الفصل الحادي عشر -واخد بالك قاعدة نايمة من امبارح، بتهرب من المواجهة. - مش يمكن تكون تعبانة فعلًا يا جدع انت . - يا راجل، يعني انا بقى مش هعرف افرق إن كانت تعبانة ولا بتمثل، يا بني انت لو كنت معايا، كنت هتتأكد من اللي بقوله بنفسك. - طب وبعدين انا بقالي ساعة دلوقتي مستني المواجهة ما بينكم، وبصراحة هموت لو ما حضرتش. - عايز تحضر إيه؛ - الخناقة يا سيدي، مش ياللا بقى - عيوني حبيبي . كان هذا نص الحوار السريع الذي التقطته اسماعها وهي تدعي النوم قبل أن تجفل على ضوء قوي احرق جفنيها لتفتحهما فجأة ثم أغلقتهم على الفور، لتشيح بوجهها الناحية الأخرى وهي تعتدل بجذعها بعيدًا عن النافذة التي كان يفتح ستائرها حسن، مغمغة بالسباب: - يا ولاد الجزمة انت وهو، عاملين فيها رباطية عليها، في حد كدة يفتح النور من غير استئذان؟ دنى حسن ليقترب برأسه منها مرددًا بابتسامة صفراء: - صباح الفل يا ست الكل، كدة برضوا تسيبيني وتنامي من امبارح، وانا قاعد على نار مستنيكي، كل دا نوم يا ماما؟ عدلت مجيدة الوسادة خلفها لتستند بظهرها عليها وعلى قائم السرير وردت بتحفز: - وماله يا خويا لما اسيبك وافضل نايمة لحد دلوقتي، لهو انت مستنيني احضرلك الرضعة؟ كز حسن على اسنانه وشقيقه اطلق ضحكة مدوية يردد: - ايوة يا مجيدة اديلوا على دماغه وميهمكيش. حدج شقيقه الذي وقع على نفسه من الضحك، بغيظ يهتف به: - لم نفسك يا امين، خليني اخلص خناقتي مع الست الوالدة وبعدها افضالك . ردت مجيدة على الفور: - اسم الله عليك يا غالي، وتتخانق معايا ليه بقى ان شاءالله؟ منعت عن مصروفك ولا نيمتك من غير عشا؟ قهقه أمين من الخلف، حتى كتم بكفه على فمه، ليشير إلى حسن بالمتابعة، ليصيح الأخر بوالدته: - انتي عارفة يا ماما سبب الخناقة، فبلاش تسفهي الموضوع بالتريقة، دا إسلوبك لما تتزنقي على فكرة، انا عارفك - اتزنق! قالتها باستنكار، لتتابع: - وإيه بقى اللي يزنقني يا حبيبي ولا انتي فاكرني خايفة؟ ايوة اتصلت برقم شهد اللي نقلته من تليفونك لتليفوني، ها بقى حد له حاجة عندي؟ زمجر حسن يضرب كف بالاَخر، ليصبح مخاطبًا شقيقه الذي أوقف ضحكاته بصعوبة تقديرًا للموقف؛ - طب كلمها انت يا عم الحج، الست الوالدة فتحت التليفون من غير إذني وفتشت في الأرقام ونقلت كمان على تليفونها، يعني دي جزاتي يا ماما اني معرفك الباسورد وبخليكي تقلبي في تليفوني براحتك. تابعت مجيدة بعند: - ما هو من خيابتك، يعني لو مصاحب ولا خاطب، كنت هتعرف باسورد التليفون لامك يا واد؟ - ارحمني يارب. صرخ بها حسن، فتدخل أمين ملطفًا: - صلو ع النبي يا جماعة، خلونا نتفاهم، وانتي يا ست ماما، خفي شوية، ابنك على اخره . رددت خلفه باستهجان: - آخره بقى ولا أوله، انا اتكلمت مع شهد ودي انثى زيي، وانا بقى حبيت اصاحبها، هو ماله بقى؟ يحشر نفسه في كلام الستات ليه؟ سمع حسن ليعود بضرب كفيه ببعضهما، وغضب امتزج بذهوله، مع قلة حيلته مع والدته، والتي حينما تريد تنفيذ امرا ما برأسها، تفعل ولا تبالي. فقال أمين يرتدى بينهم ثوب حمامة السلام: - طب انا معاكي يا ستي، بس معلش يعني؟ انتي لازم تقدري شكل ابنك قدام الناس، وتعملي حساب لمصلحته وشغله وكدا ممكن تضريه فعلًا لو الست المقاول دي، كانت شرانية او فهمت الموضوع غلط. ردت مجيدة على الفور بإنكار: - لا يا حبيبي، شهد مش شرانية ولا واحدة وحشة، واسأله بنفسك عنها، دي جات على ملا وشها بتجري جري عشان تطمن عليها، هي دي حنية البنات، مش الجلفنة وقلة الإحساس. صاح حسن مرددًا لها: - جلفنة وقلة إحساس، قصدك عليا انا صح؟ تبسمت مجيدة تشير بإصباعيها السبابة والوسطى نحوهما، ليصرخ أمين: - وانا كمان يا ست ماما؟ طب ليه بقى؟ ردت ببساطة غبر مبالية: - وانت تفرق إيه عنه بقى؟ انتو الاتنين معندكمش إحساس. ❈-❈-❈ أنهت شهد فرضها وارتدت ملابسها لتخرج من غرفتها وهي تلف شعرها من الخلف كدائرة قبل أن تجلس لتتناول وجبة إفطارها مع نرجس وابنتها رؤى قبل الذهاب إلى العمل، وتمتمت بالتحية: - صباح الخير. - صباح النور، صباح الورد يا شوشو. تفوهت بالاَخيرة رؤى، فتبسمت لها شهد بإشراق تردد: - يا قلب يا شوشو انتي، إيه الوشوش اللي تفتح النفس ع الصبح دي، صباحك جميل زيك يا بت. رفرفت بأهدابها الأخرى، لتفعل بأصابع كفيها وضع القلب صامتة بابتسامة، فضحكت شهد تفعل لها بالمثل قائلة: - قلبي انا كمان والله قالتها ثم انتفضت فجأة مجفلة على صوت صفق الباب للغرفة خلفها، لتلتف برأسها وتجد أمامها أمنية تخرج منها بوجه عابس متجهم، فتمتمت شهد وهي تعود لطعامها: - يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم، الخلقة دي انا عارفاها كويس. سحبت الأخرى المقعد بعنف حتى اصدر صريرًا، ثم سقطت عليه بجســ دها المكتنز، حتى كاد أن يقع بها، فعقبت والدتها بحنق: - ما براحة يا بت هي خناقة؟ مش خايفة الكرسي ليوقع بيكي؟ بنظرة ممتلئة بالغل ردت أمنية وعينيها مثبتة على شهد التي كانت تتجاهلها كالعادة لتهتف بها: - ما اقع ولا اموت حتى، هو انا اهم حد اساسًا في الدنيا دي؟ التوى ثغر نرجس المزموم على جانب واحد، وقد علمت بفرض ابنتها بقولها، حدجتها شهد بغضب بعد أن اجبرتها بأسلوبها المستفز على الرد: - في إيه بالظبط؟ ما تتعدلي يا بت واتكلمي عدل، ولا انتي صاحية تقولي يا شر اشطر؟ تدخلت رؤى تحاول تلطيف الأجواء بالمزاح: - أمنية حبيبتي، روقي كدة وروحي صبحي على أونكل ابراهيم يظبطك بكلمتين حلوين من بتوعه، ولا باينه مقصر اليومين دول ولا إيه؟ كلمات بسيطة قيلت بعفوية كانت بمثابة الكيروسين الذي سُكب كي يشعل الحريق، لتصيح بها غاضبة: - ما هو نبرك ده هو اللي جابلي الفقر، ابراهيم بقالوا يومين لسانه مش بيخاطب لساني، لا في تليفون ولا حتى برسالة ع الوتس، يكش افركش، عشان تفرحوا وتستريحوا اوي . مرة أخرى توجهت بالأخيرة نحو شهد التي اَلمها الرعب الذي ارتسم على وجه شقيقتها الصغرى، بعد ان اجفلتها هذه المجنونة بصراخها وكلماتها السامة، فنهضت لها مواجهة بحزم وقوة: - ما تاكليها احسن ياختى؟ هي عملت إيه لدا كله؟ دي يدوب بتهزر معاكي. - لا مش بتهزر. صرخت بها لتتابع على نفس المنوال بنبرة باكية: - هي عارفة كويس ان بقالنا يومين ما بنتكلمش، عشان كدة بتنكشني عشان تزيد عليا الغلب، ما انتو كلكم مش حاسين بيا، منعينه يدخل البيت ولا يجي ويفرحني زي بقية العرسان، انتو قاطعين عليا فرحتي، ومديقين على ابراهيم، عايزينه يطفش ويسيبني، هو دا كان غرضكم من الأول صح، انا دلوقتي بس اللي فهمت. قالت الأخيرة وانطلقت بنوبة لبكائها بصوت عالي، والتقطتها نرجس داخل احضانها لتزيد من سخط شهد في الرد نحوهن: - انتي كمان بتاخديها في حضنك، جاي على هواكي أوي استعباطها؟ - وانا ذنبي إيه بس يا بنتي؟ قالتها نرجس بدفاعية كعادتها، لتصيح بها وبابنتها: - اسمعوا بقى انتو الجوز، انا كلامي كان واضح من الأول، الواد دا ملوش داخلة هنا غير مع اهله وبعد اتفاق معايا انا شخصيا واكون حاضرة كمان، مش عجبوا تحكمواتي، يبقى يلم نفسه ويخلص شقته وانا بقى لو هشحت يا أمنية، هجوزك عشان اخلص منك ومن قرفك، انتي ملكيش غيره اساسًا، هو يستهالك وانتي تستاهليه...... وع العموم بقى دا اَخر كلام عندي، واللي مش عاجبوا يشرب من مية البحر. قالتها والتفت لتغادر بغضبها، وتتركهن، انتفضت خلفها رؤى تنناول حقيبتها وفور ان تحركت خطوتين، توقفت لتلقي بكلماتها نحو التي تبكي بحرقة في حضن والدتها: - بتعيطي وعاملة نفسك مظلومة، على اساس ان احنا اغبيا زيك ومش فاهمينك، ولا فاكراني مش عارفة انه بيجيلك واحنا مش موجودين، امال دا لو فاتحين له البيت ده هيعمل ايه؟ قالت الاَخيرة بشراسة اجفلت الاثنتين، قبل ان تغادر بقرف من أمامهن ❈-❈-❈ لمسات حانية صغيرة ناعمة، كانت تدور بعشوائية على ملامح وجهها حتى أصبحت تستمتع بها، مفضلة عدم الأستيقاظ كي لا تنحرم منها، ظنًا منها انها تحلم، زادت اللمسات مع همهات طفولية وضحكات مكتومة، جعلتها تتيقن انه واقع. لتفتح جفنيها وتصعق برؤية الوجه الصغير وابتسامة شقية، بمعنى ان، لقد انكشفنا - ظافر. قالتها وانتفضت لتعتدل بجذعها عن الفراش، لتخطفه داخل احضانها، فتقبله بفرح وعشق، حتى انتبهت على زهرة الجالسة في الناحية الأخرى من الفراش، متربعة القدمين تتأملهم بابتسامة رائقة، لتصيح بها : - كدة برضوا يا زهرة، قاعدة انتي مكانك وسايبة العفريت ده شلفطلي ملامح وشي . - قولنا نعمل فيكي مقلب، والاستاذ ظافر استغل الوضع على اكمل ما يكون، واكنه مدرب ع الحركات دي بقالوا سنين. قالتها زهرة لتنطلق الأخرى في تقبيل الطفل ومداعبته، وهي تصرخ بتهديد ووعيد: - بقى هو كدة، دا انت نهارك النهاردة مش معدي . قالتها لتدغده بمرح وشر وهو يجلجل مقهقهًا، وظلت زهرة تتأمل اشراق وجهها بصمت، سعيدة بأنها قد تمكنت ولو بشيء بسيط، من رفع الحزن عنها. - جيبتي جوز المتخلفين معاكي ولا لأ؟ سألتها نور، لتناظرها قليلًا باستفهام قبل ان تستوعب سريعًا لتجيبها: - لا يا ستي الحمد لله، عامر الريان النهاردة اتكفل بيهم، وخدهم معاه على مزرعة الخيل، يراقبوا اخوهم وهو بيتدرب: - مجد باشا. قالتها نور وهي تتوقف قليلًا عن اللعب للتتابع: - اهو دا بقى اللي وحشني بجد، كان نفسي اشوفه، لكن انتي جيتي من امتى؟ وازاي وصلتي لغرفتي هنا اساسًا... يا نهار أبيض... توقفت لتكمل الحديث بهمس: - هي طنت بهيرة مشفتكيش؟ ضحكت زهرة تنفي بهز رأسها وهي تجيبها بنفس الهمس: - لا الحمد لله مشفتنيش ولا انا شوفتها، بس حتى لو حصل يعني، انا اساسًا دخلت بصحبة مصطفي باشا عزام يعني حماية.. خبئت ابتسامة الأخرى لتعقب بأسى: - يعني هو اللي اتصل بيكي يا زهرة، عشان تجيبي الولد، وتخففي عني، كالعادة برضوا، بيفتكر يفرحني وينسى نفسه قالت زهرة في محاولة انكار مكشوفة منها: - وانتي مين قالك بقى ان هو زعلان؟ دا الراجل قالي بنفسه، حصل خلفة او محصلش، انا متمسك بنور، ومش عايز اولاد من واحدة غيرها، افهمي بقى يا مجنونة. تبسمت لها الأخيرة بضعف، لتطبع قلبة على وجنة الصغير، ثم قالت بغصة مسننة تؤلمها: - ودا اللي مزعلني، بيجي على نفسه عشان ميجرحنيش، انا عارفة ان العيب فيا، وهو نفسه كمان عارف، مش عايز ليه بقى يتجوز ويريحني؟.... - يريح مين يا ست انتي؟ هتفت بها زهرة تقاطعها بعبوس عقد ملامح وجهها، لتتابع بعدم تصديق: - في إيه يا نور؟ هو انتي ليه مُصرة ان العيب فيكي؟ إذا كان الدكاترة نفسهم، برا وجوا، مصرين وأجانب، كلهم أكدوا انك سليمة زيك زيه، ليه بقى الإصرار على إن العيب فيكي؟ ابتعلت وهربت بعينيها من النظر بخاصتي الأخرى، لا تجد من الكلمات ولا الحجة التي تمكنها من الإقناع، هي متأكدة من شيء تعلم حقيقته، وتخجل من البوح به، أو بمعنى أصح، لا تريد النبش في جراح ماضي، هو السبب الرئيسي لما تواجهه الاَن، فخرج صوتها بتحشرج: - كل واحد وعارف بنفسه يا زهرة، وانا تعبت من شيل الذنب، يعني لما اطلب من مصطفى انه يتجوز، مش عشانه وبس، لا دا عشاني انا كمان ارتاح. همت زهرة ان تتكلم ولكن الأخرى قاطعتها قبل ان تبدأ: - حتى لو الدكاترة أكدو اني سليمة في الخارج، انا عارفة اني معطوبة في الداخل. طالعتها زهرة بعدم فهم، لتضيف الأخرى بقناعة: - عارفة انك مش مصدقة زيه، بس انا محدش هيعرفني قدي، خليه بقى يريحني.... بشبه ابتسامة ليس لها معنى ردت زهرة بتأكيد هي الأخرى: - جوزك مكدبش لما انك محتاجة دكتور يا نور تغضن وجه الأخرى وانتفضت لتنهض من الفراش، حاملة الطفل على ذراعها، لتقول بغضب: - انتي كمان يا زهرة هتقولي زيه؟ هي الرغبة في الأطفال بقت مرض يعني؟ تنهدت زهرة بثقل تنهض خلفها لتقارعها وهي تقف أمامها: - مش الرغبة نفسها يا نور، احنا بنتكلم عن انفعالك ده، والعصبية الزيادة على شيء في علم الغيب، الخلفة دي رزق من عند ربنا، ومحدش ابدًا يقدر يمنع رزق ربنا ساعة ما يريد بيقول كن فيكون، دا لو انتي اصلًا فيكي عيب زي ما بتقولي - وإذا كان المنع من عند ربنا نفسه. غمغمت بها داخلها قبل ترسم ابتسامة مغتــ صبة على شفتــ يها، تردد: - ونعم بالله. ❈-❈-❈ - بتعملي إيه يا صبا؟ سألها لتجيبه بعدم تركيز وانظارها مثبتة على شاشة الحاسوب التي تعمل عليها أمامها: - بشوف الأسئلة اللي بتوصل ع البريد الإلكتروني عشان اجمعهم واجيبهم لحضرتك، بس انا ملاحظة ان تقريبًا معظم الأسئلة زي بعضها...... ناظرها بتساؤل، فتابعت بلهفة: - دول بيسألوا عن حفلة عمر دياب، معقول الفندق هنا هيجيب الهضبة.... قالت الأخيرة بأعين متوسعة من الإنبهار، لتزرع ابتسامة على وجهه، مرددًا خلفها: - اه يا صبا هيجيب الهضبة، بتحبي اغانيه على كدة؟ تبسمت بحرج تجيبه وانظاراها هبطت تبحث في الملفات بعدم تركيز: - يعني مش حكاية احب اغانيه ولا اكرها، بس دا الهضبة، يعني اشهر من النار ع العلم..... ترك شادي ما كان يعمل به، ليمارس هوايته المعتادة في تأملها، يُشبع انظاره منها ومن خجلها الذي يغلب طبعها مهما ادعت من القوة والجرأة، فقال يناكفها: - شكلك كدة مش طالعة لوالدك، ولا بتحبي الفن الأصيل، دا الراجل ليلاتي يشغل الست في البلكونة جمبي، ويردد وراها هذه المرة ابتسمت بملأ فمها، تحاول ان تسيطر على حرجها في الرد عليه: - هو صوت ابويا بيوصلك؟ تبسم بتأكيد يجيبها: -ودخان الشيشية اللي بيكركر فيها، انا تقريبًا بقيت ادخن سلبي وراه، زي ما حفظت كمان الاغاني معاه. كتمت بكفها على فمها حتى لا تصدر ضحكتها صوتًا، لتقول: - معلش بجى اتحمل، جارك راجل رايق وميحبش السهر بعيد عن بيته، لا على جهوة ولا مع أصحاب، نصيبك كدة. احلى نصيب ود ان ينطق بها، مع انه شيء في علم الغيب، ويقارب المستحيل، ولكنها اخطات مرة أخرى وذلف لسانها بكلمات الجنوب، والتي لم يعلم انها بهذا الجمال سوى الاَن، بعد ان سمعها منها . - صباح الخير يا شادي. أجفل بها لينتفض عن محله فور رأى صاحب الصوت متفاجئًا بحضوره يقف أمامه بهيئته الراقية والنظارة السوداء تغطي على اللون الأخضر في عينيه، ليتمتم بالتحية ردًا عليه ومعه صبا هي الأخرى والتي وقفت احترامًا لحضوره، رغم احتقانها من هيئته المغرورة وتخايل خطواته وكأنه الطاوس. - عملت إيه في ترتيبات الحفل؟ سأل بها شادي، والذي رد يجيبه رغم دهشته: - حضرتك انا مجهز البيانات، وكنت هجيبهالك على اخر اليوم اومأ عدي برأسهِ، وعينيه المختفية تحت اللون القاتم للنظارة، تتابعها في الناحية الأخرى، تقف بتململ، وكأنها غير عابئة به ولا بحضوره، وهو الذي اجبرته قدميه ليأتي كي يراها. فقال شادي والذي كان مرتابًا من حضوره الغريب: - حضرتك لو عايز تشوف البيانات، انا ممكن اديهالك دلوقتي تشوفها. رد عدي بعد ان يأس منها ومن لا مبالاتها: - خليها اخر اليوم بقى زي ما قولت، انا اساسًا مش فاضي. قالها وتحرك مغادرًا بخطواته السريعة، وعاد الاثنان لأماكنهم، فغمغم شادي بشعور غير مريح: - عجيبة يعني، جاي بنفسه يسألني ع التقارير ❈-❈-❈ خرجت مودة من إحدى غرف الفندق التي انهت تنظيفها وترتيبها، تخرج المكنسة الكهربائية الضخمة بغرض ان تضغها على الحامل في الخارج، حتى اجفلت بمن اصطدمت بها: - أسفة معلش مكنش قصدي . - لا ولا يهمك بسيطة. قالتها مودة بعدم تركيز قبل أن تلتف نحو الفتاة الجميلة، ذات الشعر الطويل والزينة المتقنة على ما ترتديه من ملابس قصيرة، ولكن مهلًا: - هو انتي شغالة معانا هنا في الفندق؟ سألت مودة الفتاة بعد انتباهاها على شعار الفندق المدون على الزي الخاص بها، رغم الاختلاف الكلي لهيئة من تقف أمامها، واجابت الأخرى بابتسامة: - ايوة يا حبيبتي انا شغالة هنا زي زيك؟ لهو انا مش باين عليا؟ ردت مودة تبادلها الابتسام: - بصراحة لا مش باين عليكي، دا انا في الأول افتكرتك من النزلاء قبل ما اخد بالي من اليونيفورم بتاعك، بس انتي ازاي لبسك غريب كدة؟ هو انتي قسم إيه؟ ضحكت الأخرى لترد وهي تساعدها في تحريك الحامل: - قبل ما اقولك انا قسم ايه؟ قوليلي انتي الأول، انا لبسي غريب في إيه بالظبط؟. توقفت قليلًا بتردد قبل ان تجيبها بحرج: - اصله يعني...... متأخذنيش، قصير كدة لفوق الركبة، دا غير انه ضيق فوق وتحت.... بس عسل والله على جســ مك المظبوط. قالت الأخيرة وكأنها تصحح خطأها مما جعل الأخرى تضحك لها ثم توقفت تقول: - شكلك طيبة اوي يا عسل، وانا بقى استريحتلك اوي، وعايز اصاحبك، إيه رأيك اعرفك بنفسي وانتي تعرفيني بنفسك. اومأت مودة لها بحماس وضحكة مرتسمة ببلاهة على وجهها لتمد بكفها أمامها تقول: - انا اسمي مودة وشغالة هنا في قسم النظافة، زي ما انتي شايفة كدة. تقبلت الاخرى لتبادلها المصافحة تأخذ دورها في التعريف: - وانا بقى يا ستي اسمي ميرنا، شغالة هنا برضوا بس في أرقى حتة في الفندق، المكان اللي بيضم البشوات والأجانب الفايف ستار بس . باعين تبرق بالأنبهار سألتها مودة بفضول: - مكان ايه؟ ❈-❈-❈ وصل إلى الموقع ليعلم بالصدفة انها كانت حاضرة منذ قليل ولكنها اختفت خلف المبني في الأرض الخالية تقريبًا إلا من أشجار السدر المنتشرة بكثافة في هذه المنطقة الصحراوية، بدون تفكير تحرك على الفور ليبحث عنها، حتى تفاجأ بشبحها جالسة على أحد الاحجار الكبيرة، يبدوا انه كانت شاردة في شيء ما، لدرجة لم تجعلها تنتبه له ولخطواته التي كانت تدعس على الاوراق والفروع الجافة حولها: - مش خايفة على نفسك في المنطقة اللي انتي قاعدة فيها لوحدك دي؟ قالها لتنتبه إليه، وتمسح على جانبي عينيها سريعًا، لترد بصوت حاولت جاهدة على ألا تظهر اضطرابه: - لا طبعًا وايه يعني اللي هيخوفني؟ تعقد جبينه وهو يرى اثار الدموع العالقة على بشرتها التي تلونت بالأحمر على عدة مناطق من وجهها، ليسألها بتوجس: - هو انتي كنت بتعيطي؟ نفت بهز رأسها، ولما شعرت ان كذبتها مكشوفة، ردت بمرواغة: - مش لدرجة البكا يعني او الزعل، بس هو زي ما تقول كدة افتكرت ابويا. تناول حجر له ليجلس بالقرب منها ويسألها: - اسف ع التدخل، بس انا بصراحة كنت عايز اعرف، ايه اللي فكرك بوالدك عشان تسيبي شغلك وتجيبي هنا في الجو الخلا ده وتعيطي؟ - يا عم مش عياط. قالتها بسأم وهي تكمل شارحة: - انا بقولك افتكرت، ودي حاجة طبيعية عندي، انا عمري ما نسيت ابويا اساسًا، كل حاجة في شغلي بتفكرني بيه، انا معظم وقتي قضيته معاه، اصل انا بكريته وفرحته بيا كانت بتخليه ياخدني في أي حتة معاه، في الشغل، في البيت ،في المكتب، ما هو دا اللي خلاني امسك من بعده. - قصدك على شغل المقاولات؟ سألها لتوميء برأسها وتجيبه: - مهانش عليا تعبه وشقاه يروحوا لناس اغراب لما ابيع السجل بتاعه وادفن تاريخه . سمع منها وظل صامتًا يتأملها بتفكير عميق، حتى رفعت رأسها إليه بتساؤل، فقال: - هتزعلي لو فضولي خلاني أسألك عن الكلمة المحفورة في دلاية الانسيال اللي في إيــ دك ده؟ انتبهت لتنقل بنظرها نحو ما يرمي إليه، - إيه ده انت خدت بالك؟ قالتها بتساؤل ليهز رأسه إليها وكأنها أجابة عادية، وعلى طرف لسانه يود القول بأن هذا الموضوع وهذه الكلمة تشغل حيزًا غير هين برأسهِ منذ أن التقاها اول مرة، وهو يفكر، ان كانا رمزين او كلمة لأسم عزيز عليها، كحبيب مثلا او خطيب او ..... - قلب ابوها. - نعم. خلعت الأنسيال لترفع أمامه الجملة التي يقصدها، شارحة: - دا قلب صغير، ودا اللي الكلمة اللي لازقة فيه( ابوها) يعني قلب ابوها، عملهالي قبل ما يموت، كانت حالتنا حلوة مكنش زي دلوقت، الجاي يدوبك على قد اللي رايح. قال حسن بتأثر: - دا كان بيحبك اوي بقى. - اوي. غلبتها مشاعرها لتخرج منها بتحشرج ثم اشاحت بوجهها عنه حتى لا يرى دمعة خائنة غلبتها، ولكنه انتبه: - انا اسف يا شهد لو كنت فكرتك. عادت إليه بابتسامة قائلة: - بتتأسف على إيه بس؟ انا افتكرته اساسًا قبل ما تيجي، امال انا جيت استخبى ليه هنا تحت شجر النبق. - بس والله المنظر حلو مش وحش.. - منظر ايه؟ سألته باستفهام، لتجده دنى نحو الأرض يتناول حبة نبق ناضجة، مسحها على القميص الذي يرتديه، يردف لها: - على فكرة انا بحب اجي هنا وانقي منهم على كيفي، تحبي تدوقي ولا لازم بقى تقومي وتغسلي. مد يــ ده بالثمرة الناضجة فردت وهي تتناولتها: - لا طبعًا دا طاهر ومفيش ايــ د لمسته، ولا حتى اتلوث بالكيماوي، انا كمان باجي هنا وانقي براحتي. اخفى داخله ابتهاجًا يعبث بقوة لمجرد تقبلها لشيء منه، فنهض فجأة ليقول بحماسة: - طب استنى بقى وانا انزلك اللي احلى واحلى. - هتعمل إيه؟ قالتها لتجده امسك بعصا قريبة وعلى احد الفروع، القريبة من مستوى طوله ضرب بضربتين فقط، وافترشت الأرض حولها بالثمار الناضجة، شهقت ضاحكة، لتردد بمرح: - ايه دا كله؟ ومين فينا اللي عنده مرارة ينقي؟ تبسم هو بانتشاء ليجلس على عقبيه ويجيبها وهو يتناول الأطيب والأكبر: - يا ستي احنا ننقي اللي احنا عايزينه والباقي بقى يقعد لصاحب نصيبه. بوجه تبدل عن الحالة السابقة لها مئة وثمانون درجة، كانت تضحك وعينيها تناظر الخير الذي امتلأت به الأرض حولها لتعقب: - ونسيب الشغل ونقعد ننقي. نظر لها بأعين تفيض بحنان ذكرها بفعل والدها قديمًا يقول: - لا يا ست المقاول، انتي تقعدي مكانك زي الهانم وانا هنقى الحلو منهم واجيبلك لحد عندك. صمتت بخجل أصابها من كلماته، فتابع هو ليزيح عنها الحرج: - دا روتين بعمله كل يوم، من ساعة ما استلمت الموقع هنا، مجيدة مدخلنيش البيت لو مرجعتلهاش بمجموعة كبيرة من دول. ضحكت شهد لتسأله بتذكر عنها: - طب هي عاملة ايه دلوقتي؟ كويسة ولا لسة الضغط تاعبها؟ - كويسة. قالها حسن بابتسامة مستترة وهو منهمك في تجميع الثمار، وهتفت شهد نحوه بقلق: - طب خلي بالك طيب، الأرض هنا كلها شوك، اهو ده بقى العيب الوحيد في الشجرة دي. رفع راسهِ إليها، ليقول بمغزى وكأنه يوصل إليها رسالة دعم وتشجيع: - أي حاجة حلوة لازم يبقى حوليها شوك يحميها. الحاجة السهلة بتبقى طمع للكل. ❈-❈-❈ قالت بهيرة تخاطب ابنها الذي كان يقبل أطفاله بعد ان وصل منذ قليل فقط للقصر الذي هجره لأكثر من اسبوعين: - اخيرًا شوفنا وشك يا عدي، اولادك بيحضونك وكأنك جاي من السفر، مش معاهم هنا في نفس البلد . داعب شعر رأس ابنه الأكبر ذو الخمس سنوات ليهمس له في اذنيه: - اطلعوا فوق في اوضكم انت واخوك، وشوف الهدايا اللي انا جيبتها. هلل الطفل ببعض الكلمات الأجنبية ليسحب شقيقه ذى الثلاث سنوات بحماس وفرح نحو غرفهم، فتكلم عدي يجيب والدته: - ما انتي عارفة باللي حاصل يا ماما، الهانم مكلفتش نفسها تبعتلي رسالة حتى، زي ما يكون ما صدقت اني سيبتلها البيت ومشيت. تغضن وجه بهيرة لتقول بعبوس وضيق: - عدي، انت مش شايف انك مزودها اوي مع ميسون؟ هي مهما كانت برضو ست، حتى لو كان الدم التركي بتاعها متقنعر حبتين، لكنها برضوا بتيجي بالكلام الحلو، انت يا بني اللي بقيت مش طايقها وعلى ابسط خناقة بتسيت البيت وتمشي، ودا بيوسع مسافة البعد ما بينكم. زفر عدي بضيق يضرب بكفه على ذراع الكرسي الذي يجلس عليه، فتابعت هي: - طب اتعلم شوية من اخوك، دا مبيسبش دقيقة يفضى فيها من الشغل، عشان يفسح الهانم ويسافر بيها ويدلعها ، مع انها متستهلش. ردد خلفها بسأم: - ومتستاهلش ليه بقى يا ماما؟ مدام بيحبها. دبت بعصاها على الأرض بقوة لتقول بحقد: - ايوة متستهلش، سنين وهي معاه ومش هاين عليها تفرحه بطفل يشيل اسمه، يعني مش كافية قبلنا بيها وهي مش من وسطنا ولا كانت تليق له من الاساس التوى ثغر عدي المغلق، وقد مل من الحديث المكرر على اسماعه، فتابعت والدته: - لكن انت مراتك بنت عيلة مأصلة، وفوق كدة حفظت للعيلة هيبتها لما خلفت اللي يحفظ نسلها. تبسم ساخرًا لينهض من جوراها مغمغمًا: - - ما هو من حظي بقى!.... أوقفته بهيرة سائلة: - رايح تصالحها يا عدي التف إليها برأسهِ يهديها ابتسامة غير مفهومة قبل ان يكمل طريقه ❈-❈-❈ بدون استئذان قام بفتح الباب ليلج بداخل جناحه، فوقعت عينيه على الفور نحوها، وقد كانت جالسة امام المرأة تصفف شعرها البني، والتقت زُرقاوتيها بخاصتيه عبر انعكاس صورته أمامها، وضع كفيه في جيبي بنطاله، يلقي التحية بلهجة عادية خالية من أي مشاعر كالتي تتصارع داخلها من أجل أن تلقي بنفسها داخل احضانها وتعانقه بشوق يمزقها نحوه: - مساء الخير يا ميسون. ابتعلت لتجيبه بنفس النبرة: - مساء الخير... انتي عامل إيه؟ تبسم بغموض يجيبها باقتضاب وكأنه يبصق الكلمة: - كويس. تحرك بعد ذلك نحو الغرفة الملحقة كخرانة ضخمة لملابسه، نهضت هي من امام المراَة بحيرة متسائلة، تذهب خلفه ام تنتظر حتى يأتي هو؟ قلبها الذي يضرب بعنف داخلها يحثها للحاق بها، ولكن كرامتها التي تمنعها دائمًا من المبادرة، كالعادة لها الكلمة العليا. توقفت للحظات في انتظاره، حتى تفاجأت به يخرج بعدد من الحُلات الفاخرة ليلقيهما على الفراش أمامها قبل ان يتصل بأحد الخدم: - عزيزة، تعالي هنا بسرعة ع الجناح عايزك توضبي الشنطة. - بتطلب عزيزة توضب الشنطة ليه عدي؟ خرج سؤالها بصدمة وعدم تصديق: ناظرها بجمود هيئته يجيب بهدوء كاد ان يجلطها: - عشان ماشي وراجع تاني ع الفندق يا ميسون، عندك اعتراض؟ نفت برأسها تدعي عدم الاكتراث، تغالب تشنج جســ دها، والذي يهددها بالسقوط، متأثرًا بخيبة الأمل التي اصابتها في مقتــ ل منه، فقالت بعنجهية تبتغي رد الصفعة: - لا طبعا معنديش ادنى اعتراض، انت حر . تبسم بظفر فقد كان يراهن نفسه على ردها هذا، فقال ببرود: - OK يا ميسون، عن اذنك بقى. قالها وتحرك ذاهبًا على الفور، لتسقط هي اَخيرًا خلفه، تبتلع الإهانة بعزة ترفض التنازل عنها، هو من يخطيء وعليه ان يبادر بالصلح وليست هي! ❈-❈-❈ انهت صبا دوام عملها وخرجت من الغرفة تسبق شادي والذي كان مضطرًا للإنتظار، حتى يأتي مالك الفندق عدي عزام، ويطلعه على البيانات والتقارير الخاصة بالحفل الضخم والذي سوف يقام بمناسبة مرور اكثر من خمسين عامًا على تأسيس الفندق. مناسبة هامة وتحتاج لترتيب هام، ومسؤلية عظيمة تلقى على كاهله. رفعت الهاتف لتجيب على من تتصل بها: - ايوة يا ست مودة، انا خلصت اهو انتي قاعدة فين؟..... في الريسبش فين بالظبط؟ قالت الأخيرة لتنتبه نحو الأخرى وهي تلوح لها بكفها، بركن ما تقف به، بجوار امرأة غريبة عنها. خطت إليها صبا، وفور ان اقتربت منهن، التقطتها مودة قائلة بلهفة: - بقالي ساعة بشاورلك يا مجنونة، توك ما واخدة بالك؟ ردت صبا مستغربة: - واديني خدت بالي وجيت يا ستي، سحباني ورايحة بيا على فين؟ مش احنا ماشين ياما؟ - ايوة يا ستي ماشين، بس استني اعرفك الأول. - سألت صبا قبل ان تقف بها الأخرى امام نفس المراة التي رأتها منذ قليل، لتعرفها: - شوفي يا بقى دي صبا صاحبتي، وانتي يا صبا، دي ميرنا صاحبتنا الجديدة هنا في الفندق. - هي دي صبا. غمغمت بها الأخرى داخلها، وهي ترمقها بأعين خبيرة مقيمة، لتقول بابتسامة تجيدها: -اهلا يا صبا، انا اتشرفت بيكي اوي، صبا هي الأخرى لم تكن اقل منها، فنظام الملابس التي ترتديها والزينة المبالغ فيها جعلت شعور بعدم الارتياح يكتنفها على الفور من هيئة الأخرى، لتصافحها بأطراف اصابعها على مضض ترد باقتضاب: - اهلا تشرفنا. تفاجأت ميرنا بعجرفة صبا في التعامل معها، حتى توقفت الكلمات بحلقها، وتولت مودة المهمة: - ميرنا دي يا صبا اجدع واحدة قابلتها في الفندق هنا، طيبة اوي واتصاحبنا بسرعة.... قاطعت استرسالها صبا بحدة سائلة: - شغالة في قسم ايه؟ -انا.... - شغالة في البار بتاع الفندق هنا. قالتها مودة لينقلب وجه صبا فقالت بتجهم ملحوظ: - يا اهلا بيكي تشرفنا يا... انسة ميرنا، مش ياللا بقى . توجهت بالاخيرة نحو مودة التي تمتمت بإجفال: - هاا. - انا هسبقك عند الاتوبيس. قالتها صبا على عجالة قبل ان تتحرك وتتركهن بدون استئذان، تطلعت مودة في ظهرها بصدمة لعدة لحظات، قبل ان تستأذن بحرج من الأخرى: - اا معلش يا ميرنا، ما انتي عارفة بقى اتوبيس الفندق، ممكن يمشي ويسبنا، عن اذنك. - اتفضلي يا قلبي طبعًا. قالتها ميرنا بابتسامة مصطنعة حتى ذهبت الأخرى راكضة تلحق بالمتعالية صديقتها، لتتبعهما بأنظارها، حتى تفاجأت بعدي نفسه والذي كان يدلف الفندق عائدًا من الخارج، وتركزت انظاره على الأولى، فتبسمت هي بسخرية متمتمة: - دا الباشا باينه وقع ولا حدش سمى عليه! .... الفصل الثاني عشر - كفاية يا ابراهيم، يا ابراهيم كفاية..... يووووه وبعدين بقى..... كانت تردد بمقاومة ضعيفة، تحاول فك ذراعيه عنها، تبتعد بوجهها عن مرمى قبلاته والتي كانت تجد طريقها على عنقها وجيدها حتى الزرارين المفتوحين في اعلى العباءة، مع ازدياد جرأة اللمسات شعرت بالخطر، ف اشتدت قوتها حتى دفعته عنها ليسقط على مجموعة من أشولة ألحبوب: - ما قولتلك كفاية يا أخي الله. بأنفاس لاهثة ووجه متعرق تطلع إليها بذهول وعدم تصديق: - يخرب بيتك، إيه اللي انتي عملتيه دا يا بت؟ هتفت بدفاعية أمامه وهي تعدل من هيئتها التي بعثرها هو: - إيه يا عنيا؟ بوقفك قبل ما تتمادى اكتر من كدة، ولا انت عايز تضيعني؟ ابتلع ريقه يلملم شتات نفسه هو الاَخر بأن أخرج سيجارة واشعلها يخرج فيها غيظه، فتابعت إليه بلهجة أخف: - إيه؟ كل ده مكفكاش للصلح؟ ارتفع طرف شفته يناظرها بعدم رضا، قبل أن يقول: - وانتي بقى مسمية ان دا صلح؟ شهقت لتتخصر بعبائتها السمراء تقول مستنكرة: - امال انت تسميه إيه بقى يا عنيا؟ جايالك برجلي لحد عندك في المخزن اللي في ضهر دكان ابوك، يعني ممكن أي حد يشوفني، وساعتها تضر سمعتي، دا غير ال...... توقفت بقصد ملمحه عما حدث منذ قليل، ثم تابعت: - ولا انت كمان هتنكر. بنظرة وقحة مرر عينيه على معالم الأنوثة لديها والبارزة بوضوح رغم العباءة السمراء، الشيء الوحيد الذي يجذبه بها، فقال بمكر وهو ينفض رماد سيجارته: - لا مش هنكر يا أمنية، بس دا يجي إيه بقى جمب كرامتي اللي بعترتيها على باب شقتكم، لما خلتيني اروح وقفايا يقمر عيش، واتهمتيني اني عايز اسوء سمعتك، انتي بقى شايفاني كدة! وانا اللي جاي اطمن واسلم عليكي! - تاني يا ابراهيم! هتفت بها بسأم لتزفر وتردف بتعب: - واحنا مش أصلحنا خلاص، دا انت زليت أمي عليها وعذبتني عذاب، وانا اتصل واترجى وقلبك القاسي غير بجملة وحيدة بعد دا كله: - "لو عايزاني تعاليلي المخرن" واديني جيت و.... ارضيك بإيه تاني؟ على طرف لسانه كان يود أن يخرج ما يدور برأسه ويحتاجه منها الاَن، ولكنه تمالك ليجيب بخبث وتروي في انتظار المنفعة: - هو انتي ليه محسساني اني وحش اوي كدة؟ مع انك اكتر واحدة عارفة انني هممني المصلحة، وعارفة اني خطبتك مخصوص عشان اجيبلك حقك من اختك الحرامية اللي سارقاه، عايز ابقالك ضهر بدل ما انتي واخواتك وخالتي كدة عاملين زي الشحاتين عندها، وهي تعبي في كرشها من مال ابوكي، يا بت دا انتو بتخدموا بلقمتكم عندها..... - أنا مبخدمش حد. هدرت بها بوجه اظلم بالكره والحقد تتابع: - انا قاعدة زي الست في بيت ابويا، ولا يهمني شهد ولا حتى ألف غيرها. رقص حاجبيه ليكيدها بقوله: - بس امك بقى شغالة خدامة عندها، هي واخواتك، ولا هتقدري تنكريها دي كمان؟ امتقع وجهها وتبدلت ملامحها للقهر وتصيح به: - انت عايز ايه يا ابراهيم؟ تبسم بشيطانية وقد اسعده تأثير كلماته عليها، فقال : - يعني هعوز ايه يا ختي؟ انا بس كنت برد عليكي، اديكي شايفة اهو، خير ابويا زايد ومغطي، المخزن متعبي بالبضاعة يعني مش محتاجلك، انا بس شفقان عليكي عشان محبش الظلم. ردت تمتم بمسكنة وهي تعدل بحاجبها: - - ربنا موجود بقى، هو اللي بيخلص الحقوق، ما انا لو امي ناصحة كانت لمت الليلة من أولها، خدت حقنا منها، لكن تقول ايه بقى.... قاطعها بقوله: -طب ما تشتغلي انتي معاها عشان تعرفي تجيبي حقك وحق اخواتك منها. اعترضت باستهجان مرددة: - انتي عايزاني انا اشتغل؟ لا يا حبيبي انا متحملش شغل ولا قرف، هي ناقصة تعب وهدة حيل وكمان حر وشمس يأثروا على بشرتي ولا جمالي. بابتسامة جانبية ساخرة، ردد خلفها: - لا وانتي جمالك مقطع الدنيا. توقفت بنظرة غاضبة تحدجه قائلة: - هو انت قصدك تتريق عليا يا ابراهيم؟ سمع منها واعتدل مستقيمًا ليجيب وهو يتجه نحو الباب الخارجي للمنزل: - لا يا ختي ولا اقول ولا اعيد، انا بس مستغرب كلامك وخوفك الزيادة دا على نفسك ولا هيئتك، مع ان اختك يعني اهي بقالها سنين في الكار بتاع دا اللي استلمتوا اصغر منك ومع ذلك لسة بخيرها ومتغيرش فيها غير حبه السمار اللي غطوا وشها الابيض من الشمس وبرضوا حلوة..... قال الأخيرة مشددًا عليها وهو يحاول في قفل البتب الكبير، حتى انفتح والتف إليها، فوجدها متغضنة تعوج فمها بامتعاض مرددة: - حلوة! بقى بعد كل المرار اللي شايفينه دا منها، بتقول حلوة. تنهد بغيظ يقول بقرف: - وايه دخل ده بده؟ انا بتكلم ع الشكل بطلي غباوة.... ويالا بقى هوينا اطلعي عشان انا كمان اطلع، قبل ما اتخنق. ابتعلت الإهانة بمعاملته الجافة معها تلقي بنظرة نحو الشارع الذي كان خاليًا فقالت قبل ان تغادر: - طب متنساش بقى تتصل بيا بعد ما توصل الدكان . - مش هنسى يا ختى. تمتم بها لتذهب من أمامه ويتابعها بعينيه حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي واختفت به، ليأخذ انفاسه ويخرج هو ايضَا، يغمغم بحنق وهو يغلق الباب من الخارج: - قال جمالها وبشرتها، فاكره نفسها السفيرة عزيزة المحروسة! ❈-❈-❈ في غرفة المكتب الصغير، كانتا الاثنتان على يجلسن على الاَريكة القديمة المتهالكة يتناولان بنهم في الأطباق البلاستيكية الطعام الحارق، واصوات الضحكات تصل إلى خارج الغرفة. - اممم، الله يخرب بيتك وبيت اللي يأمنك على اكله، بوقي اتحرق يا زفته. صرخت بها شهد بأعين تدمع وكفها تضرب على جدار الحائط بجوارها، والأخرى تقهقه بتسلية ولا تستطيع التوقف، فصاحت بها متابعة: - يا بت الشطة حرقت بقي، اوقفها ازاي؟ اجابتها لينا من بين ضحكاتها: - وقفي الأكل يا أمي، وصاحبتك هتقوم بقى بالواجب متخفيش، انا هتخلص ع الاتنين عادي اوي معايا. - كمااان، بجحة وليكي عين تطمعي في اللي في إيــدي، دا انتي على كدة قاصدة بقى؟ أجابت بهز رأسها وضحكة منتشية ترتسم على ملامح وجهها وتقول: - اه بصراحة يا صاحبتي، اصل الكشري المرة دي يجنن بجد. عقبت شهد ساخرة تردد: - كشري! ودا بقى فيه كشري! دا بقى شطة بطعم الكشري، ربنا يحميكي لشبابك، انا معدتك اتحرقت. كانت لينا تتناول بتلذذ لتزبد من غيظها وهي التي تتناول ملعقة وتتوقف دقائق، حتى تستطيع تتناول الاخرى، فرغم المعاناة كانت تستمتع هي الأخرى. انهت طبقها لينا لتضعه الفارغ في سلسة المهملات القريبة منها، فقالت لشهد بامتنان على طريقتها؛ - مرسي ازي يا شهد ع العزومة الجميلة دي، الواحد كان محتاج جرعة الحرارة، وانه يشعر بلذة الألم في...... - في مصارينه. قالتها شهد مقاطعة لها لتضحك الأخرى وهي تسقط بجســ دها بجوارها، وتقول بموافقة: - هو فعلا كدة.... عرفتي تعبري ع اللي جوايا يا شهد . سمعت لتقول بدهشة ترافق ابتسامتها: - اقسم بالله انتي الناس مغشوشة فيكي، اللي يشوفك من برا بشكلك ولا لبسك الخوجاتي ده، ميفتكرش أبدًا ان زوقك كدة على فكرة. بكفيها الإثنان فركت لينا على شعر راسها الكستنائي لتسقطه أمامها ثم تعيده للخلف بجنون، قائلة: - انا عارفة نفسي كويس I am special، ( أنا مميرة) حطيها قاعدة في دماغك دي يا صاحبتي.. يعني لازم اكون مختلفة عن كل الناس. ارتفع حاجبي شهد وانخفضا سريعًا، لتعقب ضاحكة: - انتي مش مميزة يا قلبي، انتي مخك ضارب وضعت لينا قدمًا فوق الاخر لتقول بزهو: - حتى مع دي، برضوا مميزة. همت شهد ان تستمر بمناكفتها، ولكن صوت الهاتف منعها، تناولته لتجيب بدون ان تركز في الرقم: - الووو... إزيك يا شهد... سمعت الأخيرة لتجيب بارتباك وقد علمت بهوية المتصل. - اهلًا ست مجيدة عاملة ايه؟ جاءها الرد بصوت عاتب: - كويسة يا ستي، بس لازم يعني انا اتصل عشان تسأليني. ردت شهد بحالة شديدة الحرج : - انا آسفة والله يا ست مجيدة لو كنت مقصرة في السؤال بالتليفون، بس ربنا العالم، انا كل ما اشوف البشمهندس حسن بسأله عنك واسأليه بنفسك. في الناحية الأخرى تبسمت الأخرى بملأ فمها، وقد أعجبها ردها، فهمت ان تزيد بدلالها ولكنها توقفت على صوت السعال الخفيف وتبعه قول شهد وهي تخاطب شخصًا ما بجوالها. - لينا، ازازية المية والنبي . - إيه لينا ؟! غمغمت بها مجيدة ثم انتظرت قليلا، حتى ارتشف شهد من الماء، لتخاطبها: - هنيُا يا قمر. - الله يهينيكي يا حجة. قالتها شهد لتجفلها مجيدة بقولها: -- هو انتي قاعدة فين دلوقتي يا شهد انتي وصاحبتك؟ تطلعت شهد بدهشة نحو صديقتها وهي تجيبها: - انا قاعدة في مكتب الشغل، وصاحبتي معايا، بس انتي عرفتي منين ان لينا صاحبتي؟ تجاهلت مجيدة الرد ع السؤال، وقالت تزيد من دهشتها: - بقولك ايه انا ليا عندك حق عرب، عشان قولتلك اعزميني عندك وانتي معبرتيش. - والله يا حجة انا..... - متكمليش يا شهد، انا مش بضغط عليكي، انا بس عايزاكي تصالحيني. تعرقت شهد بشدة، فكلمات مجيدة المفاجئة لها، مع حرارة الكشري، جعل الاضطرب يبدوا جليًا على ملامح وجهها، حتى انتبهت لها لينا لتناظرها باستفهام، فهته لتلوح لها بكفها للإنتظار، قبل ان تجيب: - طب انتي عايزاني اصالحك ازاي يا ست مجيدة؟ ❈-❈-❈ - ها إيه رأيك بقى؟ قالتها ميرنا وهي تدلف لداخل الملهى والذي كان فارغًا من رواده، سائلة الاخرة والتي كان تجول معها بعينيها بانبهار على شيء حولها لتردد ضاحكة بلهاء: - رأيي في إيه بس؟ دا عامل زي اللي بنشوفه في التلفزيون، لأ دا مش زي، دا احلى كمان.... ضحكت ميرنا لتجلس على أحد المقاعد واضعة قدم فوق الأخرى تزيد من انبهار مودة لتسألها بفضول: - لكن انتي بتقدمي الخمرا وتقعدي مع الزباين تفتحي أزايز؟ - افتح إيه؟ تفوهت بها الأخرى لتطلق ضحكة مجلجلة، حتى لفتت انتباه رجل البار الأجنبي، قبل ان يعود لمواصلة عمله في ترتيب طاولة البار امامه وتنظيفها، ثم اردفت: - يا بت افهمي، انا شغالة نادلة، يعني اقدم الطلبات وبس، انتي في مكان محترم يا بنتي، الحاجات اللي بتقولي عليها دي، تحصل في الأماكن اللي برا مش هنا. اومأت مودة بتحريك رأسها، فقالت بأسف: - طب معلش بقى سامحيني لو كنت غلطت، انا مفهمش اوي في الكلام ده. تبسمت ميرنا وهي تجذبها لتجلس على الكرسي المقابل لها، فقالت: - انتي طيبة اوي يا مودة، وانا عمري ما ازعل منك عشان الصفة دي اللي عندك بالذات، عكس صاحبتك دوكها، يا ساتر. - قصدك مين؟ صبا؟ - اه هي صبا دي، متقنعرة ورافعة مناخيرها كدة لفوق، بتسلم عليا بطرف صوابعها بقرف، ليه كدة يعني؟ بصراحة انا زعلت منك يا مودة لما عرفتيني عليها. قالتها بلهجة عاتبة اثرت في الأخرى لتقول : - والله ما متنقعرة، هي بس شايفة نفسها عشان ابوها مدلعها اكمنها اخر العنقود، دا غير ان حالته كويسة مش مخليها محتاجة حاجة، مشافتش الغلب زي حالتنا ولا اتمرمطت من شغلانة لتانية دي حتى الوظيفة اللي مسكتها دي، جاتلها كدة بالواسطة من الاستاذ شادي اللي اخته تبقى جارتها اردفت الأخيرة ببؤس فقالت الأخرى تدعي الأشفاق عليها: - يا حبيبتي، دا انتي باينك شقيتي وتعبتي اوي، لهو انتي معندكيش اخوات ولا اب يصرف عليكي زي المحروسة دي. مصمصت بشفتيها تصدر صوتًا لتقول: - يا حسرة، انه خوات ولا أنه أب؟ دا ابويا مشافش وشي من ساعة ما اتولدت، طلق امي وهي حامل بيا، المسكينة فضلت تعافر عليا وعلى تربيتي لحد اما ماتت وانا عمري تلتاشر سنة، وسابتني مع ستي بقى نناقر في بعض، انا قليلة الحظ في كله اساسَا. ابدت لها ميرنا ملامح متأثرة بشدة عكس ما كان يدور برأسها، فهذه الفتاة نكاد ان تشببهها في الظروف، لكن باختلاف الطباع والمظهر، ف ميرنا رغم كل الظروف التي مرت بها كيتمية تربت في ملجأ وكان جمالها هو سبب شقائها في البداية نظرا لطمع الرجال بها، لتكن عرضة للاستغلال منذ صغرها، قبل ان تعي جيدًا لتستغل هي هذه الصفة بحنكة تعلمتها مع قسوة الزمن، لتستعمل ذكائها جيدًا في جلب المال بعدم الاستهانة بإمكانياتها، فلا تستسلم أو تكن متاحة للجميع، لا بل كانت تترقي في هذا المجال رويدًا رويدًا، حتى صارت كجارية الملوك، ثمنها غالي وسعرها أغلى . - هو انا صعبت عليكي لدرجادي؟ قالتها مودة حينما طال الصمت وقد اقنعتها ملامح الأخرى بذلك. اخفت ابتسامتها ميرنا لتقترب نفسها نحوها قائلة: - بقولك ايه يا مودة، انتي دخلتي قلبي بجد، وانا بقا عايزاكي تفتحي قلبك معايا وتقولي كل اللي في نفسك، انا اكبر منك والدنيا علمتني بكتير اوي عنك، يعني هفيدك بجد. أومات مودة رأسها بلهفة فتابعت الأخرى: - يالا بقى احكيلي عن نفسك اكتر، وقوليلي ازاي اتعرفتي باللي اسمها صبا دي ❈-❈-❈ خرجتا الاثنتان من خارج المصعد، لتحط اقدامهن على الطابق المنشود، فقالت لينا التي كانت تفور وتغلي بداخلها: - انا مش فاهمة، ايه اللي خلاني اوافقك واجي كمان على بيت معرفوش ولا اعرف حد فيه، دا ايه العبط ده؟ تبسمت شهد تجيبها همسًا: - وانا كمان والله ما فاهمة ايه اللي خلاني اوفقها، بس انتي شوفتي بنفسك زنها، وازاي قدرت تلفني بزوقها ضحكت لينا ساخرة تقول لها: - قال وبيقولوا عليكي مقاول قال، دا انتي طلعتي خيبة. - يمكن اكون خيبة صح، بس بصراحة بقى هي صعبت عليا لما قالت انها وحيدة ونفسها نيجي ونونسها، اهو نجبر بخاطرها وخلاص. قالتها شهد وقد اقتربت من باب الشقة، لتوقفها لينا تقول بحذر: - هما دقيقتين وبس، وهمشي واسيبك بعدها لو فضلتي تقعدي، انا مش ناقصة كلمتين في جنابي من طارق ولا يسلط عليا والدتي. اومأت لها شهد برأسها بموافقة، قبل ام تضغط على الجرس في الخارج، فلم تنتظر كثيرًا حتى وجدت مجيدة تفتح لها بابتسامة من الأذن إلى الأذن مرحبة بلهفة: - حمد الله ع السلامة يا قمر، نورتونيني. تبسمت لها شهد تتقبل عناقها والترحيب الحار، قبل ام تتركها وتذهب الأخرى قائلة بأعين متوسعة: - هي دي بقى لينا؟ قالت ولم تكد تكملها حتى اجفلت الأخرى تخطفها بعناق اخر وتقبيل على الوجنتين مرددة: - يا ختي عليكم وعلى حلاوتكم، نورتوني يا بنات، نورتوني ❈-❈-❈ على مقعده بوسط البهو الضخم يباشر التحضيرات ويمارس عمله بالتحدث عبر الهاتف وبالحاسوب، وعينبه تجول بلا هواده في انتظارها، في انتظار رؤيتها، وقد تيبست اقدمه منذ الصباح، ليظل محله، لا هو بقادر على الذهاب إلى عمله ولا هو بقادر على الذهاب نحو الغرفة القابعة بها، رغم ان عملها يحتم عليها الآن عدم الجلوس في مكتبها الا للضرورة، إذن ماذا يمنعها: - ايوه يا كارم، هاجي يا بني متقلقش........ يا سيدي عارف بميعادنا متقلقش....... يا عم نتابع الشغل من الفندق، ما انت عارف ان احنا عندنا حفلة ضخمة....... لازم اباشر كل حاجة بنفسي طبعًا........ يا سيدي انا مهتم المرة دي وعايزها تبقي حدث عالمي، اقفل بقى عشان جايلي عميل مهم. انهى مكالمته سريعًا فور ان انتبه عليها، وأخيرًا رأها. كانت قد خرجت على ميعاد البريك الخاص بالموظفين في هذا الوقت بعد أن انهت جزءًا كبيرًا من العمل، حتى اصاب الصداع رأسها، تبحث عن مودة التي اختفت عنها ولم تتصل كعادتها بها منذ الصباح، وصلت إلى بهو الفندق، فتقابلت عينيها بهذا المتغطرس جالسًا في الجهة القريبة منها يرتشف من فنجان قهوته وامامه الحاسوب على الطاولة الصغيرة، ف التفت رأسها بضيق، وقد اصبحت تراه كثيرًا وبشكل متكرر هذه الأيام، في نفس المكان القريب من الجهة التي تذهب وتجيء بها نحو غرفة عملها، تشعر بغربة في هذا الفندق الذي يبدوا كمدينة بسكانها، وهي لا تجد راحتها سوى في هذه الغرفة التي تجمعها بجارها الغريب... شادي! اشرق وجهها بمجرد رؤيتها له يتحدث مع أحد الأشخاص، لم تدري بنفسها وهي تتقدم بخطواتها حتى هتف بأسمه منادية: - مستر شادي . قالتها ف التفت الرؤس نحوها، حتى اذا انتبه هو استأذن سريعًا من الرجل ليقابلها في نصف المساء، ثم اشار لها على احد الزويا حتى توقفا بها ليجيبها بغيظ: - مالك يا صبا، بتندهي ليه قدام الناس كدة؟ اسبلت أهدابها عنه وقالت بحرج: - آسفة لو احرجتك. تمتم بالاستغفار يهدأ من فوران صدره الذي يغلي مع انتباهه للنظرات المصوبة نحوها، وتمالك ليرد بلهجة لينة بعض الشيء: - لا مفيش احراج ولا حاجة، انا بس استغربتك لما ندهتيني فجأة كدة، هو انتي كنتي عايزاني في إيه؟ رفعت عينيها الجميلتين إليه لتأسره في النظر إليهم، فلم ينتبه جيدًا لما تقوله: - مش عايزة حاجة شخصية، بس اصل حضرتك مش باين من الصبح ودي مش عادتك. لوح برأسه امامها باستفسار حتى تعيد ما قالته وقد ذهب تركيزه بلا رجعة: - يا فندم بسألك، انتي ليه مجتش مكتبك من الصبح؟ ابتسامة جانبية اعتلت ثغره وقد أسعده قولها، حتى ولو كان المقصد يختلف تمامًا عما يتمناه بداخله، فتحمحم، ليجيبها برزانة تختلف تمامًا عن الصخب الذي يدور بداخله: - انا مش فاضي من الصبح يا صبا زي ما انتي شايفة كدة، بدور زي النحلة في كل حتة عشان ترتيبات الحفل، ما انتي عارفة. - عارفة طبعًا، ودا اللي مخليني مضايقة عشان انا دوري ان اكون معاك في الترتيبات والتعب ده، لكن انت.... - لا يا صبا. هتف بها يقاطعها بحدة متابعًا: - مية مرة اقولك، انتي خليكي في الشغل الاداري، انا مطلبتش مساعدتك غير في دي وبس؟ - طب ليه حضرتك؟ - من غير ليه؟ اردف بالآخيرة ملوحًا بكفه امامه لتقطع الجدال، كتمت زفرة احتقان امامه، لتتكتف بغيظ مرددة: - تمام يا فندم زي ما تحب. اخفى داخله بصعوبة ابتسامة بتسلية، وقد بدت امامه كالطفلة المتذمرة، بعد أن أزاحت بانظارها عنه لا تقوى على ان تخفي ضيقها منه، فقال يناكفها: - هتعملي زي العيال الصغيرين بقى لما يزعلوا؟ عادت لترفع عينيها امامه، مشيرة بسبابتها نحوها بتساؤل: - انا برضك بعمل زي العيال الصغيرين؟ ليه بجى؟ عملت ايه ان شاءالله؟ قالتها بانفعال زاد من تسليته، وزادت ابتسامته مع عودتها للكنة الجنوبية، حتى كاد ان ينسى وضعه بوسط البهو، ولكن الأعين الفضولية حولهم جعلته ينتبه، فقال مغيرًا دفة الحديث: - انتي فطرتي النهاردة يا صبا؟ رغم استغرابها لتبدل الحديث فجأة، ولكنها ردت بالنفي بهز رأسها، فتابع هو: - طب بقولك ايه؟ انا عن نفسي هموت من الجوع، اسبقيني ع المكتب وانا هجيب لنا كام سندوتش نفطر بيهم. اعترضت على الفور: - لا طبعًا متجيبيش، انا اساسًا مليش نفس. - طب مش عايزة كوباية شاي تقيلة، زي اللي بتشربيها دي كل يوم؟ تبسمت هذه المرة موافقة، فقال مستطردًا بهدوء: - تمام يا ستي، اسبقيني بقى وانا هاجي بالسندوتشات والشاي. - تاني سندوتشات. - امشي الله يخليكي . قالها بحزم مزيف رغم ابتسامته، لتذعن وتنصرف من أمامه بابتسامة هي الأخرى نحو غرفتها بالعمل، لتشعل حريقًا بناحية قريبة، داخل قلب هذا الذي كان يراقب من محله، بتركيز شديد لكل همسة وكل كلمة تتبعها ابتسامة، لينفث غضبه مع دخان السيجارة التي ابدلها بفنجان القهوة، فيُشيعها بأنظاره حتى اختف، رأسه تشتعل بالأفكار التي تجعله يلعن موقعه الذي يقيده عن التصرف بحرية، وما يود فعله الاَن. حسم فجأة ليتناول هاتفه ويتصل عليها: - ايوة يا ميرنا انتي فين؟........ ومرزوعة عندك بتعملي ايه مع البت دي؟........... طب خلصي معاها وتعالي بلغيني بكل حاجة. ❈-❈-❈ تشعر بالفرح، لا بل هي تود الرقص حتى تتعب وتتعب أقدامها، رؤية الفتاتين معها وداخل الشقة وما تلمسه بإحساس الأم نحوهن يجعلها تجزم أن هذا هو الاختيار السليم: - ما تدوقي الكيك يا لينا، مبتكليش ليه؟ هو انتو مش عاجبكم الطعم يا بنات؟ قالتها بالحاح لم تكف عنه منذ أن اجلستهم بصحبتها في غرفة المعيشة، التي تقضي بها معظم وقتها. ردت شهد بابتسامة صادقة: - والله يا ست مجيدة طعمه حلو، احنا بس اللي مش قادرين ناكل اي حاجة دلوقتي؟ قارعتها تقول بعدم تصديق: - ومش قادرين ليه بقى؟ يعني مش كفاية مردتوش تتغدوا معايا، حتى الحلو مش قادرين عليه. تدخلت لينا هي الأخرة تقول بزوق رغم استغرابها يللموقف كله: -- يا حجة احنا متغدين قبل ما نيجي، انتي ساعة ما اتصلتي، شهد كانت بترد عليكي وعلبة الكشري في إيــ دها. - كشري! - قالتها مجيدة بابتسامة، قبل ان تتابع: - ما شاء الله، باين عليكم مرتبطين اوي ببعض، هو انتوا اصحاب من امتى؟ معلش يعني لو بسأل، اصلي بصراحة بقى انا ارتحتلكم قوي يا بنات. تبسمت لها الفتاتين وردت شهد تجيبها: - احنا اصحاب من زمان قوي، يعتبر متربين مع بعض، رغم ان لينا تسكن في حتة راقية شوية، وانا في منطقة شعبية، لكني بصراحة صداقتنا بدأت من ابتدائي، والست والدتها كان ليها فضل كبير عليا بحنانها بعد وفاة امي الله يرحمها. سألتها مجيدة بتأثر، : - هي امك ماتت من امتى يا شهد؟ اجابتها شهد بصلابة اكتسبتها مع مرور السنين؛ - والدتها توفت وهي في رابعة ابتدائي، متحملتش الولادة، ماتت هي والجنين - بأعين غائمة تهدد بتساقط الدموع رمقتها مجيدة بإشفاق، فقالت لينا بلهجتها المرحة: - مالك يا ست مجيدة؟ إجمدي كدة، امال لو تعرفي بقى ان ابويا واخويا حصلوا والدتها بعد كدة بشهور في حادثة عربية هتقولي ايه؟ توقفت تناظرها بعدم تصديق تسألها: - معقول! انتي بتتكلمي جد؟ ضحكت لينا ومعها شهد التي خشت ان تفهم المرأة خطأ: - ودي حاجة هيبقى فيها هزار يا ست مجيدة، احنا بس بنتعايش مع الدنيا، وبنضحك على همنا بدل ما يكسرنا، ما هو كل شيء برضوا بأمر الله. سمعت مجيدة اتردد خلفها: - ونعم بالله يا حبيايبي، ربنا يخليكم لبعض. تمتمتن خلفها: - امين يارب ثم انتفضت فجأة لينا مستئذنة: - طب احنا يدوبك بقى نمشي يا طننت، نهضت خلفها شهد ايضًا، لتتبعهم مجيدة باعتراض: - كدة على طول؟ ودا اسمه كلام؟ هو انتو لحقتوا تقعدوا؟ بررت لها لينا باعتذار: - والله ما اقدر، انا متأخرة اساسًا عن اجتماع ضروري غي الشركة اللي بشتغل فيها، دا انا ممكن اخد جزا اساسًا. عبست مجيدة لتنقل بأنظاره نحو الثانية: - وانتي كمان يا شهد ممكن تاخدي جزا؟ ردت شهد بتشتت واحراج: -- لا طبعًا مفيش بس لازم امر وعندي شغل متكوم... قاطعتها مجيدة بوجه بائس تقول بصوت ضعيف: - دا انا ملحقتش اقعد معاكم دقيقتين، يعني يا ربي، مكتوب دايما كدة عليا الوحدة قالتها بمسكنة اثرت في الفتاتين ليتبادلن حديثًا بالأعين وتفاهم، جعل لينا تقول اخيرًا: - خلاص يا خالتي متزعليش، شهد هتقعد معاكي شوية، وانا بقى ابقى اعوضها بمرة تانية. ❈-❈-❈ بعد قليل وبعد ان تركت شهد مع المرأة خرجت لينا في المصعد، في الطابق الارضي وقد كانت في طريقها نحو باب الخروج قبل ان توشك على الاصطدام بأحد الأشخاص، والذي ارتد على الفور مرددًا بالاعتذار: - انا اسف معلش. رفعت عينيها بغضب مرددة بغيظ: - طب وقبل ما تتأسف بقى، مش تاخد بالك من خطوتك، بدل ما تدخل كدة زي القطر السريع، توقف امين ليخلع عن عينيه النظارة السوداء، يتحقق جيدا من صاحبة الصوت وقد عرفها من هيئتتها، ويبدوا انها هي ايصا عرفته لانها توقفت تناظره بتحدي، حتى سألها بدهشة: - انتي ايه اللي جابك هنا؟ - تخصرت لتجيبه ببرود عكس ما يدور بداخلها نحوه : - وانت مالك؟ كانت عمارتك هي ولا دا بيت اهلك! .... الفصل الثالث عشر بشعور من الفرح يغمرها، حتى انها كانت لا تقوى على كبت ابتسامة ارتسمت على ملامح وجهها، لدرجة انتبهت إليها والدتها وهي تتابعها من وقت ان عادت من الخارج لتلج لداخل المنزل حتى جلست بالقرب منها بوسط الصالة، تلقي التحية بنعومة غريبة عنها وهي تتكئ على الوسادة الصغيرة خلفها بأريحية: - مساء الخير يا ماما عاملالنا ايه بقى أكل النهاردة؟ - مساء الخير يا قلب امك، خرجتي من غير ما تدي خبر، كنتي فين بقى؟ قالتها نرجس تفيقها من حالمية تكتنف مشاعرها من وقت ان تركته، واثر لمساته عليها ورائحة عطره التي اختلطت برائحة التبغ مازالت تعبث برأسها فتجعلها وكأنها في عالم آخر، فصدر صوتها بهدوء وعدم تركيز: - يعني هكون فين يعني؟ عند واحدة صاحبتي طبعًا، لقيت نفسي مخنوقة، وقولت افك واغير مودي شوية بدل الحبسة. عقبت نرجس بلهجة ساخرة ممتزجة بغضبها؛ - وفكيتي بقى يا حبيبتي عن خُلقك، ولا زادت عليكي الغلب زي اهلك ما بيعملوا معاكي؟ انقلب وجهها فجأة واحتدت عينيها لتهتف بغضب نحو والدتها: - ايه يا ست الحبايب؟ هو انتي هتتريقي عليا ولا ايه؟ ولا يكون صعبان عليكي انك تشوفيني في مرة فرحانة!ا نتفضت نرجس خشية من فورة غضب ابنتها وعصبيتها المخيفة بالأساس دائمًا معها، وخرج ردها بتردد: - يا ختي انا لا بتريق ولا عايزة انكد عليكي، انا بس بسألك، تاني مرة متخرجيش من غير ما تقولي، انا مش ناقصة خوف وقلق، دا غير ان اختك لو عرفت هتعملها حكا....... قاطعتها أمنية تجفلها بصرختها: - طب خليها تكلمني بس، عشان اكون مطلعة عليها القديم والجديد، هي فاكرة نفسها راجل البيت بحق ولا ايه؟ قال سكتنالوا دخل بحماره.... انعقد لسان نرجس وتخشبت محلها بفزع لا تقدر ولا تقوى على الاعتراض، فهذه عادتها مع ابنتها تخشى من غضبها او انها اجبن أن من توجهها. ❈-❈❈ - وانت مالك؟ كانت عمارتك هي ولا دا بيت اهلك؟ سؤالها الحاد بهيئتُها النارية المنفعلة أمامه، كان وحده كفيل أن يضحكه، ولكنه تمالك بصعوبة ليقارعها؛ - انتي يا بنتي مجنونة؟ مالك انتي ان كنت انا صاحب العمارة او حتى من اهل البيت، حضرتك جايا تعملي عندنا بحث اجتماعي بقى؟ زادت شراستها لتهدر به أمام حارس البناية الذي كان يقف متسمرًا بدهشة بالقرب منهم: - انت كمان ليك نفس تهزر ولا تقلش يا جدع انت؟ بقولك ايه ابعد عن وشي الساعة دي، انا خلقي في وروحي مناخيري داوقت. حاولت ان تتخطاه ولكنه تصدر بجســ ده أمامها، بسماجة لوقفها قائلًا: - مش لما تجاوبي على سؤالي الاول، انتي كنتي عند مين في العمارة هنا؟ صاحت به بتهديد: - واضح انك انسان مستفز، وانا اقسم بالله لو ما اتحركت دلوقتي لكون مبلغة عنك الشرطة والبسك مصيبة، شاهد يا عم انت؟ هتفت بالاَخيرة نحو حارس البناية الذي هم ان يتكلم ولكن امين اوقفه بنظرة محذرة، ليتلجم الرجل بعدم فهم، فقال الاَخر: - انا هبعد يا اَنسة من غير تهديد ووعيد، بس سؤال معلش، هو انتي لما تبلغي البوليس عني، ايه بقى التهمة اللي هتلبسهالي؟ - انك متحرش، وساعتها بقى اقل ظابط في القسم هيروقك، يكفي ولا تحب ازود اكتر؟ كبت بصعوبة ابتسامة مستترة وتحرك قليلًا لينزاح من أمامها، قائلًا باستسلام: - لا وعلى ايه؟ هو انا ناقص تهم باطلة ولا ظباط يحفلوا عليا، اتفضلي يا انسة. رمقته بنظرة متعالية تتمتم قبل ان تذهب وتغادر: - ايوة كدة، ناس تخاف متختشيش. تابعها حتى خرجت من البناية نهائيا، ثم التف نحو الحارس سائلًا: - متعرفش بقى، دي كانت عند مين في العمارة؟ نفى الرجل بتحريك رأسه مرددًا: -'لا والله يا باشا ما اعرف، شكلها دخلت وقت ما كنت انا بصلي. ❈-❈-❈ بمزاج رائق، يتبختر بخطواته واضعًا كفيه في جيبي بنطاله القطني، وفمه في الأعلى يصدر صوت صفير بلحن، والده الذي كان جالسًا على كرسيه العتيق خارج وكالته( وكالة الحاج عابد الورداني للعطارة ) يدخن من ذراع الشيشة الممسك بها، واليــ د الأخرى تمسك بالهاتف الذي كان يتحدث به: - يا ولية بقولك قدامي اهو، راجع وكأن على رجله نقش الحنة، عيل تنح ومعندوش دم........... بس يا ولية مسمعش حسك تاني، اقفلي ياللا، خلينا نبص لأكل عيشنا، هو انا مواريش غير المحروس ابنك ولا ايه؟ كان ابراهيم وقد وصل قي الاخيرة وعابد الورداني ينهي المكالمة، فتكلم بتخمين: - امي دي اللي بتتكلم معاها صح؟ كركر عابد في وعاء المياه الزجاجي ثم زفر الدخان من طرف فمه، وهو يضع الهاتف على الطاولة قبل أن يرد بقرف: - ايوة يا خويا امك اللي قارفاني ليل ونهار بالسؤال عنك يا حيلتها، وكأنها بتدور على تايه، مش شحط طويل عريض زيك. من تحت أسنانه التي كان يكز عليها بغيظ، تمتم هامسًا: - وطي صوتك شوية يا حج عابد، الزباين على باب الوكالة داخلة طالعة، مش كل مرة تسمعهم كلامك ده - نعم يا خويا، وانا بقول ايه بقى؟ هو انا شتمتك؟ انا بس برد على سؤالك، واعلق على سؤال امك عنك، كنت فين ياد؟ تغيب وتختفي ومحدش يعرفلك طريق، دا بدل ما تمسك ولا تشيل الدكان اللي مشغل فيها الغريب، عشان معنديش اللي يسد عني، وكأني مخلفتش. زفر ابراهيم باحتقان صــ دره ليجلس على الكرسي المقابل، معاودًا الرد بتحذير: - يابا متحرقش دمي الله يخليك، انا مش عايز ارد ولا اتعصب عليك قدام الناس، ولا هي حكاية وكل يوم هنكررها؟ كل يوم اقولك، مليش انا في شغل العطارة والكلام اللي ميجبش همه ده، لزومو ايه بقى التقطيم ده؟ - عندك حق، مالوش لزوم اللت ولا العجن في موضوع منهي اساسًا، الضرب في الميت حرام اساسًا، المهم بقى يا غالي قفل عن كلام الهبل اللي يحرق الدم، انا مش ناقص ضغطي يعلى ع الصبح، بتتنكر لكار ابوك وتقول ميجبش همه، على اساس ان الصياعة هي اللي هتجيب الفايدة معاك.. -يووه هتف بها ابراهيم مقاطعًا، لينهض بعنف جعل الكرسي يرتد للخلف ، وهو يتابع: - انا ماشي وسايبهالك خالص، عشان تستريح. مصمص عابد خلف ظهره يغمغم بكلمات مسموعة ومعلومة لأذن الاَخر من كثرة سماعها: - هو دا الي فالح فيه، تاكل وتشرب وتقعد ع القهوة بخيبتك التقيلة وخيبتني انا قبلك في الخلفة اللي تعر، قال اسمه واد وشايل اسمي قال! يا ريتها كانت خلفت دكر بط احسن منك، اه لو كانت شهد هي اللي بنتي، اهو دا الخلف صح، بت لكن بمية راجل من عينتك. سمع منه لتشتد خطوته، ويسرع بالابتعاد عنه متمتمًا بسخطه: - المحروسة وسيرة المحروسة، مش هخلص انا من الذل ده بسببها، يكش تولع هي وكل اللي له صلة بيها، عشان اخلص منها وسيرتها بقى . ❈-❈-❈ -كل دا مع البنت دي يا ميرنا؟ بتعملي إيه معاها دا كله؟ هتف نحوها فور ان ولجت اليه بداخل الجناح الخاص به، بنبرة حادة أجفلتها في البداية، قبل ان تستدرك سريعًا لتجيبه بمهادنة: - يعني هكون بعمل إيه بس يا باشا، مش بتعرف عليها زي ما انت قولتلك. استشاط غيظًا ليصيح بها، وهو يضرب بكفه على ذراع الكرسي الجالس عليه: - انا قولت صبا، صبا، مش الزفتة دي، ما لي انا بيها دي. ردت تدافع بتبرير: - ايوة يا باشا، عارفة والله عارفة، بس ايه اللي هيجيب رجل دي غير دي. - يعني إيه؟ سألها باستفهام، وجاء ردها بلكنة تزيد من هدوئها لامتصاص غضبه: - يعني حضرتك، انا بصاحب مودة واتعرف عليها لجل ما اتعرف على صبا واتعرف على شخصيتها من خلالها، عشان اعرف سكتها واختار الطريق اللي هدخلها منه، حكم دي بت شايفة نفسها ومش ساهلة في التعامل زي مودة، انت مشوفتهاش ما اتعرفتنا على بعض، سلمت عليا بطرف صوابعها، ومدتنيش فرصة حتى اكلمها. ردد خلفها بتتفكير: - يعني مش ساهلة لأي حد! لمعة عينيه في نطقها جعلت شعور غير مريح يتسرب إليها، رغم استرسالها والمتابعة: - دا اللي انا شوفته وفهمته من حكاوي صاحبتها عنها، لكن بقى الله اعلم، مش يمكن تكون هي بنت واعية وبتعرف تخبي امورها، انا اعرف بنات كتير اوي من العينة دي. عاد لانفعاله مرة أخرى يهدر: - هي فزورة! ما تخلصيني يا بقى ميرنا في الموضوع ده، ولا انقلها انا عندك واريح دماغي . رددت من خلفها ضاحكة وكأنه قال مزحة: - تريح فين يا باشا؟ دي اهلها صعايدة، وقبلوا يوظفوها هنا بالعافية، بوساطة من جارهم اللي اسمه شادي اللي حسب ما سمعت انهم واثقين فيه صمت وصوت انفاسه الحارقة تهدر بصخب، لينهض عن كرسيه يعطيها ظهره، لقد شعر من البداية انها مختلفة، حتى جمالها مميز عن غيرها، وكأنه يخصها وحدها، وهذا ما جذبه نحوها، ولكنه في المقابل، يكتشف كل لحظة مدى صعوبة القرب منها، رغم انها أمام عينيه وتعمل تحت امرته، ولكن وضعه يقيده عن الاقتراب منها، يعلم مدى صعوبة ما يدور برأسه وما يريده، حتى التعارف البسيط لا يجد له فرصة أيضًا معها. - ما تشغلش نفسك يا باشا، اكيد هنلاقي معاها. التف إليها سائلًا: - عندك الطريقة. - لأ بس كل حاجة بتيجي مع الوقت، وانت عايز كل حاجة في يوم ولا يومين، الصبر شوية يا باشا... قالتها لتكمل بمغزى: - وعلى ما يحصل اللي انت عايزه، احنا برضو تحت امرك يا باشا ودايمًا جاهزين. صمتت تناظره بإغواء وكفها ارتفعت لتلامس ساعده العريض من فوق قماش قميصه، نزعه سريعًا يقول بضيق: - اطلعي يا ميرنا وسيبني دلوقتي. همت ان تجادل ولكنه اوقفها: - بقولك اخرجي يا للا انا عايز اغير هدومي ورايا شغل مهم . ابتلعت صدمتها في اول رفض منه لها، لتذعن لأمره وتخرج على الفور، وبداخلها شعور متعاظم، انه لن يكون الاَخير، مدام عقله قد تعلق بهذه الفتاة. ❈-❈- "كنتي حلوة اوي النهاردة بلبس الرياضة" " تجنني" " اكيد قريتي تعليقي على المنشور النهاردة واستفزك زي ما استفز العديد من معجبينك، واللي دخلوا شتموني كالعادة، بس انا برضوا هفضل انتقدك لحد ما تردي زي المرة اللي فاتت" "ردي " " عارفك متغاظة ومخنوقه مني، بس انا برضوا مش هسكت، ما هو انا ميتحرقش دمي لوحدي، انا بغلي من جوا كل ما افتكر عدد الناس اللي بتتفرج على المكشوف من جســ مك أو جو هدوم لازقة فيه او محدداه" " انا بغير، بغيييير" " جوزك الغبي مييفهمش معني الكلمة دي؟ إلى هنا واكتفت من القراءة لنص العدد من الرسائل التي يبعثها هذا المعتوه، ينقدها على العام وفي الرسائل يتحفها بكم الرسائل الملتهبة، منذ أن أخطأت وردت في اول مرة وهو لم يكف بعدها، حتى بعد الحظر، دخل اليها من حساب اَخر، انه جيد جدًا في التكنولوجيا، وهي ضعيفة عن حتى عن الرد بقسوة او تكرار الحظر، لا ترد ولكن تشاهد رسائله بفضول قاتل، يتغزل بها، يظهر غيرته الشديدة عليها حتى من الملابس التي ترتديها، يشبعها كلمات من الغزل لا تجدها من زوجها، سوى في الأوقات الحميمية، لا تجدها منه بدون عرض، لا تجدها من اجل العشق او الحب الخالص. كم هي تعيسة فهذه الكلمة بمعناها الحرفي تبتعد عن محيطها منذ سنوات، من وقت ان ضحت بأسرتها وشقيقتها من أجله. - سرحانة في ايه؟ انتفضت مجفلة على فراشها الذي كانت مستلقية عليه بنصف نومة وقد قطع صوته الحاد شرودها، اجلت حلقها لترد التحية وهي تعتدل بجذعها قليلًا، مبعده الهاتف للناحية الأخرى من التخت: -مساء النور يا حبيبي. بوجه جامد متجهم كان يخلع سترته، ثم جلس ليقول وهو يخلع الحذاء ايضًا: - جهزي نفسك بعد يومين، عدي عزام عامل حفلة كبيرة للفندق، بمناسبة مرور خمسين سنة على انشاؤه، الحفل هيحضره نجوم المجتمع والفن. - بس انا محدش بعتلي دعوة - هتيجيلك، قالها باقتضاب وهو ينهض ليفتح في ازرار القميص الأبيض، بملامح متعبة وكأنه يقاوم النوم، وعقبت هي: - طيب انت جاي تنام ولا اخلي الشغالة تحضرلك الأكل؟ اشار بكفه متمتمًا: - انا داخل اخدلي شاور وهطلع اغير البدلة عشان عندي مشوار مع عميل مهم. اوقفته قبل ان يصل لحمام الى غرفته: - كارم، هو انت شوفت الفيديو اللي نزلته النهاردة؟ ايه رأيك في اللي كنت لابساه؟ التف إليها بملامح نزقة يجيب: - ماله اللي كنتي لبساه؟ جميل يا رباب جميل. انهى كلماته استدار نحو وجهته على الفور، لتظل هي على تختها بتفكير في عبارة قرأتها منذ قليل، وما زالت تتكرر في عقلها: " انا بغير، بغيييير" " جوزك الغبي مييفهمش معني الكلمة دي؟ ❈-❈-❈ على سطح مكتبه وصنية صغيرة وضعها فوقه، كان يتناول من اطباقها الطعام وعينيه في الناحية الأخرى لا تمل من مراقبتها مستغلًا تركيزها في العمل، والذي انساها طعامها هي الأخرى: - افطري يا صبا الشغل مش همشي. ردت بإصرار خاطفة نظرة سريعة نحوه: - انا من الأول جولت مش جعانة، كمل انت فطورك. - وانا جيبت أكل يبقى من الزوق انك تقبلي ومتكسفنيش. استطاع بجملته البسيطة التأثير بها، لتتوقف عما تفعله، والتفت إليه، تقول بحرج: - مش موضوع كسوف والله، بس انا محبش اكل برا البيت بابتسامة خفيفة زاد على قوله: - بس انا سيبت كل حاجة وجيبت اكل ليكي وليا، يعني ع الأقل قدريني ودوقي منه واستطعمي، ولا انتي مبتحبيش أكل الشيف منصور؟ التمعت عينيها لتشير بسبابتها نحو اطباق الطعام أمامها: - دا بجد؟ يعني الأكل ده بتاع الشيف منصور فعلا؟ اومأ لها بأجفانه مشجعًا: -ايوه هو فعلا، دوقي بقى وقولي رأيك، عشان لو عندك انتقاد، اروح ابلغه وافرح فيه. بابتسامة رائعة تشجعت لتتناول بالملعقة الصغيرة احد الاصناف المشهورة عن الرجل، وبداخل فمها استطعمت بها لتقول بمرح: -جمييل، تسلم ايده بجد! ختمت لتتبعها بعدة معالق بعدها تتلذذ بالطعم الرائع، وتدخل بقلبه هو البهجة برؤيتها لتقبلها لشيء منه، كما انها اصبحت تهديه بعض مفرادتها الجنوبية بدون ان تقصد. بعد لحظات رفع رأسهِ إليها يسألها: - صبا هو انتي اتعرفتي على مودة دي ازاي؟ وهي جيرانا في الشارع التاني؟ أجابت بهزة من كتفيها: - متعرفتش، دي هي اللي عرفتني بيها، بعد ما جينا وسكنا في المنطقة، كانت شغاله في محل هدايا وأدوات مكياج، وانا كنت بشتري منها، مرة في مرة الكلام اخد بعضه وزادت معرفتي بيها، خصوصًا لما بجت تزورني في بيتنا. - طب وانتي مالك بالمكياج؟ هو انتي محتاجة؟ غمغم بصوت خفيض، قبل ان ينتبه لسؤالها: - لكن انت بتسأل ليه؟ تحمحم بصمت لحظات بتفكير وهو يتلاعب في طعامه، قبل يحسم قائلًا: - مش عايزة ابقى بحشر نفسي، بس انا بصراحة مستغرب صدقاتكم، فرق الشرق والغرب ما بينكم، وانا هنا مقصدتش الشكل ولا التعليم، انا اقصد الشخصية نفسها... - ما لها الشخصية؟ سألته بتوجس ليجيبها على الفور وبدون تردد: - خفيفة يا صبا، مش تقيلة بتعرف توزن الأمور زيك، اي حد يكلمها تهزر معاه وتاخد عليه بسرعة، فهماني يا صبا؟ - فهماك والله. قالتها بنبرة اسعدته بداخله، وأضافت: - يمكن عشان تربيتها وحيدة، وشغلها اللي نزلته من وهي صغيرة، هي طيبة بس عايزة اللي بوجها، وانا بحاول والله دايمًا، اصل بحس اني مسؤلة عنها.... قاطعها بحدة: -مفيش حد مسؤل عن حد يا صبا، انتي صاحبتها وواجبك أنك تنصحيها وبس، خدت بالنصيحة يبقى تمام، مخدتش يبقى مع نفسها بقى، وتشوفي انتي نفسك بعيد عنها، ماشي يا صبا. نصيحة لها بهذه الطريقة لم يكن في مخططه، لكن ما فاجئه وأسعده هو انها تقبلت لتوميء له برأسها، ولم تعترض على تدخله ❈-❈-❈ على الطاولة المميزة في المطعم الفاخر وبعد انتهى من المفاوضات مع العميل الأجنبي وشريكته، كانا يتناولان معهما عشاء عمل ومائدة ارتصت عليها العديد من الأصناف، ببذخ واسراف، في جانب وحدهم استغل كارم انشغال الرجل مع شريكته لينفرد بالاَخر وحديث بالهمس: - مالك؟ وشك مقلوب من اول القعدة؟ زفرة ساخطة كتمها الاَخر بصعوبة ليجيب الاَخر، وفمه بلوك الطعام بغير شهية: - مخنوق وقرفان، وحضرت المقابلة دي غصبن عني عشان تعرف. خطف كارم نظرة نحو الشريكين فالتقت انظاره بالمرأة التي شيعته بابتسامة وهي ترتشف من كأسها، بادلها بواحدة مثلها، قبل ان يعود للآخر ليرد: - حتى لو كنت مخنوق برضوا متبينش، دا انت مولود في السوق يا عم عدي، هو انا اللي هقولك ولا افهمك. التوى ثغر الاَخير، فمزاجه العكر لا يحتمل نصائح او حتى حديث عادي، فتابع كارم: - بلاش الوش الجامد ده، انا مش عايز اخنقك ولا ازيد عليك، انا عايزك تنبسط يا عم، خلي بالك انا جاي وانا تقريبًا جســ مي هلكان تعب من الشغل، لكن مع ذلك اهو مع فرحتي بإنجاز صفقة مهمة كدة، بقى عندي طاقة اكمل للصبح، خصوصا وانا شايف الترحيب في عيون العملا. قال الاَخيرة بمغزى نحو المرأة التي لا تكف على مغازلته بنظراتها.، انتبه عدي ليخاطبه بتحذير هامس: - إيه يا كارم، إنت مش بتقول تعبان برضوا ولا انا سمعت غلط؟ - يا سيدي مسمعتش غلط بس كمل الجملة، انا قولت تعبان وبرضوا عندي طاقة اكمل للصبح. تبسم عدي ساخرًا يعقب: - مفيش فايدة فيك، قلبك الجامد ده، على قد ما بيعجبني في أوقات كتير، لكن برضوا بيخوفني. - لا يا باشا متخفش، احنا بنوطد العلاقات بين الدولتين، وبنعمق جذور التفاهم. استجاب عدي هذه المرة لمزحته حتى صدر صوت ضحكته، ليتنبه عليه الشريك الاَخر، ليوميء له بابتسامة رافعًا كأسه له بتحية، رد الرجل برفع كأسهِ هو الاَخر. فعقب كارم: - اديك ضحكت اهو، كمل بقى السهرة معانا وانت تفك وتنسى. عاد إليه عدي يقول بشرود فيما يشغل عقله: - انسى إيه؟ هو انا لسة ابتديت عشان انسى؟ دماغي مشغولة في شيء.... مشكلتي اني مش لاقي الطريقة عشان اوصله رغم كل الهيلمان اللي انا فيه. ❈-❈-❈ في اليوم التالي خرج حسن بجســ د منهك يجر أقدامه جرا حتى جلس يشارك شقيقه على مائدة الإفطار: - صباح الخير يا سعادة الظابط رد امين التحية بابتسامة رائقة: - صباح الهنا يا بشمهندس، ايه يا عم؟ نايم للساعة تسعة ولسة برضو مافوقتش؟ برأس ثقيل قال حسن: - اعمل ايه بس يا عم؟ امبارح كان يوم مشحون بالحسابات والتعامل مع المقاولين في المشروع الجديد، يالا بقى مش عايز ازعجك. بلهجة غامضة اردف الاَخر: - اه وانا اقول يا عم، ايه سبب التأخير والهدوء الغريب ده، عشان كدة ضافت عيني حسن واهتزت رأسهِ باستفسار، التقطه الاَخر ليهمس بخبث مستغلًا غياب مجيدة في هذه اللحظة تسقي النباتات في الشرفة: - انا قصدي عشان الخناقة. - خناقة ايه؟ سأله حسن ليقترب الاَخر منه برأسهِ يقول: - انا بصراحة كنت متوقعك تعمل خناقة مع ماما، بعد ما تعرف انها اتصلت بشهد امبارح، وجابتها هنا في البيت . - شهد كانت هنا في البيت امبارح؟ قالها بعدم تصديق وصوت عالي جعل شقيقه يتابع همسه بتحذير: - يا جدع اسمع بقى ومدخلنيش في حوار مع مجيدة.. جز حسن على أسنانه يردد بهمس واعصابه تغلي كما البركان: - ماشي يا امين، قول، قول يا حبيبي وفهمني. على الفور استجاب الأخيرة بابتسامة متسلية يقول: - اصل انا يا سيدي عرفت الموضوع ده امبارح بالصدفة، كنت راجع بدري عن ميعاد شغلي، قوم بقى اتفاجأ ان بيتنا الطاهر ده، فيه أنثي غير الست والدتك. اينعم هي لابسة زي الرجالة، بس انثي. قال الأخيرة بغمزة بطرف عينه، ليتلقى جزاءه على الفور بقبضة قوية على ساعده من حسن يأمره بصوت خشن: - لم نفسك وبلاش تفاصيل مستفزة . - حاضر حاضر. رددها بطاعة ليردف: - المهم يا سيدي انا طبعا سلمت بكل ادب واحترام والست والدتك عرفتها عليا وعرفتني عليها، ساعتها بس عرفت ان هي دي المقاول شهد، وعرفت وقدرت بصراحة نظرة والدتك... دفعه حسن بغيظ جعله يقهقه خلفه بضحك، وقد نهض الاَخر عن مقعده يهتف مناديًا بصوت عالي: - يا ماما يا ست الناظرة؟ ممكن تيجي هنا لو سمحتي مش عايز صوتنا يوصل للجيران، يا ماما...... - ايه يا زفت انت مالك في ايه؟ هتفت بها مجيدة بدورها وهي تخرج اليه من الشرفة، لتكمل بخطواتها حتى وصلت اليهم، ليستقبلها بسؤاله: - هي شهد كانت امبارح هنا صح يا ماما؟ القت مجيدة نظرة خاطفة نحو امين الذي ادعي انشغاله في الطعام لتتمتم بتوعد: - ماشي يا ابن الفتانة. قالتها ثم التفت لحسن تجيبه بعدم اكتراث كعادتها وهي تجلس على مقعد المائدة: - اه يا حبيبي كانت هنا امبارح، انت ايه دخلك بقى؟. ردد إليها باحتقان: - انا ايه دخلي يا ماما؟ يعني لما اترفد من شغلي بسبب عمايلك، هيبقى دا برضوا كلامك ساعتها؟ شهقت امامه لتقول باستنكار: - اسم الله يا غالي، وايه جاب سيرة الشغل بقى؟ انا كنت قاعدة مع صاحبتي، بتدخل نفسك ليه انت، وشغلك معانا. - يا ماما بلاش اسلوبك ده، بلاش تعصبيني. صاح بها بغضب حقيقي وتدخل امين: - يا جماعة انا مش عايزكم تتخناقوا وكل حاجة تيجي بالتفاهم...... - إخرس يا واد. هتفت بها مجيدة تقاطعه بحدة، ليذعن لها الاخير مرددًا بأدب: - حاضر يا ست الكل . صاح بها حسن: - يا ماما ارجوكى بقى، بلاش تتصرفي من دماغك، عايزة تعزميها انا مش معترض، بس اللي بطلبه اني منك، ان كل حاجة تبقى بعلمي، متختمش على قفايا كدة كل مرة. - اسم الله عليك يا حبيبي وعلى قفاك. عقبت لتزيد من غيظه والاًخر بجوارها لم يعد قادرًا على كبت ضحكاته، حتى شاركته هي نفسها الضحك، ليصيح بهم حسن بنفاذ الصبر: - هتجنوني انتو الانتنين هتموتي ناقص عمر. - بعد الشر عليك يا قلبي . عقب بها هذه المرة امين، فهم ان يهجم عليه لينفس به عن غيظه، ولكن رنين الهاتف منعه، ليضطر للرد مع رؤيته لرقم المتصل باستغراب: - الوو... ايوة يا عبد الرحيم طالبني ليه في حاجة؟ وصل صوت الاخر بلهفة تثير الجزع: - الوو يا بشمهندس، تعالي بسرعة الحقنا، الموقع حصل فيه مصيبة. مصيبة ايه اللي يخرب بيتك؟ بصوت لاهث قال عبد الرحيم : - عبيد عامل النصبة حضرتك، كان معدي جمب المبني اللي شغالين فيه العمال يوصل طلبات، العمال كانو لسة بيقولو يا هادي، فجأة وقع قالب طوب من واحد منهم، نزل على دماغ عبيد ومحدش منطق. - يخرب بيتك يعني مات؟ - والله ما اعرف، احنا لميناه من ع الارض سايح في دمه وجرينا بيه ودلوقتي احنا في طريقنا للمستشفى، انا بلغت الست شهد عشان تسبقني على هناك، وقولت ابلغ حضرتك كمان.. - ماشي يا عبد الرحيم، اقفل دلوقتي وتبعتلي اسم المستشفى في رسالة وانا جاي حالا وهحصلكم، سلام. اغلق وخطأ يعدوا سريعًا نحو غرفته، حتى انه لم ينتبه للإجابة عن اسئلة شقيقه ودعوات والدته التي فزعت برعب: - هو ايه اللي حصل بالظبط يا حسن؟ جيب العواقب سليمه يارب، استر يارب ❈-❈- بخطواته السريعة وصل إلى القسم المذكور وامام غرفة العمليات التقى عبد الرحيم مع عدد من العمال أتو بملابس العمل صافحهم على عجالة قبل ان ينفرد به سائلًا: - ايه اخر الاخبار دلوقت؟ حصل ايه مع عبيد؟ أجاب عبد الرحيم: - لسة على اعصابنا والله يا بشمهندس، احنا اول ما جينا دخلنا بيه طوارئ، فحوصات واشعة وبلاوي زرقة، وفي الاَخر قرروا يدخلوه غرفة العمليات حالا، الست شهد مضت ع الإقرار، وادينا في انتظار خروجه. - طب هي فين شهد دلوقتي؟ - هناك اهي. قالها عبد الرحيم وهو يومئ بذقنه نحو الجانب الاَخر، حيث كانت واقفة مستندة بظهرها على الجدار الأبيض خلفها، بأعين زائغة ووجه مخطوف، وصل إليها سريعًا يبادرها بقوله: - مالك يا شهد؟ شكلك مش طبيعي. التفت برأسها إليه صامتة فتابع بقلق: - هو انتي خايفة لتجراله حاجة لا قدر الله؟ اكيد مسؤوليته مش هتبقى عليكي، دا يبقى قضاء الله وقدره..... - متقولش كدة الله يخليك. قالتها مقاطعة له، لتكمل بجزع: - دا عيل صغير، يدوب مكملش سبع تاشر سنة، وحيد امه على بنتين متجوزين...... اصفرار وجهها وهذه الرعب المرتسم عليه، جعله يشعر وكأن يــ دًا بشربة تقبض على قلبه، بألم يفوق احتماله، قلقًا عليها، يود احتضانها ليمتص خوفها، يزرع داخلها امانًا تفتقده، وقد زاد عليه هذا الحادث. - انا جيت متأخر ومشتفتوش وهو غرقان في دمه، قالولي انه كان شكله يخوف وميبنش أبدًا انه بخير، يا خوفي ليروح فيها يا خوفي .. ظلت تردد وتغمغم بها عدة لحظات حتى خرج الطبيب من حجرة العمليات، ركضت إليه سريعًا تسأله: - ايه الأخبار دلوقتي يا دكتور؟ في امل أنه يعيش. بملامح مجهدة ووجه متعرق، اجابها الطبيب على عجالة قبل أن يكمل طريقه: - الأمل في الله وحده، ربنا كريم ادعوله. تسمرت محلها بعدم فهم لتنقل بعينيها نحو حسن الذي حاول طمأنتها بقوله: - ان شاء خير يا شهد، الحاجات دي بتبقى معقدة وعايزة وقت على ما تبان النتيجة... فُتح باب الحجرة فجأة ليخرج ممرضي المشفي بالسرير النقال الذي يحمل عبيد بحالته الصعبة، التف اصدقائه حوله وتوقف حسن محله يراقب شهد التي تخشبت محلها وانظارها معلقة نحو الفتى حتى اختفى من امامه بذهابه إلى غرفة العناية الفائقة، تكلم حسن خاطبها: - شهد كفاية كدة وتعالي اروحك. لم تجيبه بل ظلت على حالها في الشرود وكأنها غائبة عن الوعي، تابع لها بقلق يزداد لحظة بعد لحظة ليرطقع بأصابعه أمامها: - يا شهد، انا بكلمك ارجوكي ردي عليا. في هذه اللحظة التفت إليه لتلتقي عينيها بخاصتيه، بنظرات مشتتة، قبل ان تجفله فجأة بسقوطها الذي تداركه سريعًا ليتقطها قبل أن تصل إلى الأرض، ثم رفعها من أسفل ركبتيها ليحملها على ذراعيه يصرخ على مساعدها بجزع : - شوف لنا دكتور يا عبد الرحيم، هات لنا دكتور بسرعة. ..... الفصل الرابع عشر بالقرب من البناية التي تقطن بها، توقفت سيارة الأجرة الجماعية، لتترجل منها، فوقعت عينيها على مساعد شقيقتها الذي كان خارجًا منها مهرولًا بخطواته، هتفت به توقفه وقد اقلقها هيئته: - عبد الرحيم استني هنا. التف إليها الاَخير وتوقف ينتظرها حتى اقتربت لتسأله: - هو انت كنت عندنا فوق؟ - اه يا ست رؤى، اصلي كنت جاي اطمنكم ع الست شهد لتقلقلوا على غيابها. رددت خلفه بتوجس: - تطمنا على غيابها! ليه هي مالها شهد؟ وايه اللي يخليها تغيب؟ بدا على وجه عبد الرحيم الحرج، مما زاد على رؤى بالشك لتعيد السؤال بقلق: - ما تقول يا عبد الرحيم، ما لها اختي؟ انا خرجت من المدرسة ع الدروس، يعني من الصبح غايبة عن البيت، اختي مالها؟ تكلم يخاطبها بمهادنة، حتى لا يزيد عليها: - اهدي بس اهدي وخليني افهمك، شهد اختك كويسة والحمد لله، المشكلة حصلت عندنا في الموقع، عامل النصبة اللي شغال معانا بقالوا سنين، حصلتلوا حادثة، وهي بس عشان قلبها رهيف مستحملتش فوقعت من طولها...... - اختي انا وقعت من طولها؟ هتفت بها مقاطعة فتابع لها يستطرد بعفويته: - يا ست افهمي، هي بس حصلها تعب في أعصابها... - اختي اعصابها تعبانة؟ قاطعته للمرة الثانية بجزع ارتسم على ملامح وجهها حتى أشفق عليها، وحاول طمأنتها ولكنها بدت وكأنها تعلم ما حدث بقولها: - هي شافت الحادثة بعينها عشان كدة تعبت صح؟ - لا والله ما حصل، هي بس شافته وهو خارج من اوضة العمليات راحت وقعت من طولها. قالها بغرض تهدئتها ولكن ما حدث هو أن زاد من ارتياعها، لتصيح به: - اختي فين دلوقت؟ وديني عند اختي يا عبد الرحيم. تنهد بتريث يجيبها: - يا ست رؤى افهمي انا جيت ابلغ الست والدتك عشان اخدها معايا ع المستشفى لو حبت، بس اختك امنية قالتلي امشي واحنا هنحصلك، يعني مينفعش اخدك لوحدك، منظرها مش حلو، شوفيهم فوق لو حابين اتصلي بيا وانا اجيب تاكسي واخدكم معايا. توقف ليتحرك قبل أن يستئذان: - انا في بيتنا يا ست الكل، هاتشطف بسرعة عشان اغير هدمتي واكلي لقمة، لو عايزة زي ما قولتلك، رني عليا بس، الرقم عندك في التليفون. ذهب عبد الرحيم والتفت هي مسرعة نحو منزلهم، حتى، إذا وصلت هناك هتفت بوالدتها التي فتحت لها الباب: - ماما انتي لسة قاعدة بهدوم البيت؟ مخرجتيش ليه مع عبد الرحيم يوديكي عند شهد؟ تلجلجت نرجس قليلًا بتوتر قبل أن تجيبها: - يا بنتي ما انا رايحة اهو على ما اختك تجهز وتخلص، هو انتي عرفتي اللي حصل لشهد منين؟ أجابتها رؤى تردف على عجالة وهي تدلف لداخل المنزل: - انا قابلت عبد الرحيم وهو نازل من عندكم وقالي، المهم يالا بقى خلصونا، يا أمنية، ياللا يا أمنية... ردت الأخيرة وهي تخرج لها من الغرفة: - ايوة أيوة، يالا إيه بقى؟ هو احنا رايحين فسحة؟ تفاجأت رؤى وهي تجدها بملابس المنزل هي الأخرى، تضع الهاتف على أذنها وتتحدث بهدوء، لتصيح بها: - هو انتي كمان لسة ملبستيش؟ امال امتى هتجهزي زي ما قالت والدتك؟ بلاس برودك دا دلوقتي يا أمنية، عايزين نلحق نطمن على شهد. بملامح ممتعضة ردت أمنية: - وانا يا اختي مانعت ولا اعترضت؟ ما قولنالك رايحين، بس بقى بالأصول، عشان انا واحدة مخطوبة، ولازم استأذن خطيبي الأول، قبل ما اتحرك خطوة من البيت، هو محرج عليا في كدة. صرخت رؤى تخرج عن طورها الهادئ: - تستأذني خطيبك على مشوار اختك اللي وقعت في المستشفى ومحدش فينا معاها؟ لييه؟ كان كاتب كتابه، دا حتى لو كان برضوا في حاجة زي دي، مش عليكي حرج. اهتزت بجســ دها المكتنز لتقول بأعين متهربة: - برضوا مينفعش انا لازم استأذن. بوجه محتقن وأعصاب على وشك الانفجار خاطبيتها رؤى: - ماشي يا ست المطيعة خلصينا بقى ونيلي اتصلي، مستنية ايه؟ ولا التليفون أصلا على ودانك بيعمل ايه؟ ردت أمنية بصوت مرتبك: - ما انا بحاول من ساعة ما مشي الواد ده اللي اسمه عبد الرحيم، بس ابراهيم لسة ما بيرودش، باينه نايم بقى ولا إي....... - كمااان. صرخت بها رؤى لتتابع بعدم احتمال: -عايزة تنتظري لحد اما يصحى الباشا ولا يتكرم ويرد عليكي، لا بقى دا ما سموش برود، دي التناحة بعينها.. تحركت بخطواته تردف: - انا رايحة لعبد الرحيم، رايحة معايا يا ياما؟ اضطربت حدقتي نرجس وذهبت أنظارها نحو أمنية التي ضيقت عينيها بتحذير، لكن رؤى كانت اقوى في صيحتها: - اتحركي بقى يا ماما، هو انتي لسة هتستني الهبل ده؟ بنتك عايزة تستنى المحروس بتاعها، يبقى مع نفسها، لكن انتي مينفعش قعادك اكتر من كدة، يالا يا ماما. أتى التوبيخ بنتائجه على نرجس التي ركضت بخطواتها سريعًا حتى دلفت لغرفتها مذعنة لأمر رؤى، والتي وقفت تتبادل حرب النظرات مع أمنية الساخطة، بعد أن أفحمتها بحزمها وقوة شخصيتها، رغم صغر سنها، وفرق العديد من السنوات بينهن. ❈-❈❈ صراخ وعويل، رجال ونساء حولها يناظرنها بشفقة، وهمسات وكلمات عديدة لم تفهم منها شيء، وهي مصرة أن تتخطى وتقتحم داخل المنزل المكتظ بالبشر، حتى دلفت لداخل الغرفة الحبيبة فذهبت بعينيها نحو الفراش لتجد أمامها جســ د مستلقي عليه دون حراك مغطى نصفه بملاءة بيضاء، والنصف الأعلى مكشوف، لتكمل بأنظارها على الجلباب المُغبر، ثم الوجه المغرق بالدماء؛ والأتربة تغطى معظم ملامحه، و..... لقد علمته!.... إنه هو.... هو ... باباااا ...... صرخة قوية شقت حلقها، والصور القبيحة والمؤذية تتداخل أمامها ببشاعة وكأنها بداخل هوة سحيقة تبتلعها، يختفي بها كل شيء إلا من صوت ضعيف يأتي من بعيد ويقوى شيئًا فشيء: - شهد، فوقي يا شهد، شهد شهد. خرجت الأخيرة بقوة تتنزعها من ظلمتها، لتجد وجهه أمامها، بجزع يردد لها: - هو انتي كنتي بتحلمي؟ يا شهد انا بكلمك. كانت تتنفس بصعوبة وأعين جاحظة على ملامح ملتاعة ، جعلت قلبه يسقط داخل صــ دره، يردد لها - يا شهد فوقي وكلميني ولا اروح اندهلك الدكتور. - دكتور إيه؟ همست بها لتستعيد وعيها اَخيرًا وترى الصورة جيدة، داخل الغرفة ذات الجدارن البيضاء، ابرة مغروزة على ظهر كفها، موصولة بأنبوب طويل لمحلول معلق في اعلى العمود الرفيع بجوار التخت النائمة عليه، وهذا المدعو حسن مائلًا بجســ ده نحوها، ومازال يخاطبها بقلق: - انتي واعية دلوقتي عشان تكلميني؟ ولا اجيب الدكتور زي ما قولتلك؟ نفت برأسها، واستدركت لتتمالك وتعتدل بجزعها على الفراش الطبي، لتحاول بيأس السيطرة على ارتجافها والذي فضحه صوتها المهزوز: - هو انا إيه اللي حصلي؟ وليه المحاليل والرقدة هنا على سرير المستشفى؟ تحمحم حسن بعد ان اطمأن قلبه قليلًا بعودتها وتناول المقعد القريب ليجلس بالقرب من تختها ويجيبها: - المحاليل والرقدة هنا في المستشفى، دا بأمر من الدكاترة، بعد انتي ما اغمى عليكي. رددت خلفه متسائلة بعدم تذكر: - أغمى عليا؟ انا اغمى عليا طب ليه؟ - الكلام دا حصل بعد ما شوفتي عبيد وهو خارج من اؤضة العمليات يا شهد. قالها حسن ليجد انعكاس كلماته على ملامحها التي تغضنت بتأثر تغمض عينيها بألم، وكأن تذكرها لعبيد اعاد عليها ذكرى ابشع.... سألها حسن يجفلها: - شهد هو انتي إيه اللي خلاكي افتكرتي والدك؟ زادت بإغماض جفنيها لعدة لحظات صامتة، حتى جاء ردها في الاخير برفض: - ممكن ماتسألنيش السؤال ده؟ عشان بصراحة لا انا عايزة ولا قادرة ارد. تطلع بعينيها وهذا الرجاء بهما ليرى جرحها الغائر والذي تحاول جاهدة أن تخفيه خلف قشرة صلبة بهيئة الرجال حتى لا يرى أحد ضعفها، تنهد حسن بثقل ما يشعر به تجاهها في هذه اللحظة، وقال مهونًا: - خلاص يا شهد مش هسألك، انا بس هقولك تهدي شوية عشان تقدري تستعيدي صحتك مرة تانية. - صحتي! ليه هو انا عندي إيه بالظبط؟ سألته بجزع وعينيها زاغت بتوتر، فقال حسن: - ميروحش فكرك لبعيد يا شهد، انا اقصد الضغط على أعصابك، الكلام دا هو اللي خلاكي تقعي من طولك النهاردة، والدكتور اللي فحصك نبه ع الحكاية دي، انتي اعصابك تعبانة يا شهد ولازم تستريحي. تجعد جبينها لتسأله بعدم فهم: - استريح ازاي يعني؟ هو انا مش هقوم دلوقتي بعد ما اخلص المحلول ده. تحركت رأسه بنفي أمامها يردف: - لا يا شهد، الدكتور امر انك تباتي الليلة في المستشفى، ولما تروحي بكرة تستريحي في بيتكم كمان اعترضت وهي تحاول أن تنزع ابرة المحلول من كفها: - خلاص يا عم يبقى استريح في بيتنا أحسن، هو الموضوع مستاهل..... اوقفها بمسك يــ دها الحرة قبل أن تتمكن من فعل ما برأسها العنيد ليهدر بها بحزم: -اسمعي الكلام بقى، بلاش استهتار، الدكتور أمر يبقى تنفذي وانتي ساكتة. برغم توترها من فعلته، وقرب وجهها منه، إلا أنها اصرت على عدم الطاعة بقولها: - يأمر براحته، وأنا بقى محدش يمشي عليا، سيب إيدي يا حسن. لأول مرة تلفظ أسمه بدون اللقب المهني له، لأول يعرف بطريقتها الناعمة في نطق الأسم، حتى أنها مرت على أسماعه وكأنها لحن موسيقي، لأول مرة يراها بهذا القرب، الجمال المتخفي خلف هيئة رجولية كاذبة تدعيها ولا تليق بها. - بقولك سيب إيدي يا حسن . قالتها مرة أخرى غير دارية بحالته، وهو يجاهد للتماسك أمامها فقال بصوت متحشرج: - هسيبك يا شهد، بس تبطلي تنشيف الدماغ ده. اومأت رأسها بمهادنة حتى يتركها، ففعل ولكن بحذر حتى لا تعود لما تفعله مرة أخرى، أما هي فقد ابتلعت ريقها بارتباك واضطراب في مشاعر تستشعرها الاَن بعد فترة طويلة من السنوات، وقد ظنت أنها اندفنت مع من دفنوا - إيه اللي حصل يا شهد؟ صدرت بدخول ابو ليلية فجأة للغرفة مندفعًا بقلق نحوها، نهض على الفور حسن يستقبله: - تعالي يا عم مسعود وشوف المجنونة دي، مش برضوا انت كبيرها وليك كلمة عليها؟ - ليه يا بوي في ايه؟ سأل مسعود وهو يتقدم بخطواته حتى جلس على طرف التخت منتبها لحسن الذي اردف: - المقاول قريبتك دي، الدكتور منبه عليها الراحة التامة الليلادي في المستشفى وهي راسها والف سيف لتنزع ابرة المحلول وتقوم. سمع منه أبو ليلة ليلتف إليها بنظرة دافئة رغم مزاحه قائلًا: - ليه يا بت اخوي؟ وراكي الأبعدية وخايفة عليها تتسرق؟ ولا فاكرة انهم ميجدروش يسوا امورهم من غيرك؟ خواتك كبروا يا شهد، ما عدوش صغيرين زي الأول . تجعدت ملامحها لتقول بسأم: - مش موضوع اخواتي يا ابو ليلة، انا نفسي بكره المستشفيات، دا غير اني رافضة القعدة على موضوع تافه. - تافه! هتف بها حسن باندهاش، فقال مسعود: - طول ما وجعتي من طولك يا شهد يبقى مفيش حاجة تافهة، انا اول ما سمعت باللي حصل، جيت على ملا وشي جري، مش خوف على عبيد وبس، لا دا عليكي انتي كمان، عشان عارفك. ضيق عينيه حسن بتفكير، وبدا على الاضطراب على ملامح شهد وهي تخاطبه: - عارفني ازاي يعني؟ في إيه يا عم؟ ما انا زي الفل قدامك اهو. - بس يا بت، بلا جدامي، بلا وراي، اسمعي كلام الدكتور وبطلي رط ع الفاضي. هتف بها ابو ليلة بحزم جعلها تبتسم بطاعة لأمره، ثم تبادلا الحديث ثلاثتهم حول حالة عبيد وانتظارهم لاستفاقته حتى يطمئنوا عليه، وحسن يحاول الاندماج معهم، حتى أتت رؤى ووالدتها ليطمئنا عليها ويرافقنها، فوجدها فرصة حسن لينفرد بمسعود حتى يعرف ما يود معرفته. ❈-❈❈ في غرفة عملها بالفندق، وهي تتحدث مع والدتها عبر الهاتف، خرج صوتها بجزع: - شهد!.... انتي متأكدة من كلامك دا ياما؟............. كلمتيها بنفسك واطمنتي؟........... اكيد طبعًا افتكرت حادثة والدها ودا اللي جابلها التعب،........ يا امي انا هخلص شغلي واعدي عليها، مش هستناكي........... خلاص يا ستي متزعليش، هعدي عليكي انتي كمان ونروح...... قطعت جملتها مع رؤيتها لهذا الرجل المتغطرس وهو يقتحم الغرفة، انهت سريعًا وهي تفف لتحيته.... - طب سلام دلوك، وبعدين هبجى اكلمك... - مساء الخير. قالها مع اقترابه لمكتبها، وردت تجيب التحية بعملية: - مساء الخير يا فندم، تؤمر بحاجة؟ سؤالها الملاصق لرد التحية اثار بداخله الضيق، لعدم سماحها بإعطائه فرصة التعامل معها بود عادي حتى، تجهم ليسألها متحججًا: - شادي فين يعني؟ انا مش شايفه. قطبت في البداية مستغربة السؤال، ولكنها سريعًا عادت لتجيب بمهنية: - حضرتك مستر شادي اكيد مشغول دلوقتي في إعداد الحفل مع الناس المختصين. - وانتي مش معاه ليه؟ سألها بفضول يجعله يحترق بداخله ليعرف، وجاءت اجابتها: - انا هنا بنفذ اؤامر رئيسي، وهو بيأمرني لتنفيذ الاعمال ألإدارية. - اممم زام بفمه يفرد جســ ده واضعًا كفيه في جيبي بنطاله، أنظاره مرتكزة عليها، ليقول بإصرار على المجادلة: - وليه اعمال إدارية بس؟ معندكيش كفاءة في باقي الأعمال؟ ارتفعت عينيها الجميلة لتحدجه بحدة رغم دبلوماسية الرد: - والله يا فندم لو مستر شادي شايفني بالمنظور ده، أكيد طبعًا يبقالوا الحق في التصرف كما يشاء، ينقلني عن العمل، او يصرفني حتى، هو حر. صمت يختزل نظرتها داخل عقله وهذه القوة والتحدي بها، رغم ادعائها الاحترام له، فقال بخبث: -،مش يمكن مقدر الجيرة وبيجامل على حساب راحته، انا شايف انه بيجي على نفسه زيادة، ومن رأيي انه ميدخلش الأمور دي في الشغل، يعني من الأفضل انك تتنقلي من عنده.... - أتنقل! هتفت بها بصدمة وعدم تصديق أن يكون قاصدًا هذا بالفعل، تنقل من العمل بهذا القسم وتذهب إلى أين؟ ليس لديها معرفة بأحد ولا تريد الأختلاط بأحد غريب، يناسبها العمل هنا ولا تشعر بأدنى رغبة في تركه - سكتي ليه؟ سألها مراقبًا كل همسة منها لمعرفة رد فعلها والذي بدا على تجهم ملامحها، لتقول بتماسك: - انا قولت من الأول، مستر شادي حر في أي شيء يعمله، حتى وانا شايفة اني مقصرتش. - مش مهم انتي تشوفي، المهم انا اللي اشوف. قالها عدي بمقصد ليذكرها انه هو صاحب القرار، ومن له حق التصرف، وليس هذا المدعو شادي. - عدي باشا! قالها الاَخر وهو يلج الغرفة بخطوات مسرعة كعادته، فالتفت صبا إليه بنظرة متلهفة وكأنها كانت تنتظر مجيئه، ورد عدي: - انا كنت بمر جمبك يا شادي وجيت اسألك عن اَخر ترتيبات الحفل. أجلى شادي حلقه ليجيب باضطراب اقلق صبا، مع بدء حفظها لطبيعته حينما يصيبه التوتر لشيء ما: - حاجات بسيطة اوي هي اللي فاضلة يا فندم، ودي خاصة بترتيب الحضور وحجز تذاكر الجمهور، وانا عامل ملف عشان اطلعك على اخر المستجدات.... اا ثواني هجيبهولك. وقالها وتحرك خلف مكتبه، ولكن عدي اوقفه: - ابعتهم ورايا يا شادي، انا مستنيك في الريسيبشن، ولا ابعتهم مع المساعدة بتاعتك احسن. قالها وتحرك بتعالي ساهم في ازدياد احتقانها منه، لتغمغم فور مغادرته: - يا ساتر على تقل دمك... إيه ده؟ التفت نحو رئيسها لتجده يلملم في وضع اشياءه في الحقيبة السوداء، لتسأله بفضول: - أنت بتلم حاجتك ليه؟ اجاب وهو يحكم إقفال الحقيبة: - رحمة اتصلت بيا من شوية، بتقولي ان امي تعبانة ونقولها المستشفى، انا وكلت حمدي يتابع بدالي عشان اروح احصلهم حالا دلوقت. نهضت صبا توقفه قبل ان يغادر: - طب استنى، انا كمان جاية معاك. - وشغلك يا صبا؟ والملف اللي عدي عزام عايز يشوفه؟ ردت غير مبالية وهي تتناول حقيبتها وهاتفها: - انت مش قولت انك وكلت حمدي يتابع بدالك، خلاص بقى خليه يوصله بالمرة. ❈-❈❈ بعد قليل وعلى كرسيه المفضل في الركن الذي اتخذه ملكية خاصة له، كان جالسًا يرتشف قهوته، يدعي العمل على حاسوبه وعقله يسبح في بحر العيون التي سيطرت على مركز الرؤية لديه، فلا تمكنه من مشاهدة الارقام او الأشخاص او العالم الذي يدور كخلية نحل من حوله، ينتظر مجيئها بفارغ الصبر، على الرغم من عدم مرور وقت منذ مغادرته الغرفة، ناظرها بعينيه، تطل من الجانب الذي تقطعه دائمًا في الذهاب والعودة نحو محل عملها، هم أن ينتشي بالفرح، ولكنه تفاجأ بمجيء شادي خلفها، ثم مرافقته لها وتجاهلهم له، بأن اتخذوا طريقهم نحو باب الخروج بالفندق، ظل على وضعه المصدوم، لعدة لحظات يتابعهم بعدم استيعاب، حتى أجفله حمدي: - عدي باشا. التف إليه يجيب بحدة: - نعم! عايز ايه يا حمدي؟ تحمحم الأخير بحرج وهو يدنو ليُناوله الملف المطلوب قائلًا: - حضرتك دي البيانات اللي انت طلبتها، شادي كلفني اجيبهالك عشان هو خرج مستعجل. - شوفته. هتف بها سريعًا ليتابع بغضب: - ولما هو خرج مستعجل واستئذن منك، مبعتش المساعدة بتاعته ليه؟ ولا هي كمان عندها مشوار مهم عشان تخرج معاه؟ - هي فعلا خرجت معاه يا فندم، اصل والدة شادي نقلوها المستشفى وهي بحكم انها جارتهم، استأذنت تروح معاه. قالها حمدي، ليخرج رد عدي عليه بسخرية امتزجت بغضبه: - وانت بقى الحنين مرديتش تزعل الاتنين. تفاجأ حمدي باللهجة الحادة من رئيسه وبدون مبرر، فقال بحرج: - حضرتك الموضوع هنا ميخصش الحنية، بس دا شيء عارض، والحكاية دي أي حد فينا مُعرض ليها. صك على فكه ليصرفه ببعض اللطف، وداخله يحترق بالغيظ، وقد الجمه المنطق عن صب جام غضبه فيه، أو الانتقام من الاثنان، او هي على الأخص، بأن ذهبت غير مبالية به أو بأمره، وكأن ليس لديه سلطة عليها أو رئيسها في العمل. زفرة طويلة أطلقها ليغمغم بتوعد: - ماشي، ماشي يا صبا. ❈-❈❈ بعد مرور عدة ساعات. خرجت من المصعد بخطوات مسرعة، لتستدرك وتستدير برأسها لتهتف به من خلفها: - ما تيلا بقى يا ابراهيم، مد رجلك دي شوية كدة، احنا أساسًا متأخرين. ناظرها بامتعاض يزيد من تمهله بتخايل في سيره، ليقول باعتراض: - متأخرين بقى ولا كنا مجيناش اصلًا؟ احمدي ربنا اني وافقت اجيبك، وكمان اجي معاكي عشان انا راجل وابن اصول . ابتسامة ساخرة خرجت منها بمرح، لتردف بمغزى: - لأ فيك الخير يا سي ابراهيم. توقفت لتكمل هامسة بمغزى: - اللي يسمعك بتقول كدة، يقول ان انت جاي من نفسك، مش بعد محاولات من الزن على راسك لما نشفت ريقي، وبرضوا موافقتش غير بعد ما أخدت حق التوصيلة. قالت الاَخرى بغمزة ضاحكة، ليلتف الاَخر يمينًا ويسارًا، ليخاطبها بحذر: - خلي بالك يا بت من كلامك، احنا في مكان عام، يعني مش ناقصين عبط. - أنا عبيطة! ماشي يا ابرهيم . قالتها لتسبقه بخطواتها المسرعة، حتى كان جســ دها المكتنز يهتز أمامه في طقم الخروج الذي ترتديه ، ليظل هو يمهل بالخطوات خلفها متعمدًا، مغمغمًا بمصمصة من شفتيه: - الحاجة الوحيدة اللي عجباني فيكي! ❈-❈❈ وفي الجهة الأخرى خرجت مجيدة من المصعد المقابل، تستند على ذراع امين الذي أتى بصحبتها، مذعنًا لإلحاحها، بعد أن اصرت على المجيء. - هو دا الدور اللي فيه اؤضة شهد؟ أجاب على مضض، وعينيه تجول يمينًا ويسارًا: - هو دا الدور فعلا يا ست ماما، بس انا بقى مش عارف اوضتها في اي جهة عشان ابنك المحروس مقليش ان المستشفى كبيرة كدة. قالت مجيدة مدافعة: - يا بني هو في إيه ولا ايه بس؟ دا يا حبيبي بيتكلم بالعافية. توقف بها ليقول بتذمر: - اه يا ست الكل، هو يتاثر ويزعل وانا بقى اللي اشيل واعطل نفسي في اللف والدوران، يعني هما كان من أهلنا. نهرته مجيدة تلكزه بقبضتها وتقول بتوبيخ: - بس يا واد متقولش كدة، ربنا ما يجيبها لحد يارب، قريب ولا غريب، وان كان على اخوك اتصل بيه وخليه يجي ياخدنا، هي مش صعبة اوي كدة يعني. زفر أمين يتناول الهاتف بضيق ليتصل على شقيقه ❈-❈❈ وفي غرفة شهد وبعد أن خرج حسن ليستقبل شقيقه ووالدته، كانت هي تتلقى العناق والقبلات من شقيقتها، بجمود وعدم راحة: - الف سلامة عليكي يا اختي، والله ما تعرفي انا كنت زعلانة قد إيه؟ ولولا ابراهيم كان وراه شغل مهم لكان جابني قبل امي واختي كمان. القت شهد بنظرها نحو الاخير، والذي كان واقفًا بالقرب منها، لتردد بعدم تصديق: - كان وراه شغل!.... ومهم كمان؟ رد إبراهيم رافعًا رأسه أمامها بزهو يدعيه بكذب: - اَه امال ايه؟ انا كان ورايا مصلحة مهمة بعملها، مش صايع يعني ولا فاضي. رمقته شهد بنظرة كاشفة أثارت حنقه من الداخل، فتدخلت نرجس بمداهنة: - سميرة اختي على طول بتقولي انك مشغول، روح يا بني ربنا يفتحها عليك، انت وكل الشباب اللي زيك. خطفت شهد نحوها نظرة سريعة يائسة قبل أن تتجه نحو شقيقتها الصغرى والتي كانت بركن وحدها، تقف متكتفة، توزع انظارها نحو الثلاثة بسخط صامتة، فهمت عليها شهد لتخاطبها: - انتي يا حلوة، واقفة بعيد عني ليه؟ مش تيجي كدة جمبي، ولا انتي خايفة اني اعديكي؟ قالت الاَخيرة بتفكه جعل الأخرى تضحك مستجيبة بمرح لتردد وهي تقترب منها: - ايوة بقى، واتعدي كمان من طبعك، ومدام هتبقى عدوة يبقى نخليها شامل كمان بالشكل، عشان اخد حلاوتك وجمالك. جذبتها من كفها لتتلقفها بعناق مرددة: - دا انتي اللي قمر، واحلانا كلنا، يا اخر العنقود يا سكر معقود انتي. عوجت أمنية ثغرها بزاوية وهي تشيح بوجهها عنهن، لا تطيق هذه اللحظات المستفزة من هن، التقت عينيها بابراهيم الذي فهم، ليناظرها بتشفي وكأنه يخبرها بحجم المحبة الفارق بين الشقيقتين، وهي المكروهة منهن، وبينهن كانت تقف نرجس، لا تفقه ولا تعي بحديث الأعين الدائر بحدة، ولكن شهد بفطنتها لم يفُتها ذلك، فسألت تجفلهما: - مقولتيش يعني، التقيتوا ازاي عشان يوصلك؟ استناكي برا في الحارة ولا روحت انتي بيت خالتك ومشيتي معاه؟ ولا....... مش معقول يعني يكون طلعلك البيت.... ولا طلع؟ على الفور نفت أمنية بهز راسها، وهي تخفي ارتباكها بالهجوم المضاد: - لا طبعا مطلعش، جرا ايه يا شهد؟ دا مبيدخلش البيت وانتو قاعدين، هسمحلوا ان يدخل وانتو غايبين؟ ما تخلي بالك من كلامك، الله. اضاف هو ايضًا وقد اعجبه قولها: - يمكن فاكراني ناقص ولا قليل أصل؟ صمتت شهد ولم تريحهم بأي رد فعل، بل اتجهت نحو شقيقتها الصغرى سائلة: - وانتي بقى يا ست رؤى قوليلي، عرفتي ازاي تروحي لعبد الرحيم عشان يوصلك؟ همت تجيبها رؤى، ولكنها توقفت على طرق باب الغرفة، وحسن يطل برأسهِ يقول باستئذان: - والدتي جاية مع اخويا تشوفك يا شهد، ممكن؟ اعتدلت بجذعها لتردد بترحيب: - اه ممكن وممكن اوي كمان، خليها تدخل، تعالي يا ست مجيدة. ابتعد حسن عن المدخل ليُفسح الطريق لوالدته التي ولجت بابتسامة مشرقة من القلب تردف التحية: - مساء الفل يا قمري. - مساء الفل يا ست مجيدة اتفضلي. تقدمت إليها تحتضنها بحنان قبل أن تجلس على طرف التخت مرددة: - الف سلامة عليكي يا قلبي. هذا القلق مع دفء المشاعر التي كانت تصدر منها بصدق وصل لشهد حتى خرج صوتها ببحة مجروحة من العمق، فكيف للمحروم مهما بالغ في اعتزازه بنفسه او التغاضي، الا يتأثر بلمسة حانية من القلب؟ - الله يسلمك يارب يا ست مجيدة، متحرمش منك. - يا حبيبتي ولا منك، دا انا من وقت ما سمعت من حسن باللي حصل، وانا لا على حامي ولا على بارد، وكنت هتجنن وانا منتظرة حد من الولاد يجيبني عندك وما صدقت أمين وصل من نبطشيته، قومت ساحباه من قبل حتى ما يغير هدومه. اضاف الاَخير على قولها: - ولا حتى ادتني فرصة اكل لقمة.... المهم بقى الف سلامة عليكي. تمتمت شهد بإحراج: - الله يسلمك يا حضرة الظابط، مكنش فيه لزوم للتعب. - مين دا اللي ظابط؟ سأل ابراهيم، قبل أن يلتفت إليه حسن يجيبه: - اخويا هو اللي ظابط، وانا الباشمهندس حسن اللي شغال مع المقاول شهد، ودي الست والدتي، وعلى فكرة بقى احنا حضرنا خطوبتك. تدخلت نرجس بتذكر: - ايوة صح، انا فاكرة الست مجيدة لما جت سلمت عليا وباركتلي، ازيك يا هانم؟ عاملة إيه؟ قالت وهي تدنو من مجيدة بترحيب مبالغ فيه، وتعرفها على ابنتيها، رؤى، والعروس أمنية والتي كانت مزبهلة بغباء لفت انتباه ابراهيم الذي لكزها يهمس بتحذير: - مالك يا بت متنحة كدة ليه؟ ما تظبطي كدة واتعدلي. أجابت بهمس هي الأخرى مستغله انشغال والدتها في الحديث مع الأغراب، واستئذان الظابط امين، ليتناول شيئًا ما في الخارج، قبل ان يعود ليغادر بوالدته، لتقول وانظارها نحو المتبقي: - معلش يا ابراهيم، بس بصراحة انا متفاجئة من السهونة اللي ساكنة معانا وهي متصاحبة على ناس نضيفة كدة وعاملة علاقات معاهم، يخربيت كدة، ايه الحلاوة دي؟ لفظت الاَخيرة بحماقة جعلت الاَخر يحدجها بنظرة نارية يتمتم من تحت أسنانه: - بتعاكسي في الرجالة قدام عيني يا بت الجزمة، وحياة امك لاربيكي عليها دي. قالها وتحرك مغادرًا دون استئذان ليصفق الباب خلفه بعنف جعل جميع من في الغرفة ينتبهون، قبل ان تجفلهم الأخرى بقولها: - يا نهار اسود، دا باينه خد على خاطره مني؟ عن اذنكم بقى يا جماعة، براهيم، يا ابراهيم. غادرت هي الأخرى لتترك الجميع يتطلعون في الباب المنغلق باندهاش، قبل ان تتكلم نرجس بتلعثم: - اا معلش متأخذوناش، اصلهم زي ما انتو عارفين مخطوبين جداد وكل يوم في حال، البت صغيرة بتعيش سنها والواد مجنون بيها، اهو دا عيب العيال لما يتخطبوا صغيرين.. ختمت بضحكة سخيفة لم يتجاوب معها أحد، مجيدة التي لم يعجبها قولها، فقد انتبهت على وجه شهد الذي تغير، رغم ادعائها عدم الاكتراث، ورؤى الصغيرة، التي اشاحت بوجهها بتنهيدة مثقلة، لا تخرج سوى من كبار، اما حسن فتدخل يغير دفة الحديث من أجلها: - شوفتي يا ماما الانسيال بتاع شهد، دا معمول مخصوص باسمها، ( قلب ابوها ) اهو دا بقى الدلع اللي على حق ❈-❈❈ في شقة شادي وبعد أن اطمأن الأطباء على حالة والدته وصرح كبيرهم بخروجها، عاد بها ليضعها على تختها تحت انظار رحمة شقيقته، والتي كانت تساعد معه في تغطيتها وصبا التي رافقتهم، للنهاية انضما والديها معها. - الف سلامة عليكي يا ست الحجة. قالتها زبيدة مخاطبًا المرأة التي أومأت لها بتعب تغمض عينيها، فدثرتها ابنتها جيدًا لتخرج مع شقيقها، وشهد ووالدتها، وتلقفهم مسعود بالسؤال، فقد كان منتظر في الصالون. - ها يا جماعة، عاملة ايه الست كوثر دلوك؟ اجابته رحمة وهي تسقط بجســ دها على أقرب مقعد وجدته أمامها: الحمد لله يا عمي، ربنا نجاها والدكاترة لحقوها، المرة دي النوبة كانت صعبة اوي، بس الحمد لله اهي عدت. - الحمد لله يا بتي. تمتم بها مسعود قبل ان يخاطبه شادي ليجلس هو وأسرته، وقال له بامتنان: - انا متشكر اوي يا عم ابو ليلة على وقفتكم معانا، والله ما عارف هقدر ارد جميلك انت واسرتك دا ازاي؟ هتف به مسعود مستنكرًا: - جميل إيه يا واد؟ احنا جيران يعني اجرب من الأهل، الجميل ده يبجى مع الناس الغريبة، ثم احنا عملنا ايه يعني؟ تدخلت رحمة تجيبه: - لا يا عم ابو ليلة عملتوا، الست زبيدة اللي جات على صرختي وسندتها معايا وقت اما وصلت الإسعاف، صبا اللي متأخرتش وسابت شغلها وجات جري ع المستشفى مع شادي، ولا انت اللي سيبت حالك وقريبتك المحجوزة في المستشفى عشان تقف معانا برضوا، ربنا يبارك فيكم، وما يجيبلكم حاجة وحشة أبدًا. رد ابو ليلة وهو ينهض واقفًا عن مقعده. - امين يا بتي، احنا وانتو يارب. - على فين يا عمي؟. سأله شادي، ورد ابو ليلة وهو يشير بيده نحو زو جته وابنته: - يعني هيكون فين؟ ادوبك نروح ونسيبكم تريحوا، يالا يا بت انتي وهي. قالت رحمة: - طب استنى حتى نشرب مع بعض كوباية عصير. - في الفرح يا بنتي ان شاء الله. قالتها زبيدة وهي تتحرك خلف مسعود لتلحق بهما صبا التي توقفت فجأة قبل ان تخرج من الشقة لتسأله: -هتجدر تروح بكرة الشغل؟ سمع منها ليجيبها بتشتت: - مش عارف يا صبا، بس انا لو لقيت والدتي على حالها، هضطر اقعد طبعًا. وقفت هي متفكرة قليلًا، لتقول: - خلاص يبجى تبلغني، عشان لو كدة، يبجى انا كمان هجعد. بعدم استيعاب ردد شادي: - تقعدي! طب افرضي روحت؟ - يبقى هروح، عشان كدة بجولك بلغني. قالتها ببساطة الجمته عن المجادلة، حتى خرجت، ليظل متسمرًا محله، ينظر في اثرها بذهول يكتنفه، وكأنه قد فقد حاسة الفهم أو التميز من عقله. ❈-❈❈ عاد أمين بعد ان سد جوعه بأحد المطاعم القريبة، توجه إلى المصعد حتى يأتي بوالدته ويغادر، وقد يأس من الإلحاح على رأس أخيه الذي يرفض المغادرة حتى يطمئن من الطبيب المناوب على حالة عبيد، والمرتدة بدورها على حالة شهد. توقف فجأة على الصوت الذي كان يدوي من خلفه، وقد علم بصاحبته من العصبية وانفعالها في الرد: - ازاي يعني اقعد اليوم كله ومسمعش غير دلوقتي وبالصدفة كمان؟ طب انتي تعبانة، طب وخواتك، ولا واحدة فيهم تفتكر ترد عليا......... ما تحاوليش تبرري، انا جاية دلوقتي وهعرف حسابي معاهم..... اقفلي بقى عشان داخلة الانساسير، اقفلي يا شهد الله يخليكي. سمع الأسم، واشتعلت رأسه بالأفكار والتخمينات، ليربط الخطوط ببعضها، ويظل على حاله، معطيًا ظهره لها حتى هبط المصعد وانفتح أمامه ليدلف بداخله، وخلفه رجلين، ثم كانت هي الاَخيرة ليُغلق اليكترونيًا، ويتحرك بهما، خلف الرجلين وقف يتابعها، فقد كانت شاردة تزفر وتتأفف بملامح عابسة ولذيذة، لتذكره بشجاره معها، وتسليته في استفزاز امرأة جميلة مثلها، خرج الرجلين على أحد الطوابق، ليخلو المصعد عليهما، فانتبهت اَخيرًا، لتهتف به: - ايه ده؟ إنت تاني؟ ناظرها ببرود ليقول مندهشًا: - أيه ده؟ وانتي كمان؟ دا ايه الصدفة الغريبة دي؟ - صدفة! هتفت بها لتلتف عنه مغمغة بتذمر: - هو يوم باين من اوله اساسًا، ناقصني بس خناقة عشان تكمل! كتم ابتسامته، ليظل على هيئته الجامدة حتى خرجت وخرج خلفها، لتسير نحو الغرفة الموصوفة وهو خلفها، حتى وصلت إلى غرفة شهد، وما أن تمكنت من فتح الباب حتى وجدته خلفها ايضَا، إلى هنا وانفرط عقد حكمتها، لتصيح به: - انتي جاي ورايا لحد باب الأوضة كمان؟ إيه يا اخينا؟ هو انت مبلبع حاجة ولا توهت في السكة ومش عارف طريقك؟ - انا اللي توهت في السكة؟ في إيه يا اَنسة؟ هتف بها بحزم، فخرج على صوته حسن ونرجس وابنتيها، ومجيدة التي سألت مجفلة: - ايه في إيه؟ مالك يا لينا؟ ايه اللي حصل؟ سمعت الاَخيرة لتجيبها باحتقان: - تعالي يا ست مجيدة واحكمي بنفسك، البني أدم الغريب دا كل ما يشوفني نتخانق مع بعض، والنهاردة جاي ماشي ورايا لحد الاوضة هنا زي ما انتي شايفة كدة اهو، دا باينه مجنون، ولا متحرش دا ولا أيه؟ - نقي ألفاظك، انا مش عايز اغلط. هتف بها أمين وتدخل حسن يخاطبها بلطف: - يا آنسة لينا، اكيد في سوء فهم ما بينكم، امين دا يبقى اخويا وجاي هنا عشان ياخد والدتي ويروحها، اخويا مش متحرش ولا مجنون، دا ظابط محترم. - ايه ظابط؟ هتفت بها بعدم تصديق، ليتابع لها حسن موضحًا حتى تفهم، وتوقفت مجيدة بقلب يقفز داخلها تعيد برأسها الكلمات، وتغمغم: - كل ما يشوفها يتخانق معاها! يعني كذا خنافة، لدرجة انهم بقوا عارفين بعض، يالهوي، دا باينه بدأ ده اللي اسمه ايه ما بينهم؟ ولا ايه يا مجيدة؟ ..... الفصل الخامس عشر بإنهاك شديد كان يجر أقدامه جرًا حتى سقط على أقرب مقعد وجده أمامه ليلقي سلسلة مفاتيحة على الطاولة القريبة منه، ثم يمد ساقيه المتعبان أمامه، وهو يتمتم بوجع: - ااه، رجلي معدتش حاسس بيها، دا انا لو عدت لشغل الفاعل مش هبجى كدة. خلفه زبيدة التي كانت تدلف مع ابنتها ربتت بكفيها على كتفيه العريضين تخاطبه بحنان: - سلامتك من أي وجع يا أبو ليلة، من الصبح مخدتش نفسك، من الشغل للجري ع المستشفى ورا شهد، ومنها على الست ام شادي كمان، ربنا يديك الصحة، تحب اجيبلك ميه وملح وادلكهملك؟ ابتسم بعرض وجهه يتناول كفها يقبلها ليقول متغزلاً: - حرام اتعب اليد الحلوة. ضحكت زبيدة بخجل تحذره بعيناها، لينتبه لصبا التي ضيقت عينيها الجميليتين للإثنين تقول بخبث: - على فكرة اللي لسة معاكم، ولا اختفيت ولا اتبخرت في الهوا. زام ابو ليلة بفمه يتصنع الإمتعاض وتحركت زبيدة قائلة وهي تنزع كفيه عنها: - انا رايحة احضرلك حمام سخن تريح فيه جتتك، وعلى ما طلعت تلاجي الوكل جاهز تاكل وتريح على فرشتك بالمرة. عقب من خلفها وعيناه تتبعها حتى اختفت داخل مطبخها: - يريح جلبك يا أميرة. قالها ليعود بانظاره نحو التي جلست على الاَريكة المقابلة له، متكئة على الوسادة تناظره بمكر، فخاطبها: - مالك يا بت بتبصيلي كدة ليه؟ هتاخديلي صورة يا ختي؟ عادت تضيق عينيها لترسم ابتسامة شقية على ثغرها، بصمت فتابع لها: - حاببها وواجع فيها كمان عندك مانع يا ست صبا؟ ضحكت نافية بهز رأسها تجيبه: - لا يا عم وانا اجدر اعترض؟ - أيوة كدة اتعدلي . قالها ثم استطرد نحو الناحية المعتادة في حديثه لها : - عجبالك انتي كمان لما ربنا يهديكي وتلاجي اللي يحبك، مع اني عارف ومتأكد انه موجود بس انتي ادي اشارة ونجي على كيفك، من ولاد عمك.... انتفضت لتقف فجأة تقاطعه بتهرب لتتجنب الصدام معه، بحديث منتهي بالنسبة إليها: - ان شاء الله يا ابو ليلة ادعيلي بس الاَجي واحد زيك، عن إذنك بجى عشان عايزة اروح اغير هدومي واساعد امي في الغدا. قالتها وركضت على الفور، دون انتظار الرد، فهم عليها هو ليغمغم بسخط في أثرها: - اه يا بت الفرطوس، برضوا بتهربي كالعادة كل ما افتحلك سيرة الجواز وعيال عمك، براحتك! لكن بجى هتروحي من جدرك فين؟ ❈-❈❈ - نعم! عايزة إيه بروح امك. هتف بها بأعين مشتعلة نحوها وقد تصدرت بجســ دها أمامه توقفه في إحدى الطرقات في المستشفى الضخم، بعد ركض خلفه ومحاولات عدة في محايلته وأرضاءه، فقالت تجيبه لاهثة: - طب سيبني اخد نفسي الأول، ساعة كاملة وانا الف وادور وراك زي الشحاتة عشان بس تبصلي، إيه يا براهيم؟ هو انت ليه بقيت صعب كدة. كشر بأنيابه ليباغتها بغرز أصابع كفه الخمسة في لحم ذراعها يقول بشراسة: - ليكي عين كمان تحكي وتتحاكي معايا بعد غلطك وقلة حياكي وانتي راشقة عينك في الراجل ولا اكنك شوفتي رجالة قبل كدة يا بت الو...... كتمت أمنية شهقة مجفلة وقد فاجئها بلفظه الخارج معها، فقالت بصوت باكي لألم ذراعها وامتهان كرامتها، بهذا اللفظ المهين في وسط الرواق حتى انه وصل لعاملة المشفى الراقي التي كانت تمر بجانبهم وبدا ذلك على نظرة الإزداء التي رمقتهم بها: - على فكرة يا ابراهيم انا كدة الناس ممكن تفتكرني واحدة من اياهم، بعد اللفظ اللي قولته، وبهدلتك دي ليا . شعر بحجم تطرفه المبالغ به هذه المرة بالفعل، فتدارك لينزع يــ ده عنها ليهدر متمتمًا: - ما انتي اللي بتجيبه لنفسك، عشان لو محترمة وعامل حساب للراجل اللي واقف جمبك مكنش دا كله حصل. تمتمت بضعف وهي تدلك على ذراعها الموجوع: - تاني برضوا هتقول محترمة والكلام ده، الله يسامحك. ناظرها بأعين ضيقة للحظات، وقد راقه هذا الضغف منها وهدأ غليله بما فعله معها، فقال ملطفًا: - انتي عارفة اني راجل حامي وبغير، يعني لازم تقديريها دي. انتبهت لترفع رأسها مرددة بعدم تصديق: - بتغير! يعني انتي بتحبني وبتغير عليا بجد يا إبراهيم. - أمال كدب؟ ولا انا كنت خاطبك ليه من أساسه؟ قالها ليرى في عينيها الوان الفرح بعد الدموع، بابتسامة ارتسمت على وجهها ببلاهة، استغل ذلك ليرمي سمه على أسماعها: - وكأنك مش مصدقاها، لا يا حبيبتي، صدقي واتأكدي منها دي، أنا بس اللي بحبك، وانا بس اللي يهمه مصلحتك، واديكي شوفتي بعينك، اختك البرنسيسة بتفرق ازاي في معاملتها معاكي ومع اختك الصغيرة، دي مبيناها عيني عينك. صمتت تزم فمها وقد بدا أن كلماته أتت لتزيد من قناعتها بذلك، فتابع بمكر: - واضح إنك حاسة باللي بقولوا ولا من رأيك اني فاهم غلط؟ على الفور ردت: - لا طبعا يا ابراهيم، انت كل كلامك صح، انا مش حمارة عشان مخدتش بالي. تبسم بانتشاء يجيبها: - لا طبعًا يا غالية اسم الله عليكي ما تبقي حمارة، دا انتي ست البنات كمان. تبسمت بفرحة تغمرها فكلمات الغزل منه لا تصدر إلا ندرة، فتلتقطها هي كهلال العيد بالنسبة لها، فتمتمت بلهفة؛ - وانا بموت فيك يا ابراهيم، بس لو تخف طبعك القاسي وعصبيتك شوية.... - مقدرش.. هتف بها ليتابع بانفعال: - مينفعش تقوليها دي لراجل زيي، العصبية والطبع الحامي، دي حاجة مش كل الرجالة تتحملها، ولا انتي عايزاني بارد وخيخة؟ نفت بهز رأسها تعترض؛ - لا طبعًا بعد الشر عليك ما تبقى خيخة، دا انت راجل وسيد الرجالة كمان. تبسم باتساع يكتنفه إحساس السيطرة، ليعوض نقصًا ما بداخله، فقال بحمائية يدعيها: - خلاص يبقى تخلي بالك على شعوري ومتزعلنيش تاني، قولتلك انا مابتحملش قالت بلهفة وقد أنساها السبب الرئيسي لإهانتها منذ قليل: - من عنيا الجوز، انا تحت امرك في كل اللي تقول عليه. اومأ برأسه ليقول بزهو: - وانا كمان رضيت عنك وعشان كدة هنزل اخدك على الكافتبريا تحت نشرب لنا حاجة ساقعة.نروق نفسنا قبل ما نرجع تاني. - حبيبي يا ابراهيم. قالتها بلهفة مبالغة جعلته يحدجها بحذر؛ - طب اظبطي كدة شوية، ووطي صوتك، وانجري ياللا قدامي ع الاسانسير، انجري . سمعت لتعدوا سريعًا مزعنة لأمره كالمغيبة، وبشعور الأنتصار كان يخطو خلفها بتمهل وثقة. ❈-❈❈ في الغرفة التي امتلأت بعدد الأفراد الجدد بها، وبعد ان هدأت العاصفة قليلًا، كان الحديث الدائر بلطف من مجيدة نحو لينا التي اتخذت مقعدها بجوار شهد على فراشها الطبي: - ها يا حبيبتي، يارب تكوني اقتنعتي دلوقتي ان أمين ظابط محترم، مش اللي كان في دماغك خالص. سمع الاَخير واحتدت عينيه يريد الأعتراض عما تتفوه به والدته، لتزيد عليه الأخرى بقولها: - متزعليش مني يا طنت، بس الموضوع ملوش دعوة بقناعتي ولا اللي بيدور في دماغي، ابنك مش باين عليه أساسًا. هتف بها الاَخير بانفعال وقد أفقدته حكمته: - نعم يا حبيبتي، امشيلك بقى بالبدلة والنجوم اللي عليها، ولا أنزل تحت اجيب المسدس الميري، واحطه في وشك عشان تصدقي؟ شهقت بصوت عالي مستنكرة تخاطب مجيدة: - شايفة يا طنت الجليطة وقلة الزوق، بقى دا ظابط ده؟. - بعامل مجرمين وسوابق يا ماما، عايزاني اجيب الزوق منين؟ قالها بفظاظة زادت من اشتعالها وتسلية مجيدة التى كانت تخفي بصعوبة استمتاعها بمناكفات الإثنان وانفعال ابنها، وخروجه عن طوره الطبيعي الهاديء بفضل هذه المشاكسة. من جهتها لكزت شهد صديقتها في الخصر بمرفقها، ترمقها بتحذير حتى تتمالك قليلًا، أما حسن ف التزم الهدوء في قوله: - يا جماعة من غير عصبية، بصراحة انا مش فاهم ايه سبب سوء التفاهم ما بينكم للدرجادي؟ صاحت به لينا تجيبه: - قوله إيه اللي ميسببش؟ اخينا ده كل ما اشوفه، لازم تحصل ما بينا خناقة. - والله انا راجل هادي والناس كلها عارفة عني الصفة دي، يبقى الأكيد بقى، إن انتي اللي بتجري شكلي . قالها ببرود جعلها تشهق شهقة أعلى من سابقتها، حتى بدت كالصرخة لتقول: - أناااا، أنا اللي بجر شكلك؟ إنت قد كلامك ده؟ تدخلت مجيدة تهادنها بمرونة: - ميقصدتش والله، صلي ع النبي يا حبيبتي وهدي نفسك. - اللهم صلي عليك يا نبي. تمتمت لينا بها ومعظم الأفراد في الغرفة معها، قبل أن تقول شهد متصنعة العتب: - أيه يا ست لينا؟ من أول ما دخلتي خناق خناق، هو انتي نسيتيني جاية تزورني ليه؟ بشراسة برقت فيروزيتيها نحوها ونحو افراد اسرتها لتهتف بغضب: - لا يا حبيبتي منستش، ولا نسيت اني جاية اتخانق معاكي، انتي وجماعتك دول. على الفور خرج رد نرجس بلجلجلة واضطراب : - ليه بس يا بنتي؟ هو احنا عملنالك ايه كمان؟ - محدش فيكم من الصبح افتكر يبلغني يا ست نرجس، ولولا اني اتصلت بيها وعرفت بالصدفة، مكنتش هعرف اساسا. قالتها بعفوية وحمائية جعلت رؤى ترد بدفاعية: - القلق والخوف عليها هو اللي نسانا والله، سامحينا عليها دي يا أبلة لينا. رقة الصغيرة في الرد جعلت لينا ترتخي قليلًا، حتى شقت ابتسامة صغيرة ثغرها لتقول لها بتسامح: - هسامحك بس عشان ابلة دي. ضحكت رؤى، وتبسمت مجيدة قائلة بمزاح: - بسم الله ما شاء الله، اللي يشوفك دلوقتي، ميصدقش عاصفة الصحراء اللي دخلت علينا من شوية. استجابت لينا ضاحكة لها، لتزيد من ابتهاج الأخرى بها، مع انتبهاها لردود افعال ابنها وانظارها المصوبة نحو لينا التي بدأت مع صديقتها ومعها حديث ودي، جعله ينتفض فجأة يجفلها : - طب مش كفاية كدة بقى؟ يا للا بينا يا ماما، احنا يدوب نروح. عبست مجيدة بوجهها ترد نحوه بامتعاض:. - وليه يا خويا يدوب نروح؟ ورانا الديواان؟ - لا يا ماما ورايا شغلي، عايز اللحق انام لي ساعتين، عندي وردية القسم بالليل. قالها بجدية جعل مجيدة تنهض مجبرة، تلملم حقيقيبتها وقالت مخاطبة الجميع: - طب مدام كدة بقى، ناخد الجماعة نوصلهم معانا، هتيجي معانا يا ست نرجس نوصلك مع بناتك؟ ولا انتي يا لينا؟ ردت الاَخيرة: - لا يا طنت متشغليش نفسك، انا معايا عربيتي، دا غير اني مش هروح اساسًا، أنا هبات جمبها ع السرير نفسه. ضحكت شهد وتمتمت مجيدة بإعجاب: - حبيبتي ربنا يخليكم لبعض، بس يعني هما في المستشفى هنا هيرضوا بالكلام ده؟ هتفت بها لينا بانفعال أجفلها: - طب خلي حد هنا يعترض، إن كانت ممرضة ولا دكتور ولا حتى مدير المستشفى ذات نفسه! ضحكت مجيدة وبطرف عينيها تخطف النظرة نحو ابنها وهي تغمغم: - لا دا انتي مشكلة فعلآ يا لينا . ردت رؤى بالقرب منها: - أبلة لينا دي العسل كله . - اه يا حبيبتي عندك حق. تمتمت بها مجيدة قبل أن تعيد السؤال نحو نرجس: - ها يا ست نرجس، مش هتيجي معانا بقى؟ ما هو مينفعش كمان يرافقها اكتر من واحد، حسب ما اعرف عن قوانين المستشفى. بتردد أجابتها: - ما هي البت أمنية خرجت مع خطيبها، مضطرة استناها ترجع الأول عشان نروح مع بعض، تشكري يا ست ام حسن. - ست ام حسن! تمتمت بها مجيدة باستغراب اول مرة تسمعها، قبل أن تتجه نحو المذكور والذي نهض عن مقعده على مضض يقول: - انا مش متعتع من هنا غير لما اطمن! بفراسة شاكسته مجيدة: - على مين بالظبط يا حبيبي؟ ارتبك قليلًا من نظرتها الكاشفة له ليرد بجدية يدعيها: - على عبيد طبعًا يا ماما، دا في العناية المركزة واحنا في عرض خبر كويس عنه ، وشهد برضوا. غمغم بالاخيرة داخله، ولكنها بدت وكأن مجيدة سمعتها، لتبادله ابتسامة رائعة بلمسة خفيفة من كفها على كتف ذراعه، قبل أن تتركه لتخرج وخلفها ابنها الثاني، والذي لم يفته نظرة أخيرة نحو المجنونة الأخرى، قبل يغادر الغرفة. ❈-❈❈ - خايفة؟ سألتها زهرة باهتمام وهي تراقب ارتباكها الملحوظ وتوترها بجلستهن في غرفة الإنتظار بعيادة الطبيبة النفسية، فخرج ردها بانفعال: - مش موضوع خايفة ولا زفت يا زهرة، أنا مش مقتنعة اصلًا، وحاسة انها عطلة ع الفاضي . - ع الفاضي! غمغمت بها زهرة لتتابع: - في إيه يا نور؟ مش احنا برضوا اتفقنا ان الزيارة دي هنعتبرها مجرد تعارف مع الدكتورة، ولو يا ستي معجبكيش الوضع او القعدة إمشي ومتجيش تاني؟ - اَه ، ويرجع بقى مصطفى يجيب اللوم عليا اني مصبرتش ولا نفذت رغبته، انا مش فاهمة، هو ليه ميحولش رغبته دي للجواز من واحدة تانية تخلفلوا الطفل اللي بيتمناه؟ ليه موقف حياته مع واحدة مفيش منها رجا، زيي. عصبيتها المبالغة في الحديث لفتت انظار معظم السيدات المنتظرات حولها، لتثير استياء زهرة التي همست لها بتحذير: - خلي بالك يا نور، انتي كدة بتلفتي نظر الناس إليكي وانتي واحدة مشهورة ومعروفة، ميغركيش التمويه اللي انتي عملاه بالنظارة السودة ولا الطرحة اللي لفاها على وشك، لا يا حبيبتي، انتي كدة ممكن تتكشفي، والستات دول حتى لو مستوى عالي وراقين، برضوا مش هيتأخروا انهم يشيروا ولا يعمولوها رواية عنك بالاشاعات. صمتت نور بتأثر، ليصدر صوتها برجاء هامس: - اديكي قولتيها بنفسك يا زهرة، خليني امشي بقى، انا مش مستريحة. بدعم منها، قبضت زهرة على كف الأخرى تخاطبها بحنان: - يا حبيبتي بس اصبري، انا كنت زيك كدة في الأول، وجاسر هو اللي غصبني ع الدكتورة هنا، وكان احسن قرار منه، لأني بصراحة بقيت انسانة تانية معاها، اتخليت عن الخوف وعن كل شيء بيزعجني، اعتبري انك بتتكلمي مع نفسك، انسي انها دكتورة، هو انتي مبتحبيش تتكلمي مع نفسك؟ ابتلعت نور لتصمت عن الرد، وبداخلها تتمنى الصراخ، أنها تكره الحديث مع نفسها، بل هي تكره نفسها، وتكره الحديث والفتح في جراح الماضي المخزي! - استاذة نورهان، دورك يا فندم.. هتفت بها مساعدة الطبيبة لتقطع عنها شرودها، نهضت زهرة قائلة: - ياللا يا أستاذة نورهان، خلينا ندخل، قبل ما ترجعي في كلامك ولا تهربي. ❈-❈❈ في داخل حجرة الطبيبة التي جلسن أمامها هي وزهرة التي تبادلت حديثًا ودي سريع معها قبل أن تعطيها انتباهاها كاملًا وتحدثها بابتسامة رائعة: - يا أهلا بالنجمة، نورتي عيادتي المتواضعة يا فنانة. بادلتها نور الأبتسام باضطراب لترد التحية وكفيها تفركهما بعنف أعلى حجرها. - ميرسي، العيادة منورة بيكي طبعًا يا دكتورة. رمقتها الطبيبة بصمت قليلًا لتزيد من تورترها قبل أن تسألها بلهجة رقيقة: - ليه الخوف والقلق دا كله؟ ردت بدفاعية وصوت مهزوز: - لا طبعُا انا مش خايفة، وإيه اللي يخليني اخاف ولا اقلق يعني؟ تدخلت زهرة قائلة: - انا من أول ما جينا بفهمها ان الموضوع أبسط بكتير مما تتخيل، بس هي مش مقتنعة. - انا جيت ضد رغبتي، عشان بس ارضي جوزي . قالتها نور بحدة قابلتها الطبيبة بهدوء، لتخاطبها بتروي: - قالتلي زهرة على فكرة، وانا مش هضغط عليكي في أي كلام، اقولك، انتي متتكلميش خالص النهاردة في أي حاجة تخصك، وقت الجلسة ده، انا خليه كلام ستات، بيني وبينك وزهرة. قطبت نور تطالعها بعدم فهم، والطبيبة لم تعطيها فرصة، فقد تجاهلتها واتجهت مخاطبة الأخرى: - ها يا ست زهرة، عاملة ايه مع ولادك؟ ❈-❈❈ - إدخلي يا مودة ادخلي، بيت ومطرحك يا حبيبتي. هتفت بها ميرنا وهي تتقدم الأخرى داخل منزلها، لتشعل الإضاءة، دلفت الأخرى خلفها لتكتم شهقة الإنبهار داخلها، رغم جحوظ عينيها وتدلى فكها بشكل فاضح، تبسمت ميرنا بسعادة داخلها لتجلس واضعة قدمًا فوق الأخرى على الأريكة البيضاء العصرية، لتدعوها: - إيه يا بنتي؟ هو انتي هتفضلي لازقة كدة على مدخل الشقة؟ ما تحركي رجلك دي وتعالي اقعدي جمبي هنا . سمعت مودة لتبتلع ريقها في محاولة لإدعاء الرزانة، والتحلي ببعض الزوق في قولها: - بسم الله ما شاء الله، شقتك حلوة أوي ، انا مكنتش اعرف انك غنية كدة. اطلقت ميرنا ضحكة مدوية لتقول: - وهو انا لو غنية يا هبلة زي ما بتقولي كدة، كنت قعدت في الشغل وخدمة اللي يسوى واللي ما يسواش؟ - أمال إيه؟ تمتمت بها بعدم فهم، وردت الأخرى بعد أن أشارت لها بيدها كي تجلس على المقعد المجاور لها: - يا بت افهمي، الشقة دي هي الحاجة الوحيدة اللي استفدت بيها من جوازتي الأولى، يعني مش ورث من بابا ولا ماما، انا وحيدة ومليش حد زيك يا مودة. رددت مودة من خلفها: - وحيدة زيي؟ طب ازاي؟ أمك اللي سابتك ولا والدك؟ سؤالها كان به نوعً من الغباء استفز ميرنا ولكنها حافظت على هدوئها حتى لا تنجر للمنطقة الخطرة في تاريخها: - امي بقى ولا أبويا، المهم اني وحيدة وخلاص يا مودة، انا وانتي بنصارع الحياة بطولنا ، أمال انا ليه حبيتك ودخلتي قلبي، عشان ظروفك تشبهني. بابتسامة مستخفة ردت مودة باستهجان: - اشبهك فين بس وازاي يا ميرنا؟ انا فين وانتي فين؟ انا ساكنة في اوضة معفنة فوق السطح مع ستي اللي بتعد عليا اللقمة في الأكل ، وانتي ما شاء الله في شقة طويلة عريضة، دا حتى في الشكل، انتي جمال وحلاوة وجسم ولا المليكان، وانا جســ مي واقع وقصيرة...... هتفت ميرنا تقاطعها بانفعال تدعيه: - بطل عبط يا بت، وخلي عندك شوية ثقة في نفسك، اتعلمي يا ختي من المنيلة اللي بتمشي معاها. - صبا! - ايوة صبا، شوفي يا ختي التناكة والعنجهية اللي هي فيها. التوى ثغر مودة باستياء تردف للأخرى: - وغلاوة النبي عندك يا شيخة بلاش تريقة، وانا اَجي حتى ربعها عشان اقلدها؟ انتفضت ميرنا لتنهض وتنهضها معها لتقول بتحفز: - بقولك ايه يا بت انتي، انا النبرة دي محبهاش، قومي دلوقتي معايا، هأكلك أكلة معتبرة وبعدها هوضبك واخليكي واحدة تانية، عشان تعرفي ان السر في الاهتمام، مش في الهبل اللي انتي بتقوليه ده. بلهفة وعدم تصديق قالت مودة: - انتي بتتكلمي جد يا ميرنا. ردت تجيبها بثقة: - وجد الجد يا روحي، دا أنا ميرنا يا بت والأجر على الله. ❈-❈❈ في اليوم التالي صباحًا خرجت صبا من المصعد في طريقها لمغادرة المبنى، بعد أن اطمأنت صباحًا على والدة شادي ونيته في الذهاب للعمل، لتأخذ قرارها في الفعل مثله، كانت تعدو بخطوات مسرعة، حتى تلحق بأتوببس الفندق، حتى أنها لم تنتبه له وقد كان يتابعها من الجهة الأخرى، جهة الدرج الذي هبط منه، خمس أدوار حتى لا ينضم معها في هذه المساحة الصغيرة، غير عابئُا بتعب أقدامه، يكفيه تعبه الداخلي، والصرعات التي تدور بعقله منذ قولها مساء أمس، وفعلها اليوم، لقد كانت على استعداد للتغيب عن دوام عملها من أجله! أيعقل أن تكون تعلقت به؟ أم هو التعود؟ أم هو إفتقاد للأمان في غيابه؟ أم أنه! يا إلهي يشعر برأسه على وشك الانفجار من كثرة التخمينات والتكهونات، تنهد بثقل شديد، فقلبه لا يحتمل املا كاذبًا يعد نفسه به، هي كالنجمة رغم قربها منه، وهو المثقل بهموم ومسؤولية كبيرة وجد نفسه مزروعًا به ولا يستطيع التنصل منها، هذا بالإضافة إلى العديد من الفروق الهائلة بينهم. سحب شهيق طويل ليعود لواقعه متمتمًا بالإستغفار قبل أن يخرج من المبنى، حتى يلحق بها، ولكن بسيارته المتواضعة، يتمنى لو يأتي اليوم لتشاركه بها. ❈-❈❈ استيقظت شهد من نومها على اثر الحركة التي كانت تشعر بها حولها، فتحت عينيها للضوء لتلتقي بفيروزتي صديقتها المشاكسة دومًا والتي اصرت وفعلت بأن باتت ليلتها معها رغم اعتراض التمريض ومسؤلي المشفى. - صباح الخير يا بيضة انتي صحيتي؟ قالتها لينا وهي تجفف بالمنديل الورقي على وجهها الذي بللته بالماء منذ قليل، اعتدلت الأخرى بجذعها على الفراش الطبي تجيبها بابتسامة: - يا صباح القلش والأستظراف، العروسة باين نومة الكنبة عجبتها فقايمة مصحصحة بدري بنشاط. ضيقت عينيها لينا تطالعها بغيظ اثار ابتسامة شقية على ثغر شهد لتهتف بها : - بذمتك مين فينا اللي بيقلش دلوقتي؟ ولا مين فينا اللي قايم رايق من الأساس؟ تمطعت شهد لتفرد بذراعيها وتثنيهم مصدرة أصوات بدلع وهي تقول: - يا ستي بقى، مرة من نفسي ابقى رايقة، واهو عشان تتأكدوا اني كويسة واستحق الخروج من امبارح. تغيرت ملامح لينا لتأخذ وضع الجدية وهي تقترب لتجلس على طرف فراش الأخرى تقول: - لا انتي مش كويسة يا شهد، وبلاش تكابري.... همت لترد الأخيرة ولكن لينا أوقفتها متابعة: - بقوولك بلاش تكابري..... انتي بتضغطي على نفسك كتير وانا بفوت، لكن في دي مينفعش، انتي عارفة وانا عارفة كويس قوي، انك تعبانة ولازملك بريك عشان تفصلي شوية، مفيش حد كبير ع التعب . ردت شهد تدعي التفكه: - الله يا ست لينا ، دا انتي بقيتي محللة نفسية جامدة بقى؟ ايه يا عسل؟ دي مكنتش وقعة دي اللي وقعتها امبارح وخلت الكل يقلق عليا. لم تستجيب لها لينا وقالت بإصرار: - متحاوليش تهربي بالهزار ولا تاخذيني في دوكة زي عوايدك، انا مش غبية عشان مكونش فهماكي؟ اللي انتي بتعمليه ده اسمه انتحار. - انتحار! - أيوة انتحار، انتي لازم تشوفي نفسك وتفكري فيها، محدش هينفعك لو وقعتي. عبارتها الأخيرة أصابت شهد في الصميم، لترد بشبه ابتسامة ليس لها معنى قائلة: - اللي يشوف العقل والرزانة دلوقتي، ميشوفش الجنان بتاع امبارح وانتي ماسكة في خناق الظابط. - ظابط! هتفت بها لينا باستنكار لتتابع: - دا لا يشبه ولا حتى يليق عليه بأسلوبه البيئة المستفز ده. ردت شهد ساخرة: - بيئة ومستفز كمان! واسم الله عليكي انتي بقى اللي راقية ومن جاردن سيتي، يا بت دا انتي دخلتي في الراجل امبارح زي القطر، ولولا الست والدته واخوه موجودين، لكنتي لميتي علينا المستشفى بزعيقك. استشاطت لينا غضبًا لتهدر بها: - طب والنعمة يا شهد لو ما لميتي لسانك الطويل ده، لكون مطلعة عليكي القديم والجديد ولا يهمني تعبك ولا مستشفى وزفت. قالت شهد لتزيد من استفزازها: - بجد! طب ما توريني كدة. بغيظ وتوعد نهضت لينا تقفز لتحط بكفتيها الباردتين تدعي خنــ قها، مع علمها الأكيد أن اللمس في هذه المنطقة عند شهد يصلها كدغدغة لا تحتملها لتنطلق ضحكات شهد بصوت عالي ونبرة طفولية بعيدة عن شخصيتها الجادة وهي تتوسلها: - خلاص يا مجنونة شيلي إيدك اللي عاملة زي التلج دي مش قادرة اتحمل. بعند طفولي ردت لينا بابتسامة تكتمها: - لا مش هشيل، عشان تحرمي تتحديني مرة تانية، يا اللي عاملة فيها سبع رجالة انتي. اصوات الضحكات والمرح بصخب منهن كان يصل لخارج الغرفة حتى تفاجأ به حسن الذي طرق بخفة وهو يدفع الباب ليلج داخل الغرفة، ليصله هذه النبرة الغريبة لشهد في الضحك، نبرة صافية خالية من الهموم، نبرة شقية بأنوثة ناعمة لفتاة تدعي الرجولة والتجهم يعتلي وجهها دائمًا: - صباح الخير، هو انتو بتتخانقوا ولا بتهزروا؟ قالها قاطبًا بتوجس، على الفور نزعت لينا كفيها بحرج لتعطي الفرصة لشهد تلتقط أنفاسها وتحاول التوازن أمام حسن الذي كان يراقب احمرار وجهها بابتسامات تلملمها بأثر الضحكات السابقة، فقالت: - لا بشمهندس مفيش خناق ولا حاجة، ربنا ما يجيب خناق. اضافت لينا على قولها: - دي حاجة بسيطة يا بشمهندس، عشان بس الهانم تحرم تطول لسانها تاني. رمقتها شهد مضيفة عينيها بتوعد، ورد حسن يقارعها: - واضح كدة ان طبعك الحامي دا يا اَنسة لينا مع الكل حتى مع اقرب الناس ليكي، مش بس مع أمين اخويا. عبست ترفع طرف شفتها بغيظ وتولت شهد تغير دفة الحديث، تجنبًا لبدء مشاجرة أخرى قد تفتعلها صديقتها المجنونة: - ما قولتليش يا بشمهندس، اخبار عبيد إيه؟ بابتسامة صافية اجاب يطمئها: - الحمد لله يا ستي، ربنا كتبله عمر جديد، ودلوقتي فاق من الغيبوبة وبقى حاسس بالدنيا. - بجد؟ هتفت بها وهي تعتدل بجذعها لتتابع باهتمام: - يعني كدة هيعيش ومش هيموت؟ تعقد حاجبيه يجيبها بدهشة لسؤالها المباشر: - لا إن شاء الله ما يموتش، ربنا يحفظه لامه واخواته البنات، انا كنت معاهم من شوية، دول كمان مش مصدقين لحد دلوقتي رغم انهم شافينه بعيونهم . - تمتمت بالحمد وتدخلت لينا تقول: - اكيد عشان الصدمة صعبة عليهم، دا غير انه محتاج وقت على ما يقدر يتفاعل معاهم، ضربة المخ دي حاجة صعبة اوي وبتحتاج وقت على ما البني ادم يرجع لطبيعته. أومأ حسن يوافقها: - فعلا عندك حق، انا عرفت من الدكتور انه هيفضل تحت الملاحظة عشان يعرفوا كمان درجة الوعي عنده. - انا عايزة اروح اشوفه. قالتها شهد وهي تنزل بقدميها على الأرض، قبل أن يوقفها حسن على الفور بقوله: - أوعي تتحركي من مكانك يا شهد، الدكتور بتاعك منبه عليا جامد انك متروحيش هناك ولا تشوفيه أي شيء يأثر على أعصابك. هتفت به منفعله: - معني كدة ان حالته لسة خطيرة، أمال بتطمني ليه بقى ومش عايزني اروحله؟ هتف هو الاَخر بدوره حازمًا: - انا مقولتلكيش انه رجع ووقف على رجليه، احنا اطمنا بس انه رجع للأحياء، ومتفقين ان حالته صعبة، وهتحتاج وقت ورعاية، الدكاترة مش سايبنه، وأهله أنا شرحتلهم عن حالتك، يعني مفيش داعي لزيارتك الكريمة. - ازاي يعني....... تفوهت بها تنوي الجدال قبل أن تقاطعها لينا بصرامة: - اسمعي الكلام يا شهد وبطلي عِند بقى، جيتيك هنا من الأول كانت غلط، كان كفاية اوي تهتمي من بعيد لبعيد، وانتي عارفة ومتأكدة إن اعصابك مبتتحملش! حدجتها بنظرة غاضبة اخرستها عن التكملة، وتدخل حسن بسؤاله: - عارفة ومتأكدة من إيه؟ ردت شهد بوجه عابس: - متشغلش نفسك انت يا بشمهندس، انا بس كنت عايزة اسأل الدكتور المسؤل عن حالتي، عشان اخرج بقى. ❈-❈❈ في انتظارها في داخل الحافلة التي تقل مجموعة كبيرة من موظفي الفندق، تفاجأت صبا بالهيئة الجديدة لصديقتها التي صعدت بثقة وتخايل حتى جلست بجوارها، تلقي التحية بابتسامة: - صباح الخير يا صبا. بتأمل شديد ردت تجيبها: - صباح النور يا حبيبتي، ايه التغير ده؟ قالتها مشيرة على قصة الشعر الجديدة والزينة المتقنة لوجهها، ضحكت الأخرى تقول بلهفة: - عجبتك التسريحة ولا المكياج، دا لسة كمان لما اقبض، هجننك بالطقمة اللي هاجيبها، ما انا لازم اللبس واهتم بنفسي. القت صبا نظرة خاطفة نحو بعض الأشخاص الذين انتبهو للحديث لتخاطبها بنظرة محذرة: - وطي صوتك شوية، الموظفين بقوا مركزين معانا . - ياختي وما يركزوا. قالتها ثم توقفت على الفور للنظرة القوية من صبا، فتابعت بصوت خفيض: - انا بس كنت عايزة اسالك، حلو عليا الشعر القصير، ولا المكياج، مظبوط كدة على بشرتي ولا لسة في أثر بهتان؟ صمتت صبا قليلًا بتفكير ترمقها، قبل أن تجيبها: - أكيد طبعا التغير كويس، بس انتي مقولتيش انك رايحة الكوافير امبارح، أو عندك مناسبة تخليكي تعملي دا كله. ضحكت مودة لتقول مبتهجة: - لا ما انا مروحتش الكوافير، دي واحدة صاحبتي ، بس إيه ممتازة، عملت معايا شغل ماسكات وحاجات للبشرة والشعر، ولا شغل الصالونات الكبيرة الغالية. توقفت لتلتف للأمام بشرود تتمتم: - بنت حلال أوي! ربنا يخليها. ❈-❈❈ وصلت الحافلة لمقر العمل، ليترجل منها الموظفون والموظفات، كل فرد في اتجاه قسم عمله، وتفرقت مودة عن صبا، بعد أن ولجتا الإثنتان بداخل الفندق، كل واحدة في اتجاه، صبا والتي كانت في طريقها نحو غرفتها تفاجأت بإحدى العاملات توقفها: - اَنسة صبا لو سمحتي استني. التفت إليها باستفسار تسأله: - نعم، عايزني في حاجة؟ اجابت المرأة بعملية قبل أن تلتف وتتركها: - مش انا يا اَنسة، دا عدي باشا هو اللي طالبك. تطلعت صبا نحو الجهة التي أشارت نحوها المرأة قبل أن تغادر، لتجد هذا المتعجرف جالسًا على مقعده، في الركن الذي أصبح خاص به وحده، واضعًا قدم فوق الأخرى يناظر في بعض الأوراق الخاصة بالعمل، زفرت داخلها بضيق قبل أن تجر قدميها عنوة لتقف أمامه ملبية: - أفندم حضرتك. رفع عينيه عن الأوارق بنظرة خاطفة قبل أن يجيبها بعد دقيقة من الصمت: - الناس بيقولوا تحية الصباح الأول وبعدين يتكلموا. بشبه ابتسامة ليس لها معنى ردت بغيظ تكتمه: - صباح الخير يا فندم، كنت عايزني في إيه بقى؟ ازاح الأوارق من فوق أقدامه ليضعهم على الطاولة القريبة منه قبل أن يرد: - مستأذنتيش ليه امبارح قبل ما تخرجي وتكسري أمر مديرك؟ برقت عينيها الجميليتين لتقول باندهاش: - انا كسرت أمرك ومستأذنتش كمان؟ يا فندم انا مبلغة حمدي وواخدة منه الإذن...... - كان يجب الإذن يبقى مني أنا مش حمدي. قالها بمقاطعة حادة ليردف: - أنا اللي أصدرت الأمر، يبقى تيجي لحد عندي وتطلبي، وانا بقى ساعتها اقرر إن كنت هسمح أو لأ، انا رئيس العمل والمالك، مش حمدي . زاد احتقانها وزاد الغضب المكتوم بداخلها منه، ودت أن تقرعه برد يناسب عنجهيته ولكنها تمالكت لتنهي الأمر بدبلوماسية تعلمتها قريبًا لتجيبه: - تمام حضرتك، في أي حاجة تاني؟ ردها المبهم وهذه الابتسامة الصفراء وكأنها تقصد التهوين من الأمر لإنهاء الحديث، يزيد من غضبه، ذكائها الحاد يقطع عليه حبل أفكاره وما قرره منذ الأمس لعقابها. - عايز حاجة تاني يا فندم؟ عادت بقولها له، فلم يجد أمامه سوى أن يصرفها بهزة خفيفة من رأسه، تلقفت الأمر الغير منطوق، حتى تذهب من أمامه على الفور، لتقع عينيها على من ولج للفندق بخطوته السريعة، لتعدو نحوه كطفلة متلهفة تهتف بإسمه : - مستر شادي، مستر شادي توقف هو الاَخر لها بابتسامة يستقبلها ثم يتابعا طريقهما نحو الغرفة التي تجمعهما للعمل أمام انظار الاَخر وهو يتابعهما مظلم الوجه مغمغمًا باحتقان: - ماشي، ماشي يا صبا! ..... بقلم أمل نصر. رواية وبها متيم أنا.