رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق
حركت له “عايده” رأسها وعلى شفتيها اِرتسمت ابتسامتها الدافئة.
_ خليت “شهد” تاكل معها وبعد ما تخلص أكل هدخل أقعد معاهم.
“عزيز” كل حاجه مع الأيام بتتصلح… وهي بكره تسامحك، مافيش حاجه بتيجي من يوم وليله.
أرادت “عايدة” أن تُخفف عنه لكن “عزيز” كان بحاجه للإنهيار بين ذراعيها.
_ بتكرهني يا “عايدة” ،عمرها ما هتسامحني… كان نفسي اخدها في حضني.
أسرعت “عايدة” بضمه إلى حضنها الذي دائمًا يحتويه.
_ تعالا ندخل أوضتنا يا “عزيز”.
لم ترغب “عايدة” أن يشهد أحد على لحظات إنهيار زوجها بهذا الشكل بل سحبته برفق نحو غرفتهما.
دلف العم “سعيد” من باب المنزل الذي يتكون من ثلاث غُرف وصالة صغيرة ومطبخ ومِرْحَاض.
بحث بعينيه عن شقيقته ثم وقعت عيناه على طاولة الطعام التي صارت خالية رغم وجود أطباق الطعام عليها.
ارتفع صوته مناديًا باسم شقيقته.
_ “عـــايـــدة”.
استمر بالنداء عليها لكن “عايدة” كانت بين ذراعي “عزيز” الذي دفن رأسه في حضنها متجردًا من كل شئ معها.
خرجت “شهد” من غرفتها قائلة بصوت لائم لخالها.
_ وطي صوتك يا خالي، أهو خليت الضيفة تصحي من النوم.
امتعضت ملامح وجه العم “سعيد” من عبارة ابنة شقيقته.
_ الضيفة دي بنت عمك… اتعودي على وجودها معانا… هي مبقتش ضيفة خلاص.
نظرت إليه “شهد” بدهشة.
_ هي هتعيش معانا هنا.
عندما علمت “شهد” الجواب عبست ملامحها، فهي لم تعتاد أن يُشاركها أحد غرفتها الصغيرة.
_ روحي شوفي أمك فين وقوليلها تروح الڤيلا تعمل قهوة للبيه.
أرادت “شهد” أن تُخبر خالها أنها لا تُريد أحداً يُشاركها غرفتها.
….
بملامح متعبة دلفت “عايدة” غرفة ابنتها لتطمئن على “ليلى” التي لم تُغادر الغرفة منذ أن دخلتها.
وجدت ابنتها مُنكبة على كُتبها وتذاڪِر دروسها بعبوس تفهم سببه.
أما “ليلى” جلست شاردة على الأريكة الصغيرة الموجودة بالغرفة قُرب النافذة التي تطل على الحديقة.
ابتسامة عذبة ارتسمت على شفتيّ “عايدة” ثم اقتربت منها.
_ أنتِ لسا مغيرتيش هدومك يا بنتي، يلا قومي معايا تاخدي حمام دافي وتغيري هدومك وتنامي.
قالتها “عايدة” ثم مدّت يدها إليها لكن “ليلى” أسرعت في هز رأسها رافضه.
_ لا أنا كويسه كده، أنا أول ما يصبح الصبح همشي.
ابتهجت ملامح “شهد” مما سِمعته لكن الفزع ارتسم على ملامح “عايدة” التي تساءَلت.
_ إحنا زعلناكِ في حاجة يا بنتي، معقول بعد ما ربنا جمع شملنا تكوني عايزه تسبينا… طيب اقعدي معانا شويه… أنا عارفه إننا بالنسبالك غُرب.
التفت “شهد” برأسها تنظر نحو والدتها وفي داخلها ودت لو أخبرتها أن تتركها تذهب ڪما تشاء.
_ معلش أنا عايزه أرجع بيتي.
_ وده مش بيتك برضوه يا “ليلي”.
قالتها “عايدة” بنبرة صادقة شعرت بها “ليلى”.
_ اقعدي معانا كام يوم يا بنتي… ارتاحي فيهم وغيري جو وأنا بنفسي لما تزهقي مننا هاخدك أوصلك لحد بيتك واهو ابقي لأول مرة هروح الاسماعيليه.
بساطة السيدة “عايدة” بالحديث جعلت “ليلى” تبتسم.
_ ها هتكسري خاطري.
لم تستطع “ليلى” كسر خاطرها، فالمرأة تترجاها لتظل معهم بِضعة أيام.
عندما هزت “ليلى” رأسها بالموافقة للجلوس معهم بضعة أيام، أسرعت السيدة “عايدة” بإحتضانها بقوة.
امتعضت ملامح “شهد” ولم يُخفى هذا الأمر عن عيني “ليلى” التي عاد إليها شعور أنها مجرد ضيف ثَقيل.
ساعدتها السيدة “عايدة” على إخراج ملابسها التي ستنام بها ثم اتجهت بها نحو المِرْحَاض الذي جهزته لها.
بعدما سمعت “عايدة” صوت تدفق الماء، أسرعت نحو غرفة ابنتها والتقطت ذراعها.
_ آاه ! ايدي يا ماما وجعتيني.
تأوهت “شهد” ثم دلكت ذراعها ونظرت إلى والدتها التي رمقتها بنظرة ممتعضة.
_ عارفه يا “شهد” لو بنت عمك جات بعد كام يوم تقولي عايزه تمشي وترجع بيتها… هعاقبك عقاب مش هتتخيليه.
_ هي أصلاً مش عايزه تعيش معانا، ليه تغصبوها على ده.
التمع الغضب في عينيّ “عايدة” من كلام ابنتها.
_ بنت عمك ملهاش حد غيرنا دلوقتي.
أبوكي روحه متعلقه بيها وقلبه واجعه عليها… عايزه أبوكي يزعل وتجراله حاجه لو فارقته من تاني ومشيت.
طأطأت “شهد” رأسها أرضًا عندما تذكرت أحاديث والدها -لها من قبل- عن ابنة شقيقه التي يتمنى قبل أن يموت أن يلتقي بها.
_ “شهد” حببتي، “ليلى” أختك.
رفعت “شهد” عيناها إليها ثم قالت بتذمر طفولي.
_ بس أنا اتعودت على أوضتي أكون فيها لوحدي.
فتحت لها “عايدة” ذراعيها لتضمها لحضنها.
_ لو كان ليكي أخت كانت شاركتك كل حاجه مش أوضتك بس.
عندما دفنت “شهد” رأسها في حضنها ، علمت “عايدة” ابنتها أقتنعت بكلامها.
_ بنتِ الحلوه هتعامل بنت عمها بحب وكأنها أختها.
_ حاضر يا ماما.
وهذا ما كانت تنتظر “عايدة” سماعه من ابنتها في نهاية حديثهم.
…
انفرجت شفتي “شهد” في ذهول عندما كشفت “ليلى” أخيراً عن لون شعرها الأَصْهَب وطوله.
_أنتِ شعرك لونه أحمر.
قالتها “شهد” بإنبهار ثم تساءَلت بفضول طفله.
_ ولا دي صبغة شعر.
ضحكت السيدة “عايدة” على تصرف ابنتها الطفولي واقتربت من “ليلى” تمنحها مجفف الشعر لتجفف شعرها.
_ قولي ما شاء الله وبطلي رغي وروحي كملي مذاكرتك.
مطت “شهد” شفتيها في تذمر ثم ضـ,ـربت بقدميها واتجهت نحو مكتبها الصغير -وردي اللون- والتقطت أحد الكُتب من عليه وغادرت.
_ طفله متعبه.
نطقتها السيدة “عايدة” مع ابتسامة داعبت شفتيها.
إلتاع قلب “ليلى” من مرارة الشوق والحزن على من فقدتهم وصاروا تحت التراب.
_ كنت زيها كده مع ماما.
شعرت “عايدة” بالحزن من أجلها وسُرعان ما كانت تمسك يدها تربت عليها بحنو.
_ ربنا يرحمها يا بنتي.
ظلت “عايدة” جالسة معها إلى أن اشفقت عليها “ليلى” واخبرتها أنها ستغفو.
_ ما دام هتنامي خلاص يبقى أسيبك بقى، تصبحي على خير.
قالتها السيدة “عايدة” ثم غادرت واتجهت نحو الصاله حيث جلست ابنتها تُذاكر دروسها.
_ نامي أنتِ على الأرض النهارده وسيبي لبنت عمك السـ,ـرير.
لم تدعها السيدة “عايدة” لتتحدث وتقذف من لسانها حديث لا داعي له.
_ استحملي الليله دي يا “شهد” وبكره أنا وبابا هننزل نشتري سـ,ـرير جديد.
_ لكن الأوضه صغيره هتسيع سـ,ـرير تاني إزاي؟!
_ “شــهــد”.
صاحت “عايدة” بلطف على ابنتها التي أشاحت وجهها بعيداً عنها وابتلعت بَقية حديثها.
…
غَفت “شهد” قريرة العين، تتمتع بدفئ فراشها الذي لم يُسلب منها الليلة ورغم إصرارها على “ليلى” تنفيذاً لأوامر والدتها إلا أن “ليلى” رفضت النوم عليه وأخبرتها أنها تُحب إفتراش الأرض والنوم عليها.
قضت “ليلى” ليلتها ساهدة أمام النافذة تنظر للسماء الملبدة بالغيوم وعلى ما يبدو أنها ستمطر بالصباح أو رُبما سترحل الغيوم لمكان أخر لتمطر به.
أغلق “عزيز” الأوراق التي قام بمراجعتها ثم نهض من فوق مقعده يُدلك عنقه المتشنج.
انتبهت “ليلى” على الخيال التي يتحرك بتلك الغرفة المواجهة لها ثم انتفضت فزعه تنظر نحو “شهد” النائمة لكن سُرعان ما تذكرت أن بهذا المنزل الضخم يسكن صاحبه.
انطفأ نور الحجرة وقد غادرها “عزيز” متجهاً نحو غُرفة نومه.
عتمة الظلام بالأعلى أضيئت؛ ولأن “عزيز” يسكن بالجناح الذي يقابل منزل عائلة العم “سعيد” خاصةً غرفة “شهد” لفتت إضاءة الأنوار انتباه “ليلى”.
أنغلق نور الطابق كما أنسدل سِتار الشرفة أمام نظرات “ليلى” التي كانت عيناها عالقة نحو الطابق العُلوي لهذا المنزل بفضول.
اِتجه “عزيز” نحو فراشه يفرد جسده عليه وسُرعان ما كان يغفو من شدة إرهاقه.
…
استيقظت “ليلى” التي غفت على المقعد أمام النافذة على مداعبة أشعة الشمس لها وعلى ما يبدو أن الغيوم غادرت بالصباح لتسطع بعدها أشعة الشمس معلنة دفئ طقس اليوم.
أزاحت المقعد الذي ألصقته بجدار النافذة برفق ثم أزاحت السِتار ليحجب أشعة الشمس فالوقت مازال باكراً.
…
بخفة تحركت “ليلى” نحو المرحاض لتغسل وجهها وتتوضأ.
عندما تلاقت عيناها بعينين العم “سعيد” أخفضت رأسها بحرج.
تبسم العم “سعيد” وقال بلطف ليزيح عنها الحرج :
_ صباح الخير يا بنتي، صاحيه بدري ليه ولا معرفتيش تنامي كويس.
حركت له “ليلى” رأسها وتمتمت بخجل رغم أنها لم تغفو إلا ساعات قليلة.
_ لا نمت كويس.
_ حيث كده مادام بتصحي بدري زي حالاتي إيه رأيك نفطر سوا.
ارتبكت “ليلى” ومن ملامح وجهها المتوتره فَهم العم “سعيد” الأمر ثم أردف.
_ شوفي أنت كنتِ هتعملي إيه الأول وهتلاقيني مستنيكي في المطبخ.
تمهل العم “سعيد” في إعداد طعام الإفطار وعندما اِستدار بجسده ليضع إبريق الشاي على الطاولة وجدها تقف على أعتاب المطبخ وتخفض عيناها بحرج.
_ واقفه ليه يا بنتي، تعالي ساعديني.
وهل يطلب منها أحداً مساعده ولا تلبي طلبه؟
أسرعت إليه لتحمل عنه إبريق الشاي وتتولي مهمه صب الشاي في الأكواب.
_ بتحبي الشاي بحليب ولا زي حالاتي.
ومن نظراتها إليه عرف الرد.