رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب
ثم هوت فاقدة الوعي بين ذراعيه مرة أخرى, في تلك الليلة لم يغمض لهم جفن, كانت (لمياء) لازالت تصر على إبلاغ الشرطة لكن (أدهم) رفض رفضا قاطعا, ما إن أشرقت الشمس حتى بدأ يفكر كيف سيجمع مبلغ بهذه الضخامة في هذا الوقت القصير, حتى وإن لجأ لوالده فالسيولة بالتأكيد ليست كافية, وهو وضع في حسابها معظم ما يملك بالفعل, فوجي بها تخرج من غرفة النوم وهي تحمل حقيبة يدها وقالت في حزم :
– يلا عشان نروح نسحب الفلوس .
عاد غضبه, لما تفعلين بي هذا حبيبتي ؟ ربما قصرت ولم أنتبه لها جيدا, لكن لا تقسي علي وعلى نفسك أرجوك, قال هو في حزم أكبر :
– الفلوس دي مش هنقرب منها يا جمانة فاهمة ؟
صرخت في وجهه :
– قلت لك هناخدها انا مش عاوزة فلوس ومش عاوزة منك أي حاجة, عاوزة بنتي وبس, ولو ماجيتش معايا هاروح لوحدي .
كاد ينفجر في وجهها لكنه تماسك وهو يضم قبضتيه بشدة, تدخلت (لمياء) قائلة لتهدئة الموقف :
– خلاص يا أدهم معلش, خليك معاها دلوقتي ونفذ لها اللي هي عايزاه وبعدين لما ملك ترجع بالسلامة نبقى نتصرف .
صمت وطال صمته فتوجهت هي نحو باب الشقة لكنه لحق بها في استسلام, بعد عدة ساعات عادوا بالمبلغ المطلوب محضر كما سبق وأخبره الرجل, ثم جلسوا في انتظار اتصاله, عندما رن هاتف (أدهم) ارتفعت نبضات قلوبهم جميعا لكنه كان (آدم), رد بسرعة :
– أيوة يا آدم, مش هاقدر اشغل التليفون دلوقتي .
قال أخيه بلهفة :
– خير يا أدهم فينك قلقت عليك جدا ماجيتش الشغل ليه لا امبارح ولا النهاردة ؟
بدأ يتضايق وهو يجيب :
– ملك اتخطفت يا آدم, احنا في بيت مامة جمانة مستنين اتصال من اللي خطفوها مش هاقدر اتكلم أكتر من كده .
كان الذهول يملأ صوت (آدم) وهو يهتف به قبل أن يغلق الخط :
– اديني العنوان طيب اجيلكم .
أملاه العنوان سريعا وجلس ينتظر, لم يتأخر الاتصال, قال له صاحب الصوت الأجش :
– ايه ياباشا جهزت المبلغ المطلوب ؟
رد بسرعة :
– أيوة, بس عاوز اكلمها أسمع صوتها اطمن عليها .
أتته ضحكة الرجل الساخرة وهو يقول :
– ليه في فيلم عربي احنا, واثق في كلامنا هات الفلوس و تعالى تاخدها وتمشي, مش واثق خلاص خلي الفلوس وسيبها واحنا هنبيعها حتت ونكسب برده .
شعر بالذعر مما قاله الرجل فهتف :
– إنت أكيد مجنون .
قهقه الرجل مرة أخرى وأجاب :
– وماله مجنون مجنون بس آخد قرشين من واحد زيك مليونير قلبه محروق على بنته الوحيدة , ربع ساعة وهاكلمك تاني .
التفت إليهم ليجد اللهفة تملأ العيون, أجاب لهفتهم بخفوت :
– هيكلمني تاني يقولي اعمل ايه .
هتفت (لمياء) تسأله :
– قالك ايه ؟
رد في حيرة :
– مااعتقدش إن دول أهل ملك , اللي كلمني معتقد إنها بنتي وبيتكلم على أساس كده .
عقدت حاجبيها في تفكير عندما هتفت (جمانة) :
– ليه هو ما يعرفكش ؟, بنتك منين وانت يادوب متجوز من شهرين .
تطلع إليها ولم ينطق, هي تجرحه منذ ضاعت الصغيرة لكنها على حق, صمت في ألم منتظرا اتصاله الثاني ومجيئ أخيه ليسانده, وصل (آدم) أولا ودخل في خجل, جلس مع أخيه وفهم منه الأمر وحاول معه تخمين الفاعل لكنهما لم يتوصلا لشيء, وقبل المغرب بقليل أتاه الاتصال المنشود, رد بسرعة :
– ايوة .
سمع الصوت يقول في خشونة وصرامة :
– أيوة يا أدهم باشا, فلوسك في ايدك, موبايلك في جيبك, تنزل على عربيتك لوحدك وماحدش وراك, انا عارف انك مابلغتش البوليس, عين العقل, الضنا غالي برده, هتاخد عربيتك وتطلع على أول الصحرواي بعد البوابة بخمسة كيلو هتلاقي عربية ربع نقل حمرا, تركن وراها وتستناني, سلام .
تطلع للهاتف في صمت, ثم نهض واقفا و(آدم) يسأله في لهفة :
– ها هتعمل ايه ؟
رد في خفوت :
– عاوزني أروح له أول الصحراوي .
هتفت (جمانة) بسرعة :
– هآجي معاك .
كان رده قاطعا :
– مستحيل .
عقدت حاجبيها في غضب وصرخت :
– لا هآجي .
التفت إليها واتجه نحوها في صمت والصرامة تطل من ملامحه ممتزجة بغضب هائل مما جعلها تتراجع للخلف في خوف, لكنه أمسكها من ذراعيها هاتفا :
– جمانة انا مش مستعد للمخاطرة ومش عارف هما هيعملوا ايه ؟ مستحيل تيجي معايا فاهمة ؟ وماحدش ييجي ورايا, قال لي تعالى لوحدك وإلا هيأذيها, خلاص .
شعرت بالرعب فأومأت برأسها في صمت ودموعها تنهمر من جديد, رق قلبه لها فضمها برفق واستسلمت هي له, تنهد في ارتياح ثم أبعدها ليمسح دموعها بأصابعه قائلا في حنان :
– هأرجع لك بيها إن شاء الله, ماتخافيش .
تطلعت إليه في أمل ثم قالت في خفوت وهي تشعر بالقلق :
– خلي بالك على نفسك .
ابتسم ثم ضمها إليه ثانية غير عابئ بنظرات الدهشة أو الخجل التي ارتسمت على وجوه المحيطين, ثم همس في أذنها لتسمعه هي فقط :
– بحبك .
نظرت إليه مجددا والقلق يملأ قلبها وعقلها ولا تدري له سببا, أما هو فالتفت إليهم, تطلعوا إليه في صمت لكن (آدم) وقف إلى جواره وسأله :
– أدهم ماينفعش تروح لوحدك, أنا مش مطمن .
ابتسم له قائلا :
– ماتقلقش يا آدم, خير إن شاء الله, خلي بالك عليهم لحد ما أجيب ملك وآجي .
شعر أخيه بالحرج, فقال بهدوء :
– انا هاستنى تحت في العربية ماتقلقش .
حافظ على ابتسامته وإن اختلط بها بعض التقدير لأخيه, ثم التفت مغادرا المكان, عند الباب هتفت (جمانة) باسمه فالتفت لها في صمت, قالت مكررة :
– خلي بالك من نفسك.
أعطاها إحدى ابتساماته الحنون ثم غادر المكان في صمت, تبعه (آدم) ليجلس في سيارته أسفل المبنى, انطلق هو بسيارته بسرعة, وبعد مايقرب من عشرين دقيقة ارتفع رنين هاتفه مرة أخرى التقطته بسرعة وأجاب :
– أيوة .
أتاه الصوت يقول في اقتضاب :
– ماتنساش عربية ربع نقل حمرا بعد البوابة بخمسة كيلو, دلوقتي تقفل تليفونك وماتكلمش حد ولا حد يكلمك .
استجاب في صمت وانطلق بالسيارة للمكان المنشود, وجد السيارة الحمراء متوقفة إلى جانب الطريق فوق الرمال فانحرف بسيارته حتى توقف خلفها تماما, هبط من السيارة وتطلع حوله حيث بدأ الظلام يخيم على المكان فأضاء أنوار سيارته وأغلق بابها متجها نحو السيارة المتوقفة أمامه, لم يجد بها أحدا فعقد حاجبيه في عدم فهم, عاد يقف إلى جوار سيارته بهدوء منتظرا في صبر, مرت ربع ساعة بدأ فيها يشعر بالقلق خاصة مع هاتفه المغلق, سمع صوت يأتي من خلفه فالتفت بسرعة ليجد شبحا يقف خلف سيارته في الظلام وفي يده يظهر ضوء سيجارة, تطلع إليه حتى اقترب أكثر فاتجه إليه وهو يدور حول السيارة ووقف أمامه, كانت ملامحه شيطانية على الضوء الجانبي من السيارة, سأله في حزم :
– فين ملك ؟
كان رده غير متوقع :
– إنت بقى اللي رفضتني عشانه ؟
تراجع للخلف في دهشة ثم عقد حاجبيه في غضب هاتفا :
– إنت مين ؟
قهقة الرجل في سخرية وقال وهو ينفث دخان سيجارته :
– كمال زيدان, بيفكرك الاسم بحاجة ؟
تماسك قدر ما أمكنه وهو يتطلع إليه بنظرات لو كانت لكان الآن جثة هامدة, سأله :
– فين ملك ؟