رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب

هتف (آدم) بسرعة :
– انا نفس الفصيلة .

أما (جمانة) فهبت واقفة وهي تقول :
– انا مش عارفة فصيلته بس لو ممكن تشوفوا انا أنفع ولا لا .

هتف بها (آدم) :
– لا يا جمانة مش هينفع, إنت ماتنفعيش تتبرعي بحالتك دي خالص .

صرخت في انهيار :
– لا ممكن هيحصل ايه يعني هادوخ, المهم هو يبقى كويس .

قاطعتها (لمياء) بحسم :
– خلاص ياجمانة إنت مش هتنفعي انا هاروح مع دكتور آدم وأشوف لو فصيلتي تنفع وربنا يسهل .

تطلع إليها (آدم) للحظة, وشعر بالاحترام والتقدير تجاهها, أما (جمانة) فهتفت في أمل وبدت ضعيفة مستكينة :
– بجد يا لميا هتروحي .

ربتت على كتفها بحنان وقالت :
– أيوة ياحبيبتي ماتخافيش, إن شاء الله هيقوم بالسلامة .

وبالفعل توافقت فصيلتها معه وتم سحب لتر من الدم منها وآخر من (آدم), بعدها بدا عليها الإعياء فقال لها (آدم) :
– مدام لميا, اتفضلي ماتقفيش كتير, حضرتك شكلك مش متعودة على كده .

نظرت إليه بامتنان وجلست قليلا شاعرة ببعض التعب عندما وجدت يد تمتد لها بعلبة عصير وقطعة حلوى مغلفة, تطلعت لصاحب اليد فوجدته (آدم) يتطلع إليها بحنان غريب ويقول :
– اتفضلي عشان ماتتعبيش .

هزت رأسها شاكرة وقالت :
– لا معلش مش هأقدر, شكرا يا دكتور آدم .

سمعته يقول في حزم :
– مدام لميا لو سمحتي بلاش عناد, ده ضروري على فكرة .

رفعت عينيها إليه مرة لتجد نظرة الحنان تلك مرة أخرى فشعرت بالخجل هذه المرة وتقبلتهم منه شاكرة, جلسوا في صمت لدقائق أخرى بعدها فتح باب غرفة العمليات ليخرج الطبيب منه وهو ينزع كمامته ويتطلع إليهم بصمت, سقطت قلوبهم بلا استثناء بين أقدامهم وهرع إليه (آدم) مع والده, قال الطبيب بلهجة عملية :
– إحنا طلعنا الرصاصة الحمد لله, بس الحالة لسه مش مستقرة, هيفضل في العناية ع الأقل أسبوع بعدها ممكن ننقله غرفة عادية, لو اليومين الجايين مروا بسلام نقدر نطمن بإذن الله .

سأله (آدم) في لهفة :
– هو حصل ايه يادكتور؟

أجابه الطبيب بنفس اللهجة :
– رصاصة من مسافة مش قريبة أوي, دخلت جسمه بزاوية غريبة كأنه كان بيتحرك وقتها يمكن لو كان ثابت كانت اخترقت القلب فورا, الرصاصة مرت جنب القلب واصطدمت بضلع كسرت جزء منه واستقرت بعد مااخترقت الرئة , للأسف نقله للمستشفى كان اتأخر ونزف كتير بس الحمد لله, ربنا يطمنكم عليه .

قالها ثم تركهم, كان قلب (جمانة) ينبض بعنف, يا إلهي, كاد يم*وت بسببي, كان يمكن ان تكون في قلبه, قلبه الذي احتواني وسكنته, قلبه الذي هو بيتي ومستقري, (آدم) تنهد في ارتياح وإن كان صعبا عليه أن يسمع ذلك عن أخيه, لازال القلق ينهشه لكنه حمد الله ودعا أن يتمم الله شفاؤه على خير, أما أمه فكانت لا تزال تبكي في صمت, وقلبها يبكي صغيرها الذي كان سيضيع منها في ثوان, كل منهم كان قلبه في ناحية وإن توحدت القلوب على الدعاء .

الفصل الثلاثون
___________

كانت قلوب الجميع تلهج بالدعاء والدموع متحجرة في عيون الرجال في حين تبكي النساء في صمت, نُقل (أدهم) لغرفة العناية المركزة على محفة تتبعه عائلته, كان يبدو وكأنما فقد كل دمائه شاحبا ساكنا والضمادات تحيط بصدره بعناية, (جمانة) كانت هي الأقرب إليه ولا زالت تحمل طفلتها وهي تسير خلفهم وهم يدفعونه, أدخلوه غرفة العناية ثم نقلوه على سريره ومنعوهم من الدخول, خرج الطبيب بعدها لتتعلق به كل العيون, ثم اتجهوا إليه, قال بهدوء :
– دلوقتي هو في فترة حرجة, قدامنا 48 ساعة نقدر نطمن بعدها بإذن الله .

ثم تركهم وانصرف, تركت (جمانة) ابنتها لشقيقتها ثم وقفت أمام نافذة الغرفة الزجاجية الكبيرة تتطلع إليه في لوعة وحزن والدموع لا زالت تحفر أنفاق ألم على وجنتيها, كان قلبها كسيرا وهي تدعو الله أن يحفظه لها وتعد بأن تكون له نعم الزوجة, اقترب منها (آدم) ووقف إلى جوارها يتأمل أخيه الراقد أمامهم في غيبوبته ثم همس بصوت حزين :
– إن شاء الله هيبقى بخير .

التفتت إليه والحزن يغمر حروفها في نهره حتى أغرقها وعادت تردد :
– أنا جرحته قبل ما يمشي وحسسته إنه ماكانش أمين وإنه خلف وعده ليا بحمايتي, وجعته أوي وراح عشان يرجع لي بنتي وكانت حياته هي التمن .

شعر بحزنه يتضاعف ثم قال بخفوت :
– هو أكيد عارف إنك ماتقصديش تزعليه ومقدر إحساسك كان عامل إزاي وقتها .

عادت تنظر لزوجها وتقول بصوت دامع متقطع :
– ده اللي واجعني أكتر, لو كان قسي أو زعلني او حتى زعل مني عمل أي حاجة كنت سكت, لكن كان حنون أوي وكنت بأجرحه وألاقيه بيوعدني إنه مش هيخذلني وهيرجعها لحضني تاني مهما كان التمن .

ثم عادت تبكي بصوت مسموع وهي تكمل :
– وكان التمن حياته, ليه ؟ ليه بيوجعني ؟ ليه هو كده ؟ ليه حبني وقرب مني ؟ ليه دافع عني ؟ انا مش عاوزة حاجة غير إنه يبقى كويس حتى لو هيبعد وخلاص, يرجع لأهله ولمامته اللي قلبها مكسور عليه بسببي, بس يبقى كويس .

لم يجد (آدم) مايقوله ليواسيها به فهو الآخر يبكي قلبه في جزع, أخيه الوحيد والذي كان كظله, علمه كل مايعرفه ودوما ما ساندا بعضهما البعض, هاهو أمامه جريح, ضعيف قد تنتهي حياته في أي لحظة .
سمعوا صوت خطوات تقترب منهم ليجدوا الطبيب قد عاد, قال لهم بحزم :
– ماينفعش يا جماعة تفضلوا هنا, اتفضلوا في الاستراحة ده بالاضافة إن وقت الزيارة انتهى من بدري احنا داخلين ع الفجر لازم تمشوا .

التفت إليه الكل واقتربت منه (جمانة) بسرعة وهي تقول من بين دموعها :
– إزاي وقت زيارة ما ينفعش ما أقدرش اسيبه وأمشي .

نظر إليها ولدموعها لحظة شعر خلالها بالشفقة فقال هدوء :
– ممكن مرافق واحد بس هيفضل في الأوضة اللي هيتنقل لها بعدين إن شاء الله .

هتفت (جمانة) ووالدته في نفس الوقت :
– أنا هافضل .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *