رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب
أومأت برأسها في صمت في حين اتجه هو لغرفة الصغيرة ووضعها في فراشها برفق وأسدل الغطاء فوق جسدها الصغير ثم خرج من الغرفة وأغلق بابها خلفه بهدوء, عاد إليها في غرفة المعيشة فوجدها تتصفح إحدى الروايات بملل, جلس إلى جوارها فرفعت عينيها إليه وابتسمت متسائلة :
– عملت ايه هناك ؟
هز كتفيه وأجاب متصنعا الغضب :
– الهانم رحت لقيتها بتلعب مع جو ورايقة ع الآخر, الصنارة غمزت باين وشكلها هتتحبس في البيت مش هتخرج تاني, الواد ده أنا مش واثق فيه حاسس إنه بيضحك عليها وهو البنات بتجري وراه كده .
ضحكت (جمانة) فخلبت لبه, ثم تطلعت إليه بنظرة لم يفهمها و قالت :
– لا يا بابا ماتقولش كده, بنتك عاقلة وعارفة مصلحتها .
ابتسم فهاهي تجاريه, أسعدته كلمة “بابا” للغاية, استمر في تأدية الدور :
– لا مراية الحب عامية يا أم ملك, والواد مز تلاقيه غمز لها بعيونه الزرق دول البت اتشعلقت في رقبته على طول .
قررت أن تهاجم فقالت بجرأة :
– مش فاهمة حاجة بنتك دي ياسي أدهم, هو في أحلى من العيون البني ؟
اختلطت في نظراته الدهشة بالاستغراب لكنه استمر للنهاية قائلا :
– مش كده يا عيون سي أدهم يا حلو إنت يا طعم, قال أزرق قال, مفيش أحلى من البني .
ثم حرك حاجبيه بطريقة أضحكتها, فقالت :
– ربنا مايحرمنا منهم يا اخويا, بني بني وماله .
صمت متطلعا إليها والحب يملأ ملامحه فبادلته نظراته بجرأة لم يعهدها فيها, تساءل ” مالذي جرى لها ؟ لقد جنت حتما “, فجأة وقفت وسألته :
– ها يا سي أدهم تحب تتعشى إيه, عملالك شاورما إنما إيه لا تقولي مطاعم ولا جاهز بعد كده .
لم يقاوم أكثر فضحك بشدة وهي تتطلع إليه بابتسامة, وقرر أن يكون أكثر جرأة فلن يملكها زمام الأمور أبدا, وقف أمامها فلم تتحرك من مكانها, اقترب أكثر وانحنى يهمس في أذنها بخفوت شديد :
– أنا مش عاوز شاورما, أنا هاتعشى حاجة تانية أحلى وألذ, ومش عشا بس, ده عشا وفطار وغدا كمان.
عاد الخجل يكتنفها من جديد وأنبت نفسها ” لست أهلا لمجاراتك سيدي “, أسرعت هاربة من أمامه وهو يقهقه بشدة شاعرا بالانتصار والظفر, قرر أنه لن يتركها فيكفي مافعلته به اليوم, ذهب خلفها للمطبخ ووقف خلفها أمام أحد الأركان فلم تستطع الحركة, لمسها برفق فشعرت بالتوتر يغزوها, وجدته يتشممها مرة أخرى فاستغربت تلك العادة منه, قال فجأة وأنفاسه تلفح رقبتها :
– امممممم ريحة العشا حلوة أوي, شكلها ليلة ليلاء .
ابتسمت في خفر ولم تقل شيئا اقترب منها أكثر وكاد يضمها لولا أن سمعا بكاء الصغيرة, عقد حاجبيه هذه المرة في حنق ” هذه الفتاة تقصده بالذات وتريد أن ترهق قلبه أكثر من أمها ” أطلق سراحها لتنطلق عائدة لصغيرتها, عادت بعد دقائق للمطبخ فلم تجده فاتجهت لغرفة نومها, وجدته هناك خارجا من الحمام للتو يجفف شعره المبتل بفوطة صغيرة وعندما نزعها من فوق رأسه تساقطت بعض الخصلات على جبهته, راودتها تلك الرغبة مجددا في أن تعيدها للخلف لكنها كعادتها لم تملك الجرأة لتقوم بها فظلت تتطلع إليه في صمت, التفت إليها وسألها :
– ايه العشا جاهز ؟
أفاقت من شرودها على صوته ثم تنحنحت في حرج وهتفت :
– لا انا لسه خارجة من عند ملك وجيت اشوفك نمت ولا ايه, هاروح اجهزه حالا.
وقبل أن تلتفت كان إلى جوارها يمسك بيدها ويهمس :
– بس أنا شايف إنه جاهز .
أطرقت برأسها عائدة لخِدْرخجلها مجددا, لم يهتم بل جذبها إليه فاستسلمت, ضمها إلى صدره برقة فاستكانت على دقات قلبه, لم يدري لما اجتاحه الغضب من جديد, توتر فجأة وارتبك, ” أأتراجع أم أتقدم ؟ أنا أريدك يا امرأتي عاشقة, لا أريد امتنانك ولا حتى بعض الشكر لي, أريد تملك ذلك القلب الصغير بين جنبيك, قبل أن أتملك جزءا آخر منك “, شعرت بتوتره لكنها لم تهتم, فهي ستهديه نفسها اليوم والآن لو أراد, فوجئت به يتراجع للخلف دفعة واحدة مما أشعرها بخواء بعد دفء جسده, ظل يتطلع إليها في صمت, ثم همس بسؤال :
– ليه ؟
لم تفهم فزوت ما بين حاجبيها في تساؤل أجابه بسرعة :
– ليه بتديني اللي منعتيه عني طول الفترة اللي فاتت فجأة كده ؟
ارتبكت ولم تجد ردا, لما يسأل ولما حقا يرفض؟ لم تفهم فعاد يقول :
– لو تعبير عن شكرك عشان موقف النهاردة مع عم ملك يبقى أكبر غلط بتعمليه .
نظرت إليه في دهشة, أهكذا يفكر ؟ كادت تصفه بالغباء لكنها أمسكت لسانها, أدارت وجهها للجهة المقابلة قائلة في حنق :
– انت شايف إنه مكافاة وخلاص ؟ لو شايف كده ؟ تبقى ماتستحقوش .
ثم التفتت مغادرة الغرفة تاركة إياه يتخبط في جدران حيرته وقلقه, لاعنا تسرعه ورعونته, كان يمكنها الآن أن تكون بين ذراعيه, لكنه فقط أحمق غبي يعاني فوبيا حبها
الفصل السادس والعشرون
_________________
أنهى (هشام) مهمته القذرة وتركها ضعيفة ساكنة لاتعي ماحولها جيدا, تتطلع إليه فتارة تراه بطلا أسطوريا وتارة تراه حيوانا بريا متوحشا, فقدت قدرتها على النطق وهو ينظر إليها ولا زال لعابه يسيل على فاكهتها التي تذوقها لمرة فأسكرته, سخر منها قائلا :
– كنتي بتقولي عاوزة أدهم وبس.
ثم علت ضحكته الساخرة وهو يكمل :
– طلعتي يوزد أهو مستعملة سكند هاند واللي عندك ده طمع وخلاص يا ست ياشريفة يابنت العائلات وولاد الذوات .
قام ليخرج من الغرفة ثم عاد بعد دقائق وهي لا تزال فاقدة القدرة على التحكم بنفسها جيدا, عاد يقترب منها مجددا وهي لا تفهم, كان وعيها يعود إليها ببطء وقدرتها على سلاسة الحركة تزيد, لاحظت اقترابه لمعاودة الكرة وهو ينظر إلى جسدها بطريقة آلمتها وهي التي كانت تثير غرورها فيما سبق, لم تتحرك فلازالت ضعيفة, بدأ مهمة جديدة وهي تبكي في صمت, لفت وجهها بعيدا عنه فوقعت عيناها على أمل, استجمعت كل طاقتها والباقي من وعيها والتقطت السكين الصغير الذي كان يقطع به ثمرة التفاح قبل أن يذهب بوعيها وهو لا يدرك ماتفعله فقد كان وعيه غائب من خمرها هو الآخر, أولجته في عنقه من اليمين بكل ما أوتيت من قوة فإذا به يتطلع إليها في بلاهة ونافورة من الدماء تتفجر من أسفل السكين لتغرقه وتغرق السرير أسفلها مارة بجسدها في طريقها, سقطت رأسه فوقها معلنة انسحاب الروح منه مع سائل الحياة ونظرة البلاهة مرتسمة على ملامحه, فجأة انطلقت منها صرخة وهي ترى الدماء في كل مكان وثقله يمنعها مع ضعفها من الحركة, استمرت في الصراخ حتى وصل صوتها للحي بأكمله وانتهى الأمر .
____________________________________
وقف الحاج (عبد الرحمن ) منكس الرأس أمام شقيقه (كمال) والذي بدا كالثور الهائج وهو يصيح في غضب شديد :
– ايه اللي بتقوله ده ياحاج ؟ للدرجة دي خايف منه ؟ خلاص اشتريت منه أرضنا بفلوسنا, إزاي ؟
رفع (عبد الرحمن ) رأسه ونظر لأخيه في حنق واستياء من طريقته ومن حديثه ثم هتف فيه :
– لم نفسك يا كمال وراعي إني اخوك الكبير, إحنا مش قد ولاد الحسيني وأدهم ده بالذات, واحد زيه من كبارات البلد وواصل وعنده علاقات تودينا ورا الشمس, تنخ قدامه احسن ماتتحداه وتلاقي نفسك بتخسر بردك.
اشتعل غضب (كمال) أكثر وتفجرت شراراته من عينيه الحمراوين وهو يصرخ :
– وعزة جلال الله ما هيتهنوا بالقرشين الي خدوهم, على جثتي يا حاج .
أمسك الرجل بذراعه في عنف وصاح في وجهه :
– الموضوع خلص ياكمال يا ابن زيدان, خدنا أرضنا وخلصنا وكل واحد راح لحاله.
ثم تركه في عنف وغادر المنزل برمته تاركا (كمال) يحدق في الباب الذي خرج منه بنظرات شيطانية لاهبة, هتف :
– بقى كده ياحاج ؟ وربنا المعبود ماهاسيبهم يتهنوا بفلوسنا بنت الـ ***** دي .
ثم خرج من المكان هو الآخر تتابعه زوجته في رعب, فهي تعلم أنه لا يتورع عن القيام بأي شيء للوصول لغايته او الانتقام, ودعت الله أن يمر الأمر بسلام .
أما هو فقد اندفع كالصاروخ من المنزل واتجه إلى سيارته, فتح بابها ودلف إليها ثم أغلقه خلفه في عنف, تناول هاتفه الجوال وقام بالاتصال برقم يحفظه عن ظهر قلب, وما إن سمع صوت يرد عليه حتى هتف :
– إنت فين يا فتحي أني كمال زيدان عايزك ضروري .
