رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق
-زهرة هذا البيت- التي تزوجت منذ شهرين.
أما عَضُدَه وسنده “سالم” قد رحل قبل أربعة عشر عامًا وترك له فلذات أكباده ليرعاهم ويكون لهم الأب والعم والصديق.
– إمتى البشمهندش “سيف” يخلص دراسته ويرجع مصر… الكام يوم اللي بيقعدهم من السنه للسنه بتخلي للبيت بهجة وروح.
قالها العم “سعيد” بحنين لذلك المشاغب الذي اشتاق إليه ولمزاحه.
– وحشك هزاره ومقالبه يا راجل يا طيب.
أماء العم “سعيد” برأسه وهو ينظر لـ “عزيز” الذي توقف عن إرتشاف الشاي بحليب.
– ملحقناش نشبع منه في الكام يوم اللي قعدهم وقت فرح “نيرة” هانم.
ثم أردف العم “سعيد” بحنو وشوق لهؤلاء الصغار الذين كبروا أمام عينيه.
“ الله يرحمك يا “سالم” بيه لو كان عايش كان هيكون مبسوط وفرحان بيهم أوي.
تنهد “عزيز” ثم مسح يديه من فتات الخبز ونهض من فوق مِقعد طاولة الطعام.
– تسلم ايدك يا راجل يا طيب.
حينما توقف “عزيز” عن تناول طعام فطوره ونهوضه للمغادرة أدرك العم “سعيد” فداحة خطأه، فـ مازالت ذكرى وفاة “سالم” محفوره في وجدان “عزيز” وفي جدران هذا البيت.
“سالم” لم يكن مجرد أخ كبير لـ “عزيز” بل كان أب و شقيق و صديق.
طأطأ العم “سعيد” رأسه دون أن يعرف بماذا يتكلم.
تحرك “عزيز” أمامه فأتبعه العم “سعيد” على الفور.
تساءَل “عزيز” بعدما التف بجسده نحو العم “سعيد” قبل أن يتجه نحو سيارته.
– الست “عايدة” أخبارها إيه، لسا تعبانه.
– زي الحصان يا بيه هي بس بتحب تدلع علينا شويه.
قالها “سعيد” مازحاً، فـ “عايدة” شقيقة العم “سعيد”.
– لو محتاجه أي حاجه قولي يا عم “سعيد”.
في تلك اللحظة كان يهرول “عزيز” السائق نحوهم وهو يستكمل ربط رابطة عنقه.
تقدم منهم “عزيز” ونظر إلى سيده معتذراً عن تأخيره.
– اعذرني يا “عزيز” بيه اتأخرت عليك لكن اقول إيه على “شهد” مش عارفه تسلق حتى البيض.
ابتسم “عزيز” عندما ذكر سائقه اسم ابنته “شهد” التي تبلغ سبعة عشر عاماً..
– لو كنت قولت إن “شهد” عرفت تسلق البيض مكنتش صدقتك يا “عزيز”.
قالها “عزيز” الذي يعتبر “شهد” جزءًا من عائلته بل ويعدها كأبنة له، فلو تزوج في عمر صغير لأنجب فتاه بعمرها…
فـ “عزيز” على مشارف إتمام عامه التاسع والثلاثون .
ضحك “عزيز” السائق والعم “سعيد” الذي قال:
– محدش مدلع البنت ديه غيرك يا “عزيز” بيه.
….
مسحت دموعها التي انسابت بسخاء وهي تسمع من السيدة “صفية” -ابنة خالة والدتها- قصة حب والديها.
لم تبكي يومًا ولم تحزن لأنها مجرد فتاة متبناه بلا أهل ولم تجرحها كلمات البعض عندما كانوا يقارنون اسمها بشهادة الميلاد مع اسم ذلك الرجل الطيب الذي رباها وأعتنى بها.
شعور اليتم شعرت به مرتين… مرة عندما مات والدها الذي رعاها وتكفل بها أما المرة الثانية فهي تعيشها اليوم.
– كانوا بيحبوكي أوي وكأنك بنتهم من دمهم يا “ليلى”.
كلمات كان يخبرها بها الكثير من أقارب والدتها كلما كانت تجمعهم مناسبة عائلية وكأنهم يستعجبون من هذا الحب وكأن الأمومة والأبوة خلقت لتكون من الدماء والعصب لا غير.
زفرت السيدة “صفية” أنفاسها بثقل وحزن استوطن ملامحها عندما عادت الذكريات تسير أمامها وكأنها شريط سينمائي.
فلاش باك…
قبل واحد وعشرون عامًا.
– “حامد” وافق أننا نتبنى طفل يا “صفية”، متعرفيش قد إيه أنا فرحانه.
قالتها “عائشة” بسعادة وهي تدلف لداخل شقة “صفية” ابنة خالتها التي تعمل كموظفة في دار أيتام.
تساءَلت “صفية” مندهشة من موافقة “حامد” أخيراً، فما تعلمه أن أهله يرفضون أن يتبنى طفلاً ليس من صلبه.
– وأهله وافقوا يا “عائشة”.
طأطأت “عائشة” رأسها أرضاً ثم نظرت إليها بحزن.
– مع الوقت هيقتنعوا يا “صفية”.
لم تجد شئ “صفية” تقوله لأبنة خالتها، فهي تعلم مدى حب “عائشة” للأطفال وقد ذهبت إلى الأطباء لقرابة العشر سنوات حتى يأست.
– و “حامد” فرحان يا “عائشة”.
ابتهجت ملامح “عائشة” عندما تذكرت ما أخبرها به عند موافقته على أمر تبني طفل.
– أنا أعمل أي حاجه عشان أشوفك فرحانه، كفايه بكا يا “عائشة” عايز أشوف ضحكتك من تاني.
لم تصرح بتلك العبارة لـ “صفية” التي فور أن رأت لمعت أعيُن “عائشة” علمت أنها هائمة في حب زوجها المخلص الذي أحبها بصدق.
مر وقت إلى أن اهتدت “صفية” لأمر طفله عندما تراها وسط أطفال الدار يصيبها الألم والشفقة؛ لأنها شهدت على لحظة توسل عمها إليهم بأن يضعوها بالدار، فهو لا يملك قوت يومه حتى يستطيع رعاية طفله صغيرة.
«بــنــت» !!
قالتها “عائشة” ثم نظرت إلى زوجها… فهي تريد صبي لأن في معتقداتها -التي تربت عليها- أن الولد هو من يحمل والديه في كبرهم.
نظرت لها “صفية” ثم قالت:
– أنتِ ناسية إن أنا بشتغل في دار أيتام خاصة برعاية البنات.
قالتها “صفية” ثم أغلقت الملف الذي يوجد به صورة الطفله وتاريخ دخولها الملجأ وكافة المعلومات الخاصة بها.
– ورينا صورتها يا “صفية”.
قالها “حامد” وهو مبتسم وعندما رأى صورة الطفلة اتسعت ابتسامته شيئًا فشئ.
– شوفي صورتها يا “عائشة”، البنت آية من الجمال.
أسرعت “عائشة” بإلتقاط الصورة منه ثم سقطت دموعها وخفق قلبها.
– يا حببتي يا بنتي.
– اسمها إيه يا “صفية” ؟؟.
تساءَل “حامد” وقد مدت له “صفية” الملف الخاص بـ “ليلى” قائلة:
“لـيـلـى”
باك…
عادت “صفية” من ذكرياتها ثم نظرت نحو “ليلى”، التي صارت فتاة شابة وليست تلك الطفلة التي تنزوي نحو الجدار وتهتف باسم عمها الذي نسيت اسمه بمرور الوقت.
تنهيدة طويلة خرجت من السيدة “صفية” ثم طأطأت رأسها أرضاً.
– “عائشة” و “حامد” اتبنوكي وأنتِ عمرك تلت سنين وكام شهر…من حسن حظك إنك مقعدتيش في الملجأ غير شهور وبعدها بقى ليكِ أب و أم.
ثم استطردت السيدة “صفية” بصوت أجش.
