رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق
تحولت ملامحها السعيدة لأخرى عابسة ثم مطت شفتيها كالأطفال متذمرة.
ظنت أنه سيحاول هذه المرة مراضاتها كعادته لكنه كان يقف وينظر إليها بنظرة جامدة.
اِقتربت منه تبحث في جيوب بذلته عن لوح الشيكولاته إلى أن عثرت عليه.
تهللت أساريرها بسعادة طفلة بلغ عمرها الثالث والعشرون.
بصوت جهوري صاح “صالح” وقد انتفض قلب والديه الجالسين بالأسفل.
_ دادة “نعمات”
ثم أردف بصوت أشد حده.
_ دادة “نعمات”، تعالي خدي “سارة”.
ارتجف جسد “سارة” من شدة الخوف وأسرعت بإحاطة وجهها بكفيها وقد أجهشت بالبكاء.
اِتجه “صالح” لغرفته غير عابئ بصوت بكائها، فلم يعد يحتمل رؤيتها أمامه وحديث جده مَازال يخترق أذنيه.
التقط ملابسه من الخزانة بغضب ثم ألقاها داخل الحقيبة…
_ أنت هتسيب البيت يا “صالح”.
تساءَلت السيدة “حوريه” بفزع عندما رأته يضع ملابسه داخل الحقيبة.
اتجهت إليه لتجعله يتوقف عن وضع ملابسه تهتف بتوسل.
_ يا بني أرجوك اهدى وخلينا نفكر في حل ميزعلش جدك.
ليت والدته ما نطقت اسم جده، فيكفيه تدخل بحياته إلى هذا الحد.
_ جدي، جدي.. كل حاجه لازم هو اللي يقررها… لو أنتِ وبابا موافقين على إنكم تفضلوا طول عمرك خاضعين ليه فأنا لاء.
_ ولد، أنت إزاي تتكلم على جدك كده.
قالها السيد “صفوان” بعدما دخل الغرفة هو الأخر ثم نظر إلى زوجته التي أطرقت رأسها أرضًا.
ألقى “صالح” ما كان يمسكه بيديه داخل الحقيبة ثم أغلقها تحت نظرات والديه.
توسلت السيدة “حوريه” بنظراتها إلى زوجها ليمنعه من مغادرة المنزل.
_ اسمع جدك كويس وافهم كلامه يا “صالح”، جدك عايز مصلحة العيله.
نظر “صالح” له بنظرة ماقته ، فعن أي مصلحة يتحدث والده.
اقترب والده منه رابتًا على كتفه في محاولة منه لتهدأته لعلهم يجدوا حل أخر يقنعوا به الجد.
_ اسمعني يا “صالح” جدك عايزك تتجوز “سارة” عشان تفضل تحت وصايتك وحمايتك ، بعد عمر طويل قولي مين هيكون ليها غيرك.
احتدت نظرات “صالح”، فهل يظن والده أنه سيأتي يومًا ويتخلى عن ابنة عمه.
لم ينتظر السيد “صفوان” ليسمع منه ما يعرفه تمامًا لكن هناك حرمه وشرع يتغافل ابنه عنهم..
_ عارف كويس حبك لبنت عمك وإنك بتعتبرها اختك.
لكن يا بني “سارة” مش أختك… بص لنظره بعيدة… بنت عمك بتحتاج حد يراعيها في حاجتها الشخصية، في لبسها، ده احنا بنمنعها بصعوبه إنها تحضنك رغم إننا عارفين إنها بتعمل كده بدافع حبها ليك لأنها شايفك دايمًا احن حد عليها في البيت… “سارة” متعلقه بيك أوي يا “صالح”، تفتكر يوم ما تتجوز في ست هتستحمل ده.
_ انا مكنتش مقتنعه بكلام جدك و والدك يا بني، وكل ما يفكروا يفتحوا الموضوع ده معاك بمنعهم لكن كل ما اشوف تعلق “سارة” بيك وإننا في يوم مش هنكون موجدين معاكم… اسأل نفسي من هيراعيها ولو ابني اتجوز هل هتتقبلها مراته في حياتهم وأنت شايف بنت عمك بتحتاج معامله خاصه.
نظر إلى والديه بنطرة مصدومة، لقد أقنعهم جده ويبدو أنهم قرروا أمر زواجه وانتهى الأمر.
التقط حقيبته في صمت تحت نظراتهم التي اتسعت من الصدمة ونظر إليهم.
_ طول عمره جدي بيعرف يحركم كويس، عموما بلغوا “شاكر” بيه إن عرضه مرفوض تمامًا.
وهل مع “شاكر الجندي” يوجد شئ مرفوض.
بكافة الطرق حاصر “شاكر” حفيده إلى أن أجبره على الإستسلام بجبروته.
_ اللي هتعمله ده في مصلحة العيلة يا “صالح”، كل حاجه من أملاكي هتكون ليك.
مصلحة العائلة والمال أهم شئ في قاموس جده.
بنظرة جامده رمق جده.
_ الجواز مجرد ورقه هتربط اسمي بـ “سارة”، عشان تطمنوا كويس إني مش هتخلى عنها في يوم.
تعلقت عينين “صفوان” بوالده ثم أخفض عيناه أرضًا، فلو عَرِف “صالح” ما يخطط له جده بعد إتمام عقد الزواج سيرحل دون رجعه.
اقترب “شاكر” من حفيده يربت على ظهره وقد ارتسمت ابتسامة ماكره على محياه أخفاها سريعًا.
_ وأنا زي ما قولتلك تقدر تتجوز على “سارة” يا “صالح” ما دام مش هتنسي في يوم إنها قبل ما تكون مراتك هي بنت عمك.
“زوجته”
كلمة حتى هذه اللحظة لا يستطيع إبتلاعها لكنه صار مجبر على هذا الأمر بعدما أكدوا موافقتهم على شروطه.
تم الزواج باحتفال عائلي بسيط اجتمع فيه الأقارب وقد ظهر الإستنكار على ملامح الكثير من تلك الزيجة، فالعروس الجميع يعرف عنها أنها ذات إعاقة عقلية.
والسؤال الذي كان يردده الحضور، كيف لشاب ك “صالح” -يعمل كابتن طيار- أن يتزوج فتاة ك “سارة” التي إذا مددت لها يدك بحلوى ستركض إليك.
كان حفل الزفاف بالنسبة لـ “صالح” مهزلة لم يتخيل أن يعيشها يومًا.
أبيه وأمه كانا ينظران لوحيدهم بندم وأسف وفي داخلهما يقطعون وعدًا أنه عندما يختار فتاة يرغب بالزواج منها سيلبون طلبه دون إعتراض.
أما “سارة” فكانت منبهرة بفستان الزفاف الذي ترتديه وبأصناف الحلوى التي ملئت الطاولة الكبيره وتستطيع تناول كل ما تُريده دون أن يمنعها أحد.
انتهى حفل الزفاف الكارثي وقد اقترب الجد من حفيديه يقدم لهم هديته قائلا بحديث لم ينتبه عليه.
_ اتمنى أشيل ولادكم قريب.
