بها متيم امل نصر ج3
❈-❈❈
في اليوم التالي صباحًا
خرجت صبا من المصعد في طريقها لمغادرة المبنى، بعد أن اطمأنت صباحًا على والدة شادي ونيته في الذهاب للعمل، لتأخذ قرارها في الفعل مثله، كانت تعدو بخطوات مسرعة، حتى تلحق بأتوببس الفندق، حتى أنها لم تنتبه له وقد كان يتابعها من الجهة الأخرى، جهة الدرج الذي هبط منه، خمس أدوار حتى لا ينضم معها في هذه المساحة الصغيرة، غير عابئُا بتعب أقدامه، يكفيه تعبه الداخلي، والصرعات التي تدور بعقله منذ قولها مساء أمس، وفعلها اليوم، لقد كانت على استعداد للتغيب عن دوام عملها من أجله! أيعقل أن تكون تعلقت به؟ أم هو التعود؟ أم هو إفتقاد للأمان في غيابه؟ أم أنه! يا إلهي يشعر برأسه على وشك الانفجار من كثرة التخمينات والتكهونات، تنهد بثقل شديد، فقلبه لا يحتمل املا كاذبًا يعد نفسه به، هي كالنجمة رغم قربها منه، وهو المثقل بهموم ومسؤولية كبيرة وجد نفسه مزروعًا به ولا يستطيع التنصل منها، هذا بالإضافة إلى العديد من الفروق الهائلة بينهم.
سحب شهيق طويل ليعود لواقعه متمتمًا بالإستغفار قبل أن يخرج من المبنى، حتى يلحق بها، ولكن بسيارته المتواضعة، يتمنى لو يأتي اليوم لتشاركه بها.
❈-❈❈
استيقظت شهد من نومها على اثر الحركة التي كانت تشعر بها حولها، فتحت عينيها للضوء لتلتقي بفيروزتي صديقتها المشاكسة دومًا والتي اصرت وفعلت بأن باتت ليلتها معها رغم اعتراض التمريض ومسؤلي المشفى.
– صباح الخير يا بيضة انتي صحيتي؟
قالتها لينا وهي تجفف بالمنديل الورقي على وجهها الذي بللته بالماء منذ قليل، اعتدلت الأخرى بجذعها على الفراش الطبي تجيبها بابتسامة:
– يا صباح القلش والأستظراف، العروسة باين نومة الكنبة عجبتها فقايمة مصحصحة بدري بنشاط.
ضيقت عينيها لينا تطالعها بغيظ اثار ابتسامة شقية على ثغر شهد لتهتف بها :
– بذمتك مين فينا اللي بيقلش دلوقتي؟ ولا مين فينا اللي قايم رايق من الأساس؟
تمطعت شهد لتفرد بذراعيها وتثنيهم مصدرة أصوات بدلع وهي تقول:
– يا ستي بقى، مرة من نفسي ابقى رايقة، واهو عشان تتأكدوا اني كويسة واستحق الخروج من امبارح.
تغيرت ملامح لينا لتأخذ وضع الجدية وهي تقترب لتجلس على طرف فراش الأخرى تقول:
– لا انتي مش كويسة يا شهد، وبلاش تكابري….
همت لترد الأخيرة ولكن لينا أوقفتها متابعة:
– بقوولك بلاش تكابري….. انتي بتضغطي على نفسك كتير وانا بفوت، لكن في دي مينفعش، انتي عارفة وانا عارفة كويس قوي، انك تعبانة ولازملك بريك عشان تفصلي شوية، مفيش حد كبير ع التعب .
ردت شهد تدعي التفكه:
– الله يا ست لينا ، دا انتي بقيتي محللة نفسية جامدة بقى؟ ايه يا عسل؟ دي مكنتش وقعة دي اللي وقعتها امبارح وخلت الكل يقلق عليا.
لم تستجيب لها لينا وقالت بإصرار:
– متحاوليش تهربي بالهزار ولا تاخذيني في دوكة زي عوايدك، انا مش غبية عشان مكونش فهماكي؟ اللي انتي بتعمليه ده اسمه انتحار.
– انتحار!
– أيوة انتحار، انتي لازم تشوفي نفسك وتفكري فيها، محدش هينفعك لو وقعتي.
عبارتها الأخيرة أصابت شهد في الصميم، لترد بشبه ابتسامة ليس لها معنى قائلة:
– اللي يشوف العقل والرزانة دلوقتي، ميشوفش الجنان بتاع امبارح وانتي ماسكة في خناق الظابط.
– ظابط!
هتفت بها لينا باستنكار لتتابع:
– دا لا يشبه ولا حتى يليق عليه بأسلوبه البيئة المستفز ده.
ردت شهد ساخرة:
– بيئة ومستفز كمان! واسم الله عليكي انتي بقى اللي راقية ومن جاردن سيتي، يا بت دا انتي دخلتي في الراجل امبارح زي القطر، ولولا الست والدته واخوه موجودين، لكنتي لميتي علينا المستشفى بزعيقك.
استشاطت لينا غضبًا لتهدر بها:
– طب والنعمة يا شهد لو ما لميتي لسانك الطويل ده، لكون مطلعة عليكي القديم والجديد ولا يهمني تعبك ولا مستشفى وزفت.
قالت شهد لتزيد من استفزازها:
– بجد! طب ما توريني كدة.
بغيظ وتوعد نهضت لينا تقفز لتحط بكفتيها الباردتين تدعي خنــ قها، مع علمها الأكيد أن اللمس في هذه المنطقة عند شهد يصلها كدغدغة لا تحتملها لتنطلق ضحكات شهد بصوت عالي ونبرة طفولية بعيدة عن شخصيتها الجادة وهي تتوسلها:
– خلاص يا مجنونة شيلي إيدك اللي عاملة زي التلج دي مش قادرة اتحمل.
بعند طفولي ردت لينا بابتسامة تكتمها:
– لا مش هشيل، عشان تحرمي تتحديني مرة تانية، يا اللي عاملة فيها سبع رجالة انتي.
اصوات الضحكات والمرح بصخب منهن كان يصل لخارج الغرفة حتى تفاجأ به حسن الذي طرق بخفة وهو يدفع الباب ليلج داخل الغرفة، ليصله هذه النبرة الغريبة لشهد في الضحك، نبرة صافية خالية من الهموم، نبرة شقية بأنوثة ناعمة لفتاة تدعي الرجولة والتجهم يعتلي وجهها دائمًا:
– صباح الخير، هو انتو بتتخانقوا ولا بتهزروا؟
قالها قاطبًا بتوجس،
على الفور نزعت لينا كفيها بحرج لتعطي الفرصة لشهد تلتقط أنفاسها وتحاول التوازن أمام حسن الذي كان يراقب احمرار وجهها بابتسامات تلملمها بأثر الضحكات السابقة، فقالت:
– لا بشمهندس مفيش خناق ولا حاجة، ربنا ما يجيب خناق.
اضافت لينا على قولها:
– دي حاجة بسيطة يا بشمهندس، عشان بس الهانم تحرم تطول لسانها تاني.
رمقتها شهد مضيفة عينيها بتوعد، ورد حسن يقارعها:
– واضح كدة ان طبعك الحامي دا يا اَنسة لينا مع الكل حتى مع اقرب الناس ليكي، مش بس مع أمين اخويا.
عبست ترفع طرف شفتها بغيظ وتولت شهد تغير دفة الحديث، تجنبًا لبدء مشاجرة أخرى قد تفتعلها صديقتها المجنونة:
– ما قولتليش يا بشمهندس، اخبار عبيد إيه؟
بابتسامة صافية اجاب يطمئها:
– الحمد لله يا ستي، ربنا كتبله عمر جديد، ودلوقتي فاق من الغيبوبة وبقى حاسس بالدنيا.
– بجد؟
هتفت بها وهي تعتدل بجذعها لتتابع باهتمام:
– يعني كدة هيعيش ومش هيموت؟
تعقد حاجبيه يجيبها بدهشة لسؤالها المباشر:
– لا إن شاء الله ما يموتش، ربنا يحفظه لامه واخواته البنات، انا كنت معاهم من شوية، دول كمان مش مصدقين لحد دلوقتي رغم انهم شافينه بعيونهم .
– تمتمت بالحمد وتدخلت لينا تقول:
– اكيد عشان الصدمة صعبة عليهم، دا غير انه محتاج وقت على ما يقدر يتفاعل معاهم، ضربة المخ دي حاجة صعبة اوي وبتحتاج وقت على ما البني ادم يرجع لطبيعته.
أومأ حسن يوافقها:
– فعلا عندك حق، انا عرفت من الدكتور انه هيفضل تحت الملاحظة عشان يعرفوا كمان درجة الوعي عنده.
– انا عايزة اروح اشوفه.
قالتها شهد وهي تنزل بقدميها على الأرض، قبل أن يوقفها حسن على الفور بقوله:
– أوعي تتحركي من مكانك يا شهد، الدكتور بتاعك منبه عليا جامد انك متروحيش هناك ولا تشوفيه أي شيء يأثر على أعصابك.
هتفت به منفعله:
– معني كدة ان حالته لسة خطيرة، أمال بتطمني ليه بقى ومش عايزني اروحله؟
هتف هو الاَخر بدوره حازمًا:
– انا مقولتلكيش انه رجع ووقف على رجليه، احنا اطمنا بس انه رجع للأحياء، ومتفقين ان حالته صعبة، وهتحتاج وقت ورعاية، الدكاترة مش سايبنه، وأهله أنا شرحتلهم عن حالتك، يعني مفيش داعي لزيارتك الكريمة.
– ازاي يعني…….
تفوهت بها تنوي الجدال قبل أن تقاطعها لينا بصرامة:
– اسمعي الكلام يا شهد وبطلي عِند بقى، جيتيك هنا من الأول كانت غلط، كان كفاية اوي تهتمي من بعيد لبعيد، وانتي عارفة ومتأكدة إن اعصابك مبتتحملش!
حدجتها بنظرة غاضبة اخرستها عن التكملة، وتدخل حسن بسؤاله:
– عارفة ومتأكدة من إيه؟
ردت شهد بوجه عابس:
– متشغلش نفسك انت يا بشمهندس، انا بس كنت عايزة اسأل الدكتور المسؤل عن حالتي، عشان اخرج بقى.
