رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب
ابتسمت الصغيرة في عدم فهم وعادت تنشغل بلعبها, أما (أدهم) فقد اتجه لغرفة المعيشة وهو يشعر بالحرج, مهما كان يمازح شقيقته أو يداعبها فلازالت هناك درجة معينة يتوقف عندها الأمر, أما أن تراه مع زوجته فذلك أثار خجله وبشدة, تنحنح ثم دخل الغرفة, وجدها جالسة تتابع التلفاز باهتمام كأنه يشغلها بالفعل, لاحظ حمرة وجنتيها فعلم أنها رأتهما, قال في مرح :
– سارو عندنا ! يامرحبا يامرحبا .
ابتسمت ووقفت متجهة إليه, احتضنها وقبل رأسها في حنان وقال :
– منورانا والله يا سارة, بس ماقلتليش إنك جاية يعني ؟
قالت في خجل :
– انا كلمت جمانة وقلت لها إني جاية, وقلت أعمل لك مفاجأة .
شعر بخجلها فداعبها :
– وأحلى مفاجأة والله ياقمر, وحشاني, إزي بابا و .. ماما ؟
تطلعت إليه, بدا على وجهه مسحة من الحزن عند ذكر والدته, لكنها ردت بعفوية وبساطة حتى لا تشعره بشيء :
– كويسين الحمد لله, بيسلموا عليك وماما قلت لها تيجي معايا قالت لي المرة الجاية .
ابتسم في حزن, لكنها أكدت :
– بجد يا أدهم, إنت عارف إن ماما بتحبك ويهمها سعادتك, وحتى لو دلوقتي رافضة وزعلانة مصيرها تسامحك لأن مالهاش غيرك .
ابتسم في حنان وقال :
– طيب ابقي سلمي لي عليها هي و بابا وبوسيهم لي, وأنا هاحاول آجي زيارة في أقرب وقت بإذن الله .
شعرت بالسعادة فهتفت :
– اوك هاقولهم ونستناك .
أومأ برأسه إيجابا ثم جلس وجذبها لتجلس بجوراه متسائلا :
– طمنيني بقى عاملة ايه في الكلية ؟
أجابت :
– الحمد لله كله تمام لسه في أول الدراسة وبنستكشف السنة الجديدة .
قال :
– كويس عاوزك بقى التزام من أول السنة عشان التقدير يفضل زي ماهو .
ابتسمت و ردت :
– ده أكيد مش محتاجة وصاية .
ترددت لحظة فلاحظ ترددها, سألها :
– خير يا سارو ؟ عاوزة تقولي حاجة ؟
ترددت لثوان أخرى ثم قالت بسرعة :
– عاوزة أعرف ايه موضوع السرقة اللي ماما دايما بتتكلم عليه مع آدم ده ؟
ظهرت الدهشة على وجهه, نعم كانت صغيرة وقتها لكنها الآن تعلم, ماذا لو ظنت بأخيها سوءا ؟ قرر أن يحكي لها باختصار فقال :
– شوفي يا سارة انا مش عاوزك تفتكري إن آدم ممكن يعمل حاجة زي دي, ماما أوك ضاع منها حاجة بس اتهامها لآدم طبعا مش في محله, مش عارف أقول ايه, أنا مش باقولك إن ماما بتكدب بس هي لقت شماعة تعلق عليها الموضوع وتضايق آدم في نفس الوقت, أيامها ماما ضاع منها كوليه ماس كان بابا لسه جايبه لها هدية, دورنا كتير وحتى الشغالين اللي في الفيلا وكله ملقيناش حاجة, ماما فجأة قررت إن آدم أخده وباعه عشان ياخد فلوسه وخلاص, أيامها آدم انفعل وهدد إنه يسيب البيت لكن ماما مارجعتش عن كلامها وللأسف بابا كمان ماوقفش جنبه وفعلا ساب البيت, بعدها عرفنا إنه سافركندا وفقدنا اتصالنا بيه لحد مارجع الفترة اللي فاتت .
صمتت تفكر لدقيقة كاملة ثم هتفت فجأة :
– تفتكر شكله إيه الكوليه ده ؟
اندهش من تفكيرها, هل هذا هو السؤال او الرد المناسب على ماحكاه لها ؟, رد في دهشة :
– مش فاكر بالظبط, بس كان أعتقد في ياقوتة وعريض شوية .
انتفضت في مكانها فجأة وهتفت :
– مش ممكن الكوليه ده كان معايا .
اتسعت عيناه في ذهول وهتف :
– معاكي ؟ إنت بتهرجي ؟ معاكي إزاي ؟
أجابت بسرعة وهي تنتفض واقفة لتلتقط حقيبتها :
– انا لازم امشي, الكوليه ده أكيد في وسط لعبي القديمة, أيامها أخدته ألعب بيه والبسه للعروسة بتاعتي من علبة المجوهرات بتاعة ماما وانا مش فاهمة طبعا, ياخبر أبيض , سلام بقى .
وقف وجرى خلفها وهو يهتف :
– يامجنونة استني عاوز أفهم .
صاحت وهي تفتح الباب :
– هابقى اكلمك أفهمك المهم اروح ادور عليه واديه لماما .
أغلقت الباب خلفها وظل هو يتطلع إليه في ذهول في حين أتت (جمانة) مسرعة على صوت رحيل (سارة) وهتفت :
– ايه ده ؟ هي مشيت ؟ ليه ؟ مش معقول تكون انكسفت للدرجة دي ؟
التفت إليها في عدم فهم, ثم قال :
– لا دي افتكرت حاجة وضروري تمشي تعملها .
ثم مط شفتيه وهو يشعر بالغباء, هزت كتفيها في استسلام وصمتت, نظر لزوجته مرة أخرى فوجدها تحمل (ملك) على كتفها وهي نائمة, ثم اتجهت لغرفة الصغيرة لتضعها في الفراش, خرجت من الغرفة فلم تجده, اتجهت لغرفة النوم وجدته هناك مستلقيا على الفراش ويتنفس بعمق, شعرت بالشفقة فقد بدا متعبا للغاية حتى أنه نام بقميصه وبنطاله, ابتسمت في حنان ثم توجهت إليه, دثرته بغطاء رقيق وربتت على شعره بحنو ثم انحنت تطبع قبلة على رأسه, لكنه جذبها بقوة فسقطت على الفراش في فزع وهو يهتف بلهجة بدت جنونية :
– مش بتقولي قطر ؟ طيب هاوريكي القطر بيعمل ايه ؟
لم تدر ما تفعل سوى الاستسلام لحبه الذي يذيب خلاياها عشقا .
____________________________
عندما أفاق والد (دينا) من إغماءته المفاجئة كان الصمت هو مسلكه, شعور بالذهول يكتنفه ولسانه عاجز عن النطق, كانت زوجته تبكيه وتبكي ابنتها وحيرتها بينهما انقسمت, أخذته وعادت به للمنزل وهو يترك لها قيادته كطفل صغير, بعد وصولهما أدخلته سريره وغطته وقبل أن تخرج من الغرفة كان سؤاله المفاجئ ليصدمها :
– هي بنتي مدام يا ناريمان ؟
التفتت إليه في ذهول, ماذا تقول أو تفعل ؟ هو مريض ضعيف وابنتها ضاعت منها وهي انكسرت, تألمت, خافت, فصمتت, عاد يسأل بضعف :
– ارحمي ضعفي يا ناريمان, يعني ايه الدكتور يقول مدام ؟
رفعت عينيها إليه في صمت ففهم, كل شيء مرسوم على وجهها, قصة حياة كاملة تُحكَى هناك, نعم هو خطؤه منذ البدء, أهملها, دللها, ترك زمامها, ووالدتها كأن لم توجد, ضاعت صغيرته الوحيدة, ضاعت عدة مرات, ضاعت حتى أسدل الستار وكتبت كلمة النهاية بدمائها, غمغم :
– سيبيني أنام يا ناريمان .
عادت تلتفت بانكسار وتغادر الغرفة في هدوء شديد, وفي الصباح التالي كانت الأحزان قد زادت حزنا آخر, مات الأب كمدا على ابنته التي ضاعت منه, وزاد حمل ثقيل على كاهل الأم حتى انكسر .
__________________________________
مرت الأيام سريعا وفي نفس اليوم الذي قرر (أدهم) زيارة والديه فيه أعطى (كمال) الضوء الأخضر لـ (فتحي) لينفذ مهمته .
كانت (جمانة) في منزلها تتابع أعمالها اليومية, وبعد أن انتهت وجدت بضعة مظاريف بريدية موضوعة على طاولة بجوار الباب بإهمال, قررت أن تتسلى فيهم, فتحت البعض وكان في الغالب إعلانات, وجدت في وسطها جواب الإخطار البنكي الدوري الذي يأي للمودعين بانتظام, كان باسمها فابتسمت, ما الجديد ؟ لما يصرون على إرسال هذه الخطابات على الرغم من أنها لا تفعل بها شيئا, فتحته من باب الفضول لتجد مفاجأة بانتظارها, حسابها متضخم بشدة, فعلى الرغم من بيعها للأرض إلا أنها تعلم ثمنها جيدا وتعلم أنه مودع في حسابها, أما الآن فالحساب مضاعف كأن الأرض بيعت مرتين, اندهشت بشدة وخطرت في بالها فكرة لم تعلم كيف تتأكد منها, قررت الاتصال بخدمة عملاء البنك لتسأل عن المودعين إن كان ذلك ممكنا, وجاءها الرد أنه من حوالي أسبوعين تم إيداع مبلغ مليون جنيه في رصيدها وقبلها بما يقرب من شهر تم تحويل مبلغ مليون جنيه آخر لنفس الحساب, كان الذهول قد بلغ منها مبلغه فاستفسرت عن الحساب الذي تم التحويل منه لتجده باسم زوجها (أدهم جلال الحسيني), أغلقت الخط وبقيت تفكر وهي لا تعلم ما الذي يمكن أن تفعله, إذن فبعد رفضها الشيك الذي حرره لها عندما وقعوا أوراق الأرض قام بتحويل المال لحسابها بدون سؤالها, لكن كيف أتى برقم حسابها او علم أي معلومات عنه, عقدت حاجبيها بشدة ثم هتفت فجأة :
– لميا !!
