رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق
_ مخبيه إيه يا “شهد” عني… أنا من امبارح قلبي حاسس إن فيه حاجه وسيباكي براحتك لحد ما تيجي تحكيلي…بس الظاهر بنتي كبرت وبتخبي عني.
_ أبداً والله يا ماما.
استطاعت السيدة “عايدة” بذكائها كأم أن تجعل ابنتها تحكي لها كل شئ من بدايته.
بعتاب قالت “عايدة”.
_ يعني تروحي تحكي لـ “عزيز” بيه وأنا تخبي عني يا “شهد”.
_ أنا آسفة يا ماما…
هزت “عايدة” رأسها بحزن ولولا دلوف العم “سعيد” ما كان الحديث انغلق.
رمقهن العم “سعيد” بفضول يتساءَل.
_ كنتوا بتتكلموا في إيه؟
نظرت “شهد” لوالدتها بنظرة متوسلة حتى لا تفضح أمرها أمام خالها الذي سيعنفها لأنها اقحمت السيد “عزيز” بمشاكلها، فيكفيه أنه يتولى مصاريف دراستها المهوله.
_ مفيش حاجه يا “سعيد”… قولي صحيح “عزيز” بيه عجبته كيكة امبارح.
ارتفع حاجب العم “سعيد” بدهشة وقد أسرعت “عايدة” بمواصلة كلامها لتبرر سؤالها الذي آتى دون وقته.
_ أصل أنا نسيت أسالك امبارح.
حرك العم “سعيد” رأسه لها ثم نظر نحو “ليلى”.
_ عجبته وبيشكرك عليها يا “ليلى”
ارتبكت “ليلى” عندما وجدت أنظار “عايدة” و “شهد” نحوها وأسرعت نحو طبق الفاكهة قائلة بنبرة متعلثمة.
_ اعمل الفاكهة عصير ولا اقطعها يا طنط “عايدة”.
أخرجتها “شهد” من ربكتها التي لا تعرف لها تفسير عندما هتفت.
_ أبيه “عزيز” بيحب أم علي بس بيحبها بسكر قليل…
اعمليها يا “ليلى” أنتِ نفسك حلو في الحلويات غير ماما.
اتسعت عينين “عايدة” بذهول من رأي ابنتها في صنيعها للحلوى.
ولأول مره يقبل العم “سعيد” إقتراح ابنة شقيقته.
ورغم حنق “عايدة” من ابنتها إلا أنها وافقت على إقتراحها، فما يفعله “عزيز” مع ابنتها يجعل جمائله تزيد يومًا بعد يوم وتُثقل كتفيها.
باليوم التالي لبت “ليلى” الأمر وصنعت الحلوى التي تجيدها، فوالدتها كانت تُحسن صُنعها.
اقترب العم “سعيد” من أحد الأطباق التي تتصاعد منها الأبخرة ثم تناول برفق قطعة.
حركة رأسه عبرت عن رضاه بصنيعها.
_ إيه رأيك أنتِ اللي تقدمي طبق أم علي النهاردة لـ “عزيز” بيه.
••••••••
🌻 ظَنَّهَا دُّمَيَّة بين أَصابِعِهِ.🌻
الفصل العاشر
نظرت “ليلى” إلى العم “سعيد” مدهوشة من عرضه.
أيُخبرها أن تقدم ما صنعته إلى السيد “عزيز” الذي صارت من مجرد سماع اسمه يخفق قلبها.
أخفضت “ليلى” عيناها نحو طبق الحلوى ثم عادت تنظر للعم “سعيد” وكأنها بحركتها تلك تُخبره أن يعفيها من تلك المهمة التي يرغبها ويرفضها قلبها في ذات الوقت.
_ يا “ليلى” يا بنتي دي فرصه تشكري “عزيز” بيه على الوظيفة.
قالها العم “سعيد” ليُشجعها على تقديم طبق الحلوى الشهي لسيده ولم يكن بجبعة العم “سعيد” نوايا أخرى.
_ لكن أنا….
تمتمت “ليلى” بخجل ثم قطعت كلامها واطرقت رأسها أرضًا.
فهي تخجل من تقديم طبق الحلوى له.
حدق بها العم “سعيد” لوهله ثم ابتسم بعدما فهم السبب، “ليلى” تخجل من سيده.
التقط الطبق ثم وضعه على صينية التقديم تحت نظراتها التي فسرت أنه عفاها من هذا الأمر.
_ أنا هسبقك على الڤيلا وأنتِ تعالي ورايا… مش هقدم طبق الحلويات لـ “عزيز” بيع غير وأنتِ جنبي… لازم يتعرف على الشيف الجديد اللي انضم لعيلتنا.
كلام العم “سعيد” وتحركه من أمامها جعل “ليلى” حائرة
أتذهب ورائه كما أخبرها؟؟.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيّ العم “سعيد” عندما وجدها تدلف من باب المطبخ.
رمقها العم “سعيد” بنظرة راضية، فكل يوم يزيد تقديره لتلك العائلة التي قامت بتربيتها.
تحرك ليغلق الموقد على وعاء الحساء الذي يقوم بتسخينه.
_ جيتي في الوقت المظبوط، هقدم شوربة العدس لـ “عزيز” بيه وبعدين نقدمله طبق أم علي.
_ هو أنا لازم أقدمه ليه عشان أشكره على الشغل.
حروفها التي خرجت متعلثمة جعلته يبتسم ثم حرك رأسه إليها.
_ لاء مش لازم يا “ليلى” لكن أنا عايز البيه يتعرف عليكِ… أنتِ بقيتي فرد في عيلتنا.. “عزيز” بيه بيعتبرنا عيلته.
كان العجوز فخور وهو يصف لها إكرام سيدهم لهم وترابطهم الأسري وكأنهم ليسوا خدم في منزله.
زينت شفتيّ “ليلى” ابتسامة مرتعشة ثم انصرف العم “سعيد” من أمامها ليقوم بتقديم طعام العشاء إلى سيده.
لم تنتظر طويلًا بالمطبخ الذي تأملت كل ركن به.
_ “ليلى”.
هتف بها العم “سعيد” بعدما دلف المطبخ واقترب من طبق الحلوى ليحمله.
_ يلا يا بنتي… تعالي ورايا.
أسرعت “ليلى” إليه لتحمل طبق الحلوى رغم إرتعاش يديها من شدة خجلها لكن العم “سعيد” رفض الأمر.
_ لا يا بنتي ديه مهمتي أنا…
اتبعته “ليلى” بصمت وكلما كانت خطواتها تقترب من غرفة الطعام الفسيحة كانت ساقيها ترتعش.
_ طبق أم علي وصل.
قالها العم “سعيد” عندما اتجهت أنظار “عزيز” عليه، ضاقت عينيّ “عزيز” وهو يراه يقترب بالطبق ثم تساءَل بدهشة.
_ أم علي.
على الفور قال العم “سعيد” بعدما التف برأسه ناحية “ليلى” وقد انتبه أخيرًا “عزيز” عليها.
_ “ليلى” عملتوا ليك عشان تشكرك على الشغل.
قرب العم “سعيد” منه الطبق ثم واصل كلامه.
_ قربي يا “ليلى”.
هذا العجوز صار يفعل أمورًا ستُصيبه يومًا بالجنون، أي شكر يريده هو من فتاة قدم لها مساعدته إكرامًا لسائقه.
حاول “عزيز” إخراج صوته بطريقة مهذبة رغم حنقه من الأمر بِرمَّته.
_ مكنش فيه داعي إنك تتعبها.
_ هو إحنا عندنا أغلى منك عشان نتعبله يا بيه.
احتدت نظرات “عزيز” وضغط على شفتيه بقوة ثم اتجه بعينيه نحو “ليلى” التي أخفضت عينيها حرجًا.
الفتاة تخجل من الوضع الذي وضعها فيه العجوز…
مُنذ متى وهو يحب أن يشكره أحد على معروف يقدمه؟
بلُطف تمتم “عزيز” بعدما اجتذب الملعقه ببعض العنف ليتناول من الطبق قطعه حتى لا يزيد من حرج الفتاة التي تطرق رأسها أرضًا منذ أن وطئت قدماها الغرفة.
_ تسلم ايدك.
الكلمة اخترقت جميع حواسها، فرفعت أخيرًا عيناها تنظر نحوه وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة صغيرة سُرعان ما محتها حتى لا ينتبه عليها فيزداد حرجها.
اِزدردت “ليلى” لُعابها ثم هزت رأسها له بإماءة وكأنه منتبه على فعلتها.
_ مش قولتلك يا بيه “ليلى” نفسها حلو… دي هتنافس “عايدة” خلاص.
_ منقدرش نستغنى عن الست “عايدة” يا عم “سعيد”.
قالها “عزيز” ثم نهض عن مقعده بعدما مسح شفتيه بِمحرمة الطعام.
_ لسا مخلصتش الطبق يا بيه.
حاول “عزيز” ضبط نفسه ورسم ابتسامة مصطنعة على شفتيه.
_ معدتي للأسف مليانه، أعمل إيه يا راجل يا طيب… شوربة العدس بتاعتك فتحت نفسي على الأكل.
تعلقت عينيها بنظرة خاطفة نحو مائدة الطعام التي لم يكن عليها إلا وعاء به سلطة خضراء ووعاء أخر به حساء عدس بالشعرية وخُبز.
_ تسلم ايدك.
كررها “عزيز” مره أخرى بعد أن تخطى مكان وقوفها ثم اِتجه نحو غرفة مكتبه يزفر أنفاسه بقوة، فالعجوز لن يكف عن مواقفه التي لا داعي لها.
…
لقاء انحبست فيه أنفاسها، وها هي أخيرًا داخل المرحاض بالمنزل الذي تسكن به مع عائلة عمها.
نظرت إلى صورتها عبر المرآة الصغيرة المعلقه وقد اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، زفرت أنفاسها ببطئ لعلا صوت دقات قلبها تهدأ… إنها مشاعر جديدة تختبرها.
أغمضت عيناها لتعيد صورته وصوته داخل رأسها.
_ “ليلى”.
أفاقتها طرقات “شهد” على الباب، فاسرعت بفتح عيناها ثم ازدردت لعابها بتوتر.
أردفت “شهد” بعدما توقفت عن طرق الباب.
_ ماما بتقولك هتشربي معانا شاي.
حاولت “ليلى” إخراج صوتها بثبات حتى لا تفضحها نبرة صوتها ثم فتحت صنبور الماء.
_ لاء يا “شهد”، أنا هدخل أنام عشان الشغل بكره.
ابتعدت “شهد” عن باب المرحاض وعادت إلى غرفة الجلوس حيث جلس والديها.
غادرت “ليلى” المرحاض بعدما غسلت وجهها بالماء مرات عدة… اتجهت للغرفة التي تقيم فيها مع “شهد” وسُرعان ما كانت تندس أسفل الغطاء وتضعه على رأسها.
…
_ أنا حطيتلك طبق أم علي في التلاجة يا بيه، يمكن شويه و تجوع.
هز “عزيز” رأسه بيأس منه، فمنذ لحظات كان يُعاتبه على فعلته ووضع الفتاة بموقف محرج كهذا؛ لكن العم “سعيد” كان يتعامل مع الأمر بعقل رَجُل عجوز سلب العمر منه حنكته فصار يرى الأمور بمنظور أخر.
لم تكن هناك أي نية خبيثة منه و “عزيز” يعلم تمامًا هذا لكنه لا يحب أن يوضع بمواقف كتلك.
غادر العم “سعيد” الڤيلا بعدما اطمئن على كل شيء.
هذه الليلة نسجت “ليلى” لنفسها حُلمًا جميلًا وعلى محياها ارتسمت ابتسامة ناعمة.
وقف “عزيز” قُرب البراد وقد تغلبت عليه معدته ليتناول من طبق الحلوى التي صنعتها تلك الفتاة.
التقط الطبق من البراد ثم الملعقة ثم جلس على المقعد المقابل لطاولة المطبخ.
_ طعمها جميل.
أغمض “عزيز” عيناه وهو يستمتع بمذاق الحلوى إلى أن فرغ من تناول الطبق بأكمله.
نظر إلى الطبق بنظرة مدهوشة لا يصدق أنه التهم الطبق.
_ معقول أكلت الطبق كله.
رفع إصبعه يلعقه ومَازالت عيناه عالقة بالطبق الفارغ.
_ البنت دي شكلها فعلاً نفسها حلو في الأكل، لو كان قدامي طبق تاني كنت أكلته.
في الصباح
كان أول شئ يلفت انتباه العم “سعيد” الطبق الذي صار فارغًا، ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي العم “سعيد”… فقد أعجبه طبق أم علي.
لم يستطع العم “سعيد” كتمان هذا وغادر المطبخ سريعًا ليلحق بـ “ليلى” قبل مغادرتها لعملها ويزف لها هذا الأمر.
في الساعة الخامسة مساءً
كانت “ليلى” تسير في طريقها عائدة من عملها.
لقد صارت تعود وتذهب بمفردها بعدما شعرت بمشقة عمها في توصيلها للعمل يوميًا.
فالمصنع يوفر لهم حافلة تأخذهم عند مكان ما بالمدينة وبنفس المكان تأتي بهم وبعدها يتفرق كل منهم نحو واجهته.
ابتسامة حُلوه داعبت شفتيها عندما وقعت عيناها على القطة الوديعة التي أسرعت نحوها والتهمت قطعة الخبز.
الطعام المتبقي في حقيبتها كانت تعرف كيف ستتخلص منه جيدًا.
_ شكلك جعانه أوي.
ثم نظرت إلى قط أخرى، فوجدته مَازال ينظر إلى قطعة الخبز بوجه ممتعض وكأنه يُخبرها أن طعامها لا يُعجبه.
واصلت “ليلى” حديثها مع القِطط.
_ لما الجوع هيقرصك هتاكلها.
ثم أردفت بعدما استمعت لمواءه.