رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الأول إلى العاشر) بقلم سهام صادق
لم تكن مهمة البحث عن المنزل الذي يسكنه عمها بسهله، فالسائق تركها بالشارع الخطأ.
من حُسن حظها أن إحدى الخادمات كانت تغادر من بوابة المنزل الذي تعمل به.
أسرعت “ليلى” إليها تطلب مساعدتها ولم تتأخر المرأة في تقديم المساعدة.
ودعتها المرأة عندما أصبحت أمام منزل “رياض الزهار” كما كُتب بالورقة المدون بها العنوان.
تركت “ليلى” حقيبتها جانبًا لتتمكن من فرد ذراعها الأيمن الذي تخدر من ثقلها.
بدأت عيناها تتجولان بالمنزل الضخم الذي صارت أمامه.
ارتعشت أهدابها وهي تحملق بالسور العالي الذي يحيط المنزل، إنه ليس بمنزل عادي.
_ معقول عمي يكون عايش هنا، طيب إزاي… أبله “صفية” قالتلي إنه راجل فقير.
كادت أن تتقدم بخطواتها نحو البوابة لكن توقفت عن الحركة وهي ترى البوابة تفتح لحالها.
تراجعت بخطواتها وهي ترى سيارة حديثة تخرج من المنزل الذي يشبه في تصميمه القصور…
عيناها تعلقت بالسيارة التي شقت طريقها وكان داخلها رجل و امرأة، ثم عادت تُسلط أنظارها لداخل المنزل قبل أن تنغلق البوابه.
الرهبة والخوف تملكاها في هذه اللحظة.
أكملت سيرها بتردد نحو بوابة المنزل تخبر حالها أنها هنا من أجل تنفيذ وصية والدتها؛ لولا وصيتها ما كانت بحثت عن عمها.
….
استند “عزيز” بساعده الأيسر على سطح مكتبه ثم حرك مقعده قليلاً وهو يستمع للطرف الأخر من خلال الهاتف.
_ طلع ليهم أحسن أوضه مهما كان تمنها… دي حاجه مطلعها لله.
_ هما فعلا يا بيه، اختاروا أحسن وأغلى أوضة في المعرض.
قالها السيد “حسان” أحد موظفينه الذي يتولى إدارة أحد معارضه.
_ أهم حاجه يكون العريس والعروس خرجوا مبسوطين.
تساءَل “عزيز”، فأخبره السيد “حسان” أنهم كانوا سعداء وخرجوا يدعون له بالمال الوفير والبركة في رزقه.
أنهي “عزيز” المكالمه ثم تنهد براحه.
استرخى بظهره للوراء وأرخى جفنيه زافراً أنفاسه ببطئ.
طرقات خافته طُرقت على باب غرفه مكتبه ثم بعدها دخل السيد “جابر” سكرتيره.
_ في واحده عايزه تقابلك يا “عزيز” بيه ، بتقول إنها من طرف الحاج “عبدالرحمن”.
عندما نطق السيد “جابر” اسم الحاج “عبدالرحمن”، أشار إليه” عزيز” على الفور بأن يجعلها تدخل.
دخلت فتاة شابه وقد ظنها كبيره بالسن قليلاً لعلمه أنها أرمله.
أخفض عيناه ليغض بصره عنها وقد أدهشتها فعلته.
_ اتفضلي.
اقتربت بارتباك من المقعد الذي أشار لها عليه ثم جلست وضمت كفيها ووضعتهما داخل حجزها.
_ أنا جايه من طرف الحاج “عبدالرحمن”.
_ ونعم السيرة الطيبه، تحبي تشربي إيه؟
قالها “عزيز”، فهو يحترم الحاج “عبدالرحمن” ويقدره ويعتبره ڪأخ له … الحاج “عبدالرحمن” كان صديق لشقيقه “سالم” رحمه الله.
تمتمت “أميمة” بنبرة شاكرة وهي تفرك كفيها معًا.
_ ولا حاجه، شكرًا.
تنحنح “عزيز” ثم قال بصوت أجش.
_ الحاج “عبدالرحمن” طلب مني أشوفلك شغل… وأنا مقدرش أرفض للحاج طلب… فقوليلي إيه الشغلانه اللي تناسبك وأنا تحت أمرك.
