رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق

طالعته “سمية” بنظرة يائسة من تفكيره المتصلب ثم اِقتربت من تلك المنضدة الصغيرة المستديرة لتلتقط حقيبتها.

تعلقت عيناها به بنظرة فاحصة ثم أغمضت عيناها وقد داعبت مخيلتها ليلة دفنها الزمن لكنها حفرت داخلها.

غادرت “سمية” بعدما اشبعت عيناها برؤيته.

رفع “عزيز” عيناه عن الأوراق التي أمامه -بعد مغادرتها- يزفر أنفاسه بقوة.

إنها تتعمد وضع ذلك العطر -الذي وضعته له تلك الليلة- كلما التقوا بمفردهم وكأنها تُريد تذكيره بأنه ذاب ذات ليلة بين ذراعيها.

وها هي الذّكرى تعود لتطرق أبواب الحاضر.

فلاش باك.

قبل ثلاثة عشر عامًا

_ اتجوز مين يا بابا، “سميه” مرات اخويا “سالم” الله يرحمه… مرات “سالم” يا بابا.

ارتسم الحزن على ملامح والده الذي لم يستطع رفع عيناه إليه وهو يُخبره بهذا الأمر الثقيل على قلبه كأب فقد ابنه البكر وعكازه.

_ مرات أخوك صغيرة يا “عزيز” ومش هتفضل قاعده كده…

_ أنت واعي على اللي بتقوله يا حاج “رياض”.

صاح “عزيز” بصوت خفيض لعله يَفيق من حديث لا يراه إلا هراءً.

_ جوازك من مرات أخوك أمر مفروغ منه يا “عزيز”، اتجوزها وأنت حر بعد كده.. عايزه تتجوز بنت من عمرك اتجوز، لكن مرات أخوك لازم تفضل على ذمتك… أنا مش هستني تاخد العيال وتمشي ولا حد يملىٰ دماغها ويتجوزها.

انتفض “عزيز” من المقعد الجالس فوقه لا يرى أمامه من شدة الغضب وقد ارتفع صوته لأول مره بحياته أمام والده.

_ وأنا مش موافق.

_ أنت بترفض قراري يا “عزيز”.

نطقها السيد “رياض” بصوت يكسوه الحزن على فلذة كَبِده الذي فقده.

_ ايوة يا بابا برفض؛ برفض لأنها مرات “سالم”.

_ “سالم” مات وولاد أخوك لازم تحاوط عليهم وتراعيهم.

_ بالجواز من مراته، هو ده الحل… قراري قولته يا حاج “رياض”.

قالها “عزيز” ثم غادر الغرفة كالإعصار وقد أظلمت عيناه وبرزت عروقه من شدة الغضب.

رضخ “عزيز” بالنهاية بعدما أصاب والده أزمة قلبية.

لم تكن “سمية” إلا امرأة ماكره تستطيع التلون… أمام والده أرملة ابنه الحزينة ومعه هو تفعل المستحيل لتغويه.

مرت أربعة أشهر على زواجهم الذي كان بالنسبة لـ “عزيز” كالحجيم رغم أن كل منهم مستمر على إتفاقه.

مجرد وثيقة زواج تربطهما ولأن “سمية” تعرف هدفها تمامًا وافقت على الأمر دون جدال.

في أحد الليالي

كان “عزيز” عائدًا من عمله بعد يوم شاق… فقد صار يتولى جميع الأعمال.

كان بحاجة إلى حمام دافئ ينعش جسده من حرارة الجو ويرخي به عضلات جسده المتشنجة.

“سمية” لا تشاركه الغرفة ولكنها من حين إلى أخر تأتي إليه بحُجة مناقشة أمور خاصه بأطفالها أو تشتكي له إهمال والده لـ دوائه.

عندما غادر المرحاض وجدها أمامه بمظهر تتعمد دائما الظهور به عندما تختلي معه بغرفة واحده.

اِزدرد “عزيز” ريقه بتوتر عندما وقعت عيناه على ما كشفت عنه من جسدها البض ثم أشاحهما سريعًا قائلاً بصوت متهدج.

_ ممكن تأجلي أي كلام خاص بالأولاد لبكره يا “سمية”، أنا جاي تعبان.

_ وأنا هنا مش عشان الأولاد يا “عزيز”، أنا هنا عشان أريحك من تعبك.

ضاقت عيناه وهو ينظر لها وقد اِرتفعت حرارة جسده ودون أن يحتاج تفسير لكلامها المبطن كانت تمدّ يديها ببطئ نحو عقدة مئزرها.

اتسعت عيناه بذهول وهو يراها تقف أمامه عارية تمامًا وقد أصبح مئزرها أسفل قدميها.

_ أنتِ بتعملي إيه.

خرج صوت “عزيز” بتقطع وقبل أن يَفيق من صدمته كانت تتولى مهمه الإقتراب.

يديها عرفت طريقهما نحو جسده، خبرتها كانت تفوق خبرته كرَجُل عازب.

شاب بالخامسة والعشرون من عمره وامرأة بالثانية والثلاثون من عمرها مكتملة الأنوثة وجميلة.

الصدمة اِحتلت سائر جسده وعقله وهو يسمعها تتمتم بصوت مُنتشي طغي عليه شعور اللذة.

_ كنت دايمًا بحلم بيك وأنا معاه، مكنتش فاكره إن الحلم هيكون حقيقه يا “عزيز”.

باك.

عاد من تلك الذّكرى -التي تحرق فؤاده على خيانته لأخيه- يدفن رأسه بين كفيه ثم زفر أنفاسه بقوة.

أخرجه من أفكارة دخول “أميمة” ببعض الأوراق التي طلبها من “جابر” سكرتيره قبل قدوم “سمية”.
….

نظرت “عايدة” نحو “عزيز” زوجها بنظرة مندهشة عندما رأت العمال يدخلون لمنزلهم ويحملون أثاث غُرفة جديدة مكونه من فراشين صغيرين وخزانه ملابس.

ضاقت عيناها في حيرة قائلة.

_ “عزيز” إحنا كنا عايزين سـ,ـرير واحد نحطه جنب سـ,ـرير “شهد”.

نظر “عزيز” إليها ثم زفر أنفاسه ببطئ.

_ ده البيه اللي بعت الأوضة دي يا “عايده”، من غير ما أقصد قولتله موضوع السـ,ـرير لما استأذنت منه عشان أروح اشتريه…

توقف عن الكلام ثم أخرج منديلاً ليزيل عن جبينه حبات العرق.

_ زعل مني وقالي إزاي يكون عندي معارض للأثاث وتروح تشتري وصمم بعدها إني أروح اختار الأوضة اللي عايزها بالألوان اللي تحبها “شهد”.

حركت “عايدة” رأسها له بعدما تفهمت ما حدث، فلم يَكُن كرم “عزيز الزهار” بجديد عليهم.

أنهى العمال تَنْصِيب الغرفة كما أُمِرُوۤا۟ ثم غادروا.

أسرعت “عايدة” بالدخول إلى المنزل تبحث عن “ليلى”، فوجدتها كما توقعت بالمطبخ.

_ إيه اللي عملتيه ده يا بنتي.

قالتها “عايدة” بنبرة معاتبة بعدما رأت المطبخ مرتب ويلمع من شدة نظافته ثم أردفت.

_ كده تتعبي نفسك، مش قولتلك متعمليش حاجه في البيت.

_ لقيت نفسي قاعده فاضية وزهقانه فقولت أرتبه.

خرج الكلام من “ليلى” بصوت خفيض.

تلاقت عيناها بعينين “عزيز” الذي دلف المطبخ بوجه مبتهج ثم أشاحت عيناها عنه.

اِختفت نظرة السعادة التي اِحتلت عيناه وأخفض رأسه قائلًا.

_ تعالوا اتفرجوا على الأوضة الجديدة.

شعرت “عايدة” بحزن زوجها ولكي تُلطف الجو الذي ساده التوتر، اتجهت نحو “ليلى” تسحبها من ذراعها وتهتف بحماس.

_ تعالي يا “ليلي” قوليلنا رأيك في الأوضة الجديده، “عزيز” بيه الله يكرمه لما عرف إن “شهد” نفسها في سـ,ـرير جديد غيرلها الأوضة كلها، المفعوصة دي ليها مكانه عنده إحنا نفسنا موصلناش ليها.

أرادت “عايدة” إلهاء “ليلى” عن التفكير في أمر تغيير الغرفة ووضع سـ,ـرير آخر بها؛ لأن ما فهمته من شخصية “ليلى” أنها لن تتقبل وجودها معهم بسهوله.

انبهرت عينيّ “ليلى” بالغرفة الجديده وسُرعان ما وقعت عيناها على الفراش الأخر تتساءَل.

_ ليه سـ,ـريرين؟؟

ابتسمت “عايدة” لها وردت بعدما جلست على أحدهم.

_ عشان لما تيجي زيارة لينا يا حببتي، ولا أنتِ بعد ما تمشي هتنسينا.

اِزدَردت “ليلى” لُعابها ثم أشاحت عيناها عنها.

ابتسمت “عايده” داخلها فهي تعلم أن “ليلى” لن ترحل عنهم لكنها تترك لها حرية الإختيار حتى لا تظن أنهم يجبروها على تقبلهم بحياتها.

_ ها يا “لولو” قوليلنا رأيك في الأوضة.
…

لم تكن سعادة “شهد” بالغرفة الجديدة تُوصَف ورغم علمها بالسبب الأساسي من تغيّرها بواحدة جديدة تناسب فردين إلا أنها لم تفكر إلا أنها صار لديها سَـ,ـرير جديد ومكتب جديد.

أصرت “عايدة” على “ليلى” هذه الليلة أن تتناول الطعام معهم بل وجعلتها تُشاركها في طهو طعام العشاء الذي يجمع أفراد العائلة حتى العم “سعيد” كان يجلس ويتناول طعام العشاء معهم.

_ تسلم أيديكم.

قالها “عزيز” وهو ينظر نحو زوجته ثم إلي “ليلى” التى لم ترفع عيناها عن طبقها.

طأطأ “عزيز” رأسه في حزن أصبح محفور على ملامحه لكن احتضان “عايدة” ليده أسفل الطاولة جعله ينظر إليها بنظرة ممتنة، نظرة حملت معها الحب والتقدير.

طالع العم “سعيد” الوضع بصمت، أما “شهد” انشغلت كعادتها في مطالعة هاتفها.

ولكي تكسر “عايدة” حاجز الصمت قالت صائحة.

_ “شهد” سيبي التليفون من أيدك بدل ما احرمك منه لمدة أسبوع.

تأففت “شهد” حانقة ثم ألقت بالهاتف على سطح الطاولة ونظرت إلى صحنها.

_ الحمدلله، أقوم اروح أشوف البيه لو محتاج حاجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *