رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب
ابتسم ولمعت عيناه واقترب منها قائلا :
– دي حاجة مفروغ منها .
تدللت هامسة :
– قد ايه ؟
شعر بقلبه يكاد يتوقف فلم يستطع أن يستمر في المزيد من الكلام, وقف وسحبها إليه, حملها بين ذراعيه وقال يشاكسها :
– هأوريلك دلوقتي قد ايه .
هتفت ضاحكة :
– يامجنون, والعشا .
كانت نظرته شغوف وهو يهمس :
– هاتعشى حالا اهو, أمال انا بأقول ايه من الصبح, ركزي ياجوجو .
صمتت واستكانت, وحلقت في سماء الحب مع القلب الذي ينبض لها .
______________________________
في الصباح التالي استيقظت بين ذراعيه, تقلبت في رفق وتطلعت لوجهه النائم في سكون بنظرة حب, فجأة ارتفع رنين الهاتف, فنظرت إليه بقلق, أما هو ففتح عينيه في توتر وتساءل :
– ايه ده ؟ مين بيتصل دلوقتي ؟
هزت كتفيها ونهضت تلتقط هاتفها لتلقي نظرة, وجدت رقم والدتها, شعرت بقلبها ينقبض في صدرها, فتحت الخط بسرعة وهتفت :
– ماما خير ؟
أتاها الصوت الباكي يمزق نياط قلبها :
– الحقيني يا جمانة, ملك خطفوها .
أبعدت الهاتف عن أذنها وتطلعت إليه في صدمة, لم تجد القدرة على النطق, نظر إليها في قلق ثم التقطه منها, قال في لهفة :
– ألو, خير حصل ايه ؟
ازداد نحيب المرأة وهي تهتف :
– خطفوا ملك يا أدهم يابني, خطفوها مني من البيت الحقني يابني .
اتسعت عيناه في ذعر وهو يلتفت لـ (جمانة) التي تسمرت في مكانها بدون حركة أو صوت, هتف بسرعة :
– أنا جاي حالا .
ألقى الهاتف من يده وأمسك زوجته من يدها هاتفا فيها :
– جمانة ؟ جمانة ردي عليا, ماتخافيش يا حبيبتي أرجوكي ردي عليا .
لفت وجهها نحوه بنفس الصمت, ثم انهارت فجأة بين ذراعيه فاقدة الوعي وهو يصرخ باسمها في جزع وقلبه يكاد يتوقف بين جنبيه .
عندما استعادت (جمانة) وعيها كانت تتحرك معه بطريقة آلية, ذهب لمنزل والدتها وهي لا تعي ما يحدث حولها, بعد وصولها إلى هناك وعندما رأت والدتها وشقيقتها وتطلعت إلى أعينهما الدامعتين انهارت مرة أخرى وأخذت تبكي وتصرخ وهم جميعا يحاولون تهدئتها, أخذتها (لمياء) بين ذراعيها وظلت تقرأ القرآن وتدعو حتى استكانت قليلا, كان (أدهم) قلقا للغاية, ولما رآها هدأت اتجه لوالدتها وسألها :
– حصل ايه بالظبط ؟
أجابت من بين دموعها :
– مش عارفة يابني, الصبح لميا نزلت شغلها زي كل يوم وملك كانت نايمة, فجأة لقيت جرس الباب بيضرب رحت أشوف مين قاللي النور, يادوب فتحت الباب وماحسيتش بحاجة, لما فقت لقيت نفسي ع الأرض قدام الباب من جوا وقمت زي المجنونة أدور على ملك مالقيتهاش .
استمعت (جمانة) لما قالته والدته وعادت تبكي من جديد, قالت (لمياء) :
– لازم نبلغ البوليس, هما بس اللي يقدروا يتصرفوا .
هتفت (جمانة) في ذعر :
– لا يا لميا لا, أكيد هما عاوزين فلوس , كل اللي بيخطفوا بيبقوا عاوزين فلوس, لو كلمنا البوليس هيأذوها, لا عشان خاطري .
اقترب منها (أدهم) وضمها إلى صدره محاولا طمأنتها فأخذت تبكي بصمت, قال بحنان :
– ماتخافيش يا جمانة ماحدش هيقدر يأذيها, بلاش بوليس, احنا نستنى شوية ونشوف هيعملوا ايه ؟
فجأة انتزعت نفسها من بين ذراعيه وتطلعت إليه لحظة في وجل, لم يفهم لما فعلت ذلك حتى هتفت :
– إنت السبب .
تراجع للخلف في ذهول وهو يصيح :
– انا !!!
اقتربت منها شقيقتها وحاولت تهدئتها فدفعتها في عنف وأخذت تصيح في وجهه :
– أيوة إنت, قلت لي هتحمينا, وعدتني وقلت لي ماتخافيش, ماتقلقيش وأنا معاكي, عملت ايه عشان تحمينا, خلفت وعدك ليه ؟ بنتي هتضيع مني بسببك إنت وعمري ما هاسامحك أبدا .
تألم من كل كلمة نطقت لتجلده بها, خفض عينيه أرضا في صمت حزين على حين هبت والدتها هاتفة :
– جمانة ماتقوليش كده, جوزك مالوش ذنب .
صرخت في انهيار :
– لا هو السبب, كدب عليا, خلف وعده, خدوها مني يا ماما .
قالت (لمياء) بسرعة :
– جمانة إحنا مش عارفين مين, استني شوية لحد مانشوف .
عادت تصرخ وتبكي من جديد وعندما حاول الاقتراب منها دفعته في عنف وارتمت بين ذراعي شقيقتها التي نظرت إليه في اعتذار, وقالت مهدئة :
– تعالي جوا انت تعبانة اوي, ماتقلقيش إن شاء الله هترجع ماتخافيش .
تابعها بعينيه في حزن شديد يمتزج بالقلق والخوف, اقتربت والدتها منه وقالت وهي تربت على كتفه بحنان :
– معلش يا أدهم ياابني, إنت أكيد مقدر حالتها .
التفت إليها في صمت, وقال بخفوت :
– أكيد, انا خايف عليها أوي .
تنهدت المرأة بحرقة وقالت :
– حسبي الله ونعم الوكيل, بيعملوا فينا كده ليه ؟
تطلع إليها في تساؤل فأكملت :
– انا شاكة إنهم إخوات حسام الله يرحمه .
ظهر الغضب على وجهه وعقد حاجبيه بشدة, فكر لثوان ثم سألها :
– تفتكري فعلا ؟ لو هما والله لأوديهم ورا الشمس.
ترددت الأم ثانية ثم هزت كتفيها في استسلام, خرجت (لمياء) من الغرفة وهي تمسح دموعها فسألها في لهفة :
– عاملة ايه ؟
تنهدت في حزن وأجابت :
– نامت, مش عارفة إزاي بس نامت .
ظلوا هكذا وهي نائمة وبين حين وآخر يطمئن عليها ويهمس في أذنها بأنه أبدا لن يخذلها, أذن المغرب وصاحبه رنين هاتفه, التقطه بسرعة ليجد رقما غريبا, لم يتأخر لثانية بل فتح الخط ليجد الصوت الأجش المخيف يقول :
– الأمانة عندنا, ولو تهمك تجهز اتنين مليون جنيه نضاف في شنطتين كبار وتستنى مكالمة تانية كمان مني, ماتتأخرش عشان التأخير هيكلفك كتير.
هتف في غضب :
– إنت عارف لو حصلها حاجة ……….
فوجئ بالخط ينقطع فجأة, فنظر للهاتف في حنق وألقاه على الأريكة في غضب شديد, سمع صوتها الضعيف تسأل في خفوت :
– قالك ايه ؟
قام إليها مع شقيقتها بسرعة وقف أمامها, أجاب في لهفة :
– هنجيبها ياجمانة ماتخافيش, أقسملك بالله هارجعها لحضنك تاني مهما كان التمن .
تطلعت إليه في صمت وعادت تسأل :
– قالك ايه ؟
رد في استسلام :
– عاوز اتنين مليون جنيه وهيكلمني عشان يقولي امتى وفين بكرة .
اتسعت عينا الأم وهتفت (لمياء) :
– اتنين مليون جنيه ؟
التفت إليهما في صمت فقالت (جمانة) في ضعف :
– هأنزل معاك الصبح نسحبهم من حسابي .
عاد يلتفت إليها وهو يشعر بالغضب, قال في استياء :
– لا ياجمانة خلي حسابك زي ماهو دي فلوس ملك, أنا هاتصرف .
ردت بعنف :
– لا, دي فلوسك إنت وانا مش عاوزاها, انا عاوزة بنتي .
تألم لكلامها لكنه صمت, قالت هي مرة أخرى وهي تبكي :
– انا عاوزة بنتي .