رفعت “أميمة” عيناها نحوه ثم أسرعت في خفضهم وقالت بخجل تجلى في نبرة صوتها.
_ أنا معايا بكالوريوس خدمة إجتماعيه.
نظر “عزيز” نحو الأوراق التي أمامه، فهي ماذا ستعمل لديه… إنها شقيقة زوجة الحاج “عبدالرحمن” وعليه إيجاد عمل مناسب لها.
عندما وجدت صمته قد طال، رفعت عيناها مره أخرى نحوه وقالت بارتباك.
_ لو مافيش شغل مناسب ليا… مافيش مشكله.
كادت أن تنهض بعدما نطقت عبارتها لكنه استوقفها قائلاً:
_ تقدري تبدأي شغلك من بكره لو ده يناسبك.
ثم واصل كلامه دون النظر إليها.
_ الأستاذ “جابر” سكرتيري هيكون مسئول عنك وهيفهمك طبيعة الشغل فـ المكتب هنا…
نظرت “أميمة” إليه، لا تُصدق أنه قَبِلَ توظيفها بتلك البساطه بل وجعلها تعمل في مكتبه بقسم الإدراة وليس بالمبيعات كما ظنت.
قالت بنبره تغللها الفرح.
_ صدقني أنا شاطره وبتعلم بسرعه كل حاجه… صحيح مشتغلتش قبل كده لكن اوعدك هكون أد المسئولية… أنا بعرف اشتغل على الكمبيوتر كويس.
حرك “عزيز” رأسه متفهمًا ثم قال:
_ إن شاء الله، اتمنى توصلي سلامي للحاج “عبدالرحمن”.
غادرت “أميمة” وقد أحتلت السعادة وجهها.
دلف السيد “جابر” ينظر إليه منتظرًا ما سيخبره به.
_ الأستاذه..
قطب “عزيز” حاجبيه، فهو لا يتذكر اسمها بل ربما لم يسألها عنه..
_ والله ما انا فاكر اسمها.
ابتسم “جابر”، فهو يعرف طبع سيده…هو لا يتذكر أسماء الأشخاص بسهوله خاصة لو كانت امرأة.
_ ما علينا يا استاذ “جابر”… بكرة هتشتغل معاك في المكتب هنا…
ثم واصل “عزيز” كلامه وقد التقط أحد كتالوجهات الأثاث الموجوده أمامه.
_ حاول تراعيها يا استاذ “جابر”، الست أرمله ومتكفله بمصاريف بنتها اليتيمه.
…..
تراجعت “ليلى” للوراء قليلاً بعدما وجدت ذلك الباب الصغير الملاصق لبوابة المنزل يُفتح.
نظر لها الحارس بنظرة فاحصة من أخمص قدميها لرأسها.
ضاقت عيناه وهو يرى الحقيبة التي تُجاورها، ثم تساءَل عن ما أخبرته به من خلال جهاز الإتصال الموجود جوار بوابة المنزل.
_ تقربي لـ “عزيز” بيه؟… ممكن تقوليلي صفة القرابه عشان أبلغ البيه الأول.
ارتبكت “ليلى” ولم تركز في إرفاق الحارس لاسم عمها بالسيد.
_ بلغه إني “ليلى” بنت أخوه الله يرحمه اللي كان بيدور عليها.
قطب الحارس حاجبيه، فعن أي أخ تتحدث…
_ أخوه؟ “عزيز” بيه معندهوش غير البشهمندس “سيف” ابن أخوه و “نيرة” هانم… شكلك غلطانة في العنوان يا أستاذه…
تعلقت عينين “ليلى” بالورقة التي معها ثم باليافته التي تحمل اسم “رياض الزهار”.
عمها كتب بالورقة هذا العنوان…لو لم يكن محل إقامته ما كتب هذا العنوان واعطاه للسيدة “صفية”.
مدّت له “ليلى” يدها بالورقة التي معها بحرج ، فالتقطها الحارس منها ينظر إلى ما كُتب بها بنظرات ضيقة.
_ أنتِ تقصدي “عزيز عبدالرؤوف”، سواق البيه؟؟!