رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق

أخفضت “شهد” رأسها وأخذت تقص عليه ما حدث معها بالمدرسة.

احتدت ملامح “عزيز” وهو يستمع إليها إلى أن توقفت “شهد” عن الكلام ورفعت عيناها إليه.

شعر بالألم وهو يرى دموعها العالقة بأهدابها.

لا يصدق أن هناك فتيات بلا تربية هڪذا، فكيف يُعاير أحدًا غيره بفقره بل ومديرة المدرسة تقوم بالتفرقة بين طالباتها من أجل مكانة الأهل.

أخرج “عزيز” محارم ورقيه من جيبه واقترب منها ليُعطيها لها.

_ امسحي دموعك يا “شهد”، مش عايز اشوفك بتعيطي على حاجه زي دي تاني… أنا ليا كلام مع مديرة المدرسة… المهزلة دي مش هسكت عليها.

_ أبيه “عزيز” أنا ضـ,ـربتها بالقلم.

نظر “عزيز” إليها ثم ابتسم.

_ تستاهل، ما دام هي فعلا بنت متربتش وبدون أخلاق.

ظنت أن “عزيز” سيعنفها لكن “عزيز” كعادته داعم لها منذ أن كانت طفله صغيره…

_ يعني أنت مش زعلان مني…

تلك النظرة التي رأها في عينيها جعلته يُخفف من حدة عتابه لها.

_ أنا لو هزعل منك… فهزعل لأنك مجتيش وحكتيلي من الأول.

طأطات “شهد” رأسها بخجل وسُرعان ما كانت ترفع عيناها إليه عندما قال.

_ فين جواب استدعاء ولي الأمر.

نظرت إليه ثم أسرعت بإخراج جواب الإستدعاء من جيب بنطالها.

التقط منها “عزيز” الجواب ثم وضعه وراء ظهره عندما استمع إلى خُطوات العم “سعيد” تقترب من الغرفة.

_ الشاي يا بيه.

تعلقت عينين “عزيز” بالعم “سعيد” الذي أخذ ينظر لابنة شقيقته وقد شعر أن وراء قدومها الليلة شئ تخفيه عنهم.

ارتبكت “شهد” من نظرات خالها لها.

_ شكرًا يا راجل يا طيب.

ثم نظر إلى “شهد” بنظرة فهمتها وأردف.

_ عشان اكفأك على طعم الكيكة اللذيذة دي… بكرة يا ستِي أنا اللي هوصلك للمدرسة.

التمعت عينيّ “شهد” وحركت له رأسها بابتسامة واسعه.

انصرفت “شهد” تحت أنظار العم “سعيد”، الذي رمقها ثم رمق سيده بفضول.

أراد أن يسأل عما تحدثت به ابنة شقيقته لكن “عزيز” قطع عليه الأمر بعدما تناول قطعه من الكعكة وتلذذ بمذاقها قائلًا.

_ طعمها لذيذ.

تناسى العم “سعيد” سؤاله وعلى الفور قال.

_ “ليلى” هي اللي عملاها لوحدها.

حرك “عزيز” جانب شفتيه بنصف ابتسامة ثم التقط قطعه أخرى يلتهمها.

_ شكل نفسها في الأكل حلو.

والعم “سعيد” لم يترك رد “عزيز” هكذا بل استرسل مُجددًا هذه الليلة بمدح “ليلى”.

…

استشاط “هشام” غضبًا بعدما أنهى مكالمته مع حارس البناية التي يسكن بها والده.

نظرت له زوجته التي تُجاوره وتساءَلت.

_ مين اللي عايز خدامه.

تجهمت ملامح “هشام” ثم نهض من جوارها.

_ بابا يا ستي، شكل الهانم اشتكت من شغل البيت فحب يريحها… هي فاكره نفسها معيشنها معاه عشان تتبغدد.

رمقته “لبنى” بنظرة لامباليه.

فـ بالنهاية “زينب” ابنة أخيهم الغير شقيق الذي لم يتقبلوا وجوده بحياتهم يومًا…

فهذا ما زرعته السيدة “هدى” والدتهم  داخل قلوبهم حتى وفاتها.

اتجه “هشام” نحو غرفته ليهاتف شقيقه “مصطفى” وشقيقته “رحاب” التي تعيش بالخارج مع زوجها.

استطاع “هشام” إقلابهم عليها بعدما أوصل لهم الصورة التي أرادها.

وقفت “زينب” أمام مرآة غرفتها تتأمل عليها الثوب الذي اشتراه لها جدها والذي سترتديه بعد غد في حفل خطبة ابن عمها “مصطفى”.

ابتسامة واسعة ارتسمت على محياها وهي تدور به، إنها سعيدة للغاية… فجدها الحبيب لا يتوانى في تدليلها وإغداقها بحنانه.

ارتفع رنين هاتفها، فأسرعت نحو الهاتف لتلتقطه.

وقعت عيناها على اسم عمها “هشام” الذي فور أن أجابت عليه.

_ إحنا وافقنا تعيشي ليه مع سيادة اللواء، مش عشان تخدميه وتراعيه.. ولا خلاص افتكرتي نفسك بقيتي صاحبة بيت.

_ أنا مش فاهمه حاجه يا عمو.

قالتها “زينب” بصوت متقطع لكن “هشام” استمر بتوبيخها.

_ اوعي تنسي إننا مستحملين وجودك وسطينا بس عشان خاطر سيادة اللواء… غلطة واحده منك وأنتِ عارفه أنا ممكن اعمل فيكي إيه يا بنت “أسامة”.

انسابت دموع “زينب” على خديها تستمع إلى ما يُخبرها به في صمت.

_ بكره تقولي لسيادة اللواء إنكم مش محتاجين خدامة تدخل البيت…

_ حاضر.

أنهى “هشام” المكالمة ثم زفر أنفاسه بقوة…

فلولا والده الذي جلبها لهم منذ خمس سنوات بعدما مات والدها ما كان وافق على أن تعيش بينهم ..

يكفي أن جدتها خانت والدتهم رحمها الله -التي مدت لها يدها بالعون- وتزوجت من والدهم.

حكاية مضى عليها أكثر من أربعين عامًا.

لم يعنفها “هشام” وحده على أمر ليس لها به علم.

بل اسمعها كل من عمها “مصطفى” وعمتها “رحاب” كلام قاسي.

كتمت صوت بكائها حتى لا يسمعها جدها.

استمرت بالبكاء حتى تورم جفنيها.

_ “زينب”.

ارتفاع صوت جدها باسمها، جعلها تنتفض من فوق فراشها..

لم تكد تتحرك نحو المرحاض حتى تتمكن من سكب الماء على وجهها.

حتي وجدت جدها أمامها يتفرس ملامحها وينظر إليها بنظرة ثاقبة

وما يخاف منه صار يراه يومًا بعد يوم…. أولاده لن يرحموا حفيدته إذا فارق الحياة وتركها وحيده.

•••••••••••

🌻 ظَنَّهَا دُّمَيَّة بين أَصابِعِهِ.🌻

الفصل التاسع

فتح “صالح” عيناه بفزع ثم انتفض من رقدته بعدما أزال الغطاء من عليه.

أنفاسه أخذت تعلو بعنف قابضًا بيديه على شرشف الفراش شَاخِص البصر.

أغلق جفنيه ثم تنفس ببطئ لعله يستطيع إستعاده وعيه من كابوس لا يرحل عنه.

لقد مرت خمس سنوات لكنه مَازال يعيش تحت وطئِ ذكرى ذلك اليوم.

والصورة تعود بنا نحو تسعة أعوام.

فلاش باك….

_ اتجوز مين يا جدي؟؟

نطقها “صالح” بعدما انتفض من فوق المقعد الجالس عليه وقد انتفخت أوداجه من شدة الغضب.

_ تتجوز “سارة” بنت عمك.

_ أنت واعي للي بتقوله يا جدي.

احتدت ملامح “شاكر” بغضب، ينظر إلى حفيده الذي أخذ يمرر يده في شعره.

_ اتكلم قدامي باحترام يا ولد.

تعلقت عينيّ “صالح” بجده، فعن أي إحترام يتحدث … إنه يخبره أن يتزوج “سارة” ابنة عمه التي لا يراها إلا في صورة أخت له.

_ إيه اللي يعيب بنت عمك.

قالها السيد “شاكر” بعدما نهض من مقعده هو الأخر واتجه نحو باب غرفة مكتبه ليغلقه.

رمق “صالح” فعلته بسخرية، فبالتأكيد والديه يعرفان بهذا العرض الذي لن يحققه لهم مهما كان.

_ أكيد الدكتور “صفوان” والدكتوره “حوريه” عندهم علم.

_ ولد اتكلم عن أبوك وأمك بأدب.

ثم أردف السيد “شاكر” بنبرة تحمل إصراره على إتمام هذا الزواج.

_ رد عليا إيه اللي يعيب بنت عمك.

_ “سارة” أختي.

قالها “صالح” بحده، فقابله رد جده بحدة أشد.

_ “سارة” مش أختك، سارة بنت عمك…و أنت لازم تتجوز بنت عمك يا “صالح”…

_ لاء يا جدي.

صاح بها “صالح” والغضب يتأجج داخل عينيه ثم غادر الغرفة.

تلاقت عيناه بأعيُن والديه اللذان أطرقان رأسهم بخزي.

بخطوات سريعة اِتجه نحو الدرج قاصدًا غرفته حتى يجمع ملابسه في حقيبته ويُغادر هذا المنزل الذي دومًا تخنقه جُدرانه.

توقف أعلى الدرج عندما تقابلت عيناه -التي تشع غضبًا- بأعيُن “سارة” التي فور أن رأته أسرعت إليه تُهلل بسعادة.

_ “صالح”.

ارتمت بحضنه كعادتها، تحتضنه بقوة تخبره ألا يغيب مجددًا هكذا، وقد أخذت تشتكي له معاملة من في المنزل لها.

لأول مرة لا تضمها ذراعيه بل وقف متصلب الجسد وحديث جده يطرق رأسه بقوة.

أغمض عينيه لعله يستطيع السيطرة على نيران الغضب المشتعله داخله، ألا يكفي جده تدخله بحياتهم إلى هذا الحد.

ابتعدت “سارة” عن حضنه ترفع عيناها إليه وسُرعان ما انتبهت على قبعته التي يضعها أسفل إبطه، قبعة بذلة الطيران المدني.

أسرعت بإلتقاطها وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة واسعة.

_ شوف “سارة” حلوة إزاي، “صالح” عايزة سوق طيارة زيك.

الحروف كانت تخرج منها متقطعه لا توحي سوا ببراءة صاحبتها.

وجدها تقفز أمامه بعدما وضعتها على رأسها وأخذت تضحك بصوت عالي.

أغمض عيناه بقوة ،أيعقل أن يعرض عليه جده الزواج من “سارة” التي يعلم الجميع بحالتها.

_ “صالح”، فين شيكولاته تاعتي.. أنت نسيتها صح… أنا زعلانه منك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *