القطة المدللة بقلم إكرام يوسف

الفصل الأول

كانت تنام فى فراشها مثل الملاك , عندما دخلت عليها تلك السيدة الرزينة وفتحت الشباك لتدخل أشعة الشمس إلى الغرفة لترسم خيوطاً من النور فى أرجاءها وهى تقول :
– اصحى بقى يا بوسى , الساعة بقيت 2 , انا مش عارفة هتصحى امتى يعنى ؟
لترد من كانت نائمة بالفراش وهى مغمضة العينين :
– حرام عليكى يادادة , سيبينى نايمة شوية
– اصحى ياحبيبتى بابى مستنيكى تحت عايز يسلم عليكى قبل ما يسافر
– مش مهم بقى يادادة يوووه
– بقى كدة ؟ طيب انا بقى هنزل اقوله , وانتى بقى حرة
فتقوم لتجلس فى الفراش بشعرها المتناثر بعشوائية على وجهها وهى تقول :
– لا خلاص نازلة , عارفة بابى هيزعل
لتقترب منها المربية وتقبلها وهى تقول :
– يلا ياقمر ياجميل انا حضرتلك هدومك , ادخلى خدى الشاور بتاعك والبسى , وانا هقول لبابى انك نازلة حالاً
– اوكى يادادة
وتدخل إلى الحمام , وتنزل المربية ذلك الدرج المؤدى إلى هذا البهو الرائع الذى ينم عن الفخامة والرقى , وتدخل غرفة بها مكتب وثير يجلس خلفه رجل يبدو عليه الوقار , وقد نمت على إستحياء بعض الشعيرات البيضاء برأسه , وقد أنزل نظارته الطبية قليلا عن عينيه وهو ينظر فى الأوراق أمامه
تحدثت بأدب قائلة :
– بوسى صحيت يافندم , ونزلة لحضرتك حالاً
رفع وجهه عن أوراقه قائلاً :
– ماشى يادادة , مش هوصيكى عليها وأنا مسافر , ولو حصل أى حاجة تبلغينى على طول
– تحت أمرك يافندم
– روحى قولى لعم حسين يجهز العربية
– حاضر يافندم

********************

شكرى وهو يحتضن إبنته :
– خلى بالك من نفسك يابوسى
– حاضر يابابى
– ومتغلبيش دادة
– اوكى يابابى متخافش
ثم يعطيها قبلة على جبينها ويركب السيارة وهو يوجهه حديثه لحسين السائق :
– يلا ياحسين على المطار

تدخل بوسى إلى الفيلا وهى تعبث فى خصلات شعرها المنسدلة , وتصيح :
– يادادة هاتيلى التليفون
فتأتى المربية به مهرولة وهى تقول :
– اتفضلى ياستى التليفون اهوه
– مرسي يادادة ياقمر
– ههههه ماشى يابكاشة
تضغط بوسى وهى جالسة على الأريكة على بعض أزرار هاتفها , ثم ترفعه إلى أذنها , وتقول بدلال :
– صباح الخير ياروحى
ليأتيها الصوت من الطرف الأخر :
– حبيبة قلبى , وحشتينى من امبارح
– وانت كمان يا تامر وحشتنى اوى
– طيب ما تيجى
– انت فين ؟
– انا فى البيت ورايح النادى دلوقتى , يلا تعالى وأقابلك هناك
– اوكى تمام ياحبى , سلام

***************

المربية :
– انتى خارجة يابوسى ؟
– ايوة يادادة
– طيب خلى بالك من نفسك ياحبيبتى
– عيونى يادادة سلام
لتخرج من الفيلا لتركب سيارتها , لم تكد تغلق بابها فإذا بها تسمع صوت يقول :
– انسة بوسى
فتنظر خارجها لترى أحمد ابن حسين السائق , فتقول بلا مبالاه :
– ايوة يا احمد , فى حاجة ؟
أحمد بقليل من الإرتباك :
– انا انا ……. انا كنت عايز بس أقول لحضرتك لو محتاجة أى حاجة أعملهالك
– لا شكراً يا أحمد
وتنطلق بالسيارة وهى تقول :
– ماله دة ؟
وتنطلق مسرعة بسيارتها , أما هو فظل ماكثاً مكانه كالتمثال ينظر لها بحب وهو يقول فى نفسه :
– فوق يا احمد من الوهم اللى انت عايش فيه
ثم يزفر بأسى ويعود إلى تلك الغرفة التى تقع بالحديقة المرفقة بالفيلا , التى يقطنها مع ووالده

****************

حسين السائق وهو يقود السيارة :
– ربنا يرجعك لينا بالسلامة , والعملية تتم على خير وتقوملنا بالسلامة
شكرى وهو ينظر من شباك السيارة :
– خلى بالك ياحسين بوسى متعرفش اى حاجة عن مرضى , هى فاكرة انى مسافر فى شغل
ثم ينظر بتأثر قليلاً قائلاً :
– لو ربنا كتبلى انى ارجع هبقى اقولها انا
– ان شاء الله يافندم ترجعلنا بألف سلامة , ومتشلش هم محدش هيقولها حاجة خالص

فيرن هاتف شكرى فيضغط عى زر الرد , ويرفعه إلى أذنه قائلاً :
– ايوة يامنصور , انا خلاص طالع على المطار , وثقت الورق اللى انا ادتهولك ؟
– ايوة يافندم بس انا قريته ولقيت فى حاجة غريبة هو حضرتك ………..
ليقاطعه شكرى قائلاً :
– المكتوب فى الورق انا اللى كتبه وعارفه كويس , ومش محتاجك تناقشنى فيه يامنصور
– حاضر تحت أمرك ياباشا , تروح وترجعلنا بالسلامة
– مش محتاج اوصيك , انت نسيت كل اللى قريته فى الورق دة , مفهوم ؟
– مفهوم اكيد يافندم , وان شاء الله مش هنحتاج للورق دة وحضرتك هترجعلنا بالسلامة
– طيب يلا , مع السلامة

***************

بوسى وهى تضحك :
– بس ياشيرى بقى بلاش غلاسة
– طيب والله زى ما بقولك كدة , انا مش عارفة انتى بتحبى فيه اية الواد الرخم دة ؟
– طيب بس بقى بدل ميجى يلزقك فى الحيطة
– نعم ؟ مين دة اللى يلزقنى فى الحيطة ؟
– طيب بس بس يافضيحة , جاى هناك اهوه
– طيب يابت اتقلى شوية , بطلى الدلقة دى يخرب بيتك
لتقف بوسى وهى تخرج لسانها لها , ثم تقول :
– موتى بغيظك
وتتجه مسرعة ناحية تامر الذى أتى بطلته الوسيمة , وتحوط رقبته بذراعيها وهى تقول :
– وحشتنى اوى , كل دة تأخير ؟
فقال وقد أحاطها بذراعيه :
– معلش ياقلبى , متزعليش
لترد بدلال :
– لا , زعلانة منك
فيطبع قبلة على وجنتها قائلاً :
– عشان خاطر تامر سماح بقى
فتضحك بحياء قائلة :
– سماح ياقلب بوسى

******************

منصور :
– اتفضل يا أستاذ حسام الورق اللى حضرتك طلبته
حسام وهو يجلس خلف مكتبه , ويرفع وجهه وينظر له نظرة جادة يشوبها بعض الصرامة قائلاً :
– ليه التأخير دة يا أستاذ منصور ؟
ليرد منصور ببعض الإنكسار :
– معلش , انا اسف , بس حضرتك عارف ان شكرى بيه سافر انهاردة , وكان مكلفنى …………..
فيقاطعه بخبطة من يده على المكتب وهو يقول بصوت صارم :
– اية علاقة ان عمى مسافر بتأخير الشغل , هى دى أول مرة يسافر فيها ؟ الشغل شغل يا أستاذ منصور , وانت عارف كويس إنى بحب النظام فى الشغل , ومش بسمح بأى إهمال
– ما هو حضرتك والله يا أستاذ ………….
ليقاطعه قائلاً وهو يشير إلى باب المكتب :
– خلاص اتفضل انت دلوقتى
فيخرج منصور وهو يشعر بالضيق , أما حسام فقد عاود إلى أوراقه مرة أخرى وهو يضع نظارته الطبية على عينه , ويظل يعمل هكذا حتى يرن هاتفه , فيبتسم وهو ينظر بالهاتف , ثم ينزع نظارته ليرد قائلاً :
– ازيك يا حبيبتى ؟
ليأتى الصوت من الطرف الأخر :
– لا انا زعلانة منك
– ليه كدة بس ياست الكل ؟
– مش انا اتفقت معاك انك تودينى انهاردة عند ام فاروق صاحبتى
ليضع يده على رأسه وهو يقول :
– أخ , تصدقى نسيت خالص , معلش انا اسف يا أمى , للأسف كمان مش هقدر أسيب الشغل دلوقتى خالص
– خلاص مش مشكلة بس خليك فاكرها
– بكرة إن شاء الله أوديكى عندها , المهم ست الحبايب تبقى راضية عنى
– راضية عنك ياحبيبى ربنا يكرمك يابنى ويسعد قلبك
– الله , تسلميلى يا أمى

***************

كانت تجلس بجانب تامر وحولهم أصدقاءهم فى ذلك الملهى الليلى وهى فى غاية سعادتها , كانت مثل النجم الساطع بذلك الفستان القرمزى الذى يظهر من جسدها أكثر مما يخفيه , وشعرها ينسدل على كتفيها كضى السماء فى ليلة غاب فيها القمر
فهمس تامر فى أذنها قائلاً :
– بس اية الفستان الجامد دة ؟
– الفستان بس اللى جامد ؟
– وصاحبة الفستان طبعاً
ضحكت وهى تقول :
– الله انا بحب الأغنية دى أوى وحياتى يا تامر نقوم نرقص
فيقف معها ويذهبا إلى تلك الساحة التى توجد فى منتصف المكان ليبدأا فى تلك الحركات السريعة الماجنة التى تشعر من يراهم أنهم قد أصيبوا بمرض يجعلهم يتمايلون هكذا مثل الأفاعى من فرط الألم

فى تلك اللحظة مال أحد الجالسين على أذن شيرى وهو عينه مسلطة ناحية بوسى وتامر قائلاً :
– وبعدين ياشيرى بقالك شهر قايلالى انك هتظبطيلى المزة , ولسة يعنى مفيش اى اخبار ؟
– ما تتقل ياحبوب , المصلحة دى عايزة تكتيك , اصلها بعيد عنك مغرمة اوى بالواد الملزق دة اللى اسمه تامر , بس وحياتك خلاص , نهايته قربت
– اما نشوف , ادينى مستنى

ويظل جالس ينفث دخان لفافة من التبغ وهو يحدق النظر ببوسى التى كانت تتمايل فى أحضان تامر , وهو يشعر برغبته الشديدة نحوها ………….

الفصل الثالث

بوسى بحزن شديد ودموعها تغرق وجهها :
– يعنى بابى مات خلاص يادادة ؟
لتحتضنها مربيتها وهى تقول :
– متعيطيش ياحبيبتى , دة ربنا رحمه من المرض
– انا مش عارفة هاعيش من غيره ازاى ؟ انا مليش حد فى الدنيا دى غيرك انتى وهو , اوعى تسبينى يادادة
– متخافيش ياحبيبتى , انا عمرى ما هسيبك ابدا
فقدت والدها بعد أن كان سندها فى تلك الحياة , فها هى الآن يتيمة الأم والأب , تشعر بأنهم تركوها وحدها فى منتصف الطريق الذى لا تعلم معالمه , كل ما تشعر به الآن أنها لازالت تحتفظ بذلك الحضن الدافئ , حضن مربيتها الحنون

*****************

كان يقف ليأخذ العزاء فى عمه بوجه حزين , يمد يده ويسلم على المعزين بشكل روتينى
وما إن إنتهت تلك المراسم , ورحلوا جميعاً حتى دخل ليأخذ والدته من الفيلا ويرحل , فهو لا يريد أن يحتك بإبنة عمه ذات اللسان السليط والتى لا تقبله بدون مبرر
دخل رأها مثل الطير المجروح وهى جالسة منكسرة بدموعها التى تنزل على وجنتيها , يا لها من ملاك برئ وهى تجلس هكذا هادئة , كانت بريئة فى سكونها وحزنها , دموعها ذكرته بدموعها السابقة
عندما كانت تجلس على درج تلك البناية فى ذلك الحى الشعبى بذلك الفستان الزهرى القصير وتلك الشريطة التى تزين نهاية ضفيرتها المنمقة
كان ينظر لها فى أسى قائلاً :
– خلاص بقى يا بوسى كفاية عياط , مبحبش اشوفك بتعيطى
– خلاص يا حسام هنسافر ومش هشوفك تانى
ليجلس بجانبها على الدرج وهو يقول :
– انا كمان زعلان اوى , بس حاسس ان انتو اكيد مش هتتأخروا وهتيجو بسرعة , واول ما تنزلوا مصر هنيجى نقابلكم فى المطار , وهاجبلك معايا العسلية اللى انتى بتحبيها
إبتسمت وهى تمسح دموعها بكفها الصغير وهى تقول :
– يارب يا حسام يارب
ليخرج من جيبه تلك التى تسحرها وتجعلها سعيدة قائلاً :
– طيب خدى بقى دى , واوعى تنسينى
لترد وهى فى غاية السعادة :
– عسلية , انت طيب اوى ياحسام انا عمرى ما هنساك

وكان هذا أخر لقاء بينهم , وبعدها سافر والدها بها إلى الخارج ولم يعد إلى مصر إلا بعد خمسة عشر عاماً
نعم خمسة عشر عاماً لم يراها فيهم أبداً لكنه لم ينساها
لم ينسى طفلته الجميلة ذات الضفائر , لم ينسى ضحكتها , برائتها , رقتها
إلى أن أرسل له عمه مرة أخرى بعد أن عادوا وكان يحتاج إليه لكى يدير له أعماله
ولكنه يتذكر أول مرة رأى فيها بوسى كم صُدم لمظهرها المتحرر , فقد كان متخيل أنه سيرى ذلك الملاك البرئ الذى كان يخلد فى ذاكرته
ولكنه وجدها وقد تطبعت بصفات من كبرت وسطهم فى ذلك المجتمع الغربى
لم تعد ذلك الملاك الذى كان ينتظره , أصبحت حادة الطباع , تفتقر إلى الأدب , نموذج للفتاة المتفتحة كما يقال عليها بين أُناس طبقتها , ذلك النموذج الذى لا يشرفه أن يكون أحد أقاربه
ومنذ ذلك اليوم لم يعد يفكر بها وبدأ يشغل نفسه فقط بعمله وأزالها من تفكيره نهائياً , وقد نجح بمهارة فى العمل وكسب ثقة عمه رغم حقد وغيرة من حوله بالعمل

عاد من عالم ذاكرياته على صوت مربية بوسى وهى تقول :
– اتفضل يابنى

دخل إليهم وسلم عليها بإقتضاب وقام بواجب العزاء , وإنصرف هو ووالدته

*************

باتت بوسى ليلتها فى أحضان مربيتها , التى قالت وهى تمسح على شعرها :
– كفاية عياط بقى يا بوسى , العياط مش هيفيد بحاجة , ادعيله يابنتى ربنا يرحمه ويجعل مثواه الجنة
– ربنا يرحمه يادادة
– يلا ياحبيبتى نامى انتى دلوقتى ياقلبى

**********************

تامر :
– يعنى انتى مش عارفة ان ابوها لسة ميت مكملش اسبوع ؟
– عارفة ياسيدى وفيها اية مهى دى فرصة كويسة انك تقولها تعالى نخرج نغير جو وكدة
– شيرى , سبينى اتكتكلها صح عشان متشكش فيا
– ماشى ياسيدى , بس خلى بالك اوعى تلعب بديلك كدة ولا كدة
– حاضر ياستى عرفنا

*****************

منصور :
– بس حضرتك لازم تحضر , دى وصية المرحوم انك ووالدتك لازم تكونو موجودين ساعة فتح الوصية
– هو عمى كتب الوصية دى امتى ؟
– قبل ما يسافر بأسبوع
– تمام انا هروح اجيب والدتى وهحصلك على بيت عمى

*****************

المربية :
– يلا اصحى يا بوسى الناس كلها تحت
بوسى وهى تحاول أن تفتح أعينها :
– ناس مين ؟
– الاستاذ منصور المحامى والاستاذ حسام ابن عمك ووالدته
– اه انا نسيت دة الاستاذ منصور كلمنى امبارح , طيب انا ثوانى وهنزل

كانوا جميعاً يجلسون بانتظار بوسى , وتوجهت الأنظار تجاه صوت كعب حذاءها وهى تنزل الدرج , حتى وصلت وجلست بينهم بعد أن ألقت عليهم التحية , قال حسام فى نفسه وهو ينظر لها بإشمئزاز : أومال لو مكنتيش حزينة على والدك كنتى لبستى اية ؟ ياخسارة يا بوسى
فقد كانت ترتدى فستان من اللون الأسود بالتأكيد حفاظاً على الحداد لكنه كان قصير جداً وبلا أكمام

بدأ الأستاذ منصور قائلاً :
– الأستاذ شكرى الله يرحمه كتب الوصية دى قبل سفره بأسبوع , وسلمهالى قبل سفره بيوم وطلب منى انى أوثقها ودة فعلاً حصل , ولولا كدة مكنتش هقدر أتطلع على محتواها غير وأنا بقرأها معاكو , وطبعاً وصانى وجود حضرتك يا أستاذ حسام ووالدتك ساعة فتح الوصية
أماء حسام إيماءة خفيفة برأسه , فتابع منصور قائلاً :
– فى البداية فى رسالتين هو موصينى اسلمهملكم بنفسى , واحدة لبنته الأنسة بوسى إتفضلى
فأخذتها بوسى بإستغراب
فتابع منصور :
– وواحدة للأستاذ حسام إتفضل
أخذها حسام وهو مستغرباً
فأكمل منصور , وقد فتح الوصية وبدأ يقرأ ما بها :
– بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
فهذا ما أوصي به أنا الفقير إلى الله / شكرى محمد نور الدين
وأنا في حالتي المعتبرة شرعاً من سلامة عقلي وحسن إدراكي
أوصى بأن تقسم تركتى وهى عبارة عن :
شركة نور الدين للإستيراد والتصدير
مصنع نور الدين للبلاستك
فيلا تقع بالتجمع الخامس

مناصفةً بين : إبنتى
بوسى شكرى محمد نور الدين
وابن أخى
حسام مجدى محمد نور الدين

كل هذا يتم فقط إذا نفذوا وصيتى , أما إذا لم ينفذوها خلال شهر من وفاتى سوف تذهب كل أملاكى إلى الجمعيات الخيرية

نظر الجميع إلى بعضهم فى دهشة , وظلت أعينهم معلقة بمنصور كى يكمل , فأكمل بحذر قائلاً :
– أوصى بأن يتزوج حسام مجدى محمد نور الدين
من إبنتى بوسى شكرى محمد نور الدين
وذلك خلال شهر واحد من بعد وفاتى

لم يستمع أحد تلك الجملة الأخيرة عندما قامت بوسى صائحة وهى تنظر إلى منصور وحسام قائلة :
– اه دا انتوا مظبطنها سوى بقى , وحضرتك يا أستاذ حسام إيه مش مكفيك نص الورث ؟ عايز تاخده كله
ليرد بعصبية :
– اية مظبطنها دى ؟ انا معرفش اى حاجة عن الوصية دى غير دلوقتى زيى زيك بالظبط
– قالوا للحرامى إحلف
ليستشيط حسام غضباً وهو يقول :
– حرامى ؟ انا مسكت شركة ابوكى وهى بتخسر بقالى خمس سنين تعالى شوفى المكاسب بقيت اد اية دلوقتى وفى الاخر تقولى عليا حرامى ؟
ليرد منصور لتهدأتهم :
– يا انسة بوسى الحقيقة الأستاذ حسام فعلاً ميعرفش حاجة عن الوصية دى خالص
– انا الكلام دة ميلزمنيش , والوصية دى تبلها وتشرب ميتها , ونص الميراث الأستاذ حسام هياخده وميحلمش بأكتر من كدة
ليرد حسام بعصبية أكبر :
– وانا متنازل عن ورثى وكدة كدة هيروح للجمعيات الخيرية , ومش عايز من وشك حاجة , يلا يا أمى
فتقول والدته :
– استنى بس ياحسام يابنى , استهدى بالله
– معلش ياأمى يلا بعد إذنك , مش هقدر استنى هنا اكتر من كدة
ويخرجا من الفيلا وسط نظرات البغض من بوسى التى كانت فى قمة ثورتها
فيقول منصور :
– يا انسة بوسى يابنتى , دى وصية المرحوم دين فى رقبتى ولازم أنفذه , القرار فى الأول والاخر ليكى

ويغادر هو الأخر ليتركها على حافة الهاوية ما بين التنازل عن المال أو عن حريتها

****************

حسام بعصبية :
– انا مش عارف ازاى عمى يعمل كدة ؟ هو فاكر اية يعنى ؟ ولا هو هيشترينى بفلوسه ؟ مش عايز ورث , ان شا الله حتى اشحت بس متجوزش المجنونة دى
والدته :
– يابنى إهدى , ومتعملش فى نفسك كدة محدش عارف الخير فين
– انا هتجنن , ازاى تقول عليا حرامى ؟ بقى بعد اللى عملته فى الشركة تقول عليا كدة ؟
– معلش يابنى هى بس كانت فى ساعة غضب
– هى مفكرة نفسها مين ؟ انا اصلا استحالة اتجوز واحدة زيها

***************

بوسى بغيظ :
– ازاى بابا يعمل كدة ؟ هو انا خلاص بايرة وبيدللى على عريس ؟ وبعدين اية حسام دة كمان دة دمه يلطش وسمج
لترد مربيتها :
– يعنى ناوية تعملى اية ؟
– قانوناً انا من حقى انى اورثه
– بس دة لو مكانش فى شرط فى الوصية
– بس احنا ممكن نعتبرها مش موجودة ونراضى منصور دة بقرشين وخلاص , وأظن كفاية على حسام اوى النص هيعوز اية تانى ؟
– طيب ووصية المرحوم مش هتنفذيها ؟
لترد بوسى بأسى :
– خلاص نشحت بقى وندى كل الفلوس للجمعيات الخيرية
وهمت بالبكاء , فإحتضنتها مربيتها وهى تقول :
– سبيها على ربنا ياحبيبتى وهو هيدبرها بأمره

****************

يرن هاتف حسام فينظر له بتملل دون أن يرد , فتقول والدته :
– الشغل برده ؟
فيومئ برأسه بإيجاب دون أن يرد
فتسطترد قائلة :
– انت مش ناوى تروح برده ؟
– واروح ليه الشركة خلاص اخر الشهر هتتباع وفلوسها هتروح للجمعيات الخيرية
ثم إبتسم بجانب فمه قائلاً :
– وبعدين انا حرامى , خليهم بقى يدوروها من غيرى
– يا بنى حرام عليك دة مال عمك هتسيبه للغرب ينهبوه
– خلاص ياماما مبقاش مال عمى ولا حتى مال الورثة
– بس انا عمرى ما تعودت عليك كدة , حسام ابنى بيواجه مشاكله مش بيهرب منها
– مشكلتى انا هواجها يا امى وهنزل ادور بكرة على شغل فى اى مكان تانى
– طيب وبنت عمك ؟ هتتخلى عنها هتسيبها للغرب ينهشوها , يعنى عمك مش مأمن عليها مع حد غيرك وانت بتتخلى عنها وتسيبها
قال ببعض التوتر لشعوره بحقيقة ما تقوله والدته :
– عمى عرض علينا عرض واحنا اخترنا
– وتفتكر هو كان يتمنى انه يحرم بنته من الميراث ؟
لم يرد فقد أخرج تنهيدة من صدره تنم عما بداخله
لتباغته والدته بسؤال :
– قريت الجواب اللى كتبهولك ؟
نظر لها وكأنه تذكر أمره لتوه :
– لا مقرتهوش
لتربت على كتفه قائلة :
– اقراه يابنى , يمكن تلاقى فيه اللى يريح قلبك
وتتركه لحاله ليتخبط بين مشاعره المتناقضة

***************

كانت تمسك ذلك المظروف بقلب يخفق وهى جالسة فى فراشها , فتحته وهى تشتم رائحة والدها به , نزلت عبرة منها تعبر طريقها على وجنتها وهى لا تعرف أى معلم واضح لشكل حياتها القادمة
فتحت الرسالة وبدأت تقرأ ما بها

**************

أنا عارف إنك أكيد دلوقتى مستغرب أنا ليه عملت كدة
إنت ممكن متحسش باللى أنا حاسس بيه لإنك عمرك ما كنت أب
أنا عارف إنى دلعتها زيادة عن اللزوم , بس موت أمها أثر فيا أوى , لما كنت بشوفها فى المدرسة وسط أصحابها وكلهم معاهم أمهاتهم كان قلبى بيتقطع عليها , وهى واقفة تدور عليها ومش لاقياها , لما جت سألتنى مرة : ليه ماما مش راضية تجيلى ؟
حسيت ساعتها بنار بتقيد جوايا ولسانى عاجز عن الرد
عارف إنى ربتها غلط وعمرى ما قلتلها لا على حاجة , كنت فاكر إنى كدة بعوضها عن حنان أمها اللى إتحرمت منه

انا عارف انك ممكن تكون زعلان منى , بس انا بجد عارف إنها محتجالك دلوقتى جمبها , انا عارف كويس إنك هتنفذ وصيتى ولو على رقبتك لأنك راجل , لكن عملت كدة عشان عارف دماغها الناشفة
خلى بالك منها واوعى تتخلى عنها
هى اه مدلعة بس طيبة صدقنى
دى وصيتى ليك يابنى اوعى تسبها مهما حصل ما بينكم

أنزل تلك الرسالة وهو ينظر أمامه بوجوم , لا يعلم كيف سيحقق تلك الوصية التى أصبحت دين برقبته ووجب عليه أن يسدده

*****************

بوسى وهى تبكى :
– مش فاهمة يادادة حاجة , حتى لو بابى كان شايف ان مصلحتى بجوازى من حسام , ازاى يفرض عليا رأيه كدة ؟ كل اللى قاله فى الجواب متزعليش منى وانا عملت كدة لمصلحتك , هى فين مصلحتى دى وانا بتجوز من واحد مبقبلوش ؟
لتحتضنها مربيتها وهى تقول :
– مش يمكن لما تعرفيه تقبليه
– هو بابى يعنى ادانى فرصة اعرفه ما يا اما نتجوز قبل ما يعدى شهر يا اما مفيش ورث , وبعدين ازاى هتجوز واحد ما بحبهوش ؟
– متعيطيش ياحبيبتى كفاية , ربنا وحده اللى عالم الخير فين

ثم تتركها مربيتها لتنام وهى تشعر أنها تقف على أرض متحركة , لا تعلم متى ستقع ؟
ليخرجها من أفكارها المختلطة هذه صوت هاتفها معلن عن وصول رسالة , فتفتحها وهى تبتسم لرؤيتها إسم المرسل
تامر :
وحشتينى اوى ياحياتى
الدنيا من غيرك وحشة اوى
نفسى ترجعى تنورى دنيتى من تانى

فتحتضن الهاتف بسعادة وهى تشعر بالحب ……

الفصل السابع

إعتدل فى الفراش وهو يعبث بشعرها قائلاً :
– بس تعرفى شكلك كدة أحلى
وضعت يدها على صدره وهى تنظر فى عينه وتقول بعتاب :
– دة بدل ما تقولى متزعليش منى على اللى عملته فيكى
أبعدها وقام من الفراش وهو يقول :
– انتى المفروض تعوضينى عن الليلة اللى انتى بوظتيها عليا
– انت لسة مش مصدقنى ؟
– لو عايزانى اصدقك , اثبتيلى ولاءك
– كل دة ولسة ما أثبتش ولائى يا ياسر ؟ دة انا من اول ما عرفتك سلمتلك نفسى
تعالت ضحكاته , ثم قال :
– دى حاجة رخيصة اوى بالنسبة لك يا شيرى
– رخيصة ؟ هو الشرف بقى رخيص دلوقتى ؟
إقترب منها وبدأ يلتمس وجهها بأنامله وهو يقول :
– الشرف ؟ بتهيألى الكلمة دى غريبة عليكى شوية
ثم إتجه إلى خارج الغرفة وهو يقول :
– ياريت متنسيش انى مشربتكيش حاجة صفرة قبل ما أخد شرفك , يا شريفة
وتركها وقد شعرت أنها بالفعل رخيصة , مجرد جسد قد يزهده فى أى وقت , مجرد رغبة يأخذها وقتما يشاء
وهى من فعلت ذلك بنفسها , منحته كل شئ بكل سهولة وبدون أى مقابل

**************

حسين السائق :
– جيبت العربية يا أحمد بتاعت الأنسة بوسى من عند بيت الأستاذ حسام
إحمد بوجوم :
– ايوة جبتها
ثم غادر الحديقة إلى الغرفة قائلاً :
– انا داخل انام شوية
كان فى قمة غضبه فها هى محبوبته ليلة أمس كانت بمنزل حسام , فقد بدأت تحن له وسوف تتزوجه قريباً بالتأكيد
وسوف تفشل كل أحلامه فى أن تصبح فقيرة مثله ويستطيع وقتها التقدم لخطبتها
ولكن بعد الآن هو لا يضمن ما سيحدث فهو كان يثق بأن تامر كان سوف يتركها بعد أن تصبح فقيرة ولحظتها لن تجد غيره أمامها فهو يحبها بحق دون أى مطامع فى ثروتها , هو فقط يريدها له , وله هو فقط
ولكن يجب عليه الآن أن يعيد حسباته من جديد , كى لا تذهب بوسى لسواه

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *