رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب

الفصل الخامس والعشرون
__________________

في الموعد المحدد ارتدت (دينا) ملابسها وكما هي عادتها حرصت أن تكون جميلة, ودعت والدتها وقادت سيارتها للعنوان المنشود, لم ترق لها المنطقة كثيرا فهبطت من سيارتها وهي تتطلع إليها بنوع من الاشمئزاز, تطلعت للعقار الذي يفترض بها الصعود إليها ولم تلحظ نظرات البعض من حولها لها ولسيارتها الفارهة, صعدت للطابق الثاني واتجهت للشقة الوحيدة به ثم ضغطت زر الجرس لثانية, بعد لحظات فتح الباب ليظهر على عتبته (هشام) وهو يبتسم ابتسام واسعة مرحبة ويهتف :
– دينا هانم, أهلا أهلا, نورتي المنطقة ولو إنها مش قد المقام.

أفسح لها الطريق فدخلت وقالت وهو يغلق الباب خلفها :
– كويس إنك عارف إنها مش قد المقام ياهشام, ليه جبتني هنا كان ممكن نتقابل في أي مكان تاني ؟

ابتسم في دهاء وهو يقودها لأريكة في منتصف الردهة ويشير لها بالجلوس وقال :
– ما انا قلت لك في التليفون, مش هينفع نتقابل برا, اللي هتساعدنا ماتحبش حد يشوفها مع الزباين بتوعها.

تأففت لحظة ثم عادت تهادنه وتسأل :
– ها ماقلتليش خطتك ؟ ناوي على ايه ؟ لاحظ إنهم اتجوزا خلاص فالخطة لازم تكون أقوى من أي حاجة فكرت فيها قبل كده .

احتفظ بابتسامته الخبيثة ورد :
– طبعا فاهم, إنت فاكراني بالعب, تشربي حاجة الأول.

كانت ابتسامتها ساخرة وهي تتطلع إليه وتتساءل :
– حاجة زي ايه ؟

هز كتفيه وأجاب :
– معلش بقى إنت عارفة إني عازب يعني مفيش حاجة فريش, ياشاي يا عصير في العلبة .

قالت بقرف :
– اوك هاخد عصير, أي فلافر Flavor ماتفرقش.

ابتسم وغمغم :
– تمام .

ثم اتجه لمطبخ منزله وعاد بعلبتي عصير باردتين ناولها إحداها وجلس أمامها على أحد الكراسي, وقال باهتمام :
– نتكلم بقى في الجد .

بدأت ترشف من علبتها بأناقة وهي تتطلع إليه قائلة :
– اوك, قولي بقى ناوي على ايه ؟

ابتسم في خبث وهو يرد :
– خطة ماتخرش الماية, هتخليه يديها بالجزمة ويطردها زي الكلاب وكمان هي نفسها يمكن تنتحر بعدها وتدفن عارها معاها.

برقت عيناها في جشع وهتفت في لهفة :
– خطة ايه ؟ قول بسرعة .

نظر لعلبة العصير في يدها ثم قال :
– هاصورها معايا ع الهوا وابعت له الفيديو .

تراجعت في مقعدها في صدمة, ولم تفهم شيئا فسألته :
– إزاي ده بقى ؟ إنت فاكر إنك ممكن تعمل معاها حاجة من دي ؟.

رد بدهاء :
– من ناحية ممكن فهو ممكن وجدا كمان, استدرجيها بس هنا وسيبي الباقي عليا ,

ظهرت عصبيتها وهتفت فيه في حنق :
– هشام هات اللي عندك مرة واحدة .

قهقه وعاد ينظر إليها ويقول في خبث شديد :
– عادي, هاجيبها هنا بأي سبب حتى لو كذب, علبة عصير زي اللي في ايدك دي, تتخدر وتبقى تحت أمري .

نظرت لعلبة العصير في يدها بقلق ثم تركتها على المائدة فضحك بسخرية أثارت استياءها فعادت تهتف :
– وهو انت لما تصورها معاك متخدرة تبقى كده شوهت صورتها ؟

هز كتفيه وهو يشرح لها كمعلم يهدي تلاميذه درسا في الحياة :
– ومين قال إني هاصورها وهي متخدرة ؟ دي هتبقى معايا بمزاجها ومزاج عالي كمان.

ظل التساؤل يغيم على ملامحها فاستطرد بنفس الخبث :
– بسيطة أوي إنت ناسية اني صيدلي ولا ايه ؟

عادت تسأله وهي تشعر بالنعاس :
– طيب وهتجيبها هنا إزاي ؟

لاحظ ما يحدث لها فأجاب في سخرية :
– هاقولها إن عندي خطة ادمر عدوتها بيها, هتيجي زي القطة تتمسح فيا وهي مش عارفة ايه اللي هيجرى لها .

غلبها النعاس أكثر لكنها شعرت بالرعب وهي تهتف بصوت لا يكاد يسمع :
– إنت عملت ايه ؟

وقف أمامها فجأة وقال في سخرية :
– ما انا شرحت لك الخطة بالتفصيل, ايه عاوزاني اعيدها تاني ؟

بدأ جفنيها ينغلقان وهي تتنفس في صعوبة, في حين أكمل هو :
– الفرق بس إن البطلة مختلفة, هي هاسيبها لأهل جوزها اللي مات يقوموا معاها بالواجب, اما إنت فواجبك معايا انا .

ظل صدى كلمته الأخيرة يتردد في أذنيها وهي تغيب عن الوعي, و يبدو هو أمامها كأنما يغلفه الضباب حتى لم تعد تشعر بشيء, حينها ابتسم كنمر جائع أمام فريسته التي انتقاها بعناية.

_______________________________

وصل الحاج (عبد الرحمن ) لمنزل (أدهم) ورحب به واتخذ كل منهم مجلسه, كانت (جمانة) تشعر بقلق وخوف لا حد لهما فجلست بجوار (أدهم) الذي لاحظ اضطرابها فربت على كفها برفق ليشعرها بالأمان, كان الغضب يبدو على الرجل وهي تعلم ما يمكن أن يفعلوه, أول من تكلم هو (أدهم) عندما قال في حزم :
– منورنا ياحاج, ياريت نتكلم في موضوعنا مباشرة من غير لف ودوران .

تطلع إليه الرجل بنوع من الغضب المكبوت, لكنه ابتسم في تزلف :
– ده نورك يا أدهم بيه, أني مبسوط إن اتعرفت عليك وبقيت من العيلة, صيتك وشغلك مسمع في السوق كله .

ابتسم (أدهم) في مجاملة واحتفظت (جمانة) بصمتها وقال هو :
– ربنا يخليك ياحاج, إن شاء الله يكون وجودي في العيلة خير للكل.

تملقه الرجل قائلا :
– أكيد يا أدهم بيه, إنت وجودك في أي عيلة يشرفها .

احتفظ (أدهم) بابتسامته وهو يقول :
– شكرا يا حاج .

أخذ الرجل نفسا عميقا ثم قال بلهجة حازمة هذه المرة :
– نتكلم بقى في الجد , ينفع يا أدهم بيه اللي حصل دِه ؟ هي دي الأصول بردك ؟ .

عقد (أدهم) حاجبيه في غضب من حديث الرجل لكنه تماسك و رد في هدوء :
– وهي الأصول برده يا حاج إني اهدد واحدة إني هاخد منها أرضها وأرض بنتها اليتيمة بالغصب عشان مفيش حد يقف جنبها ويدافع عن حقوقها ؟

فوجئ الرجل من كلام (أدهم) فقد كان يتوقع منه بعض المداهنة لكنه صدمه بوضوحه وصراحته, قال بطريقة هجومية :
– يعني إنت عارف من الأول وموافقها على عمايلها .

ازداد غضب (أدهم) ولم يتمالك نفسه فانفعل هاتفا :
– ياحاج لاحظ إن اللي بتتكلم عليها دي مراتي ومااسمحش لحد يتكلم عنها بطريقة زي دي .

تراجع الرجل لوهلة لكنه عاد يصيح بعصبية :
– يا ادهم بيه اللي حصل دِه ما يرضيش حد, إحنا كان ممكن نتفاهم مش تروح تبيع أرضنا لحد غريب يشاركنا فيها عشان خايفة ناخدها, إحنا كان ممكن نشتريها وأني عرضت عليها تتجوز أخويا وكانت هتبقى في عينينا, إنما هي عايزة تقلبها خراب وتحطك إنت في وش المدفع .

شعر (أدهم) بغضبه يتأجج أكثر, تتزوج من أخيك ؟ هل جننت لتنطقها أمامي هكذا ؟ إنها امرأتي يارجل ! كان يتماسك بصعوبة, لقد كان (آدم) على حق, هذا الرجل يثير حنقه وغضبه لأقصى حد غير آبه بما قد يعود عليه من جراء ذلك, كانت لهجته صارمة للغاية عندما قال :
– أولا ياحاج انا مش غريب, انا جوزها, وهي حرة تبيع أرضها ماتبيعهاش دي حاجة ترجع لها, وأظن يا حاج مايصحش تروح لواحد تقوله انا كنت هاجوز مراتك لأخويا عيب اوي, والمدفع اللي بتتكلم عليه أنا واقف قصاده اهو وريني هيعمل ايه ؟

لهجته أصابت الرجل بغضب شديد, أكبر منه سنا ويكاد يجمد الدم في عروقه, هب واقفا وصاح :
– إنت الظاهر مش عارف بتتكلم مع مين ؟ خلي بالك يا أدهم بيه إحنا آه من الريف بس اللي ياخد مننا حاجة مش بتاعته ما بيلحقش يتهنى بيها .

تصاعد غضب (أدهم) وتفجرت به خلاياه فوقف في وجه الرجل غاضبا وقال بحدة :
– ده تهديد ده ياحاج ؟ بتهددني في بيتي ؟

شعرت (جمانة) بخوف شديد, كان (أدهم) شديد الغضب والرجل عصبي للغاية وقدرت أن الأمر لن يمر بسلام, ارتعبت فجأة فقامت بسرعة تقف خلف زوجها وتمسك بذراعه كطفلة صغيرة تائهة, شعر بها وبقلقها فمد يده الأخرى يربت على كفها الممسكة بذراعه والحاج يعود ليهادنه :
– أني مش باهددك يا أدهم بيه حاشا لله, بس اللي إنت بتقوله دِه يِجِن .

تطلعت هي للرجل في دهشة, لقد تراجع في ثوان, أدارت وجهها تنظر لزوجها وهي متعلقة بذراعه وهو يمسك كفها بحنان على الرغم من غضبه المرتسم على وجهه, سرحت في خيالها فجأة معه, كيف لم تلحظ أنه بهذا الطول من قبل ؟, على الرغم من أنها ليست قصيرة فإن رأسها لا تكاد تتخطى كتفه بمسافة قليلة, وذراعه التي تمسك بها قوية وصلبة, نعم يمكنه أن يحميها, يمكنها أن تشعر بالأمان معه وأن يظللها بحبه, شعرت بقلبها ينبض له في صدرها, غضب عقلها ووضع حاجز ذكرياتها أمام عينيها لكن قلبها رفرف حوله وألقى نفسه بين كفيه, أفاقت على صوت الرجل يخاطبها بلهجة متخاذلة :
– هي دي آخرتها يا أم ملك ؟ ينفع اللي حاصل دِه ؟

قبل أن تنطق كان (أدهم) يقول بصرامته :
– أظن يا حاج أنا موجود وباتكلم معاك, يبقى أم ملك برا الموضوع ومادام لها راجل يبقى هو اللي توجه له كلامك .

تنهد الرجل وقال في استكانة :
– ماشي يا أدهم بيه, خلاص مادام ده اللي إنتم عايزينه إحنا هناخد أرضنا, أكيد ماتلزمكوش في حاجة .

التفت (أدهم) لـ (جمانة) وقال بنفس الحزم :
– ده قرار أم ملك يا حاج, يا تبيعها يا تحتفظ بيها .

نظرت إليه وتفاهم معها بعينيه, خفضت رأسها أرضا وظلت صامتة وهو يخاطب الرجل قائلا :
– خلاص ياحاج هنبيع, بس بشرط , هنجيب خبير محايد يتمن الأرض وتتباع بتمن السوق, والحق ماحدش بيزعل منه, ولا ايه ياحاج ؟

تنهد الرجل في استسلام وقال :
– ماشي يا ادهم بيه اللي تقول عليه .

انتهى الأمر, واتفقوا على موعد مناسب لتقدير ثمن الأرض وإمضاء العقود, رحل الرجل محملا بخزي لا مثيل له, وهزيمة شعر بها ماحقة فوق رأسه, لكن لا يمكنه المخاطرة بأعماله مع رجل مثل (أدهم) له ثقله في السوق.
أغلق (أدهم) الباب وراء الحاج (عبد الحمن) ثم التفت عائدا إليها, تطلعت إليه في صمت , لم تجد كلمة تعبر عن مدى امتنانها له فاكتفت بأن تعبر نظراتها عنه, ابتسم لها وسألها بمرح :
– ها ايه رأيك ؟ مرعب مش كده ؟

ضحكت وتنهدت في ارتياح ثم قالت :
– جدا .

اقترب منها وهمس :
– بس إنت ماخفتيش مني ؟ اوعي ؟ إلا إنتِ .

خفضت عينيها في خجل وقالت بخفوت :
– بالعكس, كنت حاسة بالأمان اوي .

أطارت عبارتها صوابه, إنها تمدحني صراحةً, اقترب أكثر فلم تتحرك مبتعدة مما أثار دهشته, فزاد في اقترابه حتى أصبح امامها مباشرة, لم يلمسها إنما أمرها :
– بصي لي .

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *