رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب

مرت عدة أيام و (أدهم) في تحسن مستمر, عاد له تورد وجهه وروحه المرحة ودعاباته التي افتقدها الجميع, كانت تبدو عليه سعادة جمة لما لمسه من رضا والدته عن زوجته والتقارب الحاصل بينهما, كان يداعب أمه ويقول :
– لو كنت أعرف إن الرصاصة هتخليكي تقربي من جمانة كنت أخدتها من زمان .

وتغضب هي فيداعبها مرة أخرى حتى ترضى, و(جمانة) الحبيبة قل كلامها كثيرا فقط كانت تتابعه بعينيها وابتسامة حنون على شفتيها تحمل قدرا هائلا من السعادة , لقد عاد حبيبها, بروحه وحبه وحنانه وقلبه الذي يتسع للجميع, استيقظ على دعابة لم تدري وقتها أتضحك أم تبكي أم تصرخ من فرحتها, وهو لاحظ صمتها, أقلقه لكنه دوما كان يحاول جذبها من منطقة السكون تلك, وهي أحيانا تستجيب وأحيانا لا, كانت تشعر به قلقا وتحاول طمأنته لكن قهرا تعود لصمتها و تتأمله في حب كان هو المسيطر على خلاياها .

في يوم اطمأن الطبيب على جرحه وسأله عن عدة أشياء وأوصاه بأشياء أخرى ثم تركه وانصرف, كانت (جمانة) بجواره فابتسم لها وأمسك كفها وهمس :
– وحشتيني .

ابتسمت هي الأخرى وظهر عشقها له جليا في عينيها ثم بادلته همسا بهمس :
– إنت أكتر .

تنهد في حب وسألها :
– هنروح بيتنا إمتى ؟

أجابت :
– مش عارفة الدكتور لسه ماقررش .

تأفف وقال بلهجة حالمة :
– بأقولك وحشتيني وعاوز اروح تقولي لي دكتور ؟

ضحكت فنظر إليها بغيظ وهتف :
– على فكرة مش وقت ضحكتك دي خالص, خلي بالك يعني دي رصاصة قريبة من القلب ودم وكده.

شعرت بالخجل وقالت :
– خلاص من غير ضحك .

ابتسم وقال :
– أيوة كده, ايه مفيش انسانية ؟

عادت تضحك من جديد فتظاهر بالغضب قائلا :
– لا إنت بتستهبلي بقى ؟ أكيد إنت قاصدة ؟

كتمت ضحكتها بصعوبة وتطلعت إليه بحب جعله يقول :
– يعني نقول امنعوا الضحك تبصي لي كده, إنت عاوزة ايه بالظبط ؟

سحبت يدها من يده ووقفت هاتفة :
– يوووه خلاص انا هاخرج برا.

أمسك يدها مرة اخرى بسرعة وهتف :
– لا لا خلاص, خليكي, أمري لله .

ابتسمت وجلست إلى جوراه مرة أخرى, في هذه الأثناء كانت (لمياء) قد أتت للاطمئنان عليه فلمحتهما يتشاكسان من نافذة الغرفة فوقفت على مسافة تتطلع إليهما في سعادة, كانت تضيء وجهها, وعلى مسافة منها هي وقف (آدم) ينظر لوجهها السعيد في صمت, شعر بنوع من الخجل فخفض عينيه أرضا ووجد قلبه يدق بطريقة غريبة, تلك المرأة الحنون التي تعتبر نفسها أما ثانية لشقيقتها, لم يرى مثلها من قبل, دق قلبه مرة أخرى فاتجه نحوها وقال بخفوت :
– إزيك يا مدام لميا .

انتبهت على صوته فجأة وشعرت بالحرج, لابد أنه لمحها تنظر لشقيقتها وزوجها, ابتسمت في حرج و ردت :
– الحمد لله إزي حضرتك يا دكتور آدم ؟

ابتسم هو الآخر وقال :
– الحمد لله تمام .

ثم أشار لصغيره الواقف إلى جواره وقال :
– يوسف صمم ييجي يشوف عمه النهاردة .

نظرت للصغير بحنان وربتت على رأسه برفق وقالت :
– إزيك يايوسف ؟ عامل ايه في المدرسة ؟

ابتسم لها (يوسف) فنبض قلبها بدفقة حنان مفاجئة جعلت ابتسامتها تتسع وأجاب هو بخجل :
– الحمد لله .

ربتت على رأسه مرة أخرى ورفعت رأسها لوالده قائلة في حنان :
– يوسف هادي وخجول أوي .

ربت على رأس ابنه هو الآخر وقال :
– أيوة, مفيش اختلاط كتير يادوب المدرسة بس وحتى هناك برده بيقولوا عليه خجول وانطوائي .

عادت تنظر إليه مرة أخرى وفتحت فمها لتقول شيئا لولا أن سمعت من خلفها صوت مرح يقول :
– أستاذة لميا, مساء الخير .

التفتت لمصدر الصوت في هدوء ومثلها فعل (آدم) لكنه عقد حاجبيه عندما وجده المقدم (حمزة), قالت (لمياء) :
– أهلا يا سيادة المقدم .

ابتسم ونقل بصره لـ (آدم) ثم هز رأسه محييا وقال :
– إزي حضرتك ؟ أستاذ آدم مش كده ؟

أومأ (آدم) برأسه وبدا عليه بعض الضيق وهو يقول :
– أيوة, إزي حضرتك يا فندم ؟

أجاب بهدوء :
– الحمد لله تمام, ها المصاب بتاعنا أخباره ايه ؟ انا جيت لما كلمتيني فورا أهو .

أجابت :
– الحمد لله بقى أحسن, حضرتك تقدر كمان تسأل دكتور أحمد عنه وتشوف إذا ينفع ولا لا .

تطلع إليه مع زوجته من خلف زجاج النافذة لثوان وهما يتشاكسان تارة ويتضاحكان تارة ويتهامسان تارة أخرى ثم ابتسم فجأة وسأل :
– طيب هو فاضي ؟ اكلمه بشكل ودي كده لحد مانعمل المحضر ؟

عقد (آدم) حاجبيه في ضيق من جرأته وشعرت هي بالحرج, قال (آدم) في حزم :
– ثواني هابلغه بوجود حضرتك .

ترك (يوسف) مع (لمياء) واتجه بخطوات سريعة لغرفة (أدهم) ثم طرق بابها ودخل ليخبر أخيه بوجود الضابط, خرج وخلفه خرجت (جمانة) ودخل إليه (حمزة) بابتسامة هادئة.
جلسا سويا مايقرب من نصف ساعة, ترك بعدها (حمزة) الغرفة وهو يشد على يد (أدهم) ويتمنى له تمام الشفاء, وقفت (جمانة) مع شقيقتها والضابط ليسألها هي الأخرى عدة أسئلة في حين دخل (آدم) لأخيه وابتسامة رائعة على وجهه تاركا طفله ممسكا بيد (لمياء), بادله (أدهم) ابتسامته وقال :
– أدوم واحشني ياكبير .

ضحك (آدم) وهو يقبل رأسه وقال بمرح :
– تصدق إنت أكتر , ماشفتكش من امبارح يابني, وبعدين ارحمني بقى وقوم الشركة كلها فوق دماغي .

رد (أدهم) ضاحكا :
– عاوزني اقوم واروح الشغل كمان, دي رصاصة يابني, هانام فيها شهرين تلاتة اربعة, وأعمل فيها شهريار, وبعض الناس كده هتبقى شهرزاد وتحكي لي قصة كل يوم .

ضحك (آدم) مرة أخرى وهتف :
– ده استغلال بقى ؟

رد (أدهم) :
– طبعا, حد يلاقي فرصة للاستغلال ويقول لا !

هز رأسه في تعجب, ثم رسم الجدية على ملامحه وقال وهو ينظر للخارج للحظة :
– عاوزك في موضوع مهم .

نظر إليه (أدهم) باهتمام وسأله :
– خير ؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *