتسم الحزن على محياه.

_ أوعى تزعل إننا خبينا عليك يا بيه…

هز “عزيز” رأسه، فهو حزين للغايه على معاناة تلك الفتاة، فقد رأي اليُتم على وجه أبناء شقيقه.

_ اللي حصل، حصل خلاص يا عم “سعيد”، ياريت “عزيز” يقدر يرجع بنت أخوه لحضنه وينسيها اللي فات وتقدر تسامحه.

خرجت تنهيدة طويلة من شفتي العم “سعيد”، فلحظة اللقاء كانت ثقيله ولن تغفر الفتاة هذا الأمر بسهوله.

_ كنت عايز استأذنك يا بيه إنها تعيش هنا معانا، ده بيتك وإحنا عايشين في خيرك.

قالها العم “سعيد” بخجل ثم أطرق رأسه.

خيّم الصمت على المكان وارتسمت الدهشة على ملامح “عزيز” ثم قال :

#ظنها_دمية_بين_أصابعه ❤️

🌻 ظَنَّهَا دُّمَيَّة بين أَصابِعِهِ.🌻

الفصل الرابع

_ إزاي تستأذن وأنت في بيتك يا راجل يا طيب.
ده بيتك يا عم “سعيد” وأي حد من طرفك مُرحب بيه.

ترقرقت الدموع في عينين العم “سعيد”، فـ سيده لا يتوانى لحظة عن إخباره أنه فرد من أفراد عائلته وليس مجرد خادم لديه.

_ الله يكرم أصلك يا بيه.

تمتم بها العم “سعيد” بعدمَا تمالك دموعه.

_ ممكن فنجان قهوة من إيدين “عايدة” لأن فنجان قهوتها الوحيد اللي بيعدلي دماغي.

_ هتشرب قهوه دلوقتي يا بيه؟.

قال العم “سعيد” عبارته المعتاد على قولها عندما يطلب منه “عزيز” فنجان قهوة بالمساء.

_ يا راجل يا طيب عندي شغل كتير على ورق مهم عايز أخلصه ومحتاج فنجان قهوة يخليني فايق.

أراد العم “سعيد” الإعتراض مرة أخرى لكن توقُف “عزيز” عن تناول طعامه ونهوضه من فوق مقعده جعله ينشغل بشئ أخر.

_ أنت لسا مكملتش أكلك يا بيه، أنت عايز “نيرة” هانم تزعل مني… دي موصياني على أكلك بالذات، عشان عرفاك بتنسى نفسك في الشغل.

اِرتفعت ضحكات “عزيز” على ما قاله العم “سعيد” ثم ربت على كتفه بيده النظيفة التي لم يعلق بها الطعام.

_ يا راجل يا طيب، أنا باكل عشان مزعلكش… أنا متغدي كويس في المصنع مع العمال.

طالعه العم “سعيد” بعتاب.

_ برضو أكل من الشارع يا بيه.

حرك “عزيز” رأسه يأسًا منه ثم قال وهو يتحرك نحو غرفة مكتبه.

_ أنا افتكرت إني خلصت من إهتمام “نيرة” الزايد لكن النهارده اتأكدت إن “نيرة” عرفت تسيبلي نسخة منها.

أراد العم “سعيد” قول شئ آخر لكنه توقف عن الكلام عندما وجد “عزيز” يلتف نحوه.

_ فنجان القهوة يا عم “سعيد” وإياك تخلي “عايدة” تحط نقطة لبن فيها.
….

تعلقت عينيّ “عايدة” بزوجها الذي أخذ يُقلب ما وضِعَ بطبقه من طعام بفتور.

الحزن كسا ملامح وجهه وقد عادت جميع الذكريات بتفاصيلها تتدفق إلى ذاكرته.

لقد ظن عندما يأتي يوم جمع الشمل بينه وبين ابنه شقيقه سيكون يوم ملئ بالسعادة ودموع الفرح لكن ما وجده لم يكن إلا مزيد من الألم.

تنهيدة طويلة وثقيلة حملت أوجاعه ثم بعدها شعر بيد “عايده” تربت على كفه بحنو.

تعلقت عينيّ “عزيز” بها وابتسم ابتسامة حزينة سُرعان ما غادرت شفتيه.

_ اطمنتي إنها أكلت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *