رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب

وقفت أمام النافذة تنظر إليه في صمت, بدأت دموعها تنساب على وجنتيها مرة أخرى بذات الصمت, وعاد الألم يغلف قلبها مفتتا ضلوعها وممزقا إياه لأشلاء, كانت إلى جوارها شقيقتها والقلق ينهشها من كل صوب, على الاثنين, سمعت فجأة صوت حازم يهتف بنوع من السعادة :
– أستاذة لميا ؟

التفتت للصوت لتجد شخصا بالزي الرسمي يتجه إليها وعلى شفتيه ابتسامة واسعة بادلته إياها بهدوء, كان (آدم) وزوجة أبيه يتطلعان إليه في دهشة وهو يقترب من المرأتين حتى وقف أمامهما وقال :
– إزيك عاملة ايه ؟ من زمان مش بنشوفك ؟ القضايا خلصت ولا ايه ؟

ابتسمت في خجل وأجابت :
– لا والله يا سيادة المقدم القضايا موجودة بس على حسب, مش عندك بقى .

حافظ على ابتسامته وتطلع لخجلها بحنان ثم التفت لشقيقتها الباكية في تساؤل أجابت عنه بدون أن يطرحه :
– أختي جمانة, جوزها مضروب بالرصاص امبارح .

رفع حاجبيه في دهشة وهتف :
– أدهم الحسيني ؟

أومأت برأسها إيجابا وهي تسأله :
– أيوة, حضرتك اللي ماسك القضية ؟

أجاب :
– أيوة, أنا كنت لسه جاي أطمن على حالته عشان أعرف هنقدر نستجوبه إمتى, إحنا قبضنا على كمال إمبارح طبعا وواحد اسمه عويس, عويس ده كان مصاب أول مافاق اعترف مباشرة ودل على واحد تاني اسمه فتحي, للأسف مات أثناء القبض عليه, قاوم وحاول يهرب وضرب نار ع القوة اللي راحت تجيبه فضربوا هما كمان اتصاب وعلى مااتنقل المستشفى كان مات, لقوا عنده نص مليون جنيه, غالبا من فلوس الفدية لأنها كانت ناقصة في الشنط اللي مع كمال .

ثم تنهد لحظة وأكمل :
– لقينا عنده مسدس لسه الطب الشرعي هيحدد إذا هو اللي خرجت منه الرصاصة اللي انضرب بيها المجني عليه ولا لا .

أومأت برأسها إيجابا في صمت, حينما جاء (آدم) ليقف إلى جوارها متسائلا :
– في ايه يا أستاذة لميا ؟

أجابت بسرعة :
– ده المقدم حمزة اللي ماسك قضية أدهم .

مد (حمزة) يده إليه وصافحه قائلا بود :
– أهلا يافندم .

ابتسم (آدم) ابتسامة باهتة وهو يصافحه وقال :
– أنا آدم أخو أدهم .

عاد يقول :
– أخبار الأستاذ أدهم ايه ؟ نقدر نستجوبه إمتى ؟

عقد (آدم) حاجبيه وهو يتساءل :
– تستجوبه ؟ ليه ؟

ابتسم الرجل في حين أجابت (لمياء) موضحة :
– عادي يادكتور آدم, عشان نعرف منه اللي حصل بالظبط, هو طرف في الموضوع فده طبيعي .

نظر إليها للحظة ثم عاد يتساءل :
– بس هو دلوقتي في غيبوبة, إنتو مسكتوا حد تاني ؟

أجاب الضابط :
– أيوة بس للاسف اتصاب ومات, ماقدرناش نستجوبه ونعرف اللي حصل .

قالت (جمانة) فجأة :
– هو كمال هيتعدم ؟

نظروا إليها جميعا وإلى البؤس المرسوم على ملامحها, وأجابت شقيقتها :
– لسه يا جمانة, الموضوع ده مش وقت الكلام فيه, لسه قضية وشهود وتحقيقات ومحكمة وحكم, كل ده بياخد وقت .

بكت وهي تهتف :
– والرصاصة اللي كانت هتم*وته ليه ماخدتش وقت ؟ وبنتي اللي كانت هتضيع مني, ليه في ثانية واحدة بس كانت هتضيع ؟ يعني ايه كل ده ؟ بتدوا المجرمين فرصة يفلتوا .

اقتربت منها وقالت وهي تربت على كتفيها :
– ماتخافيش يا جمانة, أكيد هياخد جزاءه إن شاء الله, المهم أدهم يقوم بالسلامة .

صمتوا للحظات قال بعدها (جمزة) مخاطبا (لمياء) بابتسامة حانية :
– طيب يا أستاذتنا, أنا هاطمن من الدكتور على الحالة وأعرف التفاصيل, ابقي زورينا بقى عندنا قضايا من اللي بتحبيها كتير .

بادلته ابتسامته وظلت تتطلع إليه وهو يلتفت مغادرا, وعينا (آدم) معلقتين بعينيها وهو يتساءل عن سر الطريقة التي يحدثها بها الرجل هكذا وكأنهما أقارب وهي أيضا تتبسط معه بهذا الشكل, استغرب تفكيره في هذا الأمر فسألها :
– هو حضرتك تعرفي المقدم ده من زمان ؟

أومأت برأسها وهي تجيب :
– أيوة, المقدم حمزة من الناس القليلة اللي تقدر تتعامل معاها في أقسام الشرطة بهدوء واحترام وسهولة كمان .

هز رأسه هو الآخر وقال في اقتضاب :
– آها .

بعد قليل عاد الضابط وبصحبته شاب في العقد الثالث من العمر, نحيف يرتدي منظارا طبيا يبدو عليه التوتر والخجل, التفتوا إليه جميعا ورحبت به (لمياء) مرة أخرى وهي تتطلع للشاب المصاحب له في تساؤل أجاب هو عنه :
– ده دكتور زياد, اللي نقل الأستاذ أدهم المستشفى .

على الفور امتلأت العيون بالامتنان وبدأوا جميعا يثنون عليه ويشكرونه, عاد الضابط يقول :
– دكتور زياد كان ماشي مع اتنين اصحابه بالعربية ولمحوا فجأة عربية بتطلع قدامهم بسرعة وعربية تانية واقفة جنب الطريق ع الرمل وابوابها مفتوحة ومنورة, نزلوا يشوفوا في ايه لقوا الأستاذ أدهم جنبها من الناحية البعيدة عن الطريق, دكتور زياد فحصه بسرعة وكلم والده دكتور أحمد السعيد الجراح اللي أكيد كلكم تعرفوه بلغ أقرب مستشفى لمكان الحادث وبعتوا اسعاف مجهزة, كان له الفضل بعد ربنا سبحانه إن يوقفوا النزيف بس طبعا الشغل كمل هنا مع دكتور أحمد بنفسه .

ظلوا يشكرونه مرة أخرى و(جمانة) تتطلع إليه بامتنان شديد, تقبل الشاب امتنانهم في هدوء يشوبه بعض الخجل, ثم تركهم وانصرف, بعد انصرافهم قال (حمزة) مخاطبا الجميع :
– الدكتور أحمد طمني وقال لي في خلال ساعات بإذن الله هيتنقل غرفة عادية .

ثم التفت لـ (لمياء) وقال :
– من فضلك يا أستاذة لميا لما الدكتور يطمنكم ويسمح بالكلام وكده ابقي كلميني , وأنا هاكون على اتصال إن شاء الله.

عقد (آدم) حاجبيه في ضيق مفاجئ في حين قالت هي بهدوء :
– أكيد يا سيادة المقدم .

أومأ برأسه محييا الجميع ثم خرج من المكان, تابعه (آدم) بعينيه للحظة ثم عاد يلتفت إليها فوجدها قد عادت إلى جوار شقيقتها فابتسم, أخرج هاتفه واتصل بالمنزل ليطمئن على صغيره والذي طلب من مربيته البقاء معه في هذين اليومين وقرر أن يذهب ليأتي به لأن السيدة ترغب في الرحيل .
مر نصف اليوم وأحضر (آدم) ابنه وأتت والدة (جمانة) للاطمئنان على زوج ابنتها, وللمفاجأة كانت (فريدة) تقابلهم بصمت دون غضب أو كلمات جارحة, بدت مكسورة حزينة جل همها أن يعود لها ابنها سالما, ثم مر اليوم كله بأمان, في اليوم التالي نقل (أدهم) لغرفة عادية والقلوب لازالت تدعو وتتضرع لله أن يتمم شفاؤه على خير .
وفي تلك الغرفة اجتمعت الأم مع زوجة ابنها التي رفضتها, كانت تتطلع إليها وإلى الحزن الموشوم به وجهها, إلى النظرة الكسيرة في عينيها وآهات الوجع التي تخرج من صدرها حزنا عليه, كانت ترى أنها ربما أخطأت في حقها, ربما هي فعلا من تصلح لابنها حتى وإن كانت حياته ستكون ثمنا لحبها وقربه منها, استغربت كثيرا لما يحبها (أدهم) لهذه الدرجة ؟ أن يضحي بحياته ويذهب ليعيد إليها صغيرتها غير عابئ بما قد يحدث له, أن يتلقى رصاصة قاتلة فقط من أجل ابتسامتها وراحتها وسعادتها, ترى كيف سيتصرف عندما يستيقظ ؟ هل سيظل على حبه لها ؟ أم ستترك الرصاصة أثرا لا يبرأ كانت هي سببا فيه ؟

سألتها فجأة :
– خايفة عليه ؟

رفعت (جمانة) عينيها إليها في صمت, لم تتفاجأ, كانت تنتظر حديث السيدة إليها وربما جرح قلبها أكثر, لم تجد جوابا, بما تجيبها حقا وما كلمة خوف بالنسبة لما تشعر به ؟, دمعت عيناها مرة أخرى وهمست :
– أنا بأمو*ت كل ما أبص له, وأحس إني كنت السبب في اللي حصل له, مش هأقولك إني مش غلطانة , كلنا غلطنا عشان سيبناه يروح لوحده, بس لو بإيدي كنت رحت مكانه وأخدت الرصاصة بداله و هو يبقى كويس .

صمتت السيدة, هي تحبه بالتأكيد, لِم تكون على هذه الحال إن لم تكن تحبه ؟ في خمسة أيام أصابها الضعف والهزال وغارت عينيها في وجهها وحُفت بالهالات السوداء, حتى ابنتها لم تلتصق بها كما توقعت بل تركتها لوالدتها وشقيقتها, قامت من مكانها واتجهت نحوها و(جمانة) تنظر إليها في قلق, اقتربت أكثر ثم وقفت أمامها والعيون تتبادل حديثا غير مفهوم, فجأة ضمت رأسها لصدرها وربتت عليها في رفق أصابها بالذهول, وقالت في حنان :
– ربنا يقومه بالسلامة عشان يشوف بتحبيه قد ايه .

دمعت عينا (جمانة) وشاركتها دموعها الأم وهما تتضرعان لله أن يشفيه ويتمم عليه عافيته, سمعتا همسا مفاجئا به قدر ضئيل من المرح يقول :
– خيانة .

انتفضتا في عنف واستدارت المرأتان تجاه الراقد على السرير لتجدا العينان المجهدتان تتطلعان إليهما بحنان بدا غريبا على وجهه الشاحب وابتسامة طفيفة تتسلل إلى شفتيه, فقدت كلاهما القدرة على النطق وهو ينظر إليهما محاولا إبقاء جفنيه مفتوحين, هبت (جمانة) واقفة واتجهت إليه بسرعة تتطلع إلى وجهه وعينيه التي تحوطانها بالدفء, كانت تتأمل ملامحه بكل تفصيلة فيها, عيناها تجولان في وجهه وتستقران عند عينيه, نعم هي لم تخطئ, هو مستيقظ ويداعبهما أيضا, لقد عاد .
__________________________

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *