رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب

ثم تطلعتا لبعضهما البعض لحظة, كانت نظرة الزوجة خلالها كسيرة خنوع والأم حزينة غاضبة, لم تستطع (جمانة) النطق, فأمه المكلومة هي الأحق بالبقاء إلى جواره, عادت تقول في انكسار :
– طيب خلاص انا هاستنى برا في العربية .

نظرت لها الأم في دهشة, لما تراجعت ؟ كان يمكنها أن تصر على البقاء إلى جواره, أن تكون الأقرب, لكنها تركت لها تلك الفرصة ؟ شعرت بشيء من الامتنان لها ولكن صمتت ولم تقل شيئا, سمعت (جمانة) ترجو الطبيب في حزن :
– لو سمحت يا دكتور ممكن أشوفه, عاوزة أكلمه, لو حتى دقيقة واحدة ؟

نظر إليها الطبيب في دهشة ثم قال بلهجة قاطعة :
– لا طبعا ما ينفعش, غرفة العناية ممنوع دخولها لغير الأطباء والممرضين .

عادت تستجديه :
– دقيقة واحدة بس يا دكتور, أطمن عليه من قريب وهاطلع على طول, أرجوك .

عاد يهز رأسه نفيا في حزم وهو يقول :
– يافندم ما ينفعش الموضوع مش محل نقاش .

عادت تبكي بشدة فرق قلبه لها لكنه لم يتراجع عن موقفه, أتت (لمياء) لتقف إلى جوارها وهي تقول للطبيب :
– يادكتور من فضلك, هي بس دقيقة واحدة, ولو في حاجة معينة مطلوب منها تعملها, تلبس حاجة أو تعقيم بس من فضلك دقيقة واحدة, ده جوزها .

تردد للحظة تطلعت إليه هي فيها بأمل ثم قال بسرعة :
– طيب دقيقة واحدة بس, اتفضلي معايا لحظة .

نبض قلبها بقوة وتبعته بسرعة ثم عادت معه وهي تحمل ما يشبه الكيس وتستعد لارتدائه في قدميها, وقف الطبيب أمام الباب والكل يتطلع إليه ثم قال في حزم وهو يفتحه سامحا لها بالدخول :
– دقيقة واحدة .

دخلت هي بتردد, كان الطبيب واقفا على الباب إلى جواره (آدم) و (لمياء) أما أبويه وشقيقته فكانوا يتابعون ما يحدث من النافذة وأمه تشعر بالحسرة, لما لم تطلب هي الأخرى أن تدخل إلى صغيرها أيضا !, وقفت أمامه (جمانة) في صمت, تتطلع إلى وجهه وعينيه المغمضتين في حزن, كان يغمرها بحنانه نظراته عشقا, لما لا تفتحهما حبيبي وتنظر إلي ؟, اقتربت أكثر ثم مدت يدها تتحسس شعره وانحنت تطبع قبلة على جبينه انعقد لها حاجبا الطبيب في ضيق, أمسكت كفه وقبلتها هي الأخرى واقتربت أكثر لتهمس في أذنه بكل العشق والحزن المختزنين بداخلها :
– أدهم, حبيبي, أنا آسفة, ياريت كنت انا اللي اخدت الرصاصة مش إنت, ماتزعلش مني انا عارفة إني جرحتك, بس برده عارفة قد ايه إنت بتحبني ومش هتزعل مني, وكمان هتفوق وترجع لي مش كده ؟

انهمرت دموعها وهي تكمل :
– حبيبي عشان خاطري افتح عينيك وبص لي, زي ما أنا متعودة, وحشتني نظراتك ووحشني كلامك, وحشني صوتك وإنت بتنادي اسمي, عشان خاطري فوق وارجع لي, أنا آسفة , آسفة , أنا السبب, أنا اللي ……….

قاطع حديثها الباكي الجهاز المتصل بقلبه معلنا توقفه عن النبض بأزيز متصل كاد يوقف قلبها هي الأخرى, كان الذعر يملأ ملامحها وهي تنظر إليه والطبيب يندفع نحوه بسرعة ويستدعي الممرضات, صرخت فجأة :
– أدهم لااااااااااااا, أدهم .

وانهمرت دموعها كشلال يصهر قلبها, رأت التوتر على ملامح الجميع ووالدته تصرخ في انهيار والذعر يملأ ملامح أخيه وأبيه, تراجعت للخلف في جزع وهي تتطلع لما يحدث في بلاهة, كان الطبيب يصرخ في الممرضات وهن يسرعن بتجهيز جهاز الصدمات, رأته يضعه فوق يصدره ويهتف :
– Clear

لينتفض جسد حبيبها في عنف ويبقى الأزيز على اتصاله, ثم يصرخ الطبيب مرة أخرى في ممرضاته ويضع الجهاز فوق جسده ثانية بنفس الهتاف ويعود لينتفض مرة ثانية فثالثة, رأتهم يحقنونه بشيء ما ويعودون لتنشيط قلبه مرة أخرى فينتفض أمامها لتشعر بلوعة تكاد تعتصر قلبها, سمعت الأزيز المتقطع مرة اخرى معلنا عودة قلبه للنبض, ثم وكأنما استنزف الخوف والحزن وبقايا الألم وإرهاق الأيام الماضية كل طاقتها فانهارت أرضا فاقدة الوعي تصاحبها صرخة شقيقتها باسمها في حين أسرعت إليها ممرضة لتحاول إفاقتها, ضعفها مع حزنها اشترك في فقدانها لوعيها لفترة من الوقت, احتاجت بعض المحاليل والمقويات التي أوصى بها الطبيب لها واستقرت في غرفة ليست ببعيدة عن حبيبها.
مرت تلك الليلة كأنها دهر, الكل في انتظار والحبيبة الكسيرة فاقدة لوعيها منهكة وقلبها يئن, كانت شقيقتها إلى جوارها بعدما أعادت الطفلة للمنزل مع والدتها, والدتها التي لم تصدق ماحدث وانهارت بالبكاء هي الأخرى, بكاءا على رجل دفع حياته ثمنا وفداءا لمن يحب وكمدا على ابنتها التي لا تكتمل فرحتها إلا وتقطعها الدموع مرة أخرى, في الصباح التالي أفاقت (جمانة), أتى الطبيب ليطمئن عليها, أمرها بالراحة لفترة وأوصى لها بأدوية جديدة, بعد خروجه هتفت في شقيقتها :
– أدهم عامل ايه يا لميا ؟

ربتت (لمياء) على كفها برفق وهي تجيب :
– ماتقلقيش هو الحمد لله لحد دلوقتي كويس والحالة مستقرة .

كشفت الغطاء وحاولت النهوض وقالت :
– عاوزة أشوفه .

حاولت شقيقتها إعادته لسريرها وهي تهتف :
– لا لا جمانة ما ينفعش إنت تعبانة جدا مش هينفع تروحي تقفي هناك هيغمى عليكي تاني .

لم تهتم لما تقول وعادت تحاول النهوض وقالت في حزم على الرغم من الإعياء البادي على وجهها :
– لا لازم أشوفه .

وقفت على الأرض وفي الثوان التالية كان الدوار يكتنفها وشعرت برأسها تكاد تقع من فوق كتفيها فأسرعت (لمياء) إلى جوارها تساندها, أخذت نفسا عميقا وقالت :
– يلا نروح له .

ثم سارت ببطء حتى وصلت لغرفة العناية, وجدت والدته هناك مع (آدم) لم تستطع النظر في وجهها في حين وقف (آدم) واتجه نحوهما بسرعة وهو يقول :
– جمانة إنت بتعملي ايه ماكانش المفروض تيجي دلوقتي إنت تعبانة .

التفتت إليه و ردت في حزن :
– تعبانة ايه بس يا دكتور آدم, مش أكتر منه, عاوزة أطمن عليه, الدكتور قال حاجة ؟

هز رأسه نفيا وأجاب :
– لسه على نفس الوضع .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *