رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب

قبل أن تنطق كان (أدهم) يقول بصرامته :
– أظن يا حاج أنا موجود وباتكلم معاك, يبقى أم ملك برا الموضوع ومادام لها راجل يبقى هو اللي توجه له كلامك .

تنهد الرجل وقال في استكانة :
– ماشي يا أدهم بيه, خلاص مادام ده اللي إنتم عايزينه إحنا هناخد أرضنا, أكيد ماتلزمكوش في حاجة .

التفت (أدهم) لـ (جمانة) وقال بنفس الحزم :
– ده قرار أم ملك يا حاج, يا تبيعها يا تحتفظ بيها .

نظرت إليه وتفاهم معها بعينيه, خفضت رأسها أرضا وظلت صامتة وهو يخاطب الرجل قائلا :
– خلاص ياحاج هنبيع, بس بشرط , هنجيب خبير محايد يتمن الأرض وتتباع بتمن السوق, والحق ماحدش بيزعل منه, ولا ايه ياحاج ؟

تنهد الرجل في استسلام وقال :
– ماشي يا ادهم بيه اللي تقول عليه .

انتهى الأمر, واتفقوا على موعد مناسب لتقدير ثمن الأرض وإمضاء العقود, رحل الرجل محملا بخزي لا مثيل له, وهزيمة شعر بها ماحقة فوق رأسه, لكن لا يمكنه المخاطرة بأعماله مع رجل مثل (أدهم) له ثقله في السوق.
أغلق (أدهم) الباب وراء الحاج (عبد الحمن) ثم التفت عائدا إليها, تطلعت إليه في صمت , لم تجد كلمة تعبر عن مدى امتنانها له فاكتفت بأن تعبر نظراتها عنه, ابتسم لها وسألها بمرح :
– ها ايه رأيك ؟ مرعب مش كده ؟

ضحكت وتنهدت في ارتياح ثم قالت :
– جدا .

اقترب منها وهمس :
– بس إنت ماخفتيش مني ؟ اوعي ؟ إلا إنتِ .

خفضت عينيها في خجل وقالت بخفوت :
– بالعكس, كنت حاسة بالأمان اوي .

أطارت عبارتها صوابه, إنها تمدحني صراحةً, اقترب أكثر فلم تتحرك مبتعدة مما أثار دهشته, فزاد في اقترابه حتى أصبح امامها مباشرة, لم يلمسها إنما أمرها :
– بصي لي .

كان خجلها يتضاعف لكن رغما عنها ومع لهجته الآمرة رفعت عينيها إليه ولمع فيهما شيء لم يفهمه, ابتسم لها فشعرت بقلبها يصرخ باسمه, رباه ما الذي يحدث لي, وما تلك الابتسامة الآسرة ؟ اتسعت ابتسامته وهو يراها تتخبط في حيرتها, كل ما أراده في اللحظة أن يفتك بها ويذيقها جحيم الأسابيع الثلاثة الماضية وكم الحرمان الذي شعر به خلالها, مد يديه إليها فلم تتحرك, كانت دهشته أكبر, تساءل : هل ستستسلم له ؟ أمسك كتفيها برفق وتطلع إلى عينيها لثوان, قرأت في عينيه الكثير ثم انحنى نحوها ببطء فأغمضت عينيها في انتظاره …………..

توقف فجأة ولم يقترب أكثر, ثم تراجع للخلف وظل ينظر إليها في تساؤل, فتحت عينيها لتجده يتطلع إليها في صمت, شعرت بالخجل وعنفت نفسها : ماذا فعلت ؟ كان هو غاضبا, نعم بل ويشتعل غضبا, “لقد تركت نفسها له تعبيرا عن امتنانها, كيف تجرؤ ؟” تركها بحركة مفاجئة أصابتها بالدوار ونوع من الشلل, كان قلبه ينتفض بعنف بين ضلوعه, كاد يعود إليها لكن كرامته أبت, حاول الكلام فلم يخرج منه صوت وقطع خباله الذي أوشك على الصراخ به رنين هاتفه, أفزعها الصوت فانتفضت, أما هو فتطلع إليه لحظة لم يرد فيها الرد, سيشعر أخيه بغضبه, نعم سيفعل, لكنه يريد أن يطفئ النيران المستعرة بداخله ويخفف لهيبها الذي يكاد , أجابه بمرح مفتعل :
– آدوم, في وقتك المناسب يا كبير …. ههههههه لا ماتفهنيش صح أرجوك ….. يابني خليك في حالك … ملوكة بتعمل ايه ؟ … يادي المصيبة يا دي العار جبت لي العار يا جو ؟ …. احنا ماعِنديناش بنتة تتصرمح مع الشباب اللي بعيون زُرج يا وِلد …. آدم احترم نفسك إنت عارف إني بأغير… أيوة الحريم بتوعي مالكش دعوة بيهم …. انجز يابني أنا جاي آخد بنتي من عندكم شباب ضايع صحيح وابنك الأمور ده قول له مالوش دعوة بيها البنت هتكمل تعليمها الأول وبعدين نفكر …. ههههههههههههههه طيب يا سيدي مسافة السكة .

وأغلق الخط, التفت إليها ليخبرها أنه سيذهب لإحضار (ملك) فوجدها تتطلع إليه بابتسامة, ذاب غضبه فجأة مع ابتسامتها فبادلها إياها, داعبته محاولة التخلص مما يعتريها من مشاعر متضاربة :
– الحريم بتوعك !!

ضحك وقال بلهجة صعيدية طريفة :
– إيوة, حريمنا ماتنكشفش على ردالة أبدا .

ضحكت هي الأخرى فأعادت له عذابات قلبه مرة أخرى كأنها تأبى إلا أن تشعلها على الدوام, خفض عينيه أرضا في صمت, رؤيتها تلهب أعصابه وتطلق في جسده شرارات تصليه بنارها, قال بسرعة :
– هاروح اجيبها بقى أنا باغير زي ماقلت لك .

ثم انطلق هاربا من سجن هالتها التي تطوقه كلما كان في حضرتها, ابتسمت بعد خروجه وبدت منتشية, هل انقلبت الأدوار وبات هو المسكين ؟ نعم لقد شعرت بالنصر على الرغم من ابتعاده عنها وقتما كانت طوع بنانه, تنهدت وجلست في انتظار عودته لتمارس دور القط هذه المرة .
_______________________________

بدأت (دينا) تشعر بوعيها وإن كان ضبابيا بعض الشيء, حاولت فتح عينيها ببطء فأحست كأن ثقل يربط جفنيها سويا, قاومت أكثر وفتحتهما ببطء أكبر حتى استطاعت أن تنظر حولها, كانت في غرفة نوم غير مرتبة أشعرتها بالقرف, استجمعت ذكرياتها وركزت وعيها أكثر وهي تدير رأسها للجهة الأخرى فوجدته بجوارها ينظر إليها نظرة باردة جمدت الدماء في عروقها, حاولت الصراخ أو الكلام لكن فوجئت بنفسها مكممة وبقوة, اتسعت عيناها في ذعر وحاولت الهرب لتكون المفاجأة الأكبر, أنها مقيدة إلى فراش وأطرافها متناثرة على أركانه الأربعة مانعة إياها من الحركة تماما, عادت ترجوه بعينيها لكن برودة نظرته قابلتها مرة أخرى, التقط من جواره ثمرة تفاح وسكين صغيرة وبدأ يأكلها أمامها في بطء وتلذذ ثم سألها :
– مش جعانة ؟ أنا باحب احلي الأول.

بدأت دموعها في الانهمار بصمت وصوتها محبوس خلف كمامتها, فقام من جوارها ووقف أمامها قائلا في نشوة :
– شفتي ؟ قلت لك لما أحب آخد حاجة بآخدها, كان لازم تصدقي كده من الأول وتعملي لي ألف حساب.

ظلت تنهنه في صمت منكسر وهو يتطلع إليها في شماتة ويدور حول الفراش المقيدة إليه, ومن منضدة أمامها التقط حقيبة صغيرة فتحها وتطلع لمحتواها بعين خبيرة ثم انتقى منها شيئا ما يشبه الأمبول ومحقنا صغيرا ثم وقف أمامها وهي تتطلع إليه في رعب, بدأ يملأ المحقن بمحتوى الأمبول ثم التفت إليها وعلى شفتيه ابتسامة شيطانية وقال :
– ده حاجة هتخليكي ريلاااااكس خالص, حاجة بتتاخد في جلسات العلاج النفسي, اسمه العلمي مايهمكيش المهم إنه هيعجبك أوي .

اتجه نحوها وهي لا زالت تتوسل إليه بدموعها وعينيها ثم حقنها بها وهي تحرك جسدها بعنف محاولة إبعاده عنها لكنه ثبتها بقوة, عاد لحقيبته مرة أخرى وأخرج منها قرصا أمسكه بين إصبعيه ورفعه أمام عينيه وهو يريه إياها قائلا :
– ده بقى أكيد إنت عارفاه, ماتقوليش ماجربتيهوش ؟ LSD , آخر روقان بس أنا عاوزك مركزة معايا فمش هاديكي إلا النص بس, كفاية عليكي أوي نصها .

وعاد يتجه إليها ومن أسفل الكمامة الموضوعة بين أسنانها أفلت القرص ورفع ذقنها مجبرا إياها على بلعه, انتظر بجوارها قليلا, ثم وقف أمامها يتطلع إليها في صمت وتوحش ودموعها تنهمر حتى توقفت تماما, فجأة نظرت إليه واتسعت عيناها في صمت فابتسم في ظفر وقال :
– أيووووة كده, أهو ده الروقان, كده أفكك وانا مطمن .

بدأت نبضات قلبها تزداد وحلقها يجف تلاها ارتفاع درجة حرارتها, انتظر لدقائق أخرى ثم شرع يفك قيودها ثم كمامتها وهي مستسلمة له تماما بل وتضحك في نوع من الهيستيريا, ابتسم لدى سماعه ضحكتها اللعوب واتجه صوب كاميرا فيديو صغيرة موضوعة فوق حامل ثلاثي إلى جانب الفراش, كانت الكاميرا تقوم بتصوير ماقام به فقام بنزع الذاكرة ووضعها جانبا ثم وضع ذاكرة أخرى بداخلها قائلا لها وهي لا تعي ما يفعله :
– تسجيل اللحظات اللي من النوع ده بينفع اوي, سلاح في ايدي أستخدمه وقت ما أحب ياقمر إنتي وذكريات حلوة كمان.

أعاد تشغيل الكاميرا وبدء التسجيل ثم اتجه نحوها وهي تنظر إليه ولعينيه القاسيتين المتوحشتين بدون فهم .

________________________________

عاد (أدهم) يحمل (ملك) نائمة على كتفه, فاستقبلته (جمانة) بتساؤل أجابه في خفوت :
– نامت وانا جاي في الطريق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *