رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق
_ أكيد في مكان قريب من المصنع نقدر نشتري منه اللي نحتاجه.
عادت إليها “عايدة” بزجاجة العصير ثم أشارت إليها بأن لا تعترض على شئ.
طأطأت “ليلى” رأسها بخجل شديد من أفعال “عايدة” معها، إنها تعاملها وكأنها والدتها.
_ مش عايزة اسمع كلمة إعتراض وتاخدي السندوتشات من سكات.
تلك النبرة التي تحدثت بها “عايدة” جعلت “ليلى” تتذكر ما كانت تفعله “عائشة” معها عندما كانت تعترض على إهتمامها الزائد بها وقد صارت فتاة جامعية.
اِجتمعت الدموع في عينين “ليلى” ثم رفعت عيناها نحو “عايدة” التي فور أن رأت الدموع تلمع بعينيها، أسرعت بضمها إليها قائلة بنبرة معاتبة.
_ مش عايزة أشوف دموعك لأن دموعك ملهاش غير معنى واحد… إنك مش مبسوطه وأنتِ وسطينا يا “ليلى”.
ابتعدت “ليلى” عن حضنها، تهز رأسها نافية الأمر.
فهي أحبت وجودها معهم رغم تلك الغصة التي تحتل فؤادها كلما تلاقت عيناها بعيني عمها “عزيز” ورأت داخلهما ندم لا تستطيع غفرانه.
_ جاهزة يا “ليلي”.
قالها “عزيز” بعدما خرجت نحنحته عند دلوفه للمنزل ثم أخفض عيناه هربًا من رؤية تلك النظرة التي تقـ,ــ,ـتله كلما تلاقت عيناه معها.
ابتسمت “عايدة” لها ثم رفعت كفيها لتمسح على كلا خديها بحنو.
_ هي خلاص جهزت، خد بالك منها يا “عزيز”.
تلاقت عينيّ “عزيز” بعينين زوجته ثم “ليلى” التي أسرعت بتحاشي النظر إليه.
في رحلة ذهابها إلى المصنع الذي ستعمل به داخل قسم المحاسبة، وضحت لها الصورة التي توهمت في رسمها…
لقد ظنت أنها ستعمل تحت إشراف “عزيز الزهار” الذي صار الفضول يقتـ,ــ,ـلها نحوه بسبب أحاديث “شهد” والعم “سعيد” عنه.
لا تعلم لما شعرت بخيبة الأمل عندما أخبرها عمها أن السيد “عزيز” لا يتولى إدارة مصنع الملابس بنفسه بل يجعل أحدهم يتولى إدارته وهو يذهب من وقت لأخر ليتابع سير العمل.
بضعة معلومات منحها لها عمها أثناء توصيله لها للمصنع.
لم يتركها “عزيز” بل دخل معها المصنع مستغلاً اسم سيده بالدخول إلى أن وصل قسم الإدارة الذي كان يبعد عن مكان التصنيع والتغليف.
المساحة التي كانت يشغلها المصنع كانت كبيره، مما جعل أعيُن “ليلى” تتأمل المكان بإنبهار.
فور أن توقف “عزيز” أمام أحد الأبواب وجواره “ليلى”، أخرج هاتفه من جيب بنطاله وضغط على زر الإتصال ليُهاتف سيده.
_ أنا وصلت قدام مكتب الأستاذ “رفعت”، تمام يا فندم…ربنا ما يحرمنا منك يا “عزيز” بيه.
أنهى “عزيز” مكالمته مع سيده ثم أعاد هاتفه لداخل جيبه ونظر نحو “ليلى” التي أخذت تفرك يديها ببعضهما وقد ظهر الإرتباك على ملامحها.
وضع “عزيز” يده على كتفها يحثها على التقدم أمامه.
_ يلا يا “ليلي”… أستاذ “رفعت” مستنينا.
سارت “ليلى” أمامه ولم تشعر أن لمسته لها كانت من رَجُل غريب.
الترحيب الذي تلقاه “عزيز” من السيد “رفعت” جعل “ليلى” تنظر للمشهد بتعجب، عمها يُعامل وكأنه حقًا فرد من أفراد العائله، ليس مجرد سائق لـ “عزيز الزهار” .
كل شئ مر بسلاسة وكأنها ليست بمقابلة عمل، السيد “رفعت” سألها مجرد أسأله طفيفة عن تخصصها الجامعي وسنة تخرجها حتى أنه لم يهتم بالأوراق التي كانت ناقصه في ملفها ثم بعدها استدعى سكرتيرته لتأخذها نحو مكان عملها.
…
في إحدى شركات الطيران الكُبري..
كان “صالح” يخرج من غرفة الإجتماعات بعدما تم مناقشة بعض الأمور الخاصة بـ أمن المطار بعد رصد عملية إرهابية كانت على وشك الحدوث داخل المطار.
اِقترب من غرفة مكتبه التى تحمل يافطتها اسم المدير التنفيذي.
دخل غرفة مكتبه بإرهاق يتبعه مساعده بالتقرير الأمني الذي عمل عليه فريق أمن المطار بعيداً عن التحقيقات التي تقوم بها الجهات المختصة من الدولة.
_ التقرير يا فندم.
التقطه منه “صالح” على الفور وبنظرة سريعة كان يقرأ بعض السطور التي أكدت شكوكه.
ألقى “صالح” التقرير على سطح مكتبه بإهمال ثم زفر أنفاسه بقوة.
هذا ما كان يخشاه عندما تنازل أحد الشركاء المؤسسين للشركة عن حصته من الأسهم لأحد المستثمرين الأجانب.
أشار لمساعده أن يُغادر وقد استرخى بجلسته على المقعد.
ارجع رأسه للوراء وأغمض عينيه لعله يمنح عقله بعض الراحة.
لا يعرف كم دقيقة مرت وهو جالس بتلك الوضعية التي زادت من تشنج عضلات رقبته.
تأوه بخفوت عندما حرك رأسه ثم فتح عيناه ورفع يده نحو عنقه ليمسده.
التقط هاتفه بعدما أدرك أنه منذ أمس جالس بالمطار لمتابعة التحقيقات ولم يُهاتف صغيره إلا مره واحده أجراها معه بالصباح عبر خاصية الفيديو.
ضاقت عيناه بقلق وهو يرى كم المكالمات والرسائل التي توالت عليه عندما فتح هاتفه وسُرعان ما كان ينتفض من مقعده يضغط على زر الإتصال لمهاتفه جده.
_ لسا فاكر تفتح تليفونك.
أول ما قاله له جده ثم بعدها واصل حديثه بإقتضاب.
_ ابنك عندي في البيت، لما تفتكره ابقى تعالا خده.
بعد دقائق معدودة…
كان “صالح” ينطلق بسيارته متجهًا نحو منزل جده لرؤية صغيره.
فتحت له الخادمة الباب على الفور وقد تراجعت للوراء عندما اندفع للداخل يبحث عن صغيره مناديًا اسمه بصوت مرتفع.
_ “يزيد”
خرج جده من غرفة مكتبه يتكئ بيده على عصاه الأنبوسية.
_ ابنك فوق مع “نعمات”.
قالها “شاكر” بوجه ممتعض وهو ينظر إلى حفيده الذي وقف يلهث أنفاسه قلقًا على طفله وكأنه في منزل عدو.
_ اطلعي هاتي الولد.
هتف بها “صالح” بنبرة آمره للخادمة التي فتحت له الباب ومَازَالت واقفه.
أشار السيد “شاكر” بعصاه إلى الخادمة لتتحرك نحو الأعلى حتى تأتي بالصغير.
_ إدارة المدرسة حاولوا يتصلوا بيك لكن تليفون حضرتك مقفول… لما معرفوش يوصلوا ليك اتصالوا بيا يبلغوني بأفعال الولد.
نظر السيد “شاكر” لحفيده ثم واصل كلامه بنبرة آمره.
_ غير الدكتور اللي بتعالج عنده الولد.
لم يهتم “صالح” بكلامه، كل ما كان يصب اِهتمامه عليه هو رؤية صغيره.
هبطت الخادمة بالصغير تحمله بين ذراعيها وخلفها كانت السيدة “نعمات” تلك المرأة التي أفنت عمرها بخدمة هذه العائلة تتبعها وهي تحمل أغراض الصغير.
أسرع “صالح” بلهفة ليحمل صغيره، يتأمل كل إنش بوجهه البرئ.
امتقعت ملامح السيد “شاكر” من فعلت حفيده ثم قال بنبرة ساخطة.
_ بما إنك خايف عليه أوي كده، اسمع كلام المختص الأجنبي وحقق ليه بيئة مستقره عشان يتعالج ويبقى طفل طبيعي.
_ شكرًا يا “شاكر” بيه على خدماتك وعلى النصيحه.
تمتم بها “صالح” بعدما ضم طفله إليه.
_ يلا يا دادة “نعمات”.
…
تثاءَبت “ليلى” بنُعاس وهي تستمع إلى حديث “شهد” الماقِت عن زميلتها المتكبرة التي لا تتوانى عن التقليل بها وتذكيرها دائمًا أنها مجرد ابنة سائق ولا تستحق دخول مدرسة كالتي هي بها.
_ أنا مبقدرش أقول الكلام ده قدام بابا و ماما عشان ميزعلوش…
طأطأت “شهد” رأسها بحزن ثم رفعت عيناها وهي تفرك راحتي كفيها بقوة.
_ البنت ديه من ساعة ما انضمت للمدرسة الثانوية وهي حطاني في دماغها مش عارفه ليه؟
_ عشان أنتِ أشطر منها يا “شهد”.
قالتها “ليلى” لأنها صارت مدركة تمامًا تفوق ابنة عمها.
_ أنا مش عايزة أعمل مشاكل معاها عشان أبيه “عزيز” ميزعلش مني.
“عزيز”؛ هذا الرَجُل الذي صار الحديث عنه يُحاوط حياتها، بالعمل وبالمنزل.
….
أمام إحدى البنايات الراقية، توقفت سيارة “صالح”…
ترجل “صالح” من السيّارة ثم اتجه نحو المقعد الخلفي ليحمل صغيره النائم على حجر المربية “نعمات” التي تتولى رعايته.
أسرع حارس الأمن ناحيته بعدما اِنتبه إليه، فهتف “صالح” بصوت خفيض.
_ دخل العربية الجراچ يا “سعد”.
حرك “سعد” رأسه إليه ثم أسرع لتنفيذ ما أَمره به.
فتحت السيدة “نعمات” باب الشقة التي لا يسكنها إلا “صالح” وصغيره وهي معهم لتتولى رعايتهم، فهي تعتبر “صالح” كابن لها كما كانت تعتبر “سارة” الغالية ابنتها.
أسرعت بخطواتها رغم كِبَر سنها نحو غرفة الصغير لتزيل غطاء الفراش قليلًا حتى يدثره تحته.
وضعه “صالح” فوق فراشه وقد كان الصغير نائم بعمق.
