رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب
حادثت مديرتها لتخبرها بالاسم والذي ما إن سمعته حتى سمحت بدخوله فورا, ابتسم هو في نوع من التشفي واتجه للمكتب, طرق الباب ثم فتحه ودخل تحمل شفتيه ابتسامة كبيرة تقابلها أخرى على شفتي (لمياء) وهي تقف مرحبة :
– اهلا دكتور آدم اتفضل.
وأشارت للمقعد أمام مكتبها فجلس عليه بهدوء وابتسامته لازالت تملأ وجهه, سألته بهدوء :
– ها تشرب ايه ؟
هز رأسه نفيا وقال :
– لا لا مالوش لزوم, أنا جاي في موضوع سريع وهامشي على طول .
أصرت :
– لا طبعا لازم تشرب حاجة .
عاد يبتسم وأجاب :
– اوك, نسكافيه .. بلاك .
ردت :
– تمام .
ثم طلبت قهوته ومشروبا باردا لنفسها, وتطلعت إليه في اهتمام ممتزج بالتساؤل جعله يتنحنح ويقول في ارتباك :
– مدام لميا الحقيقة مش عارف ابتدي منين, يمكن تصرفي دلوقتي مخالف تماما لفكري ومعتقداتي او حتى شخصيتي, بس أحيانا بتلاقي نفسك مضطر تعمل حاجة مخالفة لطباعك لمجرد الخوف من إن الحاجة اللي عاوزها تضيع منك .
عقدت حاجبيها ولم تفهم كما لم تتكلم, استطرد هو :
– امممم , هاكون سعيد جدا لو قبلتي تتجوزيني !
تراجعت في مقعدها فجأة شاعرة بالصدمة, ظلت تحدق فيه بصمت والحروف مجتمعة أعلى حلقها لا تستطيع الخروج , شعر هو بالخجل فأطرق برأسه أرضا وصمت, سمعها تقول :
– دكتور آدم, مش عارفة أقول لحضرتك ايه ؟
رفع عينيه إليها في لهفة وكاد يهتف ” قولي موافقة ” لكنه انتظر أن تتم حديثها فأكملت هي :
– الحقيقة حضرتك فاجأتني بطلبك, وطلبك …. حاجة مش بافكر فيها في الوقت الحالي أبدا .
شعر بالصدمة هو الآخر فاندفع يقول :
– مدام لميا من فضلك, خدي وقت وفكري, بلاش تردي بسرعة عادي تاخدي مهلة تفكري فيها وتستخيري وتستشيري .
أطرقت هي الأخرى برأسها أرضا وقبل أن تجيب طُرِق الباب ودخل منه عامل البوفيه يحمل صينية عليها قهوته السوداء ومشروبها البارد وضعها على المكتب أمامهما ثم انصرف, تطلع إليها في صمت يخالطه بعض الأمل, تنهدت ثم قالت في خفوت :
– دكتور آدم هأكون صريحة معاك, أنا لسه خارجة من تجرية بالنسبة لي كانت قاسية جدا, حرمان من غريزة اتولدت بيها بعدها حرمان من الشخص اللي تساهلت في حرماني من أمومتي عشانه, بطعنة غدر, حاجات كتير انكسرت جوايا وسببت لي آلام مالهاش عدد, حاجات تخليني ما عنديش أدنى استعداد للارتباط بأي حد, ع الأقل في الوقت الحالي, يمكن الحاجات دي تتغير بعدين ويمكن تفضل موجودة معايا للأبد, للأسف انا باحترم حضرتك جدا وطلبك أكيد بأقدره, لكن مش هاقدر أقبله .
أنهت كلامها ثم صمتت, لم يدر ما يقول, كان يريد مجابهتها والإصرار على مطلبه, لكن جرحها الذي رآه ينزف أمامه منعه, وألزمه رداء الصمت احتراما لوجع تعانيه, بالفعل زاد تقديره لها وشعر أنها هي, هي المناسبة له وربما عوضها ابنه قطعة من الحرمان الذي عاشته ولا زالت تعيشه, فكر لدقيقة أو أكثر ثم كان صوته حازما حنونا في مزيج مدهش وهو يقول :
– على فكرة, أنا مش ملول, وصبري لأبعد حد, خدي وقتك في التفكير وأنا مش مستعجل, شهر اتنين سنة او اتنين, أنا منتظر, مش سهل تلاقي حد تكون عارف ومتأكد إن هو ده اللي بيكملك, ولما تلاقيه مستحيل تقدر أو تجرؤ إنك تسيبه يضيع من إيدك أيا كان السبب, أنا اتعودت دايما إني احط هدف قدامي وأكون عارف إني هأقدر أحققه, دايما أهدافي بأكون عارف إني هاوصلها حتى لو اتأخرت شوية …. وإنت هدفي الجديد, أنا هافضل منتظر موافقتك وخدي كل الوقت اللي تحتاجيه, لأني مش هاتنازل عن هدفي اللي هو إنتِ أبدا .
كانت تتطلع إليه في دهشة, لم تستطع الرد, أما هو فأنهى حديثه ومنحها ابتسامة حنون, تاركا بصمة على جدار ألمها وانصرف , انصرف على وعد بلقاء جديد, وعد لم ينطقه بلسانه, إنما عبرت عنه كلماته التي ظلت تحلق في سماء عقلها حتى بعد أن رحل من أمام ناظريها .
_____________________________
مر شهرين استعاد فيهما (أدهم) كامل طاقته وعاد لممارسة حياته بشكل طبيعي, عاد لعمله مع أخيه الذي كان يحاول باستمرار هدم سور الانكسار وجدران الألم المحيطة بالمرأة التي يراها تسد نقاط ضعفه وتكمل نقصانه, ظل دوما يحاول معها وشقيقتها تحاول ومازال هو على وعد بالصبر والانتظار على أمل مهما طال الوقت .
وفي يوم كانت (جمانة) واقفة في مطبخها تفكر في زوجها وهي تطهو له الطعام وتضع لمساتها المميزة وكأنه صغيرها لتسعده, أما (أدهم) فقد كان جالسا يتابع أحد أفلام الكرتون ويضحك مع (ملك) و تبدو سعيدة للغاية وهي تحتضن دميتها عندما سمع صوت (جمانة) تناديه فذهب إليها, وجدها تستند إلى حوض المطبخ ويبدو عليها الإعياء, فاندفع نحوها هاتفا في لهفة :
– ايه مالك يا جمانة ؟
تنحنحت وقالت في إعياء :
– مش عارفة دخت فجأة وأنا باطبخ وبعدين حسيت بقرف فظيع ووجع في معدتي, مش قادرة أكمل يا أدهم .
أسندها وهو يخرجها من المطبخ وقال :
– طيب يا ستي خلاص ما حبكش طبيخ, تعالي استريحي ونبقى نجيب أي حاجة من برا.
أومأت برأسها وهي تسير معه ثم سألته :
– هتجيب ايه ؟ عشان ملك ؟
فكر لثوان ثم قال في خبث :
– امممم ايه رأيك نجيب بيتزا .. سي فوود ؟
توقفت تنظر إليه ثم ضحكت وهي تقول :
– برده سي فوود ؟ ايه مش بتزهق ؟
اقترب منها وقال يداعبها :
– لا طبعا أزهق إزاي يعني ؟
لكنها تراجعت للخلف وردت :
– لا بلاش سي فوود بطني بتوجعني .
رفع حاجبيه وتساءل :
– الله وايه علاقة بطنك بالموضوع ؟
قالت بمشاغبة :
– سي فوود لا .
جذبها من يدها واتجه نحو (ملك) ثم سألها :
– ملوكة تاكلي بيتزا ؟ بالجمبري امممممممم ؟
ابتسمت الصغيرة في فرح وقالت :
– بيتزا أيوة باحبها .
التفت لزوجته وهتف :
– شفتي حتى ملك بتحبها, ده إدمان يابنتي, إدمان .
تنهدت في استسلام وقالت :
– خلاص سي فوود سي فوود وأمري لله .
ضمها إليه وهو يضحك ثم قال :
– أيوة كده أحبك وانت مؤدب وبتسمع الكلام .
بادلته ضحكته وانتظروا سويا حتى وصل الطعام فجلسوا يأكلون, وبعد أن أكلت (جمانة) بضع لقيمات شعرت بمعدتها تؤلمها للغاية وبرغبة شديدة في القيء فألقت الطعام من يدها وقامت مسرعة تجاه الحمام فقام يتبعها بقلق, رآها تفرغ معدتها فعقد حاجبيه وانتظر حتى انتهت فسألها :
– خير مالك يا جوجو ؟
ردت في إعياء وهي تستند للحوض :
– مش عارفة يا أدهم معدتي فجأة وجعتني وماقدرتش استحمل الأكل.
اقترب منها قائلا :
– طيب تعالي اقعدي, وكمان شوية نروح للدكتورة نشوف معدتك مالها.