فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت ج٣

#الفصل_الثالث_والعشرون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ تسللت من منزلهم بدون أن يراها أحد،  وضعت يدها في حقيبتها لتخرج غطاء الوجه الخاص بزوجة شقيقها لترتديه،  ولم تلاحظ زوج من العيون الجاحظة تراقبها من علي بعد أمتار قليلة كما أمره الآخر بأن يكون كظلها في كل مكان تذهب إليه.

ألقت نظرة في شاشة هاتفها تنتظر مكالمة واردة، وإذا برنين هاتفها يعلو فأجابت:

_ الو يا دكتور يحيي،  أنت فين دلوق؟.

 

أجاب عليها وهو يقود سيارته:

_ أنا يعتبر خلاص علي أول الطريق الداخلي للنجع.

 

باغتته بفزع قائلة:

_ لا خليك عندك وأني چايه لك وياريت توجف في مكان مفيهوش حد واصل.

 

زفر بضيق قائلاً:

_ أي الرعب الي أنتي معايشنا في ده.

 

_ ما أنت خابر الي فيها بجي، ولا مستغني عن روحك إياك.

 

إبتسم ساخراً:

_ أصدك علي رافع يعني، ولا يقدر يعمل حاجة، أنتو الي أديتوله حجم وقيمة.

 

_ أنت والله ما عرفش حاچة، المهم أني چايه لك أهه، سلام دلوق.

 

سارت نحو الطريق الرئيسي وأشارت إلي إحدي سيارات الأجرة، فتوقفت سيارة، دلفت بداخلها قائلة:

_ مدخل النچع لو سمحت.

 

وكان خلفها يقود الدراجة النارية ويمسك بهاتفه:

_ رد بجي يا رافع بيه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تجلس أمام المرآه تبكي، فهي الآن مرغمة علي الجلوس مع شخص لا تعلم عنه شيئاً سوي إسمه فقط، وبعد تهديد والدتها الجاد والتي أقسمت علي تنفيذه وهو حرمانها من الخروج والذهاب إلي عملها إلا إذا وافقت علي الزواج من هذا العريس الذي سيأتي بعد قليل.

 

دلفت والدتها لتطمأن إنها قد أصبحت جاهزة لمقابلة العريس الذي لا يوجد مثله و فرصة لم تجدها مرة أخري إذا قوبل بالرفض،  تلك وجهة نظر والدة مروة التي شهقت وضربت بكفها علي صدرها:

_ يا ليلتك السوده عليكي و علي دماغك، أنتي لسه ملبستيش وعماله تنوحي زي الي ميت لها ميت!.

 

ردت ودموعها منهمرة علي وجنتيها كشلالات المياه المندفعة بدون توقف:

_ عايزين مني أي؟، مش قولتلك هتنيل وأقابله عشان ترتاحي!.

 

أشارت عليها بتعجب ودهشة:

_ و ده منظر واحدة المفروض هتقابل عريسها بعد شويه!.

 

نهضت وأشاحت بيديها صارخة بتهكم:

_ عايزاني يعني أتحزم وأرقص له!، ما أنا لابسه وجاهزة  أهو.

 

رمقتها والدتها بنظرة نارية:

_ ماشي يا مروة،  حسابي معاكي بعدين لما الناس تمشي،  إما وريتك مبقاش أنا.

 

_ في أي يا أمي صوتكو عالي كده ليه؟.

قالها معتصم شقيقها الذي ولج للتو،  فأشارت له نحو شقيقته وقالت:

_ تعالي شوف الهانم أختك الي عايزه تكسفنا مع الناس،  لابسه لي أسود في أسود وعماله تعيط عشان لما يشوفوها يفتكرو إحنا غصبينها علي الجواز من إبنهم.

 

نظرت مروة إلي والدتها بإمتعاض، فسألها شقيقها:

_ أه صح يا مروة أي الي أنتي لبساه ده، أي نعم المرأه لازم تلبس محتشم بس مش لدرجة السواد يعني!، وبعدين مالك مفحومه من العياط ليه وكأننا غاصبينك علي الجواز؟.

 

حدجت والدتها بسخط ثم نظرت إليه:

_ غصب!  ، لاسمح الله أبداً.

 

جزت والدتها علي أسنانها بحنق شديد وقالت:

_ شوف البت الي هتجبلي جلطة.

 

ثم ألتفتت إلي إبنها وقالت:

_ الحلوة أختك كل ما يجيلها حد ترفضه من غير ما تسمع أو تشوف،  والي تعمل كده ميبقاش ليها تفسير غير حاجة واحده،  إنك مواعده واحد ومستنيه لما يحن عليكي ويجي يطلب إيدك ولا الله أعلم مخبيه لنا أي.

 

أبتلعت ريقها وتوترت ملامحها،  فأومأت بالنفي وبإستنكار قالت:

_ حد!  ، حد أي؟.

 

رمقها شقيقها بغضب، فأقترب نحوها عدة خطوات وهو يسألها بنبرة تدل علي ما سيفعله إذا أخبرته ما تظنه والدتها صحيحاً.

_ بت يا مروة، الكلام الي ماما بتقوله ده صح؟،  أوعي تكوني ماشيه مع واحد من الشباب الي آخرهم مكالمات وفسح وخروج وفي الآخر ياخد الي عايزه منها ويرميها!.

 

بداخلها يرتجف خوفاً، ماذا إذا علم بما حدث معها!  ، لذا قلبت دفة الحديث لتقوم بتشتيته عن الأمر،  فأستجمعت كل قواها وشجاعتها لتصيح به:

_ جري أي يا شيخ معتصم، الله يرحم موبايلك الي مكنش بيبطل رن مرة ليلي ومرة نانسي وهدير و حنان وغيرهم،  ده غير بنات الجيران الي كنت بتبدلهم زي كوتشيهاتك،  جاي تحاسبني وتقولي أوعي وإياكي.

 

رفع إحدي حاجبيه متحدثاً بزهو وإستنكار:

_ أولاً ده كان زمان والحمدلله ربنا تاب عليا بعد ما أتجوزت، ومهما عملت أنا في الأول والآخر راجل الناس مش هتتكلم عليا،  لكن أنتي بنت يوم ما تعملي حاجه زي كده من ورانا هقطعلك رقبتك.

 

أتسعت عينيها من تهديد شقيقها ونفاقه الصريح،  فتشدقت:

_ تقطع رقبة مين يا شيخ معتصم؟، أنت هتعملهم عليا وفاكرني صدقتك،  ده أنت بس لولا حماك من آخر خناقة هددك لو ملمتش نفسك بنته وأتعدلت هيخليك تطلقها وملكش قشايه في الشقه ده غير المؤخر النص مليون جنيه الي خلاك تكتبه لها غصب عنك بعد ما حفيت وراها ورضي يجوزهالك،  ولوليا أنا الي كنت بروح لمراتك وأهديها من ناحيتك وبعمل عليها فيلم وحوار عشان تصدق كان زمانك مرمي في السجن أو بتشحت في الشوارع،  ده غير عيالك الي هاتحرمك منهم.

 

أستدارت والدته وبملامح شديدة الغضب سألته:

_ ده الظاهر في حاجات كتير حصلت من ورايا وأنا آخر من يعلم، صح ولا أي يا شيخ معتصم؟.

 

جز علي شفته بحنق شديد وأشار لشقيقته بتوعد  بدون أن تلاحظ والدتهما،  ألتفت لها ليجيب عليها:

_ ماتصدقيهاش يا أمي،  هي مروة طول عمرها عشان تطلع نفسها  من مشكله تلبس الي أدامها مصيبه.

 

وكعادة والدتها قد أقتنعت بما قاله ولدها،  فعادت إلي موجة عاصفة الغضب المستطير:

_ بصي يابت أدامك خمس دقايق تغيري الأرف الي لبساه ده وتلبسي الطقم الي حطيتهولك علي السرير إلا وأنتي عارفه أنا ممكن أعمل معاكي أي.

ثم أشارت إلي إبنها:

_ يلا يابني لما نشوف أخرتها معها.

 

وبمجرد خروج والدتها وشقيقها،  عزمت علي أمر لا محالة للعزوف عنه.

جذبت حقيبة السفر خاصتها من أسفل السرير وقامت بفتح السحاب،  ثم فتحت الخزانه وأخذت كل ماتريده من ثياب ومتعلقات وأوراق خاصة بعملها،  وبعد إنتهائها،  تسحبت علي مهل لتراقب الأجواء لتجد الجميع مشغولاً حتي صغار شقيقها يلهون بداخل الشرفة بالألعاب،  أستغلت تلك الفرصة لتأخذ حقيبتها وبخطي سريعة غادرت المنزل وهاتفت إحدي أصدقاءها لتخبرها بالمجيئ والمكوث لديها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ أغلق صنبور المياه وتناول المنشفة ليجفف جسده المبتل، ثم أتجه إلي المرآه التي تعلو الحوض وأخذ ينظر إلي إنعكاسه.

طرقات علي باب المرحاض قاطعت تأمله، يليها صوتها الذي أصبح ذو نبرة مليئة بالشجن:

_ الخلچات يا سي رافع.

 

فتح لها الباب ليتناول ثيابه فأشاحت وجهها بخجل، ضحك وبتهكم قال:

_ وش كسوف إياك!.

 

شعرت بسخرية من كلماته فأجابت بدون النظر إليه:

_ من يومي يا واد خالتي وأني بستحي الحمدلله ، الدور والباقي علي الناس التانية الي عينيهم بچحة ويسو الي علي هواهم من غير خشا ولا حياء.

 

أنتهي من إرتداء ثيابه منصتاً إليها، وشبح إبتسامة يلوح علي وجهه وهو يقول:

_ فعلاً عندك حق.

 

تعجبت من رده المقتضب، وظنت إنه لم يدرك مغذي حديثها، فهمت بالذهاب من أمامه، أوقفها قابضاً علي عضدها:

_ رايحه علي فين إكده؟.

 

رفعت وجهها وبإمتعاض أجابت:

_ رايحة أنشر الغسيل، لو رايد تاكل الواكل خُلص بس أستني لما خالتي وعمي يرچعو من العزا وأبجي أتغدو مع بعض.

 

إزدادت إبتسامته أكثر بعدما علم إنه لا يوجد في المنزل غيرهما فقط، لاحظت ردة فعله التي أخافتها لكنها لن تظهر له ذلك.

 

_ حلو جوي، يعني مفيش غيرنا أنا وأنتي في الدار؟.

سألها وعيناه تحدجها بتوعد غادر، أجابته والقلق يساورها:

_ أيوه، في حاچة؟.

 

إزدادت قبضته قوة مما جعلها تأوهت بألم، جذبها خلفه قائلاً:

_ ده في حاچات يا روح خالتك.

 

صرخت بألم وتحاول الفرار من قبضته:

_ آه دراعي يا سي رافع، همله أبوس يدك، هينكسر .

 

ألقاها بقليل من العنف علي الكرسي داخل غرفتهما ثم جذبها من خلف رأسها وكأنه يقتلع خصلاتها في قبضته، وبصياح هادر:

_ ده أني هكسرو وها كسر  رچليكي الأتنين لو خطيتي دار عمتي تاني يا فاچره.

 

أنفجرت باكية وهي تقول:

_ كنت رايدني أخدك بالأحضان وأنت عتجولي هاتتچوز عليا!، أي واحدة لو مكاني كانت سوت أكتر من إكده.

 

زاد من قبضته أكثر فأطلقت صرخة بنحيب وعويل،  أعتدل وجعلها تقف أمامه ليصبح وجهها مقابل وجهه وبملامح قاسية متجبرة قال:

_ قسماً بالله لولا الي في بطنك لكنت ماخليت حته في چتتك سليمة، ويا ويلك لو كررتيها مرة تانية لايهمني وجتها إنك حبلي، فاهمة ولا لاء.

 

هدر بصوته المجفل وهو يهز رأسها بعنف ومازال قابضاً علي خصلاتها:

_ ماتردي.

 

صرخت باكية بخنوع وإستسلام:

_ فاهمة، فاهمة.

 

تركها بإشمئزاز وأتجه نحو المشجب ليأخذ عباءته وجلبابه ليرتديهما، وبأمر صارم قال لها:

_ جومي غيري خلچاتك، هانروح لعمتي لأچل تعتذري ليها هي وبتها.

 

وبرغم ما تشعر به من آلام نفسية وجسدية لكنها لم تتحمل أكثر من ذلك فصرخت به بكل تمرد:

_ وأني ماريحاش عند حد ولا هاعتذر كمان.

 

زجرها بنظرة آتيه من قعر الجحيم، وبصوت دب الرعب في أوصالها:

_ عتعصي أوامري يا بت ال……

 

وكاد ينقض عليها كالوحش الضاري، فجاء رنين هاتفه لينقذها من الهلاك بين يديه، أمسك بهاتفه ليري إسم المتصل إحدي رجاله المكلفين بمراقبة محبوبته، نسي أمر معاقبة زوجته تماماً و غادر الغرفة ليجيب:

_ عايز أي يا زفت الطين؟.

 

أجاب الآخر:

_ ألحق يا رافع بيه الست فاطمة خرچت من دارهم وجعدت تتلفت وبعدين طلعت حاچة من شنطتها أتاريه نقاب ولبسته وأتحدت في المحمول وبعدها طلعت علي الطريج وركبت تاكسي…

 

قاطعه بحنق وملل:

_ ماتخُلص يا زفت وجصر في الحديت، أدليت علي فين؟.

 

أجاب وهو يلتقط أنفاسه:

_ أصبر يابيه ما أني چايلك في الحديت أهو، روحت ماشي ورا التاكسي بالموتسيكل لحد ما نزلت في حته مفيهاش صريخ إبن يومين وفچاءه ظهرت عربية أتاريه الدكتور الي أسمه يحيي ركبت وياه ومشي علي طريج المركز لحد ما وجف قدام النادي الي علي البحر.

 

أستشاط غضباً حيث سبرت أغواره كفوران التنور:

_ خليك حداك وما تتحركش لحد ما أچي لك.

 

أغلق المكالمة و زفر باللهيب مستعر، و ظُلمة عينيه كظلام ليلة معتمة.

_حذرتك كتير ولا همك، ما تلومينيش بجي علي الي هاسويه وياكي يا فاطمة.

 

لم ينتبه إلي التي كانت تسترق السمع ، ركضت إلي غرفة أخري وأوصدت الباب خلفها، لتطلق لعبراتها العنان، تبكي بحرقة وبقلب ٍملتاع من القهر والألم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ ترجلت من سيارة الأجرة أمام الشركة،  أرتدت نظارتها الشمسية لتواري إنتفاخ جفنيها وإحمرار عينيها من الأرق والنوم الذي يجافيها منذ ليالي.

 

عبرت البوابة ثم وضعت إبهامها علي الجهاز الألكتروني لتسجيل مواعيد حضور وإنصراف الموظفين،  وما أن أنتهت أنتبهت إلي نداء تلك الفتاه التي تركض نحوها:

_ مروة، أي يابنتي مابترديش علي تليفونك ليه؟،  مستر علي قالب الدنيا علي الفايل بتاع مشروع جولدن سيتي الي أنتي شغاله عليه،  مش سيڤتيه وبعتيه له علي الإيميل ليه؟.

 

وبدون أن تجيب علي أسألتها أخرجت من حقيبتها ملف ورقي و دفعته في يد الأخري،  فأمسكته ونظرت في محتواه بصدمة:

_ أنتي لسه مخلصتهوش!، يا نهار مش فايت،  ده المفروض هيقدمه كمان نص ساعة لمندوب الشركة الفرنسية.

 

تحدثت بنبرة جافة بدون أي مشاعر:

_ ما يهمنيش وماليش فيه، وبعدين أنا جاية النهاردة عشان أقدم إستقالتي.

 

غرت الأخري فاهها بعد أن تفوهت بتعجب:

_ إستقالتك!.

 

تركتها مروة وذهبت إلي غرفة مكتبها لتأخذ كل ما يخصها من متعلقات، قامت بجمعهم داخل صندوق صغير.

 

_ مروة،  مستر علي عايزك في مكتبه بسرعة.

قالتها إحدي زميلاتها بعد أن دلفت وهي تلتقط أنفاسها.

زفرت بتأفف، فهي تبغض رؤيته بشدة،  لكن ماذا بيديها أن تفعل،  يجب أن تذهب إليه لتعطيه الملف وإستمارة إقالتها.

 

حملت الملف علي ساعدها وذهبت إليه، كادت تفتح الباب فأوقفتها السكرتيرة بتعجرف قائلة:

_ أستني هنا لما أدخل أبلغ مستر علي.

 

رفعت مروة إحدي حاجبيها وتفوهت ساخرة:

_ ده علي أساس إنه مش قالب عليا الشركة وباعت لي عشان عايزني!.

 

ردت الأخري بهدوء إستفزازي:

_ والله دي تعليمات مستر علي وأنا بنفذها.

قالتها ثم دلفت وأردفت:

_ عن أذنك.

دفعت الباب بقوة خلفها،  مما أثار حنقها وأخذت تسُب وتلعن تلك الحمقاء وأيضاً مَن يلقنها الأوامر.

 

خرجت بعد دقيقة تشير إليها للدخول:

_ أدخلي.

 

تمتمت بصوت خافت:

_ دخل عليكي عزرائيل وخد روحك يا بعيدة.

 

دلفت إلي الداخل فوجدته جالساً خلف مكتبه ويعمل علي حاسوبه الخاص مرتدياً نظارة،  ظلت تنظر له وبداخلها يصرخ بكلمات لوم وعتاب، تتذكر كل لحظة قد جمعتهما سوياً في الحزن والسعادة في الفرح والبكاء، كانت لاتريد سواه حتي كُشف لها عن وجهه القبيح. أفاقت من شرودها علي قوله لها بدون أن يرفع عينيه:

_ واقفة ليه عندك؟.

 

جلست وفي عينيها ألف سؤال، يديها ترتجف من هذا الصقيع الذي داهمها للتو، حيث تذكرت ذلك اليوم عندما كانت في منزله.

تشعر بكل همسة كان يلقي بها علي سمعها وبكل لمسه أغدق بها علي أنحاء جسدها، لينتهي الأمر بكارثة عليها تحمل نتائجها بمفردها كما أخبرها بكل أنانيه ودونيه.

 

تحمحمت حتي تتحدث بنبرة واهنة يبدو منها ضعفها:

_ أنا جيت النهاردة عشان أقدم إستقالتي.

وضعت الإستمارة فوق المكتب، ظل صامتاً ولم يبادلها قولاً سوي بعد دقائق، أغلق حاسوبه وخلع عويناته وألقاها أمامه علي المكتب غير مكترث، فأشار إليها نحو أذنه قائلاً بتهكم:

_ قولتي أي بقي من شوية؟.

 

تنهدت وأعتدلت في جلستها لتجيب بكبرياء محطم:

_ زي ما سمعت.

 

رفع زواية فمه بإبتسامة سخرية فسألها:

_ و ده من أي لا مؤاخذه؟.

 

رمقته بإزدراء فأجابت:

_ مزاجي كده.

 

تعالت ضحكاته التي تعجبت منها، وقال من بينها:

_ مزاجكك كده!، بقالي زمان مضحكتش والله، مش عارف أشكرك ولا أعملك أي.

 

أنتفخت أوداجها فأطلقت زفرة نارية من أعماقها:

_ ممكن تمضيلي علي الورقة عشان أخلص، وأتفضل الفايل أهو،  أبقي خلي حد يشتغل عليه.

 

ألتقطه من يدها ومازال يضحك حتي دمعت عيناه، وما أن فتح الملف ليري ماذا تقصد، فتوقف عن الضحك وتبدلت ملامحه تماماً علي النقيض.

ألقي بالملف فوق المكتب وبصياح قال:

_ نعم يا روح مامتك.

 

وقفت وأشارت له بتحذير:

_ لو سمحت ما أسمحلكش تكلمني بالأسلوب القذر ده، أنا مش واحدة من الأشكال إياهم  الي تعرفهم ولا زي ندي.

 

وبمجرد ذكر إسمها كأنها أضرمت النيران بداخله، في خلال ثوان نهض وكان أمامها قابضاً علي رسغها، فهدر من بين أسنانه:

_ إسمها ميجيش علي لسانك تاني يا و……

 

جذبت رسغها وأبتعدت لتتمكن من رد إهانته لها:

_ الو…… الي يجري ورا واحدة متجوزة ومخلفه قال أي عايز تنتقم منها، وأنت بمجرد تقف أدامها بتبقي زي العيل أبو رياله، ده أنت ناقص تبوس جذمتها عشان تخليها تطلق وترجعلك.

 

في خطوة واحدة أنقض عليها جاذباً وشاحها وبسبب قوته الجسدية التي تفوق جسدها أختل توازنها فوقعت لتصبح أسفل قدميه، أنحني نحوها قابضاً علي تلابيب كنزتها:

_ أنا و….. يا زباله يا بنت ال……، ده أنتي جيت لي الفيلا عشان يحصل الي حصل مابينا وتحطيني أدام الأمر الواقع عشان نتجوز.

 

وبكل ما أوتيت من قوة نهضت وركلته ما بين ساقيه:

_ أهو أنت الي…… وإبن ستين……

 

وقع علي أقرب كرسي له وأخذ يتلوي من الألم، يضم يديه لدي موضع الضربة، يتوعد لها ويسُبها.

وبخطي سريعة أخذت طلب إقالتها والملف الورقي و وقفت أمامه بتحدي:

_ الإستقاله مش عايزاها هاروح للفرع الرئيسي وهطلب نقلي في أي فرع تاني بعيد عن وشك.

قامت بتمزيق الورقة إلي فتات وألقتها نحوه، رفعت الملف لتمزقه إلي نصفين:

_ وبالنسبة لفايل المشروع أهو، وأبقي  إعتذر للمندوب بتاع الشركة الفرنسية و هات حد يشتغلك عليه من الأول.

 

أخذت حقيبة يدها وعلي وشك المغادرة وهو مازال في مكانه غير قادر علي النهوض وعلامات الألم والإمتعاض علي وجهه.

 

_ والله يا علي يا حسيني لو شتمتني أو مديت إيدك عليا تاني لهعملك عاهة مستديمه،  كفايه عليك الضربه الي خدتها وهتخليك لا تنفع ندي أو غيرها،  أتفو.

 

بصقت نحوه وذهبت علي الفور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ أستيقظ هذا الصغير لتوه، فنهض بجزعه وهو يحك عينيه، لفت إنتباهه ظل أسود علي الحائط رغماً من تسلل أشعة الشمس من خلال فتحات النافذة الخشبية إلي داخل الغرفة، تمعن النظر جيداً يحسب إنه ظل خزانة الثياب، لكن مهلاً الظل يتشكل علي هيئة إمرأة، حك عينيه مرة أخري وقلبه يخفق وجلاً مما يراه.

أغمض عينيه ويتمتم ببعض الآيات وأدعية التحصين ثم فتحهما ليجد الظل أصبح طيفاً ويقترب منه فأطلق صرخة:

_ ألحقوني.

 

خرجت قمر من المطبخ راكضة إليه، كما أستيقظ بكر من غفوته بفزع حيث كان نائماً في الغرفة المجاورة.

جذبت الصغير بين زراعيها وأخذت تربت عليه لتهدأته:

_ أهدي يا عمر ياحبيبي، هتلاجيك كنت بتحلم بكابوس.

 

أبتعد برأسه عن صدرها،  وأومأ بنفي:

_ لع يا قمر مكنش كابوس،  أني لساتي صاحي دلوق ويا دوب بفتح عيني لاجيت ضل أسود علي الحيطه الي هناك دي.

 

أشار إلي الحائط فألتفتت لتنظر إليها هي وبكر الذي قال:

_ يمكن ده ضل الدولاب وأنت تخيلته حاچه تانيه.

 

هز رأسه برفض وبإصرار وخوف قال:

_ لاء يا عم بكر، والله ما ضل واصل، ده حاچه شبه واحده ست وفچاءة بجت زي الطيف.

 

رمقت قمر بكر بنظرة تخبره بها إن الصغير علي حق، فكما أخبرته من قبل ذلك إنها رأت مثل هذا الطيف سابقاً ولم يصدقها وأخذ يسخر منها بمزاح.

 

ربت بكر علي رأس الصغير قائلاً:

_ عمر حبيبي الي أعرفه راچل ما يخافش من حاچة واصل، وبعدين مش أني معلمك لو حسيت بحاچة كيف إكده تقرأ آية الكرسي والأدعية؟.

 

نظر إليه بكل براءه و قال:

_ والله جولت لكن أول ما صرخت الطيف أختفي.

 

لاحظ بكر الخوف المنبلج في فيروزتيها وتحاول أن لا تظهره، وكذلك أيضاً الرعب البادي علي ملامح الصغير، فأراد أن يغير من تلك الأجواء، لذا أخبرهما:

_ سيبكو من السيرة دي ومتخافوش، ربنا هو الحافظ، وأنت ياعمر جوم خدلك دش وچهز حالك وأنتي كمان يا قمر لأچل هاخدكو فسحة زينة جوي.

 

أتسعت إبتسامة الصغير وقال بسعادة غمرت ملامحه التي كانت فزعه منذ قليل:

_ بچد ياعم بكر؟.

 

أومأ له بكر:

_ اه بچد يا حبيب عمو.

 

قفز الصغير من فوق الفراش وعانقه بقوة، وفجاءة صاحت قمر:

_ يا مُري صينية البطاطس زمانها أتحرجت.

 

ركضت إلي المطبخ وفتحت فرن الموقد وأخرجتها لتجدها بالفعل قد أحترقت.

_ يا خيبتك القويه يا قمر يالي كل يومين تحرجي الواكل، زمان بكر هيجول عليا ست بيت فاشلة.

 

_ جصدك ست بيت زي القمر، إسم علي مسمي، صدج الي سماكي قمر.

قالها بكر بعدما دلف للتو، فأستدارت إليه ويبدو عليها الحزن قليلاً:

_ قمرك حرجتلك الواكل وشكلنا هنجضيها چبنة وبطيخ كيف إمبارح.

 

ضحك وأقترب منها وأمسك يدها، فطبع قبلة حانيه في كفها الوردي:

_ أني لو كلت عيش حاف بس وأنتي معاي ده عندي الدنيا ومافيها يا جلب بكر.

 

توردت وجنتيها كالعادة من الخجل، فقالت:

_ ربنا مايحرمني منك واصل يا سي بكر.

 

حاوطها بين زراعيه مستنداً علي الحائط وبنبرة عاشقة تجعلها غارقة في بحور عشقه:

_ يا سي أي؟.

 

تعالت أنفاسها وصدرها يعلو ويهبط بتوتر بالغ من الخجل الذي يختلجها للتو ، فقالت بصوت يكاد يسمعه بصعوبه من فرط خجلها:

_ ياسي بكر.

 

يقترب بشفتيه نحو وجنتها الوردية:

_ أني إكده ربنا راضي عني.

 

همست وهي تتحاشي النظر في عينيه بصعوبة:

_ إشمعنا؟.

 

أجاب وأنفاسه تضرب وجنتها بسخونه قشعرت بدنها:

_ عشان ربنا رزقني بيكي، أنتي چنتي الي في الدنيا وبإذن الله هتكوني حوريتي في الآخره.

وكاد يُقبل وجنتها.

_ أني چاهز يا عم بكر.

قاطعه الصغير الذي أحس إنه قد جاء في وقت غير مناسب، فتراجع إلي الوراء مبتسماً ويغمز بإحدي عينيه إلي بكر الذي أخذ يضحك من مايفعله هذا الصغير.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ علي ضفاف النيل وصوت وردة الجزائرية ونسمات الهواء العليل،  يضع النادل أمام كل منهما كأس العصير،  شردت في الكأس لاتعلم ماتفعله هذا صواب أم مجاذفه و ربما هناك من سيدفع الثمن!.

_ سرحانة في أي؟.

 

تفوه بها الطبيب يحيي فأنتبهت إليه وأجابت:

_ ها؟،  مافيش.

 

تنهد وعاد بظهره إلي الوراء:

_ بصي يا فاطمة الي أنتي قولتيه من شويه ده أسمه ضعف وخوف وجُبن،  وأنا عمري ماكنت ضعيف ولا جبان، أنا هادخل بيتكو ومعايا أهلي زي ما أي واحد بيجي يطلب إيد أي واحده، لكن جو أقابل والدك بره وأطلبك للجواز منه ده مليش فيه، أنا مش عامل عمله ولا عليا تار.

 

أطبقت شفاها بحيره ثم قالت:

_ وأني خايفه عليك ليچرالك بسببي حاچة لاقدر الله.

 

أنحني للأمام و رمقها بقوة وإصرار :

_ يبقي يوريني هيعمل أي.

 

_ هعمل فيك كيف ما بيعملو في ضحية العيد.

قالها رافع الذي وصل للتو واقفاً خلفها،  فأنتفضت من فوق الكرسي لتلتفت إليه بذعر، بينما الآخر وقف يحدجه بتحدي،  وقال له بسخريه:

_ أهلاً يا رافع بيه،  ياتري جاي تقعد معانا ولا جاي تقابل حد!.

 

دك عصاه في الأرض كإشارة تحذيرية إليه، ليس في مقدرته أن يرتكب أي حماقة في هذا المكان المليئ بأفراد الأمن التابعين للشرطة.

أشتد ظلام عينيه الدامس،  ومد يده فتراجعت فاطمة خوفاً مما جعله ينظر إليها بشبه إبتسامة لم تصل إلي سوداويتيه الحالكة، جذب الكرسي المجاور لها وجلس بشموخ ممسكاً بعصاه بكلتا يديه، فقال بتهكم ونظرات خلفها براكين ثائره يندلع من فوهتها حمم لو أطلقها علي القابع أمامه ليرديه قتيلاً لا محالة:

_ تشرب أي يا دكتور ساجع ولا جهوة سادة؟.

 

أدرك يحيي ما وراء سؤاله،  فأراد أن يشعل ما بداخله ويجيب علي سؤاله الخفي:

_ عيب عليك يا رافع بيه،  المشاريب دي عليا وبالمناسبه الحلوة دي هطلب لينا حاجة ساقعة.

 

كانت تراقب الأجواء عن كثب وقلبها يخفق بشدة، تريد الفرار أو حدوث معجزة ما تنتشلها من هذا المأزق،  أبتلعت لعابها وقالت:

_ طيب عن أذنكو عقبال ما تطلبو المشاريب.

 

و كادت تنهض لكن يده التي قبضت علي فخذها من أسفل الطاولة منعتها من النهوض،  شهقت وأتسعت عينيها من فعلته، وبدون أن تلفت إنتباه يحيي حاولت أن تبعد يد الآخر، فباءت محاولتها بالفشل،  بل مال عليها وهمس حيث لايسمعه ثالثهما:

_ أترزعي مكانك إلا وقسماً بالله لايهمني لا أمن وحكومة وهطلع السلاح الي معاي وأفرغه طلجاته كلاتهم في دماغ البقف الي قدامك.

 

أزدردت ريقها مرة أخري فأومأت له بإذعان وهمست إليه بتوسل:

_ طيب ممكن تشيل يدك.

 

و في تلك اللحظة رآت في عينيه لمعة غريبة تصاحبها إبتسامة لم تستدل علي سببٍ لها.

 

_ آه.

تأوهت بعد أن قام رافع بقرصها  ثم نظرت إلي يحيي الذي شك في أمر مايحدث،  فأبتسمت بتصنع وقالت:

_ چيت أجوم رچلي أتخبطت في الكرسي.

 

نهض يحيي غير مكترث لتلك القنبلة الموقوتة بجواره فقال لها:

_ تعالي أوصلك.

 

هزت رأسها بنفي وهي تنظر إلي رافع تارة ثم إليه تارة أخري:

_ لاء ما خلاص مفيش داعي،  جصدي شكراً كلها دجايج و هاروح.

أتكأت علي حروف كلمتها الأخيره لكي يفهما إنها لاتريد إحدهما أن يذهب معها عند العودة إلي منزلها.

 

أشار يحيي إلي النادل وطلب لهما الثلاثة مياه غازية،  وبعد دقائق بعدد أنامل اليد الواحدة،  وضع النادل أمام كل منهم كأس شاغرة وبجوارها المشروب في إناءه المعدني المغلق.

 

بدأ رافع بتفريغ مشروبه في كأسه و برغم حديثه الموجه إلي يحيي لكن عينيه لاتحيد عن فاطمته التي تهز ساقها من التوتر وتقضم أظافرها.

_  مجولتليش يا دكتور هنفرحو بيك ميتي؟.

 

عقد يحيي ساعديه أمام صدره العريض وعاد بظهره إلي الخلف مستنداً علي ظهر الكرسي،  أرتسمت علي شفاه إبتسامة يعلم أن هذا الرافع لايمر الأمر بسلام ويريد إشعال معركة ضارية في الحال.

كان علي وشك أن يجيب عليه وكأنه يخبر صديقه وليس غريمه، لكنها رمقته بتوسل حتي لا يقول له إنه سيتقدم لخطبتها.

بينما يحيي أزداد إصرار وشجاعة،  فقرر مواجهة هذا الوغد الجالس أمامه، و كان رافع يحتسي من كأسه منتظراً إجابته:

_ إن شاء الله قريب أوي.

صمت ليفكر في تكملة إجابته لكن عبراتها التي تجمعت في عينيها للتو أوقفته، فسأله رافع مرة أخري عن قصد:

_ ومين ربة الصون والعفاف الي هاتتچوزها؟.

رفع الكأس إلي فمه ليرتشف القليل،  فأجاب عليه الآخر بإقتضاب:

_الآنسة  فاطمة.

 

دب الرعب في أوصالها،  فهي تقسم بداخلها إنها تسمع الآن صوت أنفاسه التي تشبه صوت غليان الماء والأبخرة المتصاعدة تخرج من أذنيه.

عم الصمت بينهم جميعاً حيث ينتظر يحيي ردة فعل الآخر الذي ظل في هدوء زائف،  وفاطمة المترقبة لأي كارثة علي وشك الحدوث.

وإذا برافع يملأ كأسه مرة أخري و رفعه إلي شفاه ، وإذ فجاءو يقذف محتواه في وجه الآخر الذي لم يتقبل تلك الإهانة،  جذبه من تلابيب جلبابه وصاح به:

_ أنت متخلف و…..

 

قبض علي يده وزمجر من بين أسنانه:

_ شيل يدك لأجطعهالك يا دكتور البهايم،  أحمد ربنا إنها چت علي رشك بالساجع، خابر لو كنا في النچع دلوق لكنت خليت الست الوالدة بتقرأ الفاتحة علي روحك.

 

_ مش هحاسبك علي كلامك الي بيدل علي مدي جهلك وغباءك، بس أحب أعرفك أنا مبتهددش ولا بخاف من حد، و فاطمة هتكون ليا.

 

صاح بها يحيي ليري في عينيه القاتمتين تتراقص شياطينه الآتيه من جحيم أعماقه،  فهو لم يكن يكذب بل سينفذ تهديده الصريح إذا لم يكف عن اللحاق بمعشوقته.

مد الآخر يده إلي طيات جلبابه عند صدره وكاد يخرج سلاحه.

نهضت فاطمة وصرخت فيهما:

_ وجف منك له وكفايه بجي لحد إكده،  أني خلاص ولا هاتچوز ولا بفكر في الچواز من الأساس،  والبركه فيكو والحمدلله،  واحد فاكر حاله خُط الصعيد يهدد ويجتل ولايهمه والتاني الي واخد حبوب الشچاعة و رايد ينجتل،  ربنا ياخدني ويريحني من وچع الدماغ دي.

 

أخذت حقيبتها من فوق الطاولة لتغادر، أمسك رافع برسغها وقال:

_ أستني أنا چا…..

قاطعته بسأم وبكاء جعله يريد قتل هذا اليحيي الواقف في صدمة لا يعلم بماذا سيتفوه:

_ معوزاش حد يچي معاي إلا وربي وما أعبد لأرمي حالي في النيل.

 

قالتها و ركضت تاركة كليهما،  والدموع أغرقت عينيها فكانت تركض حتي وصلت إلي خارج النادي،  سارت بجوار السياج تنعي حظها العثر، وقفت لتلتقط أنفاسها وتمسح عبراتها التي أغرقت وجنتيها، فأمتدت يد أخري بمحرمة لكنها ليست لتجفيف دموعها المنهمرة بل كانت لفقدان صاحبتها وعيها علي الفور، وقام هذا الشخص الملثم بحملها إلي داخل السيارة وأنطلق بها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ يمسك بقطع الثياب ويضعها بداخل كيس بلاستيكي وأعطاه لتلك السيدة فأخرجت من جذلانها النقود لتعطيها له،  أخذها وقام بتقبيل ورقات المال وبصوت منخفض قال:

_ الحمد والشكر ليك يارب.

 

وقف جواره جنيدي ليقول بسأم جلي:

_ واجفين من طلعة النهار و الشمس دلوق جربت تغرب ومبيعناش حاچة غير البيعة دي.

 

رد فارس بعد أن أرتشف قليل من الشاي:

_ جول الحمدلله أحسن مامفيش.

 

زفر الآخر بتأفف:

_ الحمدلله،  بس أني خلاص زهجت من وجفة الشارع الي مابجتش تچيب همها، عايزين نشوفو لنا حاچة أحسن وفلوسها أكتر.

 

رفع جانب فمه بسخرية وهو يرتب الثياب التي بعثرها الزبائن من معاينتها:

_ حاچة تانية كيف المهندس ولا محاسب،  ويا تري هتعطيهم بطاجتك بأنهي إسم ليك!  ، أحمد ربنا ده لو كنا حدانا في النچع كنا زمانا هربانين في الچبل ويا المطاريد.

 

أخذ من يده الكوب وتجرع ماتبقي من الشاي علي دفعة واحدة وقال:

_ صوح نسيت أجولك،  عم عربي أتصل عليا وبيجولي خد بالك أنت وصاحبك الحكومة عماله تدور علي المساچين الي هربو بعد الحادثة إياها.

شعر بإنقباضة في صدره عندما تذكر مصيبته، فبإمكانه أن يذهب الآن إلي أقرب مخفر للشرطة ويسلم نفسه لكن هذا الحل لن يجلب إليه حقه أو يظهر براءته، بينما وهو طليق و لو كانت حريته زائفة.

أنتشله من بؤرة أفكاره صوت عامل المقهي:

_ قاسم،  الحاج نعمان عايزك ضروري.

 

عاد إلي واقعه وأنتبه لما قاله الآخر،  عقد ما بين حاجبيه متضايقاً، فقال برفض:

_ قولو مش فاضي.

 

أقترب منه الآخر وقال:

_ أنا عارف إنك زعلان منه لما عرض عليك فلوس.

 

رمقه فارس متعجباً:

_ عرفت كيف؟.

 

حك ذقنه وأجاب:

_ بصراحة سمعت الحاج وبنته الآنسه شهد وهما بيتكلمو عنك، ده طلع مبسوط منك أوي، وعايز يشغلك معاه في المحل.

 

تدخل جنيدي قائلاً:

_ أنت متأكد ياض ياهيما.

 

أومأ له وأجاب:

_ والله زي ما بقولكو كده، ده يابخت الي يشتغل معاه، كفايه هاتقعد مع القمر الي عنده.

 

عض جنيدي علي شفته السفلي وقال:

_ جصدك علي حتة الملبن بنته!.

 

ضحك هيما وقال :

_ دي لو سمعتك هاتعمل منك أنت الي ملبن، محدش يقدر يجي جمبها ولايقرب منها، بنت بميت راجل.

 

جز علي شفته السفلي مرة أخري معقباً:

_ بس فرسه، ولا أي يا عم قاسم؟.

 

رمقه بضيق وقال:

_ مليش أني في حديتكو الماسخ ده.

 

رد الآخر:

_ طب خلينا في حديتنا الماسخ وروح أنت شوف الراچل رايدك في أي، يا عالم فعلاً هيشغلك وياه علي الأجل واحد فينا يرتاح من وجفة الشارع وقرفه.

 

كانت تقف خلف الزجاج تراقبه كالعادة وعندما رأته يقترب من المحل، أبتعدت وقلبها ينبض بقوة، رمقها والدها بنظرة تحذيرية وأشار إليها:

_ أدخلي المخزن وراجعي البضاعة الجديدة.

 

جزت علي أسنانها بحنق، تريد البقاء لتراه عن قرب لكن والدها يعلم مايدور في رأسها، زفرت بضيق و ولجت إلي المخزن.

و في ذات اللحظة دلف فارس وألقي التحية:

_ السلام عليكم يا حاچ نعمان.

 

رد الآخر علي تحيته وأشار له ليجلس:

_ تعالي اتفضل أقعد يا قاسم يابني.

 

جلس وبملامح متحفزه تحدث:

_ خير يا حاج.

 

أمسك سبحته بكلتا يديه متنهداً،فقال:

_ بص يا قاسم، أنا راجل دوغري ولا ليا في اللف ولا الدوران، يمكن تصرفي معاك المرة الي فاتت زعلك مني وخدتها علي محمل الإهانة.

 

_ بس يا….

 

قاطعه مُردفاً:

_ عارف هتقول أي، عشان كده بعتلك لحاجتين الأولي أعتذرلك علي أي سوء تفاهم والتانية أنا بعرض عليك تشتغل هنا في المحل.

 

تأكد فارس من حديث عامل المقهي، لكنه تذكر أمر هام يخشي من الآخر أن يطلبه منه، وإذا بنعمان قائلاً:

_ متقلقش هديك مرتب أحسن من الي بتكسبه من وقفتك في الشارع والبهدلة الي بتشوفها من الزباين والبلدية.

 

تقف خلف باب المخزن الذي تركته مفتوح قليلاً لتسترق السمع، تدعو الله بأن يوافق علي مطلب والدها.

وبالعودة إلي الحاج نعمان وفارس الذي فكر في الأمر ملياً وجده صعباً للغاية، كيف سيخبره إذا سأله عن أمر هويته وماذا سيفعل إذا علم بحقيقته!.

رد وبداخله يقع في حيرة من أمره:

_ الحكاية يا حاج إني ما ضامنش ظروفي عاد.

 

لم يعطه فرصة للرفض فقال:

_ أطمن يوم ماتحب تاخد أجازة وعايز تسافر في أي وقت لبلدك مش هامنعك بس تبقي بلغني من قبلها عشان أبقي عامل حسابي،  و صح بالنسبة لورقك وبطاقتك الي أتسرقو منك أنا هاتصرف وهطلعلك بديل ليهم، مش عايزك تقلق من أي حاجة.

 

رمقه فارس في صمت، لايعلم سر تلك الهالة المحيطة بهذا الرجل، ربما لأنه يشبه والده كثيراً في طباعه وأخلاقه الكريمة، تمني لو تقابل معه في ظروف أخري أفضل من ماهو عليه الآن.

 

_ ها قولت أي يا قاسم؟.

سأله نعمان وهو يرمقه واثقاً بعدم رفضه للعمل لديه، فأومأ له فارس بالإيجاب:

_ إن شاءالله يا حاج.

 

تنهدت من أعماقها وأخيراً، تحققت أول خطوة لتصبح معه حتي لو كان في مجال العمل فقط، فعقلها لم يكف عن التفكير به وقلبها يخفق بقوة كلما رأته عينيها التي تشبه عيون المها الشاردة.

 

مد نعمان يده إليه مصافحاً إياه:

_مبارك عليك شغلك الجديد.

 

حدجه بإبتسامة طفيفة:

_ الله يبارك فيك يا حاج.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ عايزة حاچة يا خالتي؟.

قالتها نوارة إلي خالتها التي تشاهد مسلسلها الهندي المفضل لديها، فأمسكت بجهاز التحكم الخاص بالتلفاز وأخفضت الصوت قليلاً:

_ رايحة فين يابتي دلوق؟.

 

حاولت التماسك وألا تظهر لها حزنها من أفعال إبنها حيالها:

_ رايحة أشجر علي أمي وأطمن عليها.

 

_ ماشي بس أوعاك تتأخري ما ناجصينش وچع دماغ من چوزك،  وأبجي سلميلي عليها وجوليلها الوليه أم إسماعيل عتجولك أبعتيلها فلوس الچمعية.

 

أجابت وهي تهندم من وشاحها وتمسك بمحفظة نقودها وهمت بالذهاب:

_ حاضر يا خالة،  متجلجيش،  سلام.

 

و بعد ما خرجت أخذت تبكي رغماً عنها،  فهي بحاجة ماسة إلي حضن والدتها،  تريد أن ترتمي بين زراعيها وتطلق لعبراتها العنان كما كانت تفعل وهي طفلة،  تحتاج إلي تربيت والدتها الحاني وكلماتها التي تهدأ من روعها وتجعل نفسها تستكين،  برغم من موقفها نحوها منذ الأحداث الأخيرة وشعورها بالخذلان نحوها حينما وقفت في صف من يظلمها ويقهر قلبها.

 

كادت تصدم في إحدهن،  فقالت تلك السيدة:

_ ما تحاسبي يا….

صمتت لتتحقق من ملامحها فصاحت بفرح وسعادة:

_ أنتي نوارة بنت خالتي سعاد؟.

 

جففت عبراتها ليمكنها رؤية من هذه السيدة،  فتذكرتها:

_ أنتي ماچدة بنت الحاچ مرسي الله يرحمه چارنا؟.

 

أومأت لها وبحبور وترحاب،  فتحت زراعيها إليها:

_ أيوه أني،  يا مرحب بالغالية بت الغالين.

 

عانقتها بقوة وربتت عليها كعادة النسوة عند السلام والترحاب،  فقالت نوارة:

_ تسلميلي يا حبيبتي،  أنتي رچعتي من أسوان ميتي؟.

 

جذبتها من يدها علي جانب الطريق وأجابت:

_ لساتني واصلة العصاري إكده، چيت لأچل خايت چوزي يا عيني لساتها محبلتش بجالها أكتر من تلات سنين وحماتها الله يحرجها عماله تسمم بدنها بحديت كيف الحنظل وأخرة المتمه هددتها لو محبلتش في خلال شهرين هاتچوز إبنها لبت خايتها،  شوف الوليه الجرشانه،  اللهي چوزها يچيب لها ضرة وتكون صبيه وزينة جوي ويجعدها حداهم في الدار لأچل تنجهر وتحس بالي بتسويه في البت الغلبانه.

 

أستمعت بحزن وآسي إلي قصة غيرها، فتمتمت بمثل شعبي شهير:

_ فعلاً صدج المثل الي عيجول الي بيشوف بلاوي الناس تهون علي بلوته،  ربنا يهدي لها حماتها.

 

ردت الأخري علي ذات الوتيرة:

_ جصدك يحمد ربه علي النعمة الي هو فيها مهما كان عنده من إبتلاءات،  إلا جوليلي يا نوارة كيفك وكيف چوزك وياكي؟.

 

لاتعلم حقاً ماهي الإجابة،  هل تخبرها إنها تزوجت من رجل  وغد ذو قلب أقسي من الصخر!، أم تخبرها بزوجها الذي يعانقها وفي مخيلته أخري غيرها!، وبدلاً من ذا وذاك يأتي بكل جرأه وحماقة يقول لها إنه سيتزوج!.

 

_ نوارة،  نوارة،  شاردتي في أي عاد؟.

سألتها فأجابت الأخري بعدما أنتبهت إلي ندائها:

_ كنت بفتكر حاچة إكده، وصحيح قبل ما أنسي أبقو خدي أخت چوزك و وديها لراچل كله بركة إسمه الشيخ برهومه أو حاچة كيف إكده مفكراش جوي.

 

رددت ماجده الإسم فصاحت بتذكر قوي:

_ إياك تجولي الي موچود في البر التاني وفي بيت جديم وفي حته مجطوعه؟.

 

أنتابتها قشعريرة عند رؤية تعابير وجه الأخري التي تنبأها بأن هناك كارثة ستعقب إجابتها:

_ أيوه هو،  كيف عرفتي؟.

 

شهقت بصدمة وقالت:

_ أنتي مخبراشي الي حوصل؟،  الأسبوع الي فات جبضت عليه الحكومة بعد ما أتفضح علي يد صحفية كشفت عمايله الشين الهباب.

 

خفق قلبها بوجل لينذرها بطامة كبري قد لحقت بها،  فسألتها بتردد:

_ عمايله شين كيف؟.

 

تلفتت يميناً ويساراً ثم أجابت وهي تلطم صدغها بخفة:

_ يالهوي الي سواه لا ينحكي ولا يتجال واصل وربنا يستر علي ولايانا،  أدي أخرة الچهل وقلة الإيمان بالله.

 

أزدردت ريقها وقالت بنفاذ صبر:

_ ما تخلصي وجولي هبب أي؟.

 

_ ولد الحرام عيضحك علي النسواين الي بجالهم ياما في الچواز و ما حبلوشي، بيعطيهم منديل يجولو فيه شوية كلمات قال أي دي دعوات للأسياد، أتاري حاطط في المنديل مخدر لأچل ينيمها ويعتدي عليها وهي كيف القتيلة قدامه، طبعاً الهبلة الي تحمل منهم تفتكر چوزها هو الي حبلها،  ربنا يستر علي ولايانا.

 

أتسعت عينيها وهي تستمع لما ذُكر للتو، فداهمها الشعور بالغثيان المفاجئ، أبتعدت قليلاً لتفرغ ما بجوفها،  ذهبت خلفها لتطمأن عليها:

_ مالك يانوارة،  أنتي زينه؟  .

 

أومأت لها بالإيجاب وتركتها وذهبت بخطي أقرب للركض رغم من حالة الوهن التي بها،  بدون أن تنتبه لصاحب تلك الأذن الكبيرة الذي كان يسترق السمع و ذهب خلفها كما أمره رب عمله،  وهذا بعد ما أقترفته في منزل عمته.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.

تفوه بها المأذون فتعالت الزغاريد والمباركات وعبارات التهنئة مابين المدعوين من الأقارب والجيران والمعارف.

أطلقت زوجة أبيها زغرودة صاخبة أقرب إلي الصراخ وتلقي بالحلوي علي الحاضرين،  وقبل إنتهاء ما لديها قامت بإلقاء ماتبقي في الهواء ليلتقطه الصغار في سعادة.

ثم أقتربت من العروس التي تشبه البدر في ليلة تمامه،  عانقتها بقوة:

_ ألف مبروك يا سمية ياحبيبتي.

 

رفعت جانب فمها بإبتسامة هاكمة وقالت من بين أسنانها:

_ الله يبارك فيكي يا مرات أبوي.

فأردفت بصوت لايسمعه سوي الواقف جوارها بدون أن تنتبه إليه:

_ الله ياخدك ويحدفك في نار چهنم ومتلاجيش ونس غير أبو لهب وفرعون وأستاذك وقدوتك أبليس.

 

أنحني نحو أذنها وقال بصوت أيضاً لايسمعه أحداً سواها ساخراً:

_ شكلك بتحبيها أوي!.

 

أدركت سخريته فقالت:

_ أصلها چت عليا كتير جوي وأنا الي بيچي عليا مببطلش دعاء عليه بس مش بالموت،  بالعذاب،  الموت رحمة ميستحجهاش الي كيف مرات أبوي والتاني سليخ الزفت.

 

عقد مابين حاجبيه وملامحه يعلوها الإندهاش:

_ سليخ!.

 

أجابت والإبتسامة تصل لأذنيها الأثنتين:

_ جصدي سليم البيه بتاعك،  اللهي يهفه قطر ويفرمه تحتيه لأچل يبجي تجطيع وسلخ وفرم.

 

رفع كلا حاجبيه بنظرة معاتبة قائلاً:

_ حرام عليكي،  ده المفروض أروح أشكره لأنه السبب في إني أعرفك.

 

أستدارت إليه بكامل جسدها:

_ يعني أنت فرحان ومبسوط لما عرفتني؟.

 

سألها بمكر وإلتفاف:

_ أنتي شايفه أي؟.

 

ضيقت عينيها بمكر مماثل مثله،فأجابت:

_ مشيفاش حاچة واصل.

 

رفع إحدي حاجبيه:

_بقي كده؟.

 

حدجته بإبتسامة خبيثة وقالت:

_ أيوه إكده، ولو مش عاچبك إحنا لسه فيها دلوق قبل ما المأذون مايمشي.

 

حاوط خصرها بزراعه وضغط بيده قليلاً مما جعل وجنتيها تتوهج إحمراراً من الخجل المفرط، وأقترب من سمعها وهمس بتوعد:

_ نتلم أنا وأنتي في أوضة واحدة ويتقفل علينا الباب وأنا هوريكي الي مش شيفاه ده كويس أوي.

 

شهقت بصدمة وهمست إليه:

_ أه يا سافل يا جليل الحياء.

 

ضغط علي خصرها أكثر وقال بعد أن أدرك سوء الظن لديها:

_ أنا قصدي أوريكي بحبك أد أي يا أم نية شمال.

 

أطبقت علي شفتيها بخجل شديد وإن رأت والدها قادم نحوهما ركضت نحوه وعانقته، فربت عليها وقال لها:

_ ألف مبروك يابتي ربنا يسعدكم ويهنيكم ويبعد عنكم شر العين والحسد.

 

_ الله لا يحرمنا منك يا أبوي ويخليك لينا يارب.

 

أبتعد عن معانقة إبنته فأمسك بيد الذي أصبح زوجها و وضعهما بين كفيه:

_ وأنت يا ولدي أني مش رايد منك غير حاچة واحدة بس، وهي تحط بتي في عينيك وتراعي ربنا فيها.

 

أومأ صلاح ثم رمق سمية بحب وسعادة قائلاً:

_ متقلقش يا عمي، سمية في قلبي قبل عيوني.

 

ربت والدها علي كتفه:

_ ربنا يباركلك فيها ويباركلها فيك.

 

_ ألف مبروك يا عريس.

قالها رافع الذي حضر للتو، فتبدلت ملامح سمية من الفرح والسعادة إلي التجهم والضيق، رمقته بإزدراء وقالت لزوجها:

_ أني هاروح أجعد ويا الحريم.

قالتها وذهبت وذهب والدها أيضاً فهو يبغضه منذ أن دلف إليه منزلهم عندما كان يبحث عن زينب، و وجه إليه أفظع الألفاظ والسباب وقام بتعنيفه و دفعه كالحشرة علي الأرض بدون رحمة.

فقال رافع وهو يضغط علي فكه بحنق متجاهلاً عدم ترحاب سمية و والدها له:

_ بس أي المفاچاءة دي يا متر، لما جالو لي المتر صلاح بيكتب كتابه علي سمية ما صدجتش غير لما چيت وشوفت بعيني، وبعتب عليك لأنك معازمتنيش .

 

إبتسم الآخر بتكلف وقال:

_ والله كل حاجه جت بسرعة والمفروض نرجع القاهرة عشان فيه شغل كتير ورايا متأخر.

 

مسح بإبهامه علي ذقنه وقال:

_ ماشي هعديهالك يا أبو صلاح،و ربنا يتتم بخير، إلا صوح سليم بيه وجت ما سافر هو وخايتي جافل المحمول وما عرفش نطمنو عليكم.

 

رفع الآخر كتفيه و زمت شفتيه لأسفل ثم أجاب:

_ والله علمي علمك،  بس هو لما بيسافر ديماً بيقفل موبايله ومبعرفش أتواصل معاه غير من علي النت.

 

ردد رافع بإبتسامة هاكمة:

_ النت!، طيب لو كلمته أبجي جوله متنساش إن لمارتك أهل رايدين يطمنو عليها.

 

بادله صلاح بذات الإبتسامة،  يهز رأسه قائلاً:

_ حاضر،  هقوله.

 

وبعد إنتهاء هذا الحفل وعاد الجميع إلي منزلهم، وما زال صلاح يمكث في منزل أهل عروسه، يتمدد علي السرير لكن بدون أن يشعر بالراحة،  فهو بغرفة و معشوقة فؤاده في غرفة أخري،  يفصل بينهما جدار واحد يريد أن يحطمه ويأخذها بين أحضانه الدافئة.

ظل يتقلب يميناً ويساراً حتي آذان الفجر الذي دوي في أرجاء النجع،  أمسك هاتفه ليحدثها قليلاً لعل صوتها الحاني يجعله ينام بطمأنينه.

أجابت بصوت يتخلله النعاس:

_ أيوه يا صلاح فيه حاچة؟.

 

تنهد وأجاب بنبرة بشوق وهيام:

_ اه، مش عارف أنام وأنتي بعيده عني.

 

تثائبت ولا تدري إنها تتحدث إليه:

_ شد الستاره واجفل النور وأنت هتنام.

 

عقد مابين حاجبيه وقال:

_ ستارة أي الي أشدها!، ماتصحصحي كده وكلميني، بقولك مش جايلي نوم وأنتي بعيده عني، ينفع أجي لك وتاخديني جمبك يمكن أنام؟.

 

بدأت تفيق قليلاً فقالت:

_ أبجي أعملها عشان بدل ما تنام چاري، يچي  أبوي ينيمك چار چدي في القبر.

 

_ ده علي أساس إنك مش مراتي!.

تفوه بها بضيق وتعجب، فأجابت بسخرية :

_ ما أنت خابر الأصول  زين يا حضرة الأڤوكاتو.

 

زفر بتأفف وسأم:

_ أمري لله، خلاص قومي وفوقي كده عشان عايز أتكلم معاكي شويه، أصل بصراحة مش مصدق نفسي إنك بقيتي مراتي.

 

تثائبت مرة أخري وقالت:

_ وأني كمان.

 

بدأ يشعر بالضجر نحو إجاباتها المقتضبة والخالية من المشاعر:

_ طب أنا بحبك.

 

أجابت بآلية:

_ وأني كمان.

 

سرعان ما أبتسم بمكر من حالة اللاوعي التي بها الآن ، فقام بالضغط علي علامة تسجيل المكالمة  و قال:

_أنا عايز أخدك في حضني وأقطع شفايفك الحلوين دول.

 

_ وأني كمان.

أجابت ولا تدري ماذا يقول لها، أتسعت إبتسامته أكثر  ليكمل لعبته الماكرة:

_ طب أنا مش هاكتفي بأحضان وبوس، ممكن أزود حاجات كتير أوي.

 

تمتمت بصوت خافت أثر سيطرة النوم عليها:

_ وأني كمان.

 

أبعد هاتفه قليلاً وأخذ يضحك ثم عاد ليحدثها:

_ يعني موافقة نلعب مع بعض عريس و عروسة؟.

 

آتته همهمه منها بالموافقة غير مدركة ماذا يسألها، وغطت في نوم عميق وصوت أنفاسها قد وصل إليه عبر الهاتف.

_ سمسمه، أنتي معايا؟، شكلك سافرتي في النوم، تصبحي على خير يا حبيبتي.

 

أغلق المكالمة، و ضغط علي ملف التسجيلات فقام بإرسال التسجيل إليها عبر تطبيق الدردشة الشهير وأسفله ملصق يضحك ويخرج لها لسانه.

 

وبعد مرور ساعات قليلة أستيقظت من نومها، فتذكرت أن عليها النهوض لتجهيز نفسها للذهاب إلي مركز التجميل.

سحبت هاتفها من فوق الكمود فوجدت رسالة واردة وبجوارها إشعار التطبيق، تمددت بأريحيه علي السرير.

_ لما نشوف باعتلي أي.

ضغطت فسمعت المكالمة، أنتفضت من فوق سريرها:

_ ليلة أبوك زرجا كيف عيونك يا صلاح!.

#الفصل_الرابع_والعشرون

#فارس_بلا_مأوي

#ولاء_رفعت_علي

 

_ فتحت عينيها رويداً بعد أن أيقظها أصوات الطيور والأبقار الآتيه من الغرفة المجاورة،  وما أن بدأت تتحرك بوئد تألمت حيث يديها مكبلتين بحبل متين وطرفه الآخر معقوداً في حلقة معدنية مثبته في حوض الماء التي ترتوي منها البهائم.

أتسعت عينيها بفزع فصرخت بإستغاثة:

_ ألحجوني،  ألحجوني.

 

أندفع باب الحظيرة و ولج إليها هذا الملثم يهدر بصوتٍ غليظ:

_ لو جعدتي تصرخي لسنة قدام محدش هايسمعك واصل.

 

رمقته بخوف إثر مظهره وصوته الذي أرعبها:

_ أنت رايد مني أي عاد؟.

 

أزاح لثامه ليظهر لها ملامحه بوضوح ولم تتعرف عليه بعد،  أجاب بحدية مكنونها الإنتقام:

_ السؤال ده تسأليه لأخوكي الو….  .

 

عقدت حاجبيها بإستفهام:

_ أني مافهماش جصدك.

 

بخطي دبت الرعب بداخلها أقترب منها حتي أصبح أمامها  ثم جلس في وضع القرفصاء، أبتعدت شفتيه ليجيب عليها:

_ زكريا ضحك علي ورد خايتي بعد ما وعدها بالچواز  ولما بجت حبلي أتهرب منها.

 

جحظت عينيها من ما يتفوه به عن شقيقها،  تعلم مدي فساد أخلاقه لكنها لم تتوقع أن يصل إنحرافه إلي حد الزنا والفجور،  ولما لايفعل هذا، فهو علي شاكلة صديقه وإبن خاله الذي تعلم كل ماهو سيئ علي يديه.

أزدردت لعابها ثم سألته:

_ وأفترضنا الي جولته صح أني ذنبي أي؟.

 

أحتقن وجهه بالدماء كدليل علي غضبه العارم،  صاح بها:

_ ورد راحت لأخوكي بجالها أيام ولساتها مارچعتش لحد دلوق، ملهاش أثر في أي مطرح،  حتي أخوكي من وجت ماهي أختفت هو كمان أختفي، تجدري تجوليلي ده معناته أي!.

 

أدركت الآن سبب إختطافه لها، فقالت:

_ طيب لو الحكاية إكده، أحسن لك تبلغ الحكومة، خطفي مش هيرچعلك خايتك.

 

وبعد حديثها أخبرها صوت نابع من داخلها أن القادم أسوأ، وهذا ما أكده لها الآخر:

_ حكومة!، شيفاني مركب قرون لأچل أروح ليهم وأجولهم مصيبة خايتي!.

أطلق زفرة عميقة ليردف حديثه:

_خابره، أني إكده ولا إكده ناوي أجتلها وأخلص من عارها لكن مش قبل ما أخلص علي الو….. أخوكي وجبلها هسوي فيكي كيف ما سوي فيها وقدام عينيه، وإكده نبجو خالصين.

 

أتسعت عينيها غير مصدقة ما سمعته، يريد قتل شقيقها وقبل ذلك يعتدي عليها!،صاحت بتهديد منبلج:

_ أنت أتچننت إياك، خابر عيلتي يبجو مين؟.

 

أجاب بسخرية وملامح هاكمة:

_ أيوه خابر يا بت الشيخ واصف وأخوكي التاني الشيخ بكر وخالك خميس الي مترشح إنه يبجي عمدة النچع و ولده رافع القناوي صاحب مصنع ومخازن الخردة، ولا يهمني كل ده، أني كل الي رايدو أعرف خايتي فينها سواء عايشة ولا ميته وأجتل أخوكي وجبلها هاعرفه كيف يضحك علي بنات الناس جوي.

 

خفق قلبها بخوف يبدو حديثه خالياً من التهديد بل هو وعيد، فقالت بتهديد مماثل لعله يتراجع عما سيفعله:

_ و رافع إبن خالي زمانه هيعرف إني ما رچعتش دارنا وهيجلب الدنيا عليها واطيها، ولو وصلك أقل حاچة هيسويها إنه يجتلك.

 

أخرج من جيبه إسطوانة شريط لاصق وهم بالإقتراب منها قائلاً:

_ و عقبال ما يوصلي هكون نفذت  الي جولتلك عليه.

وكمم فاهها بقطعة من الشريط.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ وبالعودة إلي النجع في منزل والد سمية، تجول غرفتها ذهاباً وإياباً وهي تستمع مراراً وتكراراً  إلي هذا التسجيل الذي أرسله إليها وقرأته عندما أستيقظت لتوها، تستشيط غيظاً:

_ إما فرچتك كيف تسوي معاي إكده، مبجاش أني سمية.

 

وضعت هاتفها في جيب عبائتها ثم تناولت وشاح ودثرت به رأسها لتذهب إليه، وما أن وصلت أمام الغرفة التي يمكث بها وجدت الباب موارباً، أختلست النظر إلي الداخل فلم تجد له أثراً، ألقت نظرة من حولها لتطمأن من عدم رؤية إحدهم لدخولها إلي غرفته خاصة زوجة والدها اللعينة.

وضعت يدها علي مقبض الباب بتأني وبدأت تخطو إلي الداخل باحثه عنه.

_ علي فكرة كنت مستنيكي.

 

أفزعها صوته الذي فاجائها من الخلف، أنتفضت ذعراً مرددة:

_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

 

وضعت يدها علي صدرها تلتقط أنفاسها إثر فزعتها، رفع جانب فمه بإبتسامة لعوب وبتهكم مازح قال:

_ شوفتي شيطان ولا أي؟.

 

عادت إلي طبيعتها المعهودة، لم تتمالك غضبها وحنقها من فعلته، ضيقت عينيها مقتربة منه:

_ لاء وأنت الصادج، شوفت أستاذ ورئيس قسم الي بيتعلم عنده الشيطان.

 

ضحك رغماً عنه فأزداد غضبها، لكمته في صدره العاري ولم تلاحظ هذا عندما تأوه بزيفٍ:

_ آه ياقلبي.

 

شهقت عندما وقعت عينيها عليه حيث لايرتدي سوي بنطال وجذعه عارياً، وضعت علي الفور كفيها علي عينيها وأبتعدت إلي الوراء قليلاً:

_ واه، عيب الي أنت عتسويه دي، كيف جالع خلچاتك من فوج و واجف قدامي إكده!.

 

خطي نحوها عدة خطوات ليدنو منها بهمس ماكر:

_ أنا كده بالنسبة لي لابس وبعدين لازم تتعودي، عشان أنا مابقعدش غير كده علي طول.

إبتسامة خبيثة جلت علي ثغره ليردف:

_ عريان.

 

أخفضت كفيها وفتحت عينيها لتجده أمامها مباشرة، فكادت تنهره، أوقفها صوت زوجة أبيها منادية:

_سمية، يا سمية.

 

لطمت وجنتها بخوف:

_ يا مُري.

وركضت نحو الباب لتوصده قبل أن تراها الأخري برفقته داخل الغرفة وبهذا المظهر الذي عليه.

كادت تستدير فأصتدمت به لتجده يحاوطها بجسده، وبذلك أصبحت محاصرة بينه وبين الباب الموصد، أتسعت عينيها وبتحذير همست له حتي لاتسمعها من بالخارج:

_ بَعد عني أحسن لك إلا وق….

 

قاطعها بدفعها بجسده هامساً أيضاً بأنفاسه علي وجنتها المكتنزه:

_ متقدريش تعملي حاجة، عارفة ليه؟.

 

أزدردت لعابها وبداخل عقلها تفوهت:

_ والله أنت غلبان ده أنا ماسكة نفسي عنك بالعافيه، كفايه عيونك الزرجا الي هتخليني أسوي فيك كيف حمدي الوزير ما سوي في ليلي علوي في فيلم المغتصبون.

 

أجابت علي سؤاله بسخرية وهمسٍ متهكم:

_ وچايب منين الثقة دي يا حضرة الأڤوكاتو!.

 

مسح بطرف لسانه علي شفاه السفلي تبعها بإبتسامة ماكرة، فأتبعت حديث نفسها:

_ لاء  أبوس يدك بلاش ضحكتك دي.

 

رفع يده نحو وجنتها الملساء ليتلمسها بأطراف أنامله وكأنه يعزف علي أوتار القيثارة:

_ هقولك جايبها منين بالليل، ولا تحبي أقولك دلوقتي؟.

 

أزدردت ريقها للمرة المائة، فرفعت كفيها لتدفعه بخفة في صدره، لكنه لم يتزحزح من أمامها قيد أنملة:

_ لا تجولي ولا أجولك، وأوعي إكده، وروح أستر حالك بأي حاچه بجي.

 

حك ذقنه وهو يبتسم كثعلب ماكر:

_ ليه يا سمسمتي، ده حتي كلها ساعات وهاتشوفيني كده.

وأشار إلي جذعه العاري، أطلقت زفرة حارة من أعماق جوفها:

_ الصبر من عندك يارب.

همست بها بصوت غير مسموع، فأكملت بصوت خافت لايسمعه سواه:

_ أتحشم يا صلاح أحسن لك، بكفياك الريكورد الي بعتهولي والمقلب الي سويته فيا عاد.

 

فتح فاهه ليطلق ضحكة عالية، فلحقت به كممت فاهه بكفها،ولم تلحق بتحذيره حيث دوت طرقات علي الباب من الخارج، فأجاب صلاح بعدما تحمحم ودون أن يفتح:

_ مين؟.

 

أجاب الطارق:

_ أفتح يا ولدي، أني عمك عبدالحق، رايد أتحدت وياك في كلمتين.

 

تحمحم الآخر مرة أخري وقال بصوت مرتفع:

_ حاضر يا عمي ثواني هاغير هدومي وطالع لك.

 

وفي ذات الوقت تقف متسمرة في مكانها وترتجف خوفاً من إكتشاف إبيها بوجودها في الغرفة التي يمكث بها الآخر، فهذا منافي للعادات والتقاليد والأصول المتعارف عليها رغماً من إنها قد أصبحت زوجته في الأوراق الرسمية.

 

دنا بالقرب من أذنها وبهمس أقشعر له بدنها:

_ أول ما أطلع له هاخده علي أوضة الضيوف وأنتي أرجعي أوضتك قبل ما حد يشوفك،تمام؟.

 

أومأت له في صمت، فظل يحدق بزرقاويتيه في عينيها التائهة في بحور خاصتيه.

وبالفعل قام بإرتداء قميص قطني ومشط خصلاته علي عجالة وقبل أن يذهب أقترب منها وهي مازالت في مكانها تنظر له بشرود، أستغل حالتها ليختطف قبلة طفيفة من ثغرها المكتنز:

_ بحبك يا سمسمتي.

قالها و غادر سريعاً فشهقت بخجل ثم أستدارت نحو إثره وقالت:

_ وأني بعشجك يا صلوحتي.

قالتها وذهبت نحو الباب لتشرأب بعنقها وتراقب الطريق فوجدته خالياً هكذا كانت تحسب، غادرت علي الفور دون أن تلاحظ زوجة والدها التي تراقبها منذ دلوفها إلي الغرفة وحتي مغادرتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تحمل سعاد صينية الطعام و وضعتها أعلي المنضدة، فألتفتت باحثة بعينيها عن إبنتها:

_ هي راحت فين البت دي؟.

 

خرجت نوارة من غرفتها مرتدية عبائتها وتمسك بوشاحها الأسود لترتديه.

 

_ واه!، رايحة علي فين إكده قبل ما تفطري؟.

سألتها والدتها لتجيب الأخري وهي ترتدي الوشاح أمام المرآه المعلقة علي الحائط في مدخل الردهة:

_ معاوده علي دارنا،  خالتي أتصلت عليا وجالتلي أرچع قبل ما رافع يرچع ومايلاجنيش.

 

رفعت حاجبيها بدهشة:

_ هو أنتي بايته عندي من ليلة إمبارح من غير علم چوزك يا نوارة!.

 

زفرت بتأفف وأستدارت إليها:

_ أيوه يا أماه، لأن البيه بجاله يومين بره الدار وماعرفش عنه حاچة واصل،  وأتصل عليه ألاجي محموله مجفول،  ومتجلجيش أني أستأذنت خالتي قبل ما أمشي.

 

تنهدت بسأم لا تملك شيئاً لإسعاد إبنتها:

_ معلشي يابتي،  كل الي أجدر أجوله لك أتحملي لحد ماربك يجومك بالسلامة،  يمكن العيل الي في بطنك يچي للدنيا يغير الأمور بيناتك أنتي وچوزك وتبجي للأحسن.

 

وبمجرد أن ذكرت والدتها أمر جنينها أتسعت عينيها كمن لدغها عقرب، تحدق في الفراغ كالتائهة أو المجذوبة.

_ الي في بطني!  .

 

أقتربت منها والدتها والدهشة تكسو ملامحها،  فسألتها بحذر:

_ مالك يابت؟، واجفة متنحه إكده ليه عاد؟.

 

لم تجب الأخري فحديث إبنة جارتهم التي قابلتها ليلة أمس ما زال يدور في خلدها، ومنذ دخولها منزل والدتها لم تكن قادرة علي التحدث في هذا الأمر وتهربت بالنوم.

 

أمسكتها سعاد من رسغها لتهزها:

_ انطجي يا أخرة صبري،  أوعاك يابت بتفكري تسوي حاچة إكده ولا إكده،  أنتي لما چيتي إمبارح ولاجيتك مجدراش تتحدتي هملتك ترتاحي وجولت لحالي الصباح رباح ياسعاد هي هتيچي تحكيلك لحالها.

 

سرعان ما تجمعت الدموع في عينيها الحمرواتين،  لم تذق النوم طوال الليل بل كانت في عالم آخر،  آلاف السناريوهات تتخيلها لو علم زوجها بسر حملها،  أفاقت علي قبضة والدتها فنظرت إليها وأطلقت لعبراتها العنان، وصوت نحيبها يعلو.

 

فزعت الأخري من بكاء إبنتها والخوف والقلق يسيطر عليها:

_ في أي يا نوارة؟، ما تخلعيش جلبي عليكي يابتي وريحيني،  جوليلي اي الي حوصل وياكي؟.

 

سحبت يدها وجلست علي أقرب كرسي لها لتجيب من بين بكائها:

_ الي في بطني مش ولد رافع.

 

تسمرت سعاد أمامها وأنتصب شعر رأسها من هولما ذكرته إبنتها للتو،  أبتلعت ريقها في إستيعاب تفسير ما سمعته.

 

_ عتجولي أي يا بت بطني،  خابره الي عتجولي زين؟.

 

لم تجب لتجهش في البكاء مرة أخري،  فاض الكيل بالأخري ونفذ صبرها لتنقض عليها وأخذت تعنفها وتصيح بها:

_ ساكته ليه!  ، أنطجي يا بت ال……

 

نهضت بإنتفاضة مبتعده عن والدتها لتصرخ بتلك الكلمات:

_ كيف ما سمعتي إكده،  الي في بطني مش ولد رافع،  ده يبجي ولد الراچل النصاب الي خدتيني له لأچل يديني من بركاته وأحمل،  أتاريه نومني بمخدر و سوي عملته ونتيچتها بجيت حبلي.

 

أنقضت عليها والدتها مرة أخري قابضة علي وشاحها الذي كاد يخنقها:

_ عتجولي أي يا بت ال….،  مين الي ولد مين،  شكلك أتچننتي إياك.

 

تخلصت من قبضة والدتها بصعوبة،  لتلتقط أنفاسها وقالت بصوت متهدج:

_ وأني چيالك عشية إمبارح جابلت ماچدة بت الحاچ مرسي الله يرحمه،  كنا بنتحدتو والحديت چاب بعضه،  جالتلي…

 

ألتقطت أنفاسها بشهيق وأردفت:

_ جالتلي إنهم جبضو علي الشيخ برهوم السبوع الي فات،  كشفته بت صحفية،  فاكره لما جالك أطلعي بره وهملتيني وياه لوحدينا عطاني منديل وجالي أدعي فيه، أتاري المنديل حاطط لي فيه مخدر لأچل يسوي عملته لو صابت معاه وحبلت يبجي إكده عالچني ولو خابت يبجي برضو مستفيد إنه طلع بمصلحة الو…..  الواطي.

 

كانت الأخري تستمع لها وحمم بركانية تتدفق في كل خلاياها، الدم يفور في رأسها كفوران التنور، أخذت تلطم صدغيها بنواح وعويل :

_ يالهوي، ياخرابي، يا مصيبتك الواعرة ياسعاد،

يا مُري لو طلع حديتك صوح، يبحي ولدك إبن حرام!.

 

وفي ذات الوقت كان في الخارج يقف هذا الدبيكي وكاد يطرق الباب فأوقفه صياح نوارة بالداخل والذي وصل لأذنه بقوة:

_ وأنتي خابره لو رافع عرف إن الي في بطني مش ولده هو هيسوي فيا أي عاد؟.

 

وثبت سعاد نحوها لتكمم فاه الأخري تحذرها:

_ إكتمي، إكتمي وأكفي علي الخبر ماچور، وإياكي تتحدتي ولو بحرف مع أي مخلوق، دي هيبجي فيها موتك لو چوزك عرف.

 

حاولت منع نفسها من البكاء وتجفيف وجنتيها بكفيها، ونهضت قائلة:

_ أنتي السبب يا أماه، الله يسامحك، ياما جولتلك أني ماريداشي أروح لمشايخ ولا زفت وخليها علي الله هو الي بيرزق.

 

أقتربت منها وربتت عليها بمواساه:

_ حجك عليا يابتي، كنت رايده أساعدك وخوفت ليجهرك ويتچوز عليكي، وعلي يدوك روحنا لكذا حكيم وكلاتهم جاله ليكي معندكيش أي حاچة واصل وممكن تحبلي في أي وجت، وأستنينا سنة ورا التانية، جولت مابدهاش يمكن حد ماسوي لكم عمل بأنكم ماتحبليش.

 

أنفجرت الأخري بغضب كامن:

_ عمل أي و زفت أي، أديني مشيت وراكي وآخرتها وجعت في مصيبة ما عرفاش هتخلص علي أيه.

 

وقف دبيكي بالخارج في حالة ذهول ليقول في نفسه:

_ يا وجعه مربربه، ده رافع بيه لو عرف الي سمعته دي هيجلب الدنيا وما يصحش برضك إنه يبجي علي عماه ويربي عيل مش ولده، وبعدين يا دبيكي!.

وبالعودة إلي الداخل، أمسكت بحقيبتها و عزمت علي الذهاب،فأوقفتها والدتها:

_ طب أجعدي وكولي لك لقمه.

 

رمقتها نوارة بغضب وكادت تفتح الباب:

_ سلام.

 

ركضت نحوها لتحذرها:

_ إياك يا نوارة تحكي مع حد الي حوصل.

 

حدجتها بإمتعاض وقالت:

_ ماتجلجيش يا أماه محدش بيروح للموت برچليه، عن أذنك.

 

خرجت مغلقة الباب خلفه وما أن أستدارت فشهقت بفزع:

_ دبيكي؟، أي الي چابك أهنه؟.

 

تحمحم وقال بتردد:

_ أني، أني رافع بيه باعتني لأچل ترچعي.

 

أبتلعت لعابها بخوف، تخشي سماع هذا الدبيكي لأي حرف تفوهت به بالداخل، أرتسمت القوة علي ملامحها:

_ و هو في الدار دلوق؟.

 

أجابها ونظراته  المريبة أربكتها:

_ أيوه، ومنتظرك هناك، وجالي متعاودش غير وهي وياك.

 

رمقته بإزدراء وبأمر أشارت له:

_ طب يلا قدامي لما نشوف أخرتها ويا البيه بتاعك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تقف تلك الشاحنة الكبيرة أمام متجر الحاج نعمان وبالخلف يهبط من داخل صندوقها رجل تلو الآخر يحمل كل منهم صندوق من الكرتون ويدلف به إلي داخل المتجر، فقال أخرهم:

_ كده البضاعة كلها حطنيها في المخزن يا حاج، أي أوامر تانية؟.

 

أخرج نعمان من جيب جلبابه محفظته الجلدية وتناول منها العديد من الأوراق ذات فئة المائتين جنيه ليعطيها للرجل:

_ خد دول أنت والرجالة.

 

تراجع الرجل في أخذهم مربتاً علي صدره بإمتنان:

_ خيرك سابق ياحاج، ملهوش لزوم.

 

تنهد نعمان فقام بدسهم في يده:

_ والخير كتير الحمدلله.

 

أنفرجت أسارير الآخر فرفع يده في وضع الدعاء:

_ الله يبارك لك ويعمر بيتك ويرزقك كمان وكمان.

 

أبتسم نعمان برضا وسعادة، ذهب الرجل وبرفقته البقية.

 

_ قاسم، يا قاسم.

نادي بها علي فارس الذي كان بالداخل يراجع الصناديق المحملة بالثياب عبر دفتر ورقي مدون به أرقام وبيانات كل صندوق والبضاعة التي يحتويها، وعند سماعه نداء الحاج نعمان ركض إليه:

_ نعم يا حاچ أمرك؟.

 

وضع يده علي كتفه قائلاً:

_ ما يؤمرش عليك ظالم يا بني، أنا رايح مشوار لحد شبرا وراجع تاني، أنا عارف إنك تعبت كتير النهاردة بس عايز منك تراجع كل صندوق وتقيد الي ناقص ولو فيه أي حاجة بلغني في التليفون.

 

أوما فارس بطاعة وإحترام:

_ حاضر يا حاچ، أعتبره حصل.

 

ربت عليه وقال:

_ تسلم يابني، أومال فين شهد؟.

 

أجاب مشيراً:

_ سمعتها كانت بتجول رايحة تچيب حاچة وراچعة.

 

أقترب نعمان و وقف أمامه مبتسماً:

_ كنت عايز أقولك خد بالك منها لحد ما أرجع، أنا عارف إنها بتعمل مشاكل مع الزباين وكذا مرة أحذرها بس الي فيه طبع بقي.

 

أبتسم رغماً عنه وأومأ له بعينيه:

_ أطمن ياحاچ، الآنسه شهد في عينيا ولو حوصل أي حاچة أني هاتصرف.

 

غادر بعدما أتي أحدهم له بسيارته، وبعدها ولج فارس إلي الداخل، فأشار لزميله في المتجر:

_ أنا چوه في المخزن يا حموده ولو فيه حاچة نادم عليا.

 

أومأ له الآخر بالإيجاب.

عادت شهد وتحمل في يديها أكياس بلاستيكية وحقائب منها تحمل شعار مطعم شهير في المنطقة والأخريات تحمل شعار متجر للثياب.

تلفتت يميناً ويساراً فلم تجده، سألت المدعو حموده:

_ هو راح فين؟.

 

حدجها حموده بمكر وأجاب:

_ قصدك علي مين الحاج ولا قاسم؟.

 

تركت ما بيدها علي الكاونتر لتزجر الأخر بنظرة تحذيرية:

_ حمودة!، لم نفسك أحسن لك، بدل ما أنت عارف.

 

أشار لها بكفيه رجاءً:

_ والله بهزر معاكي يا آنسه شهد، مش قصدي حاجه.

 

رفعت حاجبها وبحده قالت:

_ ولا تقصد، خليك في حالك لو عايز تاكل عيش وتكمل معانا.

 

أنقلبت ملامحه بخوف من تهديها فقال:

_ آسف يا آنسه شهد، أوعدك مش هاكررها تاني.

 

تنهدت وحملت الحقائب:

_ أيوه كده أتلم، أومال أستاذ قاسم راح فين؟.

 

أجاب بجدية:

_ دخل المخزن بيراجع البضاعة.

 

وفي لحظة أسرعت إلي هناك تحت إندهاش الآخر الذي قال وهو يحك فروة رأسه:

_ دي شكلها الحكاية جد وكلام الي أسمه ممدوح طلع صح، وأنا مالي خليني في حالي أحسن.

 

يقف أمام صندوق مفتوح ويخرج علب مغلفة يدون أرقامها  في الدفتر ولم يشعر بدخولها وهي تقترب منه بخطي وئيده تتأمل هيئته، يقف بشموخ وصلابة، مهلاً يترك ما بيده جانباً علي إحدي الصناديق المتراصة ثم مد يديه إلي أزرار قميصه، حيث يشعر بالحر في هذا المكان الذي لايوجد به سوي فتحة تهوية واحدة فقط، مهلاً تصنمت عندما شرع في خلع قميصه ليصبح بالقميص القطني ذو الحمالات فقط، وقفت تحملق بإنبهار عضلات زراعيه البارزة وصدره العريض، يبدو إنه يمارس الرياضة للحصول علي هذا القوام الرجولي.

 

_ يا نهار برونزي زي لون بشرتك، حرام عليك الي بتعمله فيا ده.

 

وصلت رائحة الطعام التي تحمله إلي أنفه فأستدار ليري مصدرها فرآها تقف بشرود، تحمحم بحرج وألتقط قميصه وأرتداه علي الفور، فقالت في عقلها مرة أخري:

_ ليه لبست القميص، ماتخليك بفانلة قطونيل الي هتاكل منك حتة دي أحسن.

 

_ فيه حاچة يا آنسة شهد؟.

سألها ولكنها تقف كالمغيبة تحدق به، خطي نحوها:

_ آنسة شهد؟.

 

أنتبهت إليه يقف أمامها، فسألته بهيام ونظراتها التي يعلم هويتها جيداً:

_ ها، كنت بتقول حاجة؟.

 

تحمحم مرة أخري وأرتسم وجه الصلابة والجدية:

_ كنت بسألك فيه حاچة يا آنسه شهد؟.

 

_ يا لهوي علي إسمي وأنت بتنطقه.

تفوهت بداخل عقلها، ثم أجابت عليه:

_ عايزه أحضنك…

تحمحمت بخجل لتبدل كلماتها:

_ قصدي أنا كنت جعانة فروحت جبت أكل لينا هايعجبك أوي، و كمان عرفت من بابا إنك أتقلبت في القطر ومعكش أي حاجة، فياريت تقبل الهدية البسيطه دي وشوفهم كده لو فيه حاجه مش عجباك أو مش علي مقاسك هبدلهالك.

 

تلاقي حاجبيه بتعجب من كل هذا الإهتمام البالغ، فقال ومازال محافظاً علي نبرته الجادة:

_ طبعاً أني بشكرك علي إهتمامك، بس معلش أني ماجدرش أخد حاچة.

 

قالها و ولي إليها ظهره ليتظاهر بالعمل، زفرت بحنق وقالت في نفسها:

_ أي ده شكله زعل ولا أي!، وأنا الي كنت فكراه هيفرح ويبدأ يفكر فيا زي ما بفكر فيه وهموت عليه!.

 

ركضت نحوه وقالت:

_ أنت أتضايقت مني؟، أنا والله ما أقصد حاجة ابداً، طيب بص خدهم وهخصم تمنهم من مرتبك لو ده هيرضيك يعني.

وحدجته بنظرة توسل بأن يوافق ولا يردها خائبة، شبه إبتسامة ظهرت علي ثغره الذي سلب لُبها المجذوب به.

 

_ إن كان إكده ماشي، أني موافج.

 

أنفرجت أساريرها بفرحة عارمة، مدت يدها إليه بالحقائب:

_ حيث بقي كده أتفضل، ويلا عشان نلحق الأكل قبل مايبرد.

 

حك فروة رأسه من الخلف قائلاً:

_ معلش، مش هاجدر أكل دلوق غير لما أخلص الي في يدي الأول.

 

تركت أكياس الطعام جانباً وعقدت ساعديها أمام صدرها:

_ وأنا جعانة أوي ومش هاكل غير لما تاكل معايا وخليني بقي هاموت من الجوع ده غير لسه واخده حقنة الأنسولين.

 

رمقها بإستفهام فأومأت إليه:

_ أه عندي السكر، خدته وراثة عن ماما الله يرحمها.

حدق بها لثوان في تردد ثم قال:

_ ألف سلامة عليكي.

 

أمسكت يده بجرأه لتجذبه خلفها:

_ الله يسلمك ياسيدي، يلا بقي ده أنا جايبه أكل هايعجبك أوي.

 

كادت تخطو نحو الباب فأصتدمت بالصناديق رغماً عنها، لاحظ فارس الصناديق العلوية وهي تتهاوي وتسقط، تراجع إلي الوراء وجذبها بقوة فأرتطمت بصدره وسمعت صوت أرتطام الصناديق علي الأرض خلفها، لم تكترث للنظر حتي عليهم بل رفعت عينيها ذات العدسات اللاصقة نحو خاصته الرماديتين، لم تصدق نفسها هي الآن بين زراعيه ملتصقة بصدره تشعر بأنفاسه ونبضات قلبه أسفل كفها.

أزدرد ريقه وأبعدها برفق:

_ بعتذر لو كنت شديتك بقوة.

 

لمعت عينيها ومن فرط قوة نبضات قلبها تخشي أن يسمعها، فقالت بداخل عقلها:

_ بتعتذر ليه!، ده أنا هاين عليا أوقع كل الصناديق عشان تشدني في حضنك زي ما عملت.

 

أفاقت علي صوت حموده الذي أتي للتو ليطمأن بعدما سمع صوت الصناديق التي وقعت:

_ أي الي حصل؟.

 

أستدارت إليه بينما فارس أنتابه التوتر والإحراج كون وجوده مع إبنة رب عمله بمفردهما في مكان ضيق كهذا، فكان علي وشك الإجابة لكنها سبقته بحدتها المعتادة:

_جري أي يا حمودة هو أنت أعمي!، الصناديق واقعه أدامك أهي، تعالي أرفعهم.

 

أستغل فارس الفرصة فقال:

_ لاء روح أنت يا حمودة شوف الزباين وأني هارفعهم بنفسي، وأنتي يا آنسة شهد روحي أتفضلي علي مكتبك ولو محتاچة أي حاچة أبجي خلي حموده ينادم عليا.

 

وصلت إليها رسالته المستتره من بين كلماته بأن عليها الإبتعاد عنه،  رفعت إحدي حاجبيها بحنق وتجز علي أسنانها بغيظ لم تستطع إخفاءه، ولكي تسترد كبريائها الذي تبعثر أشارت له بعجرفة:

_ ياريت لما تخلص الي وراك تجيب لي الدفتر علي مكتبي عشان  أراجع الي كتبته وبعدها تروح تطلب لي واحد كابتشينو من الكاڤتريا الي علي ناصية الشارع.

 

أدرك غضبها الكامن من وراء حديثها، فأظهر بسمة جانبية أشعلت نيرانها فأستشاطت غيظاً،  زفرت بقوة و غادرت المكان وفي طريقها ركلت الصندوق بكل قوتها لكنه سبب لها ألماً فتأوهت مما جعله أطلق ضحكة رغماً عنه، ألتفتت له تحدجه بشرر متطاير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ فتحت الباب بالمفتاح الخاص بها،  ولجت إلي الداخل فوجدت خالتها تمسك بطبق من الأرز وتقوم بتنقيته من الحصي.

_ السلام عليكم يا خاله.

 

نهضت رسمية و بادلتها التحية:

_ وعليكم السلام يا نوارة، مجولتليش ليه إنك هتبيتي عند أمك؟.

 

تنهدت وألقت بحقيبتها علي الأريكة ثم خلعت وشاحها:

_ معلش كنت تعبانه وماجدرتش أعاود،  فينه إبنك؟.

 

أجابتها وهي متجهة نحو المطبخ:

_ بيقيل له ساعتين قبل الغدا،  أدخلي غيري خلچاتك وأطلعي واكلي الطيور.

 

_ حاضر يا خالة.

دخلت غرفتها فقابلتها رائحة دخان الأرجيلة الذي يزفره بقوة، يتمدد علي السرير ويشاهد أحدي الأفلام الأجنبية علي شاشة هاتفه.

ضغطت زر الإضاءه المنغلق بدون أن تلقي التحية عليه أو حتي تكترث له، خلعت عبائتها السوداء وألقت بها غير ملاحظة سوداويتيه الحادتين يتابعها و مازال يسحب الدخان ويزفره  مما سبب إليها السعال.

 

_ حمدالله علي السلامه يا نوارة هانم.

قالها بسخرية، وبعد أن ألتقطت أنفاسها والإنتهاء من السعال:

_ الله يسلمك يا رافع بيه.

قالتها بسخرية مماثلة مع تعابير ملامحها المستهزأه به

أوقف مشاهدة الفيلم و ألقي بعصا أرجليته فوق الكمود المجاور له لينهض في هدوء قاتل، بينما هي كانت ترتدي عباءة قطنية وترفع خصلاتها لأعلي،

عباءة قطنية وترفع خصلاتها لأعلي، فباغتها بجذب خصلاتها بقبضة عنيفة فأطلقت صرخة مدويه:

_ آه، همل شعري يا رافع وإلا…

 

قاطعها بجذبها نحوه:

_ وإلا أي يابت سعاد!، أياكي تكوني فاكرة إن بعد مابجيتي حبلي فده يديكي الحق تسوي الي علي مزاچك، تخرچي وتبيتي بره الدار من غير ما تجوليلي وترچعي علي كيفك ولا كأن ليكي راچل عاد.

 

أستدارت بصعوبه حتي تصبح أمامه لكن مازالت خصلاتها في قبضته:

_ أوعاك تكون مفكرني هبلة ونايمة علي وداني، وحركاتك دي مابجاش ليها عزا عندي، ولا أنت ماشي بمبدأ خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكو!.

 

أدرك ما ترنو إليه، ترك خصلاتها وعقد مابين حاجبيه متسائلاً:

_ تجصدي أي؟.

 

رمقته بعينين تغمرها دموع حارة تأبي الإنهمار مرة أخري أمام ذو القلب القاسي المتبلد الذي لايشعر بقهرة قلب من تعشقه، يذيقها من العذاب ويلاته كل يوم ولا يبالي لتلك النيران التي تحرق روحها.

_ أجصد إنك عايش حياتك علي هواك ولا كأني مارتك وليا حقوق عليك، حط حالك مطرحي وجولي لو أني الي كنت عشجانه عليك واحد وبسوي وياه كيف ما بتسوي مع الست هانم الي داير وراها في كل مطرح.

 

جذبها من عضدها حتي كاد يقتلعه من جسدها وهدر بها:

_ كنت دفنتك بالحيا ولا خليت الدبان الأزرج يعرفلك طريج چرة.

 

أبعدت عضدها الذي ألمها بشدة وقالت بنبرة أوشكت علي البكاء:

_ يبجي ليا الحق أدفنك حي وده يبجي العدل، لكن أني ما سويش إكده،لأن وكلت أمري للخالق ياخد لي حجي منك وتدوج من نفس المُر الي بتدوجه لي كل يوم، وتبكي بالدموع ندم وحسرة.

 

لم يتمالك نفسه عكس ماتوقعت ردة فعله، أخذ يضحك ويعلو صوت ضحكاته للعنان حتي توقف قائلاً:

_ تصدجي بجالي زمن ماضحكتش وحديتك دي خلاني ضحكت غصب عني، ياه يا نواره مكنتش خابر جلبك أسود جوي إكده!.

 

رفعت وجهها بشموخ وكبرياء:

_ جلبي عمره ما كان أسود، وچيت أنت ومليته بالسواد وخلتني بدل ما أدعي لك أدعي عليك.

 

وضع كفه علي وجنتها يربتها بخفة:

_ طيب يا نوارة، لآخر مرة بجولك لو كررتيها تاني وعتبتي بره باب الدار من غير علمي لأكون مكسرلك رچليكي الأتنين، سامعه يابت خالتي؟.

 

أزاحت يده و حدجته بإزدراء في صمت وذهبت من أمامه.

طرقات عنيفه علي الباب يصاحبها صوت الجرس بدون إنقطاع، خرجت علي أثره رسمية وكذلك زوجها خميس من غرفته فكان نائماً وتابعهما رافع يرتدي جلبابه فوق سرواله وقميصه القطني، أرتدت نوارة وشاحها علي عجالة وذهبت لتري من الطارق فأزاحها رافع من أمامه:

_ خشي چوه لما أشوف مين الي بيخبط كيف البهيمة دي.

 

وما أن فتح الباب ليجد عمته جليلة في وجهه تدفعه إلي الداخل وتصرخ به متسائلة:

_ فين بتي يا رافع؟، خطفتها ولا سويت فيها اي عاد؟.

 

نظر الجميع إليه ولم يستعب ما قالته جليلة، فتدخلت والدته:

_ اهدي إكده يا أم زكريا وجولي لنا أي الي حوصل.

 

صاحت الأخري:

_ أهدي كيف طول ما ولدك ورا كل مصيبة تحصل لبتي!.

 

تحدث رافع بصوته الغليظ غير مكترث لما تقوله عليه عمته بل يريد معرفة ما حدث مع فاطمته :

_ مالها فاطمة يا عمتي؟.

 

أشاحت بيديها في وجهه وتشدقت:

_ شوف الواد، يجتل الجتيل ويمشي في چنازته، وعامل حاله ما عرفش حاچة.

 

صاح بها شقيقها ليوقفها عن النواح:

_ ما تنطجي يا خايتي وجوليلنا حوصل أي لبتك ولو ولدي له يد حتي لو من بعيد أني الي هاتصرف وياه.

 

حدج رافع والده بغضب في صمت، فأجابت جليله ببكاء يتخلل صوتها ذو البحة:

_ كنت فاكرها نايمه لحد الضهر، هملتها وروحت أعزي چماعه تبع چوزي ورچعت المغربية  دخلت أوضتها ملجتهاش،  أتصل عليها تليفونها مجفول، جولت يمكن صحيت وأني مش موچوده وراحت تحضر كتب كتاب البت سمية، جعدت أستناها وما رچعتش لحد مانعست غصب عني وتو ماصحيت دلوق تو ما چيت لكم .

 

أتسعت عينيه وألسنة اللهب المشتعلة تتراقص بداخل مقلتيه:

_ عتجولي أي يا عمتي، كيف ما رچعتش من إمبارح؟، وليه ما چيتيش وجولتي لي تو ما تأخرت.

 

_ يعني مش أنت الي خاطفها يا ولدي؟.

سألته والدته، ليجذبه والده من تلابيب جلبابه:

_ قسماً بالله لو طلعت أنت الي ورا خطف بت عمتك ل….

 

صاح بوالده مبعداً يديه عنه:

_ ما جولت ماليش صلة بموضوع إختفائها ده واصل، أني فعلاً كنت وياها إمبارح.

 

لم يريد ذكر إنها كانت برفقة الطبيب في النادي، فأردف:

_ كنا بنتحدتو في موضوع إكده وعازمتها نجعدو شوي علي النيل، أتخانقت وياي وهملتني، أفتكرتها عاودت عليكم، قسماً بالله ده كل الي حوصل.

 

فقال خميس:

_ مش ممكن تكون راحت عند بكر أخوها وباتت حداه؟.

 

تذكر رافع أمر يحيي الذي كان يتفق معها علي الزواج فقال في نفسه:

_ والله يا فاطمة لو طلع الي في دماغي ده صوح لأكون مخلص عليكي وهو قبل منك.

 

تركهم وذهب إلي الداخل تحت نظرات نوارة، تناول عبائته والعمامة كليهما، ثم ألتقط عصاه وخرج.

 

فسألته والدته:

_ رايح فين يا ولدي؟.

 

أجاب وهو يرتدي حذائه:

_ رايح أدور علي فاطمة.

 

كلماته كانت كفيلة بإشعال النيران في قلب التي بالداخل تراقب الأجواء في صمت مُطبق،لكن دموعها لم تتوقف عن الهطول، كانت تخشي أن لايكون للدجال صلة بما في أحشائها لكن الآن تمنت أن يكون الأمر بالفعل حقيقي، وما تحمله ليس إبن رافع لترد له الصاع صاعين عما يفعله معها من خيانة وجراح لا يوجد دواء لها.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ توقفت تلك السيارة الفارهة أمام إحدي ناطحات السحاب الشهيرة بالاس فيجاس،  ترجل منها السائق ليفتح الباب لسيده الذي هبط بزهو كعادته و أتبعته هي بحسنها الخلاب مرتدية ثوباً حريرياً باللون الأسود و وشاح باللون الذهب المنطفأ،  يزين وجهها بعض لمسات مساحيق التجميل.

أمسك يدها بحنان لم تعهده معه وقام بتقبيل ظهر كفها بنعومة ثم وضعه فوق ساعده،  فأقترب من أذنها وهمس بصوته الرخيم:

_ عايزك ما تفكريش في أي حاجة غير أنك تتبسطي يا حبيبتي.

 

رمقته زينب بتعجب من تصرفاته الغريبة،  فمن بعد زيارة الطبيب وحاله قد تبدل علي النقيض،  أصبح يعاملها بحنان وإهتمام،  يحاول إرضائها بشتي الطرق،  بينما هي توقفت عن الصياح في وجهه والتمرد وأكتفت بالبعد النفسي عنه حيث تتواجد برفقته جسدياً لكن روحها هائمة في عالم آخر،  ظن إنها رضخت إليه أخيراً وستذعن إلي كل أوامره.

 

دلفا كليهما في المصعد الزجاجي المطل علي خارج البناء،  فرأت ما يحاوط الناطحه من مباني مماثله لها وأنوار عديده شديدة الإضاءه.

توقف المصعد في آخر طابق،  يوجد به مطعم خاص، لايذهب إليه  سوي رجال محددون مثل شاكلة سليم ودنيال وما يعمل معهم من رجال المافيا.

 

أستقبلتهم نادلة ترتدي ثياباً فاضحة لجسدها،  فقالت لهما:

_ أهلاً وسهلاً بك سيد سليم،  لقد أعددنا الطاولة الخاصة بك.

 

أومأ إليها بإبتسامة قائلاً بإقتضاب:

_ شكراً.

 

بادلته بإبتسامة مغناج:

_ العفو سيدي.

 

لاحظت زينب نظرات الفتاة التي أدركت من خلالها أنها تعرف زوجها جيداً فقالت له:

_ واضح إنها تعرفك،  ياتري دي كانت واحدة من خاضعاتك؟.

 

تجلت إبتسامة علي محياه،  فجذب إليها الكرسي لتجلس وجذب آخر و وضعه بجوارها ليجلس ملتصقاً به مما جعلها أنتفضت لاسيما عندما حاوط كتفيها بزراعه وقال:

_ بدأنا نغير أهو،  تقدم حلو أوي.

 

تجهمت ملامحها وردت بنبرة حادة:

_ ومن جالك أني غيرانه عاد؟، ده مچرد سؤال مش أكتر.

 

هبط بيده إلي خصرها وضغط بخفه عليه:

_عيب لما تكدبي علي جوزك حبيبك.

 

إبتسامة هاكمة لاحت علي محياها:

_ چوزك!،  حبيبك!  ، ومنين چايب الثقة دي يا سليم بيه.

 

أبعد يده عن خصرها ليرفع كلا يديه إلي وجهها ويحاوطه بكفيه،  تخترق قاتمتيه خاصتيها الذهبيتان المحاوطه بأهداب كثيفة:

_ بالنسبة لكلمة جوزك ده أمر مفروغ منه،  وأنتي ملكي،  إما بالنسبة لحبيبك،  واحده واحده وهتحبيني ومن غير غصب.

 

وضعت كفيها علي يديه لتزيحهما لكنها فشلت في ذلك لتجد  يديه متشبثه بفكيها، فقالت بإمتعاض:

_ وأنت خابر زين جلبي بيحب مين، وما الحب إلا الحبيب الأولِ.

 

برغم ماشعر به للتو من نيران مندلعه يريد إطلاقها عليها وشياطينه تهمس له بأن يلقنها عذاب يجعلها تتوسله الرحمة،  لكنه تمالك غضبه وتظاهر بعكس ما بداخله،  متصنعاً إبتسامة باهته، ويلمس بطرف إبهامه شفاها السفلي:

_ حبيبتي زوزو لسه ماتعرفش حاجه عن سليم العقبي الي كل ما هتقرب منه وهاتحس بمشاعره ناحيتها ساعتها هي الي هاتعترف بنفسها أد أي إنها بتحبه ويمكن تعشقه.

 

أفترقت شفتيها لتجيب عليه بما يثير حنقه بل بغضبه وتفسد عليه تلك الليلة الرومانسية الحالمة  ،  فأوقفتها تلك الموسيقي الصادرة من سماعات متفرقة علي الجدران لتشعر بالنغمات تتخلل كل خلايا جسدك لتتراقص معاها علي كل إيقاع لها.

 

نهض وأنحني أمامها بشكل كلاسيكي،  يمد يده إليها:

_ تسمحيلي ياحبيبتي بالرقصة دي؟.

 

لم يدع لها الموافقة أو الرفض،  جذب يديها برفق وحنان ليرفعها أعلي كتفيه وهو حاوط خصرها،  لاتعلم ماذا تفعل، يضغط عليها معنوياً،  تغيره المفاجئ لم تجد له مبرراً سوي إنه يخطط لأمر ما تجهله وهذا ما جعلها تشعر بالخوف بل الرعب.

 

رفع يده من خصرها إلي منتصف ظهرها ليدفعها إلي صدره:

_ شكلك مابتعرفيش ترقصي،  ممكن تسبيلي نفسك خالص.

 

زفرت بسأم وضجر:

_ وأني أصلاً موافجتش إننا نرجص.

رفعها من منتصف ظهرها  فشهقت بفزع فوجدته يتحرك بها كأنها تتطاير في الهواء علي نغمات معزوفة كلاسيكية تعود إلي القرن المنصرم.

 

بدأ يلقي عليها بعض الكلمات عله يكسب قلبها و ودها:

_ عارفه أنا حاسس بقي وأنتي في حضني كده؟.

 

لم ترد فأردف:

_ببقي نفسي تاخديني في حضنك أنتي كمان وتضميني أوي.

 

باغتته بسؤال:

_ مش غريبة؟.

 

قطب مابين حاجبيه مجيباً:

_ وأي الغريب في كلامي؟.

 

نظرت في داخل عينيه وتقسم إنها تري بداخلهما عكس ما يفعله معها الآن تماماً،  فهو شيطان يرتدي قناع الملاك.

_كل حاچة بجت غريبة،  تصرفاتك وياي،  حتي حديتك سبحان الله بقدرة قادر من أمر ونهي وتهديد وعنف لحب وحنية و رومانسية.

 

أطلقها علي بُعد زراعه وجذبها مرة أخري لتلتصق بصدره:

_ مسألتيش نفسك أي سبب التغير المفاجئ؟.

 

أجابت بسخرية:

_ سببه لما حبستني في المخزن من غير هدومي والبرد هري چتتي وكنت بحس بالموت كل ساعه لحد ما حسيتش بحالي غير وأني في السرير والدكتور بيجولك چالي السكر!  .

 

جز علي فكه كلما تذكر الأمر الذي أقترفه بها آخر مرة:

_ أنا بعترف إن قسيت عليكي بس أنتي السبب والي وصلتيني لكده،  أنا كل الي طالبه منك تسمعي كلامي بدون مجادله، أوامري كلها تتنفذ ولو ده حصل أوعدك وقتها هخليكي تعيشي أجمل أيام حياتك.

 

رددت بداخل نفسها ساخرة:

_ وأنت الصادج،  أسود أيام حياتي.

 

ظل يراقصها في صمت لكن عينيه كانت تخبرها بالكثير، بينما هي لا تفكر سوي فيما يمتلك فؤادها وكيف تهرب من هذا السجان لتذهب وتبحث عن فارس عشقها مهما كان الثمن!.

_ زينب؟.

همس بها لتشعر بسخونة أنفاسه علي شفاها، حدجته بتوتر وخوف:

_ نعم.

 

توقف عن الرقص وعينيه تهبط علي منبع حديثها،  فأرتفعت نظراته مرة أخري في ذهبيتيها لم يكن يحدق بها وحسم بل كانت عينياه تخترق روحها مما جعل قلبها يخفق بقوة،  تخشي إنه يقرأ ما تعزم عليه،  لكنه فاجئها بإلتقاط شفاها بين خاصتيه وأخذ يقبلها وكأنه يتذوق قطعتي من الشهد بنعومة و رقة بالغة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ أشتعلت الأضواء الملونة في كل أرجاء النجع وتعالت الموسيقي معلنة عن قيام مراسم حفل زفاف صلاح أيوب علي سمية إبنة عبدالحق ،  أُطلقت الزغاريد من أفواه النساء،  بدأ عازف المزمار بعزف الموسيقي التي تعود للفلكلور الصعيدي وتبعه الرجال الآخرون بالضرب علي الطبلة والدفوف،  وإلقاء زوجة أبيها بأوراق الزهور الجافة علي العروسين، ذهبت إحدي الفتيات إلي سمية لتجذبها وترقص،  فأمسكت الأخري بيد زوجها وترقص معه أمام الحضور بفرح وسعادة علي نغمات الموسيقي.

كان صلاح يفتقر للرقص الصعيدي فناوله إحدي الشباب عصا غليظه ليرقص بها مع عروسه،  وقد كان أختطفتها منه سمية لترقص بها هي وكأنها راقص بالعصا محترف.

أقترب صلاح منها قائلاً:

_ سيبي العصاية من إيدك بدل ماتيجي في راس حد وإحنا مش ناقصين.

 

ردت عليه ومازالت ترقص:

_ ما تخافش يا صلوحتي،  مارتك تعرف ترجص بالعصا زين جوي،  حتي شوف الحركة دي.

 

أخذت تلف من حولها وترفع العصا في الهواء وتلتقطها،  لم تنتبه لطرف ثوبها الطويل الذي تشابك في كعب حذائها المرتفع، فأختل توازنها وأسرع إليها ليلحق بها قبل أن تقع فهبطت العصا فوق رأسه بقوة.

 

رأت الدماء تدفق من جبهته فصرخت بأعلي صوتها:

_ صلاح!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ خلاص يا بابا عشان منتأخرش.

قالها أكرم منادياً علي زوجته،  فخرجت من غرفتها تعلق يد حقيبتها علي رسغها:

_ جاية أهو يا حبيبي،  خلاص خلصت،  ثواني بس هلبس الشوز.

 

نظر خلفها وتسائل:

_ أومال فين البنت؟.

 

أجابت وهي تهندم من إلتفاف وشاحها حول وجهها أمام المرآه المجاوره لباب المنزل:

_ بابا جه وأنت نايم وشبطت فيه فخدها معاه.

 

وبعد أن كان علي وشك إدارة مقبض الباب توقف وخطي نحوها:

_ بتتكلمي بجد؟.

 

نظرت له عبر المرآه مبتسمه، تهز رأسها إيجاباً:

_ اه،  ومالك مش مصدق ليه؟.

 

حاوطها من الخلف وعقد ساعديه أسفل صدرها و دنا بشفاه نحو أذنها:

_ هو إحنا ينفع نلغي الخروجه دي ونقضي وقت جميل هنا.

وأشار لها نحو غرفة النوم،  أستدارت لتصبح في واجهته تمسك ذقنه بأطراف أناملها الرقيقة تلمسها بنعومة:

_ ما إحنا ممكن نخرج عادي ونرجع ونقضي برضو وقت جميل هناك.

وأشارت بسبابتها أيضاً إلي الغرفة، رفع يده إلي طرف وشاحها وبدون أن تشعر قام بفكه وخلعه عنها:

_ حرام نضيع فرصة زي دي.

وهبط علي عنقها بقبلات ناعمة،  تتحرك من بين يديه:

_ أستني بس أصبر هقولك.

 

زمجر بالرفض ومازال يلثم جيدها،  فتفوهت مرة أخري وتدفعه برفق في صدره:

_ أسمعني بس.

 

لم يمهلها أن تتحدث فأسكتها بإلتهام شفاها وحملها وأتجه بها نحو الغرفة ليكمل ما بدأ به.

وبعد قليل، نهض من فوقها بلهاث يلتقط أنفاسه ليتمدد بجوارها،  بينما هي جذبت الدثار علي جسدها العاري وألتفتت إليه لتجده يفتح درج الكمود ويسحب سيجارة من العلبة والقداحة،  كاد يشعلها فأخطفتها من يده،  فرمقها بضيق:

_ أي الي عملتيه ده؟.

 

ألقت بهم بعيداً وأقتربت منه لتتوسد برأسها صدره العاري وبأناملها تداعب شعيراته المتناثره،  وبدلال أجابت:

_ عايزاك تبطل تدخين، وماتشربش تاني.

 

نظر نحوها وسألها بغموض:

_ خايفة عليه؟.

 

نهضت لتعتدل في جلستها وأجابت:

_ آه طبعاً خايفة عليك.

 

حدق في عينيها لثوان ثم سألها مرة أخري:

_ بتحبيني يا ندي؟.

 

عقدت ما بين حاجبيها بتعجب ودهشة:

_ مالك يا حبيبي،  عمال تسألني أسئلة المفروض أنت عارف إجابتها.

 

تنهد وتجلت إبتسامة لاتعلم أن كان سعيداً أم ماذا! :

_ أنا بس بحب أسمعها منك.

 

نهضت من جواره لتعتليه ومازالت تحتفظ بالدثار عليها فقامت بجمع خصلاتها الغجرية وألقتها علي جانب واحد أعلي كتفها الأيسر لتظهر له ترقوتها من الجهة اليمني وأتضح عليها وشم أسود بالحناء:

_ أيوه يا أكرومتي بحبك وبخاف عليك، لأنك حبيبي و جوزي وأبو بنتي.

 

رد عليها وعينيه علي الوشم يحاول قراءته:

_ أوعديني يا ندي إن عمرك ما هتخبي عليا حاجه تاني مهما حصل.

 

فاجئتها كلماته،  ظنت لوهلة إنه قد علم بأمر الرساله الأخيرة،  لكن كيف وهي قد حذفتها!  ،  لاتريد أي شئ يعكر صفو حياتهما مرة أخري،فهي تدرك مدي غيرته القاتلة عليها وخاصة من هذا المدعو علي، أرادت إخفاء توترها  فأنحنت للأمام حتي كاد صدره يلامس خاصتها وتفوهت أمام شفاه:

_ أنا عارفه إنك ممكن تكون لسه زعلان مني أو متضايق من كل الي حصل،  بس أوعدك أن عمري ما هخبي عليك أي حاجة تاني.

 

أمسك طرف ذقنها وقال بهيام وعشق:

_ أفتكري كويس إنك وعدتيني.

 

هزت رأسها بالإيجاب،  ضيق مابين حاجبيه بإستفهام:

_ ده أي الي مرسوم علي رقبتك؟.

 

أجابت بدلال وأناملها تداعب خلف أذنه:

_ ده تاتو بس بالحنا السوده روحت رسمته في البيوتي سنتر الي في الشارع الي ورانا.

 

وجدت ملامحه يسودها التجهم ليتحول إلي الغضب يجذبها من عنقها:

_ وياتري عشان ترسميه روحتي قلعتي حجابك وهدومك عشان يرسمولك التاتو!.

 

أزدردت ريقها بخوف من إنقلابه المفاجئ،فأجابت بتردد:

_ لاء، لاء، قصدي أنا خلعت بس الحجاب وخلتني بالبندانه والشيميز نزلته شويه من علي كتفي يعني مقلعتش حاجه، وبعدين ده في قسم المحجبات يعني كل الي هناك بنات وستات بس.

 

هزها بقليل من العنف:

_ برضو لاء، أول وآخر مرة تعملي حاجة زي كده تاني، عايزه ترسمي زفت أجب لك واحدة لحد البيت وكمان متقلعيش قدامها، محدش يشوف خصلة منك غيري أنا ومحارمك بس، أنتي فاهمه؟.

 

أومأت له بطاعة:

_ حاضر.

 

ترك عنقها و أطلق زفرة من أعماقه ليعود مرة أخري ينظر إلي الوشم فجعلها دنت إليه:

_ وأي المكتوب ده.

 

أجابت بدلال:

_ بعشقك يا أكرم، بس بالاتيني.

 

_ امم، لاتيني!،قربي كده لما أتأكد بنفسي.

 

أطلقت ضحكة أثارت كل حواسه فجذبها إليه وأنقض علي موضع الوشم بشفاه تاره وبأسنانه تارة أخري لكن بقليل من العنف، فأخذت تتأوه:

_ آه، حرام عليك سنانك بتوجع.

 

قال من بين قبلاته علي جيدها:

_ عشان تحرمي تكرريها تاني.

 

أطلقت صرخة يصاحبها ضحكات:

_ خلاص، خلاص حرمت والله.

 

و في الشقة المقابلة لمنزلهم يصدر صوت مزعج كان لحفار يثقب الجدار، يقوم به عمال صيانة التكيف، فهبط أحدي الجيران من الطابق الأعلي وعلي ملامحه الضجر:

_ يا عم خضر، أنت يا عم خضر.

 

خرج له عم خضر حارس العقار:

_ نعم يا رأفت بيه.

 

_ أي صوت الحفر ده والساعة 12 بالليل!، مش عارفين ننام و أمي ست مريضة ومش حمل أي صوت مزعج، الكلام ده مينفعش غير بالنهار.

 

رد خضر بإعتذار:

_ حقك عليا يا رأفت بيه، ده عمال الصيانه بيركبو التكيفات في الشقه عشان الساكن الجديد جاي بكره  الصبح هيقعد فيها.

 

زفر رأفت بسأم وقال:

_ طيب معلش كلمه وقوله يخليهم يكملو بكره.

 

أجاب خضر علي مضض:

_ حاضر.

وأتجه إلي داخل الشقه يتمتم:

_ وأنا مالي ومال الأرف ده كله.

 

أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليهاتف الساكن الجديد:

_ الو.

 

أجاب الآخر وهو يقود سيارته بعد أن ضغط علي زر الإجابة في عجلة المقود:

_ أيوه يا عم خضر، في حاجة؟.

 

_ أه يا بيه، الجيران بيشتكو من صوت الشنيور الي شاغلين بيه العمال.

 

ألتقط من الكرسي المجاور له سيجاره و وضعها بين شفتيه:

_ خلاص قول للرجالة يوقفو شغل لحد كده ويجو بكره الصبح يكملو.

 

_ حاضر يا بيه، مع السلامة.

 

ضغط الآخر علي زر إغلاق المكالمة الموجود في المقود أيضاً، قائلاً بعدما قام بإشعال سيجاره وزفر دخاناً كثيفاً بدأ يتلاشي ويظهر صاحبه من بين سُحبه، ألتمعت عينياه ذات لون العسل بالتوعد والشر  :

_مبقاش أنا إما وريتك من هو علي الحسيني  يا ندي هانم!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌷يتبع🌷

#الفصل_الخامس_والعشرون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ بعدما أنتهت ليلتهم الشاعرية في مطعم البرج، عاد كليهما إلي المنزل الحجري تركها و دلف إلي غرفة المكتب لمراجعة أعماله علي الحاسوب،  بينما هي صعدت لأعلي يرهقها التفكير في كيفية التخلص منه في أسرع وقت،  فحدسها يخبرها أن تغيره الطارئ ليس سوي تمثيل زائف وما خفيا كان أعظم.

أطمأنت أن لايوجد في الغرفة سواها فخلعت ثيابها و ولجت إلي المرحاض للإستحمام،  تشعر بالتعب وتريد أخذ قسطاً من الراحة أو تخلد في نوم عميق تهرباً من واقعها المؤسف وعاصفة الأفكار التي تطيح بعقلها المصدوم منذ ليلة زواجها وحتي الآن.

وبعد أن أنتهت وأرتدت منامتها، سمعت صوت خطوات قادمة إلي الغرفة، وثبت علي الفراش وتصنعت النوم حتي لايكمل معها تلك الليله الملعونة بالنسبة إليها.

طرقات علي الباب يتبعها صوت أنيتا الخادمة:

_ سيدتي،  العشاء جاهز بالأسفل.

 

لم تجب الأخري عليها برغم طرق الخادمة الباب مرة أخري حتي ذهبت،  أطلقت زينب زفرة عميقة ثم تمددت بأريحية علي جانبها،  فأنتبهت لطرقات مرة أخري لكن تبعها فتح الباب،  علمت إنه هو، أغمضت عينيها للتو.

 

دخل الغرفة و ملامحه يسودها جمرات الغضب العاتية،  صدره يعلو ويهبط، لو أطلق زفرة لتوه لأحرقت كل مايقابلها.

ألقي نظرة عليها وأقترب منها و أخذ يحملق بها،  ظن إنها تغط في النوم، حاول إلهاء نفسه في تأمل ملامحها البريئة ليبعد تلك الأفكار السوداء والوساوس المميته عن رأسه.

صدح رنين هاتفه في جيبه فأخرجه ليري المتصل وقبل أن يجيب أطلق سبه بذيئة وأتجه إلي الشرفة المطلة علي الحديقة.

(الحوار مترجم )

المتصل:  _ سيدي لقد كان مختبئ في متجر بيع الخمور الخاص بسيد دانيال.

أشتد ظلام عينيه وتفوه بنبرة مخيفة لاتنبأ بخير بتاتاً:

_ حسناً،  أجلبه لي الآن.

 

أغلق المكالمة ليجري أخري،  ولايشعر بالتي تقف خلفه بمسافة قليلة تسترق السمع.

 

تحدث في هاتفه مرة أخري:

_ أطمأن قبضنا علي الرجل الذي سيوصلنا إليهم.

…….

_ أعدك بمجرد وصوله سأجعله يخبرنا بكل شئ.

 

أغلق مكالمته و تنهد بقوة،  ينظر إلي السماء التي تزينها النجوم المتلألأه،  وقبل أن يستدير ويعود للداخل كانت هي عادت إلي مضجعها وأغمضت عينيها،  شعرت بخطواته وهو يذهب إلي المرحاض ليستحم.

وبعدقليل خرج مرتدياً مأزره القطني ويجفف خصلاته السوداء بالمنشفة وعينيه تجول عليها، خطي نحوها وهو يعلم إنها مستيقظة، لما تتهرب منه بتصنع النوم!.

جلس بجوارها فوجدها ترتجف عندما شعرت بقربه الشديد منها، تفرقت شفاه وكاد يتحدث لكن قاطعه هاتفه ليجد المتصل إحدي رجاله المتناثرين بالأسفل.

أجاب وقال له الرجل:

_ نحن في إنتظارك سيدي.

 

أجاب سليم :

_ أنا قادم الآن.

 

نهض من جوارها ليرتدي ثيابه و تناول سيجاره وقداحته ثم غادر الغرفة، قامت علي الفور لتلحق به لديها رغبة لمعرفة ما الذي يحدث بالأسفل،  كم هي حمقاء لاتعلم أن الفضول قد قتل القط!  .

_ وبالأسفل في ذلك المخزن الملحق خلف المنزل،  يقف هذا المسكين ملتصق بالعمود الخشبي ويقوم رجال سليم بتقيده بالسلاسل والأغلال الحديدية.

أخذ يصرخ بطلب النجده، فقام إحدي الرجال بلكمه في وجهه ليكف عن الصراخ،  حتي فُتح الباب الحديدي وهنا وقف كل من بالمكان بإحترام لهذا الذي دخل للتو،  رفع ذلك المُكبل رأسه بصعوبه ليري أسوأ ما ينتهي إليه مصيره.

جحظت عينيه رعباً وكأنه يقف أمام الجحيم ، مَنْ فيهم لايعلم بسليم العقبي المُلقب بالشيطان في عالمهم الأسود، و ألف رثاء علي الذي يقع ضحية بين يديه، فنهايته محتوم أمرها بمجرد ذكر إسم معذبه.

 

أطلق سليم صوت صفيراً علي هيئة نغمات كما يفعل كل مرة مع ضحيته، وكأنه سيقوم بعمل فني كالرسم والنحت وليس تعذيب.

جذب كرسي ليجلس عليه بعكسه،  حيث ظهر الكرسي مقابل لصدره، وكان علي بعد مسافة من  الرجل المقيد كفيلة أن يري ملامح سليم التي دبت الرعب في كل خلايا جسده فأخذ يرتجف بقوة.

كف الآخر عن الصفير ليسأل بالإنجليزية الأمريكية:

(الحوار مترجم)

_ أين البضاعة التي أختطفتموها؟.

 

أزدرد ريقه و أجاب بإستنكار:

_ بضاعة ماذا؟.

 

هز رأسه وأطبق شفتيه، فنهض عن الكرسي:

_ بضاعة ماذا!  ، أنت الذي حددت ما سأفعله معك لا تشتكي الآن.

 

أدرك الآخر ما يرمي إليه،  فصرخ لإيقافه عن أي شئ مُقبل عليه:

_ لا،  لا،  أرجوك سيد سليم دعني وشأني، لا أستطيع الإفصاح عن أي شئ، لو أخبرتك سوف أُقتل.

 

وبالخارج كانت تتسحب علي أطراف قدميها لتري مصدر تلك الهمهمات والصراخ الآتيه من المكان الذي كانت معاقبة به منذ يومين.

خفق قلبها وجلاً عندما وصلت إليها صرخات هذا المُعذب بالداخل،  وبدون أن تلفت إليها إنتباه الحراس المتراشقون في كل الأرجاء،  أختفت ما بين الأشجار حتي وصلت إلي المخزن و وقفت تري مايحدث من خلال شق متصدع في الجدار.

 

وعودة إلي الداخل،  يمسك سليم سلاحاً ذو نصل حاد يغرز سنه المُدبب في صدر الآخر فأطلق صرخة من الألم الغير محتمل،  وقبل أن يبدأ في تشريحه حياً هدر به بصراخ مرعب:

_ أنطق أيها الغبي بدلاً من أكمل تشريح جلدك و لحمك وأطعمه لك غصباً.

 

يلتقط أنفاسه بلهاث ولعابه يسيل من فرط الألم غير قادر علي التفوه ولو بحرف مما أثار غوار سليم الذي شرع في تهديده.

 

شهقت من هول ما تراه فكممت فاهها حتي لايسمع صرختها أحداً، تأكدت للتو إنها متزوجة من رجل سفاح قاتل، يحاول أن يظهر لها بمظهر الرجل ذو المشاعر الرومانسية والقلب الحنون لإستمالة قلبها ومشاعرها نحوه لكن ما حدث الآن كشف لها عن جانبه المظلم الحالك.

أنتابها الشعور بالغثيان،  تراجعت إلي الوراء لتفرغ ما بجوفها، أرتمت علي الأرض في وضع الجثو لتجهش في البكاء كلما تذكرت أن شقيقها قد باعها لهذا المجرم غير مكترث بحقيقته وماذا يمكن أن يفعل بها من أذي،  تتخيل نفسها مكان هذا الرجل وسليم يغرز السكين في جسدها،  ليتها ما أطلقت لمخيلتها العنان،  فالواقع أسوأ بكثير من الخيال.

 

وفي تلك اللحظة قد حسمت قرارها عليها تركه أو الهروب منه حتي لا يأتي يوماً وتكون أشلاء علي يديه حينها الموت منتحرة أفضل بكثير.

 

أفزعها صوته الذي دب الرعب في أوصالها:

_ بتعملي أي هنا؟.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ وفي أرض الكنانة، بداخل إحدي الفنادق الشهيرة في محافظة قنا، يتمدد علي السرير ومازال مرتدياً حُلته السوداء، وهي تجلس بجواره بثوب زفافها، تداوي له جرحه أثر هبوط العصا علي رأسه، تأوه حينما نثرت المطهر علي جرح جبهته، فقالت:

_ حجك علي يا حبيبي، والله ماكنتش أقصد واصل.

 

صمت ليرمقها لحظات ثم أمسك بيدها التي تداويه قائلاً:

_ أنتي قولتي أي؟.

 

أجابت بعفوية:

_ مكنتش أقصد.

 

أنفرج ثغره بإبتسامة:

_ لاء الكلمه الي قبلها.

 

فهمت مغذي سؤاله، فأجابت بمكر:

_ جولت والله ماكنتش أقصد.

 

زمجر بحنق:

_ سمية، بطلي لؤم أنتي فاهمة أنا بسألك عن أي كويس.

 

ضحكت وقالت:

_ أباه عليك، أني بهزر وياك ماتبجاش مزرزر إكده.

 

غر فاهه وسألها بتعجب:

_ أي مزرزر دي كمان؟.

 

_ يعني بتتنرفز بسرعة، كيف عصبي حداكو في البندر.

 

نهض بجذعه وحاوط خصرها متفوهاً بهيام:

_ إحنا هنقضيها تغير علي الجرح وتفسير مصطلحات وتضيع علينا أحلي ليلة في حياتنا.

 

رمقته بتوتر وخجل وهي تنهض:

_ رايد نسوي أي يعني؟.

 

أمسك برسغها لمنعها من الإبتعاد عنه وغمز بعينه مبتسماً:

_ تعالي هنا رايحة فين، ده أنا ما صدقت إننا أتجوزنا وبقيتي مراتي.

 

تمتمت بداخل عقلها:

_ وأني كمان ما مصدقه حالي و الود ودي أترمي في حضنك وأعطيك بوسه كيف بتوع السيما.

 

أنتبهت علي جذبها إليه ليجلسها علي فخذيه:

_ ما بترديش ليه كده وواقفه سرحانه؟.

 

هزت رأسها بإستنكار وبدون أن تنظر في زرقاويتيه قالت:

_ أني بس أ….

 

قاطعها و هو يمد يده إلي حجابها في محاولة فكه:

_ أنا عارف إنك مكسوفة ومتوترة وخايفة زي أي بنوتة في أول ليلة جوازها.

 

هزت رأسها لتؤكد علي كلماته، و وجنتيها تزداد حمرتها، فأبتسم علي ردة فعلها التي تجعله يشتهيها ويريد نهمها كالفاكهة.

أمسكت بيده لتمنعه عن فك حجابها ورمقته برجاء ولطف:

_ممكن قبل أي حاچة نقوم نتوضو ونصلي ركعتين لأچل ربنا يبارك بينتنا ويبعد عنا الشيطان؟.

 

في كل موقف وكل كلمة لها يزداد إعجابه بها، حدجها بإبتسامة تنضح من زرقاويتيه فأجاب بكل ترحاب وقبول لطلبها:

_ طبعاً بس..

 

صمت وهو يحك فروة رأسه بحيرة من أمره.

_ بس أي؟.

 

سألته بعدم فهم فأجاب عليها بخجل:

_ مش هعرف أصلي.

 

غرت فاهها وقالت بتلقائية وبأسلوب فكاهي:

_ حداك عذر إياك؟.

وضحكت رغماً عنها، فعقد مابين حاجبيه وأجاب بإمتعاض:

_ لاء يا ظريفة، أنا قصدي مش هعرف أصلي بيكي أمام، مش متذكر أركان الصلاة أوي وخايف أتلغبط.

 

أتسع فمها أكثر من التعجب والدهشة فقالت بمزاح ساخر:

_ هو الوالد والوالدة معلمكش تصلي كيف؟.

 

أغمض عينيه لثوان وتذكر والده الذي لم يهتم لأمره يوماً ولم يعلمه أمور دينه بل كان والده تاركاً للصلاه.

أومأ علي سؤال زوجته بالنفي و رأت الحزن في عينيه فأرادت تغير الأجواء فاخذت تتمتم مازحة:

_أبوك معلمكش الصلاة وهملك إكده وأتلاجيت بسليم زعيم كفار قريش وبجيتو أصحاب وحبايب، ياخوفي لتطلع في الآخر مُلحد، يبجي إكده المرار الطافح الي عيشته طول حياتي ختمها بخازوق أزرج كيف لون عينيك.

 

لم يفهم من حديثها شيئاً:

_ أنتي عماله تبرطمي بتقولي اي؟.

 

أمسكت بيده وقالت:

_ جوم بس الأول وروح أتوضي، عقبال ما أغير الفستان لأچل هتوضي وقبل مانصلي هجولك كيف تصلي وبيا كمان، أتفجنا؟.

 

أمسك بكفها وطبع بداخل راحته قبلة عاشقة:

_ أتفقنا يا حياتي.

 

_ وبعد مرور دقائق وقفت أمام المرآه تغلق مشبك الحجاب بعدما أبدلت ثوبها بإسدال للصلاة وتوضأت، وكذلك هو بعد إنتهاءه من الإستحمام وأرتدي ثياباً قطنية، وقف خلفها يحدق في ملامحها التي تزداد جمالاً وإشراقاً كلما ينظر إليها.

أستدارت إليه لتنتشله من شروده ونظراته التي تخترقها، فقالت:

_ رايده منك تركز وياي زين جوي، ماشي؟.

 

أومأ لها قائلاً كتلميذ نجيب:

_ يحضرلك الخير يا حبيبي.

 

أتسعت إبتسامته فأزداد وسامة أكثر، صاحت في وجهه:

_ لاء بجي، إكده مينفعش عاد.

 

حدجها بعدم فهم مندهشاً:

_ فيه أي؟.

 

تمتمت بدون أن يسمعها جيداً:

_ فيه حاچات كتير، أعلمه كيف نصلي وهو عمال يبحلق فيه بعينيه الزُرج دول، أستغفرالله وأتوب إليه.

 

زفر بنفاذ صبر قائلاً:

_ أنتي عماله تكلمي نفسك بتقولي أي؟.

 

ضحكت وأجابت:

_ بجول يلا نخلصو في ليلتنا الي مافيتاش دي.

 

وقفت أمامه تخبره وتعلمه كيفية أداء الصلاة، بينما هو كان ينظر إليها ويشعر بأن ما بداخله قد تعدي مرحلة الإعجاب بل الحب أيضاً، تعلقه وشعوره نحوها أصبح تعلق عاشق بمعشوقته، الفتاة الوحيدة التي وجد فيها كل ما يتمناه، فقربه منها يشعره بالدفء والحنان الذي لم يجدهما حتي في أقرب الناس إليه.

 

أفاق من شروده علي قولها له:

_ يلا لأچل تصلي بيا إمام، تعرف ولا ماتعرفش؟.

 

هز رأسه مبتسماً:

_ هاعرف إن شاء الله.

 

تقدمها بخطوة وهي خلفه فرفع صوته:

_ الله أكبر.

وبدأ بتلاوة آيات سورة الفاتحة في خشوع، يشعر برجفة تسري في عروقه وطمأنينة وسكينة تملأ قلبه كلما نطق لسانه بآيات الذكر الحكيم والقيام بكل ركن كالركوع والسجود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وصل مبكراً أمام المركز الصحي الخاص بسكان النجع،  ترجل من سيارته وهو يمسك بهاتفه لا يكل ولايمل عن الإتصال عليها ولم يجد إجابة،  يريد الإطمئنان عليها ويخشي الذهاب إلي منزلها ويحدث سوء تفاهم ينتهي بكارثة أو يسبب لها مشكلة مع أسرتها.

ركضت نحوه مساعدته عندما رأته:

_ صباح الخير يا دكتور.

 

أغلق شاشة هاتفه و وضعه في جيب بنطاله:

_ صباح النور يا مديحة، فيه حالات النهاردة؟.

 

سارت خلفه وهي تجيب عليه:

_ أيوه يا دكتور، عشر حالات حاچزين تذاكر ومستنين حضرتك.

 

ألقي نظرة علي ساعة معصمه:

_ طيب خمس دقايق ودخليلي أول حالة وياريت ماسمعش خناقات زي كل مرة، إحنا مش في طابور عيش.

 

أومات له:

_ أمرك يا دكتور.

 

ولج إلي داخل الغرفة وخلع سترته وألتقط مأزره الطبي المعلق علي المشجب ليرتديه، جلس خلف مكتبه وأطلق تنهيدة حارة متمتماً:

_ ياتري أنتي عاملة إيه يا فاطمة!.

 

أرتفعت الأصوات بالخارج بين صياح المساعدة و رجل يريد الدخول إلي الطبيب عنوة:

_ لو سمحت يا فندم جولتلك روح اجطع تذكرة بچنيه وأستني دورك.

 

أجاب الآخر بصياح:

_ أفندم أي يا أبله شيفاني لابس بدله إياك، بجولك أمي تعبانه ومجدراش تيچي المركز أهنه.

 

_ والدكتور عنده حالات دلوق ومينفعش يهملهم ويچي وياك.

 

خرج يحيي ليري ما الأمر:

_ أي الدوشه دي يا مديحة؟.

 

وقبل أن تتفوه بكلمة ركض إليه هذا الرجل ذو المظهر الغريب وقال بتوسل وشيك علي البكاء:

_ أبوس يدك يا دكتور أمي بتموت، مجدراش تاخد نفسها وماعرفش أچيبها أهنه ماتستحملش الحركة واصل.

 

ربت الآخر عليه ليطمأنه وقال:

_ أهدي كده إن شاءالله خير، إستناني هادخل أجيب شنطتي وجاي معاك.

 

رفع يديه لأعلي وأخذ يدعو:

_ الله يباركلك يا دكتور ويخليك لينا قادر يا كريم.

 

أرتدي سترته وأخذ حقيبة أدواته الطبية وغادر برفقة الرجل ذو الملامح المريبة، وعند وصوله إلي سيارته سأله :

_ البيت قريب ولا بعيد عن هنا؟.

 

أجاب الآخر:

_ قرب المعبد مش بعيد جوي يعني.

 

فتح باب سيارته وقال:

_ طيب أركب بسرعة.

 

وبعد دلوف كليهما إلي السيارة أنطلق بها حتي توقف امام منزل قديم في منطقة نائية عن المنازل الأخري.

_ أيوه هو ده بيتنا يا دكتور.

 

أشار يحيي إليه لينزل من سيارته:

_ ممكن تنزل عقبال ما اركن العربية علي جمب وأحصلك.

 

أرضخ الرجل لطلبه حتي لايشك في أمره وعندما لحق به الآخر، وجد باب المنزل يُفتح من الداخل.

_ أتفضل أدخل يا دكتور.

 

وبمجرد قدمه تقدمت بخطوة إلي الداخل دفعه الرجل بقوة، وكان يوجد آخر ينتظرهم هبط علي رأسه بعصا غليظة جعلته يفقد وعيه في التو.

 

_ وفي مكان آخر، أستيقظ بفزع بعدما ألقي علي وجهه دلو من الماء، أرتفع شهيقه ليلتقط انفاسه.

 

_ أخرچو أنتو يا رچالة، رايد أجعد ويا الدكتور لوحدنا، بينتنا حديت كتير.

 

قالها رافع الذي وقف أمام يحيي المقيد في الكرسي بأحبال قوية، يحدجه بنظرات نارية قاتلة:

_ مش هاستغرب من خطفك ليا، مش جديد ولا غريب علي مجرم زيك.

 

قهقه رافع عائداً برأسه إلي الوراء حتي ظهرت كل أسنانه، تحدث بهدوء مضاد للنيران المندلعة بداخله ود لو أطبق علي عنقه بقبضته حتي تفارق روحه جسده، لكنه لم يفعل ذلك سوي بعد معرفة مكانها أولاً.

_ أني مچرم ويا الي يعاديني ويحاول ياخد حاچة تخصني يا دكتور.

 

رمقه بعدم فهم ما يشير نحوه بكلماته المبهمة فقال:

_ تقصد أي بكلامك؟.

 

كشر الآخر عن أنيابه ليكشف له عن وجهه القبيح، دنا إليه و حدجه بنظرة مخيفة تخبره أن إنكار الأمر ليس في صالحه قط:

_ فين فاطمة يا يحيي؟.

 

تجلت الصدمة علي ملامحه، هل هذا الأخرق يتهمه بإختطاف مجبوبته!.

 

_ ما عرفش.

إجابة مقتضبة، وعينيه تنضح بصدقه، لكن رافع لايريد رؤية ذلك، فكل ما يجول في رأسه أن فاطمته قد هربت بمساعدة هذا المُكبل أمامه.

شبح إبتسامة لاحت علي محياه ولم تصل لقاتمتيه المظلمتين، خلع عبائته و وضعها جانباً ثم رفع أكمام جلبابه لأعلي ليباغته بللكمة قوية وبصياح هادر:

_ فاطمة فين يا إبن ال……..

 

أطلق صرخة قوية من شدة اللكمة مما جعله يشعر بحطام عظام فكه السفلي وتذوق دماءه بداخل فمه، أخذ يتنفس بلهاث وبتهدج واضح اجاب:

_ والله.. العظيم.. ما أعرف.. عنها حاجة.

 

ألتقط أنفاسه بصعوبة بالغة من فرط الألم الذي يداهمه بقوة، فأردف:

_ من وقت ما كنا في النادي وأنت جيت وأتضايقت مني ومنك وسابتنا ومشيت، قعدت أتصل بيها تليفونها مقفول، وبعدين مش أنا الي يخطف أو يحرض واحده إنها تهرب من أهلها، الي مرضهوش لأخواتي البنات مرضهوش علي بنات الناس.

 

لوهلة تأكد من صدق كلماته، أخرج زفرة عميقة من جوفه وهو يرجع خصلاته إلي الوراء، كاد عقله يجن من كثرة التفكير، توقف عن الذهاب والأياب ليلتفت مرة أخري له:

_ لو حديتك طلع صوح وأنت ملكش يد في غيابها، يبجي ده معناته أي!.

 

حدقه بإزدراء و رد علي حديثه بتهكم :

_ معناه أنك تروح تشوف مين الي عايز ينتقم منك في فاطمة، وأنت ماشاء الله أعداءك كتير.

 

أنقض علي ياقة قميصه ويجذبه منها هادراً به:

_ تعرف لو طلعت بتكدب عليا هسوي فيك أي عاد؟.

 

رمقه بسخط قائلاً:

_ أنا دلوقت عرفت أنها ليه مرضتش تتجوزك.

 

هزه بعنف فهدده:

_ أخرس بدل وقسماً بالله لأجطع لك لسانك وأبلعه لك، ولعلمك بجي أنت هاتفضل مشرفنا أهنه لحد ما ألاجيها، وكيف ما جولتلك لو طلع ليك علاقة بإختفاءها لأكون دفنك مطرحك حي.

 

قالها وتركه ثم بصق جانباً، أرتدي عبائته وأمسك بعصاه منادياً:

_ تعالي يا زفت منك له.

 

دلف رجلان فقال كليهما:

_ أمرك يا كبير.

 

_ عينكم عليه ولو حوصل حاچة بلغوني علي طول.

 

أومأ أحدهما:

_ أمرك يا رافع بيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ أستيقظت من نوم عدة ساعات لتجده يدلف إلي الغرفة يرتدي مأزره القطني،  يبتسم إليها:

_ يلا قومي يا كسلانة.

 

تثائبت واضعة كفها علي فمها ثم قالت بصوت به آثار النوم:

_ صباح الخير.

 

فتح الخزانة وأخذ حقيبة سفر و وضعها علي طرف السرير:

_ إحنا بقينا الضهر.

 

نهضت بجذعها ثم سحبت هاتفها من جوارها علي الكمود تنظر في شاشته:

_ ياه إحنا بقينا الضهر فعلاً.

 

رمقته بإستفهام وأردفت بتساؤل:

_أنت مسافر ولا أي؟.

 

وضع أخر قطعة ثياب فأغلق سحاب الحقيبة، وأجاب:

_ للأسف جالي تليفون الصبح بدري إن أجهز نفسي لمهمة في جنوب سينا يا عالم هنقعد أد اي هناك.

 

أمتعضت ملامحها قائلة:

_ كل ما نقضي لنا يومين حلويين يجي شغلك الرخم وياخدك مني، حاجة آخر أرف، أوف.

زفرت بتأفف.

خطي نحوها وجلس بجوارها ليمسك وجنتها بأنامله:

شغلي الرخم والمؤرف ده، مضطر أستحمله عشان أجيب لكم كل الي نفسكم فيه، مفيش حاجة حلوة بتيجي بالساهل، صح ولا كلامي غلط؟.

 

أرتمت برأسها علي صدره وقالت بدلال:

_ صح يا أحلي بابا، ربنا يقويك ويعينك وما يحرمناش منك أبداً.

 

قام بتقبيل رأسها ومربتاً علي ظهرها:

_ أحلي دعوة من أجمل شفايف.

 

رفعت وجهه لتنظر له بإبتسامة أثارت جميع حواسه:

_ بذمتك شفايفي بس الي جميلة.

 

رفع حاجبيه بدهشة:

_ مش مصدق نفسي يا جدعان، ندوش حبيبتي الي كانت بتتكسف من خيالها بقت تقول كلام منحرف!.

 

لكزته في صدره قائلة:

_ طب أوعي بقي يا رخم.

 

فكادت تنهض فأمسك بساعدها ليجلسها علي فخذيه محتضناً خصرها بزراعيه:

_ تعالي هنا بهزر معاكي، وعايز أقولك مش شفايفك بس الي جميلة حاجات كتير أولاً روحك الحلوة وقلبك الحنين وحاجات تانيه كتير هبقي هقولك عليهم عملي.

و غمز لها بعينه وأردف:

_  بس لما أرجعلك بالسلامه عشان يا دوب هقوم ألحق ألبس لأن فيه عربية هتعدي عليا بعد ساعة.

 

زمتت شفتيها بحزن وعانقته بقوة:

_ هتوحشني أوي يا حبيبي.

 

بادلها العناق قائلاً:

_ وأنتي هتوحشيني أكتر  وكمان لارا، أبقي قوليلها بابي لما يرجع هيوديكي الملاهي وهيشتريلك العروسة الي بتحبيها وعلبة شيكولاتة كبيرة.

 

أبتعدت عن صدره لتعانق وجهه بكفيها تنظر في رماديتيه بعشق و وله:

_ أنا مش بحبك وبس، أنا بعشقك أوي يا أكرم.

أقتربت بشفاها لتهبط علي خاصته بقبلة مليئة بمشاعر تفيض عشقاً وهياماً.

 

أنسحبت بتروي، فقامت:

_ هاروح أحضرلك الفطار بسرعة.

 

أمسك يدها ليوقفها قائلاً:

_ أنا حضرت فطار وكلت وسبت لك الباقي في الميكرويف.

 

جذبته من شحمة أذنه برفق مازحه:

_ ليك قلب تفطر من غيري!.

 

ضحك قائلاً:

_ كنت هاموت من الجوع ولاقيتك في سابع نومه، مرضتش أصحيكي، قولت سيبها نايمه حرام عليك دي شقيانه معاك طول الليل لحد الفجر.

 

أبتسمت بخجل مما جعل وجنتيها تشتد توهجاً وحمرة، كم يعشق تلك الحمرة علي وجنتيها التي تشبه ثمرات التفاح الأحمر القاني.

 

_ ممكن تسيب أيدي أروح أخد لي دش عشان أفوق وأحضرلك بقيت حاجتك؟.

 

تمتم بالنفي:

_ توء توء، أنا خلاص حضرت حاجتي وبلبس في خمس دقايق، يعني فاضلي حوالي خمسين دقيقة من دلوقت، ياتري هعمل فيهم أي، هاتعمل فيهم أي يا واد يا أكرم.

 

كانت ترمقه بضحك علي أسلوب حديثه المازح، ففاجئها بجذبها إلي الفراش:

_ تعالي لما أقولك أيه الي أجمل من شفايفك.

 

_ يا مجنون.

صاحت بها و أخذت تضحك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ خد بالك من نفسك ومتقفلش موبايلك عشان أطمن عليك.

قالتها ندي وهي توصله إلي الباب.

 

ألقي نظرة علي هيئته قبل أن يغادر:

_ حاضر.

تمم علي سلاحه و وضعه في حافظته المعلقة ببنطاله

 

_ وأبقي خد بالك من أكلك ومتهملش أي وجبه عشان صحتك.

 

تنهد وقال:

_ حاضر،فيه حاجه تاني؟.

 

وقفت أمامه وأبعدت شئ ما قد تعلق علي كتفه:

_ آه، فيه أن أنا بحبك موت.

 

أنحني برأسه ليرسم علي شفاها قبلة ناعمة وقال:

_ وأنا بعشقك بجنون، خدي بالك من نفسك، كلمي مامتك خليها تيجي تبات معاكي اليومين دول.

 

أطبقت شفتيها بأسف:

_ ماما من وقت ما مشيت من عندها من وراها وهي زعلانة أوي مني ومبتكلمنيش.

 

ربت عليها بمؤازره قائلاً:

_ حقك عليا يا حبيبتي أنا السبب، لما أرجع إن شاءالله هابقي أروح لها وأتكلم معاها، مهما كان هي في مقام والدتي وميرضنيش زعلها.

 

عانقته بكل حب وعشق تكنه إليه:

_ ربنا ما يحرمني منك أبداً.

 

صدح هاتفه برنين، فنظر إلي شاشته ليجد المتصل سائق السيارة المنتظرة أسفل البناء.

_ أسيبك أنا بقي العربية مستنياني تحت.

 

فتح الباب فذهبت خلفه:

_ لا إله إلا الله.

 

رد قائلاً:

_ محمد رسول الله، خشي جوه وأقفلي علي نفسك، فيه عمال في الشقة الي قصادنا.

 

أومأت له بطاعة وبمزاح قالت:

_ تمام يافندم.

 

_ مع السلامة.

أوصدت الباب كما أمرها وعادت إلي الداخل، بدأت في أعمالها المنزلية اليومية حتي أنتهت منها و داهمها الشعور بالتعب، فدلفت لتغفو قليلاً.

لم تكمل غفوتها الخمس دقائق حيث أستيقظت بفزغ علي صوت مثقاب في الجدار المشترك بينها وبين الشقة المقابلة لهم.

زفرت بسأم من ذلك الصوت المزعج، وضعت وسادة علي رأسها لكن لا محالة مازال الصوت مزعجاً بل تشعر بذبذبات المثقاب.

صدح رنين هاتفها فتأففت:

_ أوف بقي، و ده مين الي بيتصل.

 

أجابت علي المتصل:

_ نعم يا عم خضر فيه حاجه؟.

 

_ معلش يا مدام ندي وآسف علي إزعاج حضرتك ممكن تشوفي الميه شغاله عندكم ولا لاء؟.

 

عقدت مابين حاجبيها فسألته:

_ الميه هتقطع ولا أيه؟.

 

_ لاء بس السباك الي كان شغال في الشقة الي قدامكو كان بيركب وصلات مواسير جديدة  بدل القديمة الي باظت والظاهر طلع غبي ومبيفهمش حاجة وبوظ الدنيا وحضرتك زي ما عارفه أن مواسير الميه مشتركة مابين الشقتين.

 

صاحت بغضب:

_ وأنت كنت فين يا عم خضر من كل ده،  سايب كل واحد بيشتغل علي مزاجه!.

 

_ والله يا مدام ما كنت أعرف،  حتي البيه الي مأجر لسه جاي و……

 

قاطعته وهي تجز علي فكها:

_ طب أقفل وأنا هاتصرف.

أغلقت المكالمة علي الفور وهي تزفر قائلة:

_ أبتدينا الأرف بقي،  ما كانت الشقة فاضية ومرتاحين.

 

أرتدت وشاحها وقررت الذهاب لتضع حداً لما يحدث،  غادرت منزلها لتجد باب الشقة المقابلة مغلقاً،  ضغطت علي زر الجرس وأنتظرت لثوان فكادت تضغط مرة أخري، فُتح الباب فأندفعت بالقول بحدة:

_ الي بيحصل ده يا…..

 

تسمرت وصمتت كأن أصابها الخرس، يقف بكامل هيئته أمامها وبتحدي سافر يحدجها وكأن عينيه تقول لها أرني ماذا لديك!.

أصابتها صدمة، ولا تغفل تلك الإبتسامة المتوعدة التي تملأ ثغره:

_ كنتي فاكراني بهددك وخلاص في آخر رسالة بعتهالك؟.

 

وقبل أن تجيب علي كلماته الإستفزازية سمع كليهما صوت المصعد يتوقف في الطابق،  جذبها  للداخل لديه وأغلق الباب.

صاحت به:

_ أنت بتعمل أي؟.

 

كمم فاها وقال:

_ أهدي كده و وطي صوتك بدل ما حد يسمعنا من الجيران.

 

جزت علي شفتها بحنق شديد:

_ يا بجاحتك يا أخي،  وكمان مش مكفيك الي عملته فيا وفي حياتي الي كانت هتتخرب علي إيديك جاي بكل وقاحة تسكن قصادي،  للدرجادي بايع روحك!،  مش خايف لجوزي يشوفك ويقتلك!  .

 

أمسكها من عضديها و دفعها إلي الحائط:

_ أه بايع روحي،  سابق وقولتلك أنتي ملكي يا ندي وهاتبقي بتاعتي أنا،  أنا سكت بس الأيام الي فاتت لما تعبتي ودخلتي المستشفي،  والظاهر أفتكرتي سكوتي إن بعدت وأستسلمت،  دلوقت جيت لك عشان أثبت ليكي إن لسه علي وعدي وكلامي.

 

دفعته في صدره بكل قوتها:

_ أفهم بقي،  الي فيه ده ما اسمهوش حب ده مرض نفسي ولازم تتعالج منه.

 

تحولت ملامحه إلي وحش كاسر شديد الغضب،  أصبحت عروق عنقه بارزه، يزفر أنفاسه وكأنها ألسنة لهب.

_ أنا مش مريض يا ندي، أنا واحد كل ذنبه إنه حب بجد، سلم قلبه لواحدة غدرت بيه.

 

_ أيوه جينا للنقطة المهمة،  واحدة غدرت بيك،  أديك قولتها أنا غدارة،  وخلاص خلصنا، جاي ترمي بلاك عليا ليه،  عايز أي من واحده باعتك ومش عايزاك!.

 

أحتقن وجهه بالدماء ليصرخ بها:

_ كدابة،  أنتي حبتيني زي ما حبيتك،  بس زي أي واحدة دورت علي مصلحتها وكنت لسه علي أد حالي عشان كده سبتيني.

 

_ أنا والله م….

قاطعها رنين جرس المنزل،  أتسعت عينيها بخوف،  اشار إليها بالإختباء في المطبخ،  سمعت صوت حارس العقار،  خشيت أن يراها فأسرعت بالمغادرة عبر باب المطبخ لتدلف إلي شقتها وأوصدت الباب خاصتهم من الداخل جيداً،  أخذت تردد بخوف لما هي مقبلة عليه:

_ الله يخربيتك،  الله يخربيتك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ ينتهي الحاج نعمان من إرتشاف قهوته فوضع القدح جانباً وقال:

_ ها يا قاسم،  خلصت تسجيل بيانات كل صندوق؟.

أجاب فارس وهو يضع الدفتر أمامه:

_ كله تمام يا حاچ،  هنا سچلت لك كل أرقام الصناديق وقدام كل رقم نوع البضاعة الي چوه الصندوق و فرزتهم حسب كل لون ومقاس كمان.

أبتسم نعمان وقال:

_ عفارم عليك،  للمرة الألف أتأكد إني نظرتي فيك ماتخيبش،  ده أنت ما شاء الله ولا أجدعها كمبيوتر.

 

بادله فارس البسمة وقال بخجل:

_ الله يخليك ويكرمك يا حاچ،  يعلم ربي أنا بعزك وحبيتك كيف والدي الله يرحمه.

 

_ سلامو عليكو يا حاج.

قالها هذا الدخيل الغير مرحب به،  أجاب نعمان بإمتعاض:

_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،  خير يا ممدوح؟.

 

كان يرمق فارس بإزدراء وكأنه حشرة قبيحة أمامه، جلس بدون أن يستأذن من الحاج نعمان وقال:

_ كل خير يا حاج إن شاء الله، ياريت بس نبقي علي راحتنا.

 

أدرك فارس إنه لايريد وجوده فقال:

_ طب عن أذنك أنا يا حاچ،  هاروح أشوف الزباين.

 

_ أتفضل يابني.

قالها و زفر بسأم من هذا الممدوح الذي لا يمل عن طلبه الأحمق

فقال في نفسه:

_ إبنك!،  ده شكل الحكاية جد والواد إبن ال…. واكل بعقل الحاج حلاوة وعينيه علي البت،  لاء ده أنا لازم أتحرك وأسبقه،  وعلي رأي المثل الي سبق أكل النبق.

 

أنتبه لصوت نعمان الرخيم وهو يقول له:

_ وأي الخير الي جاي لي فيه ده يا ممدوح،  أصلها مش عوايدك.

 

مسح بلسانه علي شفته السفلي وبدأ الحديث:

_ صلي علي حبيبك المصطفي.

 

_ عليه أفضل الصلاة والسلام.

_ من الآخر كده جاي لك وكلي عشم إنك متكسفنيش،  أنا طالب أيد ست الحسن والجمال الآنسة شهد بنت حضرتك.

 

زفر نعمان و ود لو قذفه بالقطعة الخزفية التي تزين أعلي مكتبه:

_ وأنا كل مرة تيجي تطلبها وبقولك لاء والمرة دي بقولك مليون لاء يا ممدوح،  ولم نفسك بدل ما أروح أبلغ حريمك التلاته إنك عايز تتجوز عليهم واحده رابعة.

 

أنفرجت شفاه بإبتسامة صفراء ماكره:

_ هو أنت ما عرفتش،  مش أنا طلقتهم التلاته،  كل يهون عشان خاطر عيون الآنسة شهد.

 

نهض نعمان وقد أنتفخت أوداجه و غضبه قد وصل لحلقه فلم يستطع صبراً علي هذا الحقير،  فصاح به:

_ وأنت فكرك لو طلقت مرتاتك التلاته كده هوافق!، دي كل واحده منهم مخلفه لك تلات عيال،  هان عليك عيالك!،  و جاي وفاتح صدرك وفرحان أوي،  يا أخي أتكسف علي دمك ده أنت ضعف عمرها،  دي تقولك يا عمو وأنت جاي تقولي عايز تتجوزها!.

 

كانت كلماته مثيرة لحنق وغيظ الآخر مما دفعه للصياح بما لا يتوقعه الحاج نعمان:

_ ده مين ده الي تقوله يا عمو!  ، الحق عليا جيت عشان أستر عليها.

 

جحظت عينيه فصاح بغضب:

_ أنت واعي للي بتقوله؟،  لم لسانك يا ممدوح إلا وأقسم بالله لأندمك علي كل كلمة قولتها سواء في حقي أو حق بنتي.

 

وقفت الزبائن لتشاهد تلك المشادة الكلامية فقال لهم فارس:

_ يلا يا جماعة من هنا لو سمحت.

و ذهب إلي جوار نعمان،  فهب ممدوح متشدقاً:

_ أهو جه سي روميو.حدثه فارس بحدة:

_ مالك يا چدع أنت،  أجف عوچ وأتحدت عدل،  ولا محرمتش من العلقة الي فاتت إياك!.

 

صاح به الآخر بإحتقار:

_ لما أسيادك يتكلمو ماتتدخلش مابينهم يالاه.

 

كاد يرد فارس عليه فأوقفه نعمان بإشارة من يده وقال:

_ أمشي يا ممدوح بدل ما أنادي لك الأمين شوقي يجي يشوف شغله معاك.

 

_ هي بقت كده!، طب قبل ما امشي أحب أقولك حتة العيل الي بتنادي له يابني،  مقرطسك ومركبك قرون، من الآخر مظبط مع بنتك وسيرتهم في الحته علي كل لسان.

 

هنا فارس لم يتحمل إتهام هذا الوقح:

_أنت راچل ك..

 

قاطعه نعمان بعدما رأي هذا الحشد أمام المتجر يتجمع علي صوت ممدوح:

_ قطع لسان كل الي يخوض في سيرة بنتي،  أه هي علي علاقة بقاسم.

 

أتسعت رماديتيه وصعق من ما يصرح به الحاج نعمان الذي أردف:

_ قاسم يبقي خطيب شهد وقاري فاتحتها معايا،  حد ليه شوق في حاجة؟.

 

كانت نظرات ممدوح لفارس مليئة بالكراهية والحقد لأنه أطاح بكل مخططاته وهي الإستيلاء علي ممتلكات أكبر تجار المنطقة والظفر بإبنته ذات الجمال والمال.

وبعدما أنفض هذا العراك اللفظي، جلس نعمان خلف مكتبه وهو يزفر من أعماقه قائلاً:

_ تعالي ياقاسم أقعد.

 

جلس فارس ولم يدري كيف يقول أو ماذا يخبره.

_ أنا عارف إن الي قولته للكلب الي أسمه ممدوح عن موضوع إنك خاطب بنتي ده ضايقك، بس غصب عني مكنش قدامي غير كده، بعد الي قاله الحيوان علي بنتي.

 

رد فارس بإحراج:

_ولايهمك يا حاچ، أني خابر زين الي بتجوله.

 

انحني إلي الأمام وهو ينظر له بتمعن وقال:

_ بس الي قولته مش مجرد كلام وراح لحاله.

 

أزدرد فارس ريقه بتوتر من ما يتوقعه من قول الآخر، فسأله:

_ تجصد أي يا حاچ؟.

 

وبالخارج كانت قد ترجلت من سيارة الأجرة فدلفت علي صوت والدها وهو يقول:

_ المثل بيقول أخطب لبنتك، وأنا مش هلاقي حد أحسن منك أأمنه علي شهد بنتي!.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ ومعكم الآن الفنانة الإستعراضية ذات الحركات اللولبية سمارة مهلبية.

كان يصيح بها المسئول عن تشغيل الأغاني،  فصعدت علي ساحة الرقص سمارة بطلتها التي تقوم بإغواء كل الرجال في الملهي،  بدأت ترقص علي إيقاع الأغنية الشعبية التي تسمي بالمهرجان.

كانت جميع الأعين تترصدها كالشاه التي تتراقص أمام ذئاب تلهث من العطش والجوع،  مُرتدية ثوب الرقص العاري يظهر أعلي مفاتنها،  ويكشف خصرها العاري الذي تجعله يرتجف ويهتز علي إيقاع الطبلة.

وبعد إنتهاءها من وصلة الرقص التي أستغرقت أكثر من نصف ساعة، عادت إلي غرفتها وخلفها في الرواق حارسها الشخصي:

_ والاه يا تايسون كلم البت نواعم  عشان نسيت موبايلي في البيت، قولها تنجز وتجيب لي البدلة الدهبي.

 

أجاب بصوته الغليظ:

_ أمرك يا فنانه.

 

دخلت غرفتها و ذهبت خلف الكرڤان لتبدل ثوب الرقص بمأزر حريري حتي تأتي مساعدتها بالثوب الآخر.

وقفت أمام المرآه تضيف لوجهها بعض المساحيق التجميليه،  فصرخت بفزع عند رؤية الجالس علي الأريكة المخملية في آخر الغرفة:

_ بسم الله الرحمن الرحيم.

 

نهض وخطي نحوها بثمالة:

_ شوفتي عو ولا أي؟.

 

قالت بدون أن يسمع:

_ أحيه،  ده شكله سكران وجاي يطلعهم عليا،  هو أنا ناقصه.

 

أبتسمت بتصنع:

_ أي ده يادي النور،  اللول مشرفني هنا وفي أوضتي المتواضعه،  ده أنا مش قادرة أوصف لك أنا اد أي فرحانه و من كتر الفرحه نفسي أرقص.

 

أقترب منها وبنظرات تنضح بالرغبة المحرمة:

_ ما ترقصي،  ده أنتي كنتي مولعاها بره في الصالة.

 

لكزته بخفة في كتفه وقالت بدلال سافر:

_ رقصي عاجبك؟.

 

وضع يديه علي خصرها:

_ كل حاجة فيكي عجباني.

كان في ذلك الحين لايري أمامه سمارة الراقصة بل يري الأخري التي سلبت عقله وفؤاده.

_ أعملك أي عشان ترضي عني وتحبيني زي مابحبك، أرجوكي ماتبعديش عني ياندي.

 

عانقها بقوة فقالت الأخري:

_ ندي مين يا أخ علي،  أنا سمارة لحقت تنساني،  سي علي فوء كده وحياة أبوك،  البت اللبيسه بتاعتي زمانها جايه ولو شافتنا في الوضع ده هتفهمني غلط،  وأنا ست بتخاف علي سمعتها،  آه يا اخويا الواحده فينا عبارة عن سمعة، يرضيك يتقال عليا دي بتعرف راجل علي راجلها!.

 

أنتبه لصوتها فأبتعد و أرتمي علي أقرب كرسي له:

_ آسف، شكلي تقلت في الشرب.

 

فتحت الثلاجة الصغيرة وتناولت زجاجة مياه:

_ خد أشرب ورش علي وشك شوية ميه ساقعه خليك تفو….

لم تكمل كلماتها لتجده يفتح الزجاجه ويسكبها فوق رأسه، تأوه من برودة المياه المثلجة،ورطب وجهه بقليل من الماء حتي شعر إنه بدأ يعود إلي ثوابه.

سألته وهي تنظر إلي ملامحه التي عادت لطبيعتها:

_ بقيت كويس؟.

 

أومأ لها بالإيجاب:

_ شكراً.

 

_ العفو، علي أي ده أنت صعبت عليا لما قعدت تجيب سيرة البنت الي بتحبها وعمال تتحايل عليها.

 

أطلق تنهيده حاره يتذكر كل ما مر به مع ندي، فأخذ يقص عليها كل شئ إلي ما أن وصل إليه وأصبح جارها.

بينما في منزلها كان قد أستيقظ لتوه، بحث عن هاتفه لكنه لم يجده، لاحظ وجود هاتف سمارة فأخذ ينادي عليها:

_ سمارة، يا سمارة، أني هارن علي موبايلي من عندك.

 

وبعدما ضغط علي إسمه من هاتفها وجد هاتفه يرن في الردهة، علي الطاولة بجوار منفضة السجائر.

ذهب يبحث عنها في أرجاء المنزل ولم يجدها، جلس علي الكرسي المهتز:

_ دي باينها راحت الكباريه ونسيت الموبايل أهنه، إبتسم بمكر وقال لنفسه:

_ لما أشوف بتتحدت ويا مين ولا مين بيتحدت وياها.

قام بفتح سجل الإتصال الوارد والصادر فوجد إسم علياء، فقال بتعجب:

_ علياء؟،دي ملهاش حد تعرفه غيري أني ونواعم والواد تايسون البودي چارد!.

قام بفتح صندوق الرسائل ليجد رسالة صادره من علياء، ضغط عليها وبدأ بقراءتها

(أنا جاي لك النايت النهاردة أستنيني في أوضتك الي بتغيري فيها )

 

أعاد قراءة الرسالة  مراراً وتكراراً:

_ يا بت ال….. سمر عتخونيني مع واحد ومسمياه علياء لأچل ماشكش فيكي، والله ما أني رحمك من الي هسوي فيكي عاد.

 

نهض وأرتدي ثيابه بنطال وقميص قطني، وعند خروجه من المنزل أصتدم بنواعم التي صاحت به:

_ ماتفتح يا زكريا بيه، ده ماله ده واخد في وشه ومش شايف قدامه!.

 

وبالعودة إلي الملهي، تنهدت سمارة وهي تعود بظهرها مستنده إلي ظهر الكرسي:

_ ياه علي الدنيا، فعلاً مبتديش كل حاجة، متدكش غير خوازيق وبس.

 

رمقها بتعجب فأردفت:

_ مالك بتبص لي كده ليه، أيوه إسمع مني ده أنا ياما شوفت، يعني أنت ركز في حياتك كده الي إسمها ندي دي أدتلك خازوق الي هو سابتك وراحت أتجوزت قومت أنت أخدت صاحبتها وأنتيمتها مروة كوبري عشان تعرف كل أخبارها ومروة بتحبك قومت ردتلها نفس الخازوق بس علي أصعب وما أعرفش الهبلة دي إزاي سلمتلك نفسها كده.

 

أرتشفت قليل من الماء لتستطرد:

_ يعني عندك أنا وأعوذبالله من كلمة أنا، مخلتش سي زكريا يلمس مني شعره واحده غير لما كتبنا ورقتين عرفي وشهود، أيوه أومال أي الي يضمنلي حقي لو حب يخلع أو يخلي بيا.

 

ضحك علي من مبادئها العجيبة:

_ عارفه ياسمارة أنتي بتفكريني بنفسي زمان، أيام ماكنت غلبان وطيب.

 

باغتته بمصارحتها التي لاتخلو من الفكاهه:

_ قصدك تقول لما كنت عبيط وأهبل.

 

_ والله ما ليكي حل خالص.

قالها وأخذ يضحك

 

ردت عليه بتلقائية:

_ أصلي  بحب الصراحه وبكره النفاق و مليش في اللف والدوران.

 

أومأ لها مبتسماً:

_ ما هو واضح فعلاً.

 

_ طيب بقولك أي بما أنك كده ياعيني محتار وصعبان عليا، انا عندي ليك فوكيره هاتعجبك أوي.

رمقها منتظراً ما ستملاه عليه:

_ البت مروة دي شكلها بتحبك أوي وحرام بعد ما ضيعتيها تخلي بيها، أي رأيك تكتب عليها وتعيش معاك في الشقة الجديدة الي أنت فيها عشان لو جوز ندي عرف إنك سكنت قصادهم ممكن يعمل معاك الجلاشه، أو يديلك تذكرة للأخرة، فلو عرف إنك متجوز مروة وعايشين مع بعض في تبات ونبات مش هيقدر يقولك أي الي جابك هنا.

 

_ أنا جيت لأچل أشوف وساختك يا خاينة يا فاچرة.

صاح بها زكريا بعدما أطاح بالباب ودلف كالعاصفة الهوجاء، أنتفضت بخوف:

_ سي زكريا؟.

 

وثب كالفهد نحوها وقبض علي خصلاتها:

_ أيوه زكريا الي غفلتيه وهملتيه نايم وچيتي تجابلي عشيجك يا خاينة.

 

نهض علي ليدافع عنهما:

_ أسمع يا أستاذ زكريا، حضرتك فاهم غلط خالص.

 

تركها ليمسك بتلابيب الآخر وأخرج من جيب بنطاله هاتفها:

_ مش دي رسالتك ورقمك الي مسچلاه الهانم بعلياء!.

 

صاحت به لتبرير موقفها:

_ أنا سجلته بعلياء خوفت منك لتفهم غلط.

 

_ ده أنتي الغلط بذات نفسه، والله لأفرچك.

 

أمسك علي بأيدي زكريا:

_ ممكن تهدي بس ونتفاهم، أنت دخلت لقتنا قاعدين بإحترامنا.

 

_ أنت عتضحك عليا بكلمتين إياك، فاكرني عيل أهبل من البندر!.

 

قالها وأخرج من جيبه الآخر مُدية وقام بفتحها، أقترب منه علي مهدداً إياه:

_ شيل يا حلو اللعبة الي في أيدك دي بدل ماتعورك ولا أخلي الجارد يجو يشيلوك ويرموك بره.

 

وكعادة زكريا لم يستمع لصوت عقله وسار خلف شيطانه:

_ أني هافرچك اللعبة دي هاتسوي فيك أي.

هدر بها وأنقض علي الآخر ليغرز مديته في جانبه.

 

#الفصل_السادس_والعشرون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ فتح عينيه ببطئ ليجد نفسه يتمدد فوق سرير بداخل غرفة يسودها اللون الأبيض ورائحة المُطهر تخترق أنفه، أنتفض بفزع عندما ظهرت له من العدم باللهفة وقلق :

_ حمدالله على سلامتك يا سي علي، ألف لابأس عليك يا أخويا، إن شاء الله عدوينك والي يكرهك يارب.

 

حرك يده ورفعها قليلاً و رأي المحلول المعلق بيده، فسألها بصوته المتألم:

_ أي الي حصل؟.

 

حركت شفاها بإمتعاض وقالت بصوت غير مسموع:

_ هار أسوح، أقول له أنت هنا عشان جوزي غزك بالمطواه!.

 

إبتسمت بزيف وأجابت:

_ مفيش، ده مجرد جرح بسيط الحمدلله، بس هم مش أدولك بنج عشان كمية الخمرة الي شربتها، أضطرو يخيطو جرحك من غير بنج فضلت تتوجع جامد يا قلب أمك وأغمي عليك من الوجع.

 

قطب مابين حاجبيه يتذكر ما حدث معه، فقاطعه دلوف الطبيب وبرفقته مساعدته وبرفقتهما رجل عندما رأي سمر وصاح:

_ مين الي دخل البت دي هنا؟ ، مش أنا قولت ممنوع حد يدخل يقعد مع الحالة؟.

 

رمقته سمر بإزدراء وقليل من الخوف لأنها تعلم من يكون:

_ جري أي يا حضرة الظابط، أنا دخلت له أطمن عليه، هو أنا كده أجرمت ولا أجرمت يعني؟.

 

قبض علي ياقة كنزتها من الخلف:

_ بت أنتي بطلي شغل العوالم بتاعك بدل ما هخلي جوز العساكر الي واقفين بره دول يجرجروكي علي القسم.

 

رددت بتوتر:

_ قسم!، قسم أي كفي الله الشر، أنا ست عايشة في حالي.

 

رفع إحدي حاجبيه لها:

_ ولما أنتي عايشة في حالك بتعملي أي هنا؟، وعلاقتك أي بأستاذ علي ده غير إنه زبون عندكم؟.

 

_ ده، ده،ده…

ظلت تكررها فأجاب علي بوهن بدلاً منها:

_ مدام سمر تبقي معرفة.

 

رمقه الضابط بشك وريبة ثم قال لها بأمر:

_طيب ممكن تطلعي بره عشان نشوف شغلنا.

 

أومأت له وقالت:

_ حاضر يابيه.

وقبل أن تذهب نظرت إلي علي لتتوسله بنظراتها أن لا يخبرهم بأن من فعل به ذلك هو زوجها زكريا، أومأ علي لها بعينيه ليطمأنها، زفرت بأريحية وخرجت.

أنتهي الطبيب من التغير علي جرحه المقطب:

_ حمدلله على سلامتك يا علي بيه، الجرح مكنش عميق وكويس أنهم لحقوك وجابوك علي المستشفي قبل ماتنزف كتير.

 

حاول النهوض بجزعه لكنه تألم فساعدته الممرضة علي عدول جلسته بوضع وسادة خلف ظهره، تنهد ويجز علي أسنانه بألم:

_ الله يسلمك يا دكتور، هو أنا ينفع أخرج دلوقت؟.

 

أومأ له مجيباً:

_ لاء طبعاً ممكن علي بكره أو بعده، بس تمشي علي الأدوية الي هكتبهالك خاصة المضاد الحيوي والمُسكن.

 

تدخل الضابط قائلاً:

_ بما أن حضرتك بقيت في حالة تسمح أنك تتكلم ياريت نبدأ الإجراءات وتقولنا مين الي عمل فيك كده؟.

 

هز رأسه بإنكار:

_ معرفش.

 

وجد الضابط يرمقه بعدم تصديق فأردف:

_ قصدي يعني مشوفتش، كل الي حصل وأنا خارج من النايت كانت فيه خناقه روحت أشوف فيه أي، حصل الي حصل وما شوفتش مين الي عمل فيا كده.

 

زفر الضابط بعمق وقال:

_ وبالنسبة للكاميرات الي مفيهاش ولا كلمة من الي حكيته، وكل الي شوفناه إنك دخلت أوضة الرقاصة سمارة وهي دخلت بعدك لما خلصت رقص وبعدها بشوية جه واحد وبعدها جت الإسعاف تاخدك، تقدر تفسر لي كل ده!، أنت كده بتتستر علي مجرم كان هيقتلك.

 

_ قتل أي سعادتك!،الحكاية زي ما قولت لحضرتك بالظبط ولو كانت الضربة مقصوده مكنتش سكت للي عمل كده.

 

_ بعدما سأم الضابط في إستجوابه تركه و رحل وكذلك الطبيب والممرضة، فأستغل علي ذلك ونهض متحملاً آلامه، يريد العودة إلي شقته ربما يراها فرؤيتها بالنسبة إليه هي دواءه الحقيقي، لايعلم إنها السم الزُعاف الذي سيهلكه ويذهب به إلي الجحيم.

 

خرج يتسحب فوجدها أمامه وقبل أن تتفوه أشار لها بالصمت، أذعنت له وسارت خلفه حتي غادرا المشفي.

_ مقولتليش يا سي علي ناوي تعمل أي؟.

 

أستند علي إحدي السيارات المصطفة أمام المشفي:

_ متخافيش يا سمارة، أنا قولت للظابط معرفش الي ضربني بالمطواه، و بعتذر ليكي علي المشكلة الي سببتها لك معاه.

 

رفعت زواية فمها بتهكم وقالت:

_ بلا وكسه،ده طلع ندل وجبان أول ما شاف دمك علي مطوته طلع جري وهرب، بتصل عليه موبايله مقفول، يلا أهو متعود علي كده.

 

قالتها وتتذكر جريمة قتله ورد، فسألها علي بإستفسار:

_ متعود إزاي؟.

 

أنتبهت لما تتفوه به فأجابت:

_ متعود أنه يهرب من كل مشكله، متاخدش في بالك أنت وخد بالك من نفسك، خليك واقف هنا عقبال ما أوقف لك تاكسي يوصلك.

 

أبتسم لها بإمتنان:

_ شكراً، أنا عملت أوردر لأوبر وزمانه جاي.

 

_ طيب أكلمك الولاه تايسون البودي جارد يجي معاك ويقضي لك طلباتك؟.

 

_ مفيش داعي، أنا الحمدلله زي ما أنتي شايفه قادر أتحرك، وهناك عم خضر السكيورتي بيجيب لي كل طلباتي.

 

تنهدت وقالت:

_ خلاص هابقي أتصل بيك أطمن عليك ولو فيه أي حاجه كلمني وماترددش أنا زي أختك.

 

هز رأسه:

_ طبعاً من غير ماتقولي، شكراً جداً يا سمارة.

مد يده ليصافحها فبادلته المصافحة وقالت:

_ العفو يا لول، قصدي يا سي علي، فوتك بعافية.

 

ذهبت، فوجد سيارة تابعة لهذا التطبيق الشهير، تقف أمامه، أستقلها وأنطلقت به نحو منزله.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ صرخات تشق حنجرتها لتصدح بين الجدران الحجرية في هذا النفق المظلم، يُسحل جسدها علي تلك الأرضية الصلدة قابضاً علي رسغيها، شعرت وكأن مفاصل زراعيها تنخلع بل تمزقت وهي تقاومه بكل ما أوتيت من قوة.

 

_ أفضلي صرخي للصبح محدش هايسمعك غيري، فوفري صريخك ده للي هايحصل فيكي دلوقت.

كلمات هدر بها بصوته المخيف فأدلف الرعب بداخل قلبها، ظلت تبكي و تتوسله ليعتقها من براثنه المظلمة:

_ أحب علي يدك هملني ورچعني لأهلي، وأني ما هاچيب سيرة لحد واصل.

 

أطلق ضحكاته الساخرة حتي بلغت عنان السماء، وتوقف فجاءة فأنبسطت شفاه بإبتسامة تخبرها بأن القادم ليس بالسئ فقط بل الأسوأ علي الأطلاق.

دفعها بقوة وعنف أسفل قدميه فأطلقت صرخة بآهات من كثرة ما تشعر به من آلام مبرحة في جسدها، جذب شيئاً من جواره ودنا نحوها:

_ مقولتليش يا بيبي، كنتي بتقوليلي أي وإحنا فوق؟.

 

هزت رأسها بإستنكار وتردد كالآتي:

_ ما جولتش حاچة، ماجولتش حاچة.

 

أطبق شفتيه متصنعاً التذكر والتفكير، فباغتها بصفعة دفعتها بمسافة قليلة :

_ لاء قولتي يا و….. ، وعايز أسمع منك الكلام ده تاني عشان مبقاش أظلمك من الي هاعمله فيكي.

 

شقت ضحكة هاكمة شفاها رغماً عنها لتردد كلماته:

_ مبقاش أظلمك! .

 

تجرعت ريقها ملتقطة أنفاسها بشهقات متقطعة، ثم أردفت بقهر و وهن:

_ كيف وأنت من وجت ما عرفتك وأنت ظلمني!، من أول ما شوفت خلقتك وهربت منك ورچعتني بعد ما هددتني أنك هتأذي أقرب الناس ليا!، و لا ليلة فرحنا لما أخدتني غصب لأچل تثبت لأخوي إني بت بنوت ومنها تخابره أنك راچل و قادر تسوي الي رايده وماحدش يقدر يمنعك!.

 

هدر بها من بين أسنانه قابضاً علي خصلاتها المبعثرة:

_ و هاعمل فيكي أكتر من كده طول ما أنتي بتعانديني وترفعي عينك في عيني، وسبق وقولتلك قبل كده وحذرتك بدل المرة ألف، تيجي بقي بكل جرأه و وسا…. تقفي قدامي تهدديني يا طلقك يا أما هاتروحي تبلغي عني!.

 

كان الألم بداخلها قد تصاعد كبركان علي وشك الأنفجار فأطلقت حممه المتقاذفة في وجهه:

_ أيوه أني رايده أنك تطلقني، أي الي يچبرني أعيش ويا واحد قتال قتلة، مريض نفسي، بيعذب في الي بيقع تحت يده ويجطع في جلدهم كيف الدبيحة وهي بتتسلخ، ده أي الچبروت الي أنت فيه ده يا أخي.

 

غرز أصابعه في كتفيها ليجبرها علي النهوض ويهزها بعنف :

_ لأن أنا عايز كده، و ده أسلوبي مع كل حيوان يقف في طريق سليم العقبي، وبالنسبة ليكي بقي هاتفضلي عايشه معايا لحد ما هاتموتي.

 

صرخت للمرة المائة و لم تبالي عواقب ما ستصيح به:

_ وأني لحد ماهموت هافضل أعافر لغاية ما أطلق منك ونهايتك هتبجي علي يدي وحبل المشنقة بيلف حوالين رقبتك يا ظالم يا مفتري.

 

رمقت في عينيه ألسنة لهب تتصاعد من نبع جحيم مستعر، حركتها غريزة الدفاع عن النفس للتراجع إلي الوراء خطوة تلو الأخري،تبعها بخطواته بوضع الهجوم عليها، كانت علي أهبة الإستعداد للهروب من أمامه فكان هو الأسرع والأقوي، جذبها من ساعدها وهي أجهشت بالصراخ ولم يكترث، دفعها في وسط ساحة شبه مظلمة يتسلط عليها بصيص من أشعة الشمس تتخلل من شق متصدع بالجدار.

 

ظلت تصرخ ببكاء،تمسك بساقها التي يبدو أنها قد أصيبت من تلك الدفعة العنيفة، أخذ يدور حولها كذئب يلتف حول فريسته،يراها تتلوي من الألم بداخل شراك فخه.

 

_ واضح جداً إنك أنتي الي مستعجلة علي نهايتك يا زينب.

 

قالها فرفعت بصرها إليه فرأت ما أتسعت إليه ذهبيتيها الباكية، خلع سترته وألقاها علي الأرض ثم أنتزع قميصه فتطايرت أزراره لتتناثر من حولها، ظنت لوهلة أنه سيعتدي عليها كالعادة لكنه تركها وذهب في العتمة فسمعت خطواته العائدة إليها، خفق قلبها من الخوف، أنتفض جسدها عندما رأت بريق في وسط ذلك الظلام الدامس ليظهر هذا الشئ بوضوح حتي تعرفت عليه، مهلاً إنها قد رأته من قبل!، تلك الأداة التي…

صمتت أفكارها وتوقفت بقطع الأنفاس عندما أدركت ما سيفعله بها.

 

هزت رأسها بالرفض وكأنها فقدت عقلها:

_ لا، لا، لا.

 

وثب إليها و في ثوان أصبح جسدها آسير جسده، ظهرها ملتصقاً بصدره العاري، يرفع ذلك السلاح ذو النصل الحاد بالقرب من نحرها:

_ حركة كمان و جسمك الجميل ده هيبقي من غير راس.

 

جزت علي أسنانها بوجل تحاول ألا تتحرك وعينيها تتهاوي يميناً ويساراً:

_ أجتلني وريحني من خلقتك.

 

أطلقت شهقة بخوف، أمسك بتلابيب كنزتها وبمجهود لم يُذكر قام بتمزيقها، هبط بشفاه بالقرب من أذنها ليهسهس:

_ أنا مش هاقتلك، أنا هخلي كل حته في جسمك تصرخ وتترجاني أني أموتك أرحم من الي هاعمله فيها.

 

تجرعت مرارة حلقها بغصة و الرعب يلتهمها:

_ ناوي تسوي فيا كيف ما سويت في الراچل الي جتلته!.

 

جذب خصلاتها لأسفل فتراجعت رأسها للخلف بحدة قد ألمتها، لتري نظراته المخيفة وهو يخبرها كسفاح يستمتع بالتحديق في عيون ضحيته التي تتوسله بعفوه عنها.

 

_ قصدك الي أنا سلخت جلده حته حته وهو صاحي لحد ما مات.

وبمجرد أنتهاءه من كلماته شعرت بغرز سن سلاحه في ظهرها.

 

_آه.

آهه أطلقتها للتو عندما غرزت الممرضة الإبره المتصلة بالمحلول المعلق، جعلتها أستيقظت بفزع، تتلفت من حولها بخوف، تنفست الصعداء عندما أيقنت أن ما رأته كان حلماً بل كابوساً مرعباً، سألتها الأخري بالأنجليزية:

_ كيف حالك سيدتي؟.

 

رمقتها زينب بنظرات واهية كغزال شارد في وسط غابة شاسعة، يبحث عن مأوي يحميه من الوحوش التي تتربص به.

_ أين أنا؟.

 

سألتها بللغتها لتجيب الأخري بتعجب:

_ أنتِ في منزلك!.

 

تلفتت لتري إنها بالغرفة، أغمضت عينيها تتذكر آخر الأحداث، وليتها تمتلك قدرة علي محوها من ذاكرتها التي تأبي نسيان كل شئ منذ رؤيتها لهذا السليم.

فتحت عينيها لتري الإبرة المنغرزة في ظهر يدها، قامت بنزعها، فصاحت بها الممرضة لنهيها:

_ ماذا تفعلين؟،توقفِ لم تستطعين النهوض ستصاب ِبالدوار.

وأقتربت منها لتوقفها، دفعتها الأخري عنها بعدما ألقت بالدثار من فوقها:

_ أبتعدِ عني.

 

حاولت الوقوف بصعوبة فالشعور بالخدر يسري في أطرافها، فأخذت تستند علي كل مايقابلها حتي وقفت أمام المرآه تنظر لهيئتها المزرية، خصلاتها مبعثرة علي وجهها بفوضوية وثوبها به آثار من الغبار، نظرت بتمعن نحوها وهي تتذكر.

 

(في ليلة أمس )

 

شهقت من هول ما تراه فكممت فاهها حتي لايسمع صرختها أحداً، تأكدت للتو إنها متزوجة من رجل سفاح قاتل، يحاول أن يظهر لها بمظهر الرجل ذو المشاعر الرومانسية والقلب الحنون لإستمالة قلبها ومشاعرها نحوه لكن ما حدث الآن كشف لها عن جانبه المظلم الحالك.

أنتابها الشعور بالغثيان، تراجعت إلي الوراء لتفرغ ما بجوفها، أرتمت علي الأرض في وضع الجثو لتجهش في البكاء كلما تذكرت أن شقيقها قد باعها لهذا المجرم غير مكترث بحقيقته وماذا يمكن أن يفعل بها من أذي، تتخيل نفسها مكان هذا الرجل وسليم يغرز السكين في جسدها، ليتها ما أطلقت لمخيلتها العنان، فالواقع أسوأ بكثير من الخيال.

 

وفي تلك اللحظة قد حسمت قرارها عليها تركه أو الهروب منه حتي لا يأتي يوماً وتكون أشلاء علي يديه حينها الموت منتحرة أفضل بكثير.

 

أفزعها صوته الذي دب الرعب في أوصالها:

_ بتعملي أي هنا؟.

 

جحظت ذهبيتيها وأرتجفت كل خلية بجسدها، تخشي أن تلتفت إليه ورؤية وجهه، صرخت عندما قبض علي عضدها وجعلها تستدير لتنظر إليه:

_ لما أسألك تجاوبيني، بتهببي أي هنا؟.

 

تجرعت ريقها بصعوبة بالغة، أرادت أن تجيب علي سؤاله لكن توقفت الحروف وأبي لسانها النطق ولو بحرف واحد.

هزت رأسها يميناً و يساراً تبكي، مما جعله يزداد غضباً، فهزها بقسوة:

_ بطلي عياط و ردي عليا.

 

صراخه الحاد والغليظ دفعها إلي الصياح بكلمة واحدة ظلت ترددها ببكاء :

_ طلجني، طلجني.

 

أطلق زفرة حارقة قد تفهم سبب حالتها تلك، فمن المؤكد إنها رأت ما أقترفه منذ قليل بضحيته المسجي علي الأرض بالداخل كالشاه بعد ذبحها وسلخها.

 

أبدل ملامحه من الغضب العارم إلي الهدوء المزيف، جذبها إلي صدره و مسد علي ظهرها:

_ أهدي يا حبيبتي، مفيش حاجة، تعالي نطلع علي أوضتنا.

 

دفعته في صدره بقوة صارخة:

_ مفيش حاجة إزاي!!، أني لساتني شيفاك بعنيا وأنت….

أنتابها مرة أخري الشعور بالغثيان كلما تذكرت هول ما رأته، أبتعدت قليلاً و ولت ظهرها إليه لتفيض ما بجوفها.

أقترب منها و وضع يده على كتفها:

_ أنت…..

 

ألتفت إليه مبعدة يده عنها:

_ بعد يدك عني، أنت لايمكن تكون بني آدم.

 

أمسكها من رسغها بقوة ويحاول كظم غضبه حتي لا يخسرها للأبد:

_ تعالي وأنا هافهمك علي كل حاجة، أنتي فاهمه غلط.

 

حاولت جذب يدها من خاصته ولم تستطع:

_ تفهميني أي عاد!، أني خلاص عرفت إنك مچرم وسفاح و…

 

لم يكن قادراً علي تحمل صرخاتها ونعته بتلك الصفات المُشينة لأكثر من ذلك، فباغتها بالقبض علي عنقها وبإبهامه ضغط علي العرق النابض ليمنع وصول الدماء إلي رأسها مما يسبب إليها فقدان الوعي علي الفور.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ يجول في الردهة ذهاباً وأياباً، كاد يجن جنونه لايعلم أين اختفت، ومن هذا الذي تجرأ علي خطفها!، يجدها وسيذيق هذا المختطف ويلات من العذاب، صدح هاتفه برنين فأجاب علي الفور:

_ ها فيه چديد؟.

 

_ جلبنا البلد الي إحنا فيها دار دار وسألنا كل أهلها ماحدش شافها واصل.

 

صاح بغضب:

_ ده أني لو بندورو علي إبرة في كومة جش كنا لاجينها، اجفل وما أشوفكش تتصل عليا غير لو لاجيتوها، فاهم يا زفت؟.

 

_ أمرك يا رافع بيه.

 

تحمل صينية الطعام وتنظر نحوه بإزدراء:

_ الفطور أهه.

 

ألتف لها وكان في أمس الحاجة لإطلاق نيران غضبه علي أي من يقابله حتي لاتحرقه.

 

_ ومالك بتجوليها إكده و جالبة سحنتك!.

 

تأففت وتركت الصينية أعلي المنضدة و كانت علي وشك أن تذهب، فشهقت عندما قبض علي رسغها وجعلها تجلس علي الأريكة و دنا منها:

_ تعرفي لو كان ليكي يد في إختفاء فاطمة، قسماً بالله لايهمني إنك حبلي هانزل فيكي دك وأجطع چتتك نساير وأرميها للديابة في الچبل.

 

أتسعت عينيها والصدمة منبلجة علي ملامحها، فاض بها الكيل و كفاها صبراً علي هذا الظالم، صاحت في وجهه:

_ بكفياك بجي عاد، أنا زهجت من ظلمك وچبروتك، كل يوم تذلني وتجهر جلبي ولا علي بالك، وأخرتها چاي تتهمني أني خطفت فاطمة!،ليه حد جالك عليا زعيمة عصابة إياك!، هتلاجيها طفشت من خلجتك وأرفك داير وراها كيف القراضة وبايع دمك وكرامتك قدامها…

 

_ أكتمي.

صاح بها وهو يهبط علي وجنتها بلطمة أهتز لها جسدها بالكامل، أجهشت في البكاء واضعه كفها علي أثر اللطمة:

_ بتضربني لأچل بجولك الحقيقة!.

 

نهضت وأخذت تجفف دموعها وبصوتها الباكي قالت:

_ روح يا شيخ حسبي الله ونعم الوكيل فيك.

 

أنساه شيطانه للحظات إنها زوجته وتحمل في أحشائها جنينه، فأعماه غضبه وألتقط عصاه الغليظة:

_ وكمان بتحسبني عليا يا فاچرة.

 

كاد يهبط بالعصا عليها فأوقفه رنين جرس المنزل، كان يشهق ويزفر بقوة، ألقي بعصاه علي الأرض:

_ حسابك وياي بعدين.

 

و ذهب ليري من الزائر، سارت خلفه متجهة إلي غرفتها حتي سمعت صوت المدعو دبيكي:

_ ألحج يا رافع بيه.

 

_فيه أي يا سخام البرك أنت كمان؟.

 

أزدردت ريقها برعب عندما وجدت هذا الدبيكي يرمقها بنظرات تعلم ماذا يقصد بها، حتي أجاب علي زوجها:

_ و إحنا بندورو في شوارع المركز لاجينا كشك چمب النادي الراچل الي فيه قالنا إنه شاف في تسجيل الكاميرا الي حاططها قدام الكشك، واحدة كانت واجفه من كام يوم و وجفت قدامها عربية ونزل منها واحد متلتم وخدرها في ثواني ودخلها چوه العربية.

 

تنفست الصعداء و أختفت إلي داخل غرفتها، فقال رافع:

_ روح چمع الرچالة عقبال ما أغير خلچاتي.

 

أومأ له قائلاً:

_ أمرك يا كبير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ عادت من فلك ذاكرتها وقد عزمت علي أخر ماتفوهت به معه، ألتقطت معطف لها من فوق المشجب و وشاح أرتدته بعشوائية، فغادرت الغرفة لتبحث عنه.

قابلت أنيتا علي الدرج:

_ هل من خدمة أقدمها لك ِ سيدتي؟.

 

رمقتها بحدة وسألتها:

_ أين هو؟.

 

_ أتقصدين سيد سليم!، إنه بغرفة المكتب في إجتماع مع رجاله.

وما أن أخبرتها لتجد الأخري تدفعها من أمامها وكأنها هاربة من مشفي الأمراض النفسية:

_ أغربِ عن وجهي.

 

توقفت أمام باب الغرفة المُغلق وقبل أن تمد يدها لتدير المقبض، وصل لسمعها صوته وهو يلقي أوامره علي رجاله:

_ أذهبوا علي ثلاثة فرق وكل فرقة تذهب إلي المكان المُخزن به البضاعة، و فوقها رأس هذا العاهر چوناثان حتي يكون عبرة لكل من يريد الوقوف أمامي.

 

أومأ له كبير رجاله:

_ أمرك سيدي.

 

لم تتحمل سماع أكثر من ذلك فدفعت الباب مما أفزع رجاله وجعلهم يخرجون أسلحتهم و رفعها نحوها.

 

_ ماذا تفعلون أيها الحمقي!.

صاح بهم ليعيدوا أسلحتهم إلي أماكنها، نظر إليها وعلم سبب ولوجها بتلك الطريقة، أشار إلي رجاله وبأمر حاسم:

_ أذهبوا الآن.

 

أومأ الجميع له بخضوع وإجلال ثم ذهبوا أمام ذهبيتيها التي تنظر له بكل كراهية وكأنها تنظر إلي مسخ أو شيطان.

 

جلس خلف مكتبه متصنعاً الهدوء المبالغ بالنسبة إليه:

_ أقفلي الباب وتعالي.

مجدداً وبكل وقاحة يلقي عليها أوامره برعونة، لم تتمثل لأي أمر له فتركت الباب كما هو و خطت نحو أقرب كرسي لها وجلست عليه عاقدة ساعديها أمام صدرها.

 

قبض علي حافة مكتبه الخشبي حتي أبيضت مفاصل أنامله، يحاول أن يلجم ذاك الوحش الثائر بداخله حتي لايطلقه عليها وستكون العواقب وخيمة، نهض هو مما جعلها تنتفض علي كرسيها، فظهر طيف إبتسامة علي ثغره، إنها برغم كبريائها الذي ترتسمه دائماً أمامه مازالت تخشاه وترتعد منه.

سار نحو الباب ليغلقه بل يوصده بالمفتاح الألكتروني.

_عتجفل الباب ليه بالمفتاح؟.

 

أجاب بنفس الهدوء الذي يرعبها أكثر من ثورة غضبه:

_ عايز نتكلم علي راحتنا.

 

رفعت إحدي حاجبيها وبإبتسامة هاكمة تفوهت:

_ ولا ناوي تسوي فيا كيف ما سويت في الچدع الي جتلته!.

 

جلس علي الكرسي المقابل لها و يزفر بنفاذ صبر:

_ الي شوفتيه إمبارح ده كان شغل.

وقبل أن ترد علي حديثها الذي أثار سخريتها التي لاحت علي وجهها للتو، قاطعها:

_ إحنا شغلنا كده، الي يعادينا أو ياخد مننا حاجه تخصنا بتكون دي نهايته.

 

حدجته بتهكم وسألته:

_ إشمعنا ما سويتش إكده في أخوي لما سرق منك حاچتك!.

 

نهض وخطي نحوها حتي وقف أمامها ليسمع صوت نبضات قلبها المرتجف من الخوف، وضع يديه في جيوبه و رمقها من مستوي بصره وهي تجلس أمامه:

_ علشان أنتي كنت صك الغفران الي عفوت بيه عنه، لولاكي كان زمان رافع بقي زيه زي الراجل الي شوفتيه إمبارح.

 

برغم ما أقترفه شقيقها معها من ظلم وإفتراء لم تتمني له يوماً بتلك النهاية السوداء، لكن الآن كل ما يدور في رأسها مطلب واحد.

نهضت لتقف أمامه بتحدي و قوة واهنة:

_ وأني چيت لك عشان أجولك كفايه لحد إكده، مجدراش أستحمل، أفضل حل ليا وليك يا إبن الناس هو أنك تطلجني وتهملني لحالي.

 

رفع أنامله ليلامس وجنتها ويسألها بهدوء وإبتسامة مُخيفة:

_ عايزه أي يا بيبي؟.

 

جف حلقها وهي تتذكر ذلك الكابوس، وتخشي تحقيق أحداثه الآن، أخذ يربت بخفه وبقليل من العنف لايخلو منها:

_ ما تقولي عايزة أي عشان ما سمعتش كويس.

 

كادت تتحرك إلي الوراء فقام بمنعها محاوطاً خصرها فأصبحت ملتصقه به، تشعر بأنفاسه كاللهيب الحارق، وبيده الأخري جذب طرف وشاحها بخفة.

_ شكلك يا زوزو يا حبيبتي أفتكرتي غلط دلعي ليكي اليومين الي فاته، و خلاكي تيجي لحد عندي و تقفي قدامي وتطلبي حاجة من رابع، رابع أي، دي عاشر المستحيلات تحصل إلا بمعجزة أو حد فينا يموت.

 

بدأت شفاها ترتجف و ذهبيتيها تذرف سيلاً من الدموع النابعة من قلب مقهور لايملك سوي البكاء، أخذت تتلوي بين جسده و زراعه:

_ يبجي خلاص أجتلني أهون من العيشة وياك.

 

قهقه من أعماقه وأصبحت قاتمتيه كاللون السماء عندما غابت عنها النجوم وأصبح القمر في خسوف كلي، توقف عن الضحك فجاءة و خطي وهو ممسك بها نحو طاولة يحاوطها أثني عشر كرسي، وفي خلال ثانية واحدة قام بلفها حتي أصبح ظهرها ملتصقاً بصدره و أمامها حافة الطاولة، تحدث بجوار أذنها بوعيد :

_ عايزاني أقتلك أهون من العيشة معايا!، طيب أستحملي بقي يا زينب، عشان أنا فعلاً هاموتك بس بطريقتي الي هتخليكي تحسي بالموت كل يوم.

 

تتلوي بين يديه وهي تتذكر تفاصيل الكابوس، ظنت إنه يتحقق!، لكن كلماته وفعله الآن غير مسار ظنها تماماً.

_ هاعملك معاملة الحيوانات، هخليكي تكرهي نفسك.

 

كادت مقلتيها تقفز من محجريهما وهو يشق عنها معطفها ويتبعه بنزع منامتها تحت صراخاتها ومقاومتها الضعيفة،كلما تريد الفرار منه يدفعها بقسوة علي الطاولة ليصبح جذعها متمدداً.

 

_ أبوس علي يدك هملني، وأعتبر أني ما جولتلكش حاچة.

صرخت بها بتوسل و رجاء، و دموعها تتساقط علي سطح الطاولة، قوبل توسلها بالرفض التام.

_ لاء قولتي، وأنتي الي حكمتي علي نفسك، فخليكي قد كلامك وأستحملي.

 

جذب حبل الستارة المجاورة له وأثني زراعيها خلف ظهرها ليقيد رسغيها معاً، ما زالت تصرخ وتبكي، لم يرحم ضعفها أمام قوته الضارية، لم يستمع لتوسلاتها التي تتمزق لها القلوب لأشلاء وتدمع لها العيون دماء.

أرغمها علي الركوع غصب وإقتدار فوحش ساديته هو المتحكم به الآن، وكلما صرخت كلما أزدادت سعادته، و لكي يبلغ ذروة هذا الشعور قبض علي مؤخرة رأسها ليمنعها عن النهوض وبيده الأخري حرر سحاب بنطاله، أنحني عليها ليهدر بنبرة مقيتة:

_ أنا هخلي صوت صريخك يوصل من أمريكا لحد أهلك في النجع.

 

و ما أن أنتهي من تهديده ليشرع بتنفيذ وعيده، فأطلقت صرخة وكأن روحها تغادر جسدها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ أستيقظ من نومه العميق علي صوت مزعج، فتح زرقاويتيه ونهض بجذعه ليري مصدر هذا الصوت، وقع بصره عليها وهي تفترش علي الأرض ترتدي عباءه قطنية بنصف أكمام، أنتفض بفزع عندما اطلقت شخيراً وتتقلب علي جانبها الآخر وفمها مفتوحاً قليلاً.

لم يستطع كتم ضحكاته، ونهض من فراشه ليهبط ويتمدد جوارها، أحتضنها بين زراعيه وتحدث أمام شفاها المفترقتين:

_ كده يا قلبي، تسيبي حبيبك وتنامي علي الأرض، مش كفاية بعد ما أتعشينا سبتيني ونمتي!، أصحي بقي.

 

وأخذ يُقبل وجنتها ثم وزع قبلاته علي أنحاء وجهها ليوقظها، همهمت بصوت ناعس:

_ همليني أنام يا مرات أبوي.

 

_ وهي مرات أبوكي هتصحيكي بالبوس والأحضان! .

تسمرت بين زراعيه، فتحت عينيها بإتساع:

_ واه، أي الي چابك چاري؟.

 

ألتقط طرف أنفها بين أسنانه بخفه وقال:

_ بذمتك فيه عروسه تسيب عريسها نايم علي السرير لوحده وتروح تنام علي الأرض؟.

 

حكت طرف أنفها وقالت:

_ أصلي ما عرفتش أنام علي المرتبة دي، عامله كيف الي حداك في شقتك برضك مكنتش عارفه أنام عليها كنت بتكوع علي الأرض.

 

إبتسم بمكر ليخبرها:

_ مش عارفة تنامي علي المرتبة برضو ولا خايفة أسمع صوت شخيرك الي صحاني من النوم.

 

توردت وجنتيها فنظرت لأسفل تقول بخجل:

_ حقك عليا، مكنتش حاسه بحالي .

 

طبع قبلة علي وجنتها قائلاً :

_ ما تعتذريش ولا تتكسفي مني، أنا خلاص بقيت جوزك يعني مفيش بينا كسوف، خدي راحتك علي الآخر.

 

رفعت عينيها في خاصته وسألته بتوتر ومازالت خجولة:

_ يعني مضايجتش وجولت لحالك أي الي خلاني أتچوز واحده بتشخر وهي نايمة!.

 

حاول كتم إبتسامته فأجاب:

_ أبداً ، هتضايق ليه ده حتي صوت كان زي السيمفونية.

 

ضيقت عينيها بحنق قالت:

_ عتتمسخر علي إياك! .

لكزته في صدره ونهضت من بين زراعيه ، أطلق ضحكته حتي دمعت عينيه:

_ تعالي هنا والله بهزر معاكي، ده أنا بحبك وبحب كل حاجه فيكي.

 

أتسع ثغرها ببسمة بلهاء:

_ عتتحدت چد ولا عتضحك عليا؟.

 

نهض وجلس علي الأرض ومدد ساقيه فجذبها برفق ليجلسها عليهما:

_ عمري ما ضحكت عليكي، و فعلاً بحبك، حبيتك من يوم ماشوفتك أول مرة برغم الظرف الي كنا فيه، ما استحملتش عليكي الي كان بيعملو سليم فيكي وحاولت بأي طريقة أنقذك وأخدك عندي، كان فيه حاجة شداني ليكي، متأكدتش منها غير لما هربتي وقعدت أدور عليكي لحد ما لاقيتك.

 

ضغطت علي طرف ذقنه بأصبعيها:

_ جصدك لاقتني بعد ما خليت الحكومة جبصتني كيف المچرمين.

 

ضحك وقال:

_ مكنش قدامي حل غير كده، كنت هاتجنن لو ما لقتكيش.

 

حدجته بنظرات عشق حالمة:

_ ياه، للدرچدي بتحبني جوي؟.

 

حاوط وجهها بين كفيه وأجاب بنبرة عاشق متيم:

_ الي جوايا ليكي أكتر من حب يا سمية.

 

فاجاءته بمعانقها الحاني:

_ وأني كمان بحبك جوي جوي يا صلاح، أوعديني عمرك ما هتچرح جلبي واصل.

 

ربت علي ظهرها بحنان:

_ أوعدك عمري ما هجرحك، لأن لو ده حصل تأكدي أن هكون ميت وقتها.

 

زادت من قوة عناقها له:

_ بعد الشر عليك.

 

أبعدها عن صدره لينظر في وجهها يتأمل كل إنش في ملامحها التي يعشقها:

_ ممكن تخليني أعبر لك عن حبي ليكي؟.

 

نظرت لأسفل بخجل وأثرت الصمت، فتلك إجابة كافية بالموافقة، تعالت أنفاسه لما هو مقبل عليه فأقترب من شفاها وألتقمهما بخاصته، يتذوق طعم فمها الذي يذكره بطعم العسل الأبيض، ظل يُقبلها بنهم ويضغط بزراعيه علي جسدها لتلتصق به أكثر.

كان شعورها وكأنها محلقة في السماء، مع كل همسة يخبرها بها عن مدي حبه لها ويوصف كل مافيها بأروع الكلمات، غابت عن الواقع مع كل لمسة جعلتها كالهلام بين يديه وهو يعزف نغمات عشقه علي أوتار فؤادها، كانا كالكيان الواحد.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ ألحجوني يا ناس، أني مخطوفة أهنه.

صاحت بها فاطمة بصوت متحشرج من كثرة الصراخ وطلب الإستغاثة، توقفت عند دخوله يحدجها بشرٍ:

_ ما جولتلك لو صرختي لميت سنة قدام، ماحدش هايسمعك واصل.

 

تظاهرت بالقوة عكس ما بداخلها من ضعف وخوف:

_ بس ربنا سامعني وعالم بحالي، و خابر أني مظلومة وأنك ظالمني.

 

لمست كلماتها فؤاده، لكنه ظهر لها مقابل ذلك:

_ بجولك أي يابت أنتي لو ما كتمتيش خشمك لأسوي فيكي الي ناويلك عليه دلوق.

 

أرتجفت بخوف، يهددها بالإعتداء عليها ليثأر من شقيقها علي ما فعله بشقيقته، صدح رنين هاتفه ونظر في شاشته فغادر في الحال.

وبعد مرور خمس دقائق وجدت الباب ينفتح لتظهر أمرأه تغطي منتصف وجهها بطرف وشاحها الذي ترتديه، أنكمشت ملامح الأخري بخوف فقالت لها تلك المرأه بصوت خافت:

_ ماتخافيش أني چاية أساعدك تهوربي، بس أوعديني الأول إنك ما تبلغيش عن الي چوزي.

 

نظرت لها فاطمة في صمت فأردفت الأخري:

_ أني مكنتش خابره أنه يخطفك ويساوم أخوكي غير لما لاجيته متغير وماطيجش نفسه جعدت أزن عليه لحد ما جالي أنه خاطفك ولازم يكسر أخوكي بيكي زي ما سوي في خايته الي ماعرفنش مطرح ليها لحد دلوق.

 

_ وأي الي خلاكي تيچي تساعديني أهروب؟.

سألتها الأخري بحذر فأجابت:

_ لأن عندي عيال خايفه عليهم ليچري لحد فيهم حاچة أو يتيتمو، لو أهلك عرفو بخطفك و وصلو لچوزي يا هيجتلو يا إما هيخطفه حد من عيالي.

 

أومأت لها فاطمة بعينيها وقالت:

_ ماتجلجيش أني ما هاچيب سيرة چوزك واصل، وأخوي أني هاتصرف وياه وأعرف منه مكان ورد.

 

همت الأخري بفك قيودها:

_ وعد؟.

 

هزت رأسها بالإيجاب:

_ وعد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ السلام عليكم ورحمة الله.

ثم أدار رأسه للجهة اليسري و كرر التحية، فجاءه صوت صاحبه:

_ حرماً يا أبو الفوارس.

 

نهض وأمسك بسجادة الصلاة وقام بطيها و وضعها جانباً:

_ إسمها تقبل الله.

 

تجرع الآخر رشفة ماء من إناء الفخار ثم قال:

_ماشي يا سيدنا الشيخ، تقبل الله.

 

حرك فارس رأسه بإبتسامة هاكمة من سخرية صاحبه الذي لمسها في كلماته، فأردف الآخر:

_ إلا جولي صح، الحاچ نعمان سوي وياك أي؟.

 

أطلق زفرة عميقة من جوفه فأجاب:

_ والله لحد دلوق الشغل عنده زين والراچل ما جصرش وياي عاد، لكن حطني في موقف زي الزفت.

 

أنتبه له جنيدي بكل حواسه:

_موقف أي؟.

 

أجاب وهو يسير نحو حافة السور وينظر إلي أسطح المنازل المقابلة للبناء:

_ رايدني أخطب بته الآنسه شهد.

 

غر فاهه وكاد فكه السفلي يتدلي، وضع طرف اصبعه في أذنه وحركه:

_ الي سمعته دي صوح ولا أنت عتهزر؟.

 

ألتفت إليه وقال:

_ وأني من ميتي بهزر في حديت زي ده!.

 

هللت أساريره وكأنه هو صاحب الشأن وليس الآخر، باغته بعناق مباركاً له:

_ ألف مبروك يا صاحبي والله وربنا فاتحها عليك علشان أنت ولد حلال.

 

أمتعضت ملامحه قائلاً:

_ أنت عتفكر كيف يا چنيدي! ، ولا نسيت إحنا نبجو أي؟.

 

صفع جبهته و هو يتذكر:

_ يا خربيت دماغي الي لفت، متأخذنيش ياصاحبي الفرحة نستني كل حاچة.

 

جلس علي الأريكة الخشبية ويطلق تنهيده وعينيه تحدق في الفراغ، يفكر في هذا الأمر المحير.

_ ما عرفش أجوله أي، الراچل لايعرف أنا أبجي مين ولا ولد مين، وخايف أرفض يطردني وأني ماصدجت لاجيت شغلانه لاحد يجولي بطاجتك فين، عموماً أني جولتله أفكر.

 

ضيق جنيدي عينيه يفكر بالأمر فقال:

_ أنت ما سألتش حالك ولو مرة ليه الراچل ده شغلك عنده وما دققش وياك في موضوع البطاقة؟.

 

_ نسيت يا ذكي لما جولنا للأمين أننا أتجلبنا في القطر!.

 

حك فروة رأسه:

_ معلش بجي زاكرتي بعافية شوية، أهملك أني بجي لما ألحج أفرش الشغل قبل ما تبدأ الزحمة.

 

نهض وأخذ يهندم في ثيابه:

_خدني وياك.

 

_ وبعد أن وصل إلي المتجر فوجدها تقوم بفتح الباب الحديدي فقام بمساعدتها:

_ عنك يا آنسه شهد.

 

لم تكترث له بل أطلقت زفرة متأففه وترمقه بطرف عينيها، أدرك سبب معاملتها له عندما دلفت علي حديث والدها وهو يطلب منه الزواج بإبنته فما كان رد الآخر سوي طلب التفكير في الأمر، مما أثار ما بداخلها من جرح كبريائها فقررت أن تعامله بجفاء و ترد له الصاع صاعين.

 

ولج وراءها وذهب ليقف خلف الكاونتر الزجاجي ليرتب البضاعة المتراصة، فأوقفه صوتها بنبرة تنضح بالعنجهية والتعجرف:

_ أنت رايح فين!.

 

تجلت الصدمة علي ملامحه فتلاقي حاجبيه وألتفت لها فسألها:

_ بتكلميني أني؟.

 

تصنعت الجدية البالغة وبنفس وتيرة التعجرف أجابت:

_ أيوه بكلمك أنت، يلا روح المخزن و هات البضاعة الي لسه واصله من يومين وتعالي رصهم في الڤاترينا.

كانت تشير له بيدها، تجهمت ملامحه و أندفعت الدماء في وجهه، ألقي ما بيده بقوة علي الأرض فرأي الفزع في نظراتها، أشهر سبابته نحوها وبتحذير قال:

_ أسمعي يابت الناس لولا أنك حُرمة وبت الراچل الي أكرمني لكنت بعترت بكرامتك الأرض، لكن حديتي مش وياكي هيبجي ويا الحاچ نعمان لما يچي بالسلامة.

 

تركها في صدمتها من ردة فعله الحادة و غادر المتجر و ذهب يقف مع صاحبه، وعندما أفاقت من صدمتها أجهشت في البكاء:

_ أنا متخلفة وغبية أوي، أيه الي هببته معاه ده!، أهو زمانه كرهني ومش هيرضي يرجع يشتغل هنا تاني،ده غير هيبقي رده علي بابا علي موضوع جوازنا لاء بالتلاته، أعمل أي ياربي.

 

ذهب فارس إلي جنيدي ليجده يأكل شطيرة ويرتشف مياه غازية.

_ الحاچ عطالك أچازة ولا أيه؟.

 

زفر بضيق ليجلس علي الرصيف جواره وعينيه نحو المتجر:

_ لاء، أني مستنيه لحد ما يچي.

 

مد يده له بشطيرة:

_ خد لك ساندوتش الطعمية الچامد ده، هايعچبك جوي.

 

_ معلش يا چنيدي، كلو أنت بالهنا والشفا،أني ماليش نفس.

 

حدجه بتعجب وسأله:

_ أتخانجت وياها إياك؟.

 

لم يريد الإجابة فأشاح وجهه بضيق.

_ خلاص يا صاحبي علي راحتك، خد بالك أنت من الفرشه عجبال ما أروح أشتري لي علبة سچاير.

 

كانت تقف خلف زجاج العرض تراقبه وهي توبخ نفسها وتلعنها آلاف اللعنات علي أسلوبها الأحمق التي تعاملت به معه، بينما هو كان ينظر أيضاً لكن بغضب حتي أدار رأسه بعيداً عنها، فلاحظ هذا المدعو ممدوح يقف مع فتاة تطلق ضحكات رقيعة وتتحدث بدلال سافر.

 

عادت إلي المكتب بعدما أنتفخت أوادجها من كثرة توبيخ نفسها، دلفت لها تلك الفتاة تتشدق بالعلكة:

_ أزيك يا شهودة عامله أي يا وحشه الي مبتسأليش.

 

جزت الأخري علي أسنانها فهي تمقت تلك الفتاة بشدة بسبب سوء سلوكها:

_ الحمدلله يا سماح أنا بخير، عايزه حاجه؟.

 

جلست أمام المكتب وبإبتسامة زائفة:

_ كنت عايزة أكلم أمي أطمن عليها عشان عيانه و رصيدي خلص والراجل صاحب المحل الي شغاله فيه مدفعش فاتورة تليفون المحل وبقي إستقبال.

 

مدت يدها لها بهاتفها:

_ خلاص يا سماح، هاتحكيلي قصة حياتك، خدي كلمي أمك أنا لسه شاحنه الباقة.

 

أخذته من يدها باللهفة:

_ تسلميلي يا قمر يا حتة سكر، كملي جميلك معايا وهاتيلي أشرب ميه ساقعه هاموت من العطش.

 

زفرت بنفاذ صبر:

_ الصبر من عندك يارب، حاضر يا سماح هاقوم أجيب لك تشربي.

 

وبعدما نهضت شهدت وذهبت لتجلب لها الماء، أشرأبت برأسها لتطمأن إنها لم تراها فأمسكت بهاتفها وأخذت تضغط عدة نقرات وعلي شاشة هاتف الأخري، حتي جاءت شهد تحمل زجاجة مياه وكوب وضعتهما أمامها:

_ أتفضلي.

 

_ ربنا يكرمك يا سكره.

سكبت الماء في الكوب وأخذت ترتشف، ثم هاتفت والدتها وأطمأنت عليها.

 

_ أتفضلي تليفونك يا شهوده، ما أنحرمش منك أبداً، شكراً يا حبيبتي.

 

ردت بإقتضاب:

_ العفو.

 

نهضت وهمت بالذهاب:

_ هارجع أنا علي المحل عشان سايبه البت الي معايا لوحدها ودي خيبه مابتعرفش تبيع للزباين زيي، يلا سلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تمسك بهاتفها لتجري إتصالها به للمرة الخمسون ولم يجيب، يبدو أنه ترك هاتفه علي الوضع الصامت هكذا كان ظنها، ألقت بهاتفها علي الفراش ونهضت وهي تتثائب بكسل.

ذهبت إلي المرحاض لتغتسل وتتوضأ ثم أبدلت منامتها بإسدال الصلاة وأدت فرضها، وبعد إنتهائها أطبقت شفتيها بألم وتضع يدها علي رأسها يبدو الألم يداهمها مجدداً، ذهبت إلي المطبخ لتعد فنجان قهوة عله يخفف لها ذلك الصداع.

وصلت إلي أنفها رائحة مقززة، أمتعضت ملامحها بتأفف، حتي وقع بصرها علي سلة القمامة، صفعت جبهتها قائلة:

_ آخ نسيت أخرجها إمبارح بالليل قبل ما أنام ، وشكل الراجل بتاع الزبالة فضل يرن الجرس وأنا نايمة زي القتيلة.

 

قامت بإغلاق كيس القمامة و وضعت غطاء السلة وأغلقته بإحكام لتخرجها من باب المطبخ وتضعها بجوار الجدار، كادت تعود إلي الداخل لكن أوقفها صوت أنين يصدر من شخص يتألم، تتبعت الصوت لتجد مصدره من الشقة المقابلة لها، خفق قلبها وتراجعت عن أمرها:

_ جري أي ياندي!، ناويه تروحيلو يا مجنونه!، بس ده شكله تعبان أو فيه حاجة، وأنتي مالك يتعب ولا يموت ولا يغور حتي في داهية، خليكي في حالك.

 

تنهدت و أردفت لذاتها:

_ وأنا مالي خليني في حالي أحسن.

 

و دخلت إلي منزلها، لكن فضولها يسيطر عليها فجالت في رأسها فكرة، ذهبت إلي جهاز الأنتركم وضغطت علي الزر ليأتيها صوت حارس العقار:

_ صباح الخير يا ست ندي، أمرك؟.

 

_ صباح النور يا عم خضر، بقولك أنا عايزاك تجيب لي خضار وفاكهة من عند الحاج مرعي.

 

_ حاضر يا هانم، في أي طلبات تانية حضرتك؟.

 

_ لاء، شكراً، بقولك صح هو فيه حاجة عند الجيران الي قصادي؟.

 

_ ده علي بيه ربنا يشفيه ويعافيه طلعو عليه ولاد حرام وغزوه بمطواه في جمبه، راجع من المستشفي إمبارح بالليل وسندته بالعافيه لحد ما نيمته علي سريره، بتصل عليه دلوقتي أشوفه محتاج حاجة وأطمن عليه ما بيردش، أصله قاعد لوحده والمدام بتاعته لسه مارجعتش من السفر زي مابيقول.

 

_ لا حول ولاقوة إلا بالله، ربنا يشفي كل مريض، ماشي ياعم خضر، هاتلي الطلبات الي قولتلك عليها.

 

جلست علي الكرسي بجوار الطاولة الرخامية تنتظر فوران قهوتها، وفي ذات الوقت أنتابها شعور بالذنب نحوه، تخشي إنه يلقي بنفسه إلي الهلاك من أجل نسيانها.

أنتفضت عندما سمعت آهاته تعلو يبدو إنه في حالة يرثي لها من الوهن والتعب، أخذت تقضم أظافرها وما بين أن تذهب لتطمأن عليه أم تتركه!.

تذكرت عندما تغيب عن الجامعة لأكثر من ثلاثة أيام ولاتعلم عنه شيئاً، فذهبت إليه وجدته محموماً ويتصبب عرقاً غزيراً وفي حالة هذيان، فقامت بالإعتناء به حتي تحسنت حالته.

أنتبهت إلي صوت فوران القهوة الذي تدفق علي سطح الموقد وأطفأ النار، نهضت وأطفأت الغاز وهي تحسم أمرها، بأن تقدم إليه آخر مالديها من مساعدة وتطلب منه الإبتعاد.

ذهبت إلي المرآه لتهندم من إسدالها وتضبط حجابها، ألتقطت مفتاح باب منزلها في يده ثم غادرت.

أطمأنت أولاً بألا أحداً سيراها وهي تضغط زر جرس باب جارها، ضغطت مراراً وتكراراً ولم يفتح لها، وضعت أذنها علي الباب لتتأكد من وجوده بالداخل فسمعت ذلك الأنين المرتفع.

عادت إلي داخل شقتها مرة أخري والقلق يساورها، فقالت:

_ مفيش غير حل واحد و ربنا يسترها.

 

خرجت من باب المطبخ وتمسك بسكين رفيع قد أخذته معها لتستطع فتح باب مطبخ شقته، وبالفعل نجحت في فتحه ودلفت تتلفت من حولها تبحث عنه.

شهقت عند رؤيته يتمدد علي الأرض في غرفة نومه بنفس هيئته منذ سنوات، محموم ويتصبب عرق غزير بإضافة إلي الألم المنبلج علي ملامحه وهو يجز علي أسنانه ويأن، دنت إليه لتلمس جبهته فوجدت حرارته مرتفعه جداً.

_ علي، أنت جسمك مولع، أزاي سايب نفسك كده!.

 

لم يجب وكانت عينيه كالشارد في الفراغ يهذي ببضع كلمات ألتقطت منها البعض:

_ ندي، أنا بحبك، ماتبعديش عني.

 

نهضت بتردد و هي تحدجه بإمتعاض، تعلم هذا ليس مجرد هذيان حمي بل حقيقة مؤكده نابعه من أعماقه وتعلقه المرضي بها.

أطلقت زفرة فهي في حيرة من أمرها، ماذا عساها أن تفعل!.

أنحنت إليه وألتقطت من بجواره منشفة قطنية أخذت تجفف بها حبات عرقه المتناثره علي جبهته و وجهه، لكزته في زراعه:

_ علي، سامعني؟،حاول تقوم عشان تحط راسك تحت الميه، حرارتك عاليه أوي.

 

نظر نحوها بعينين زائغتين مهمهماً:

_ ندي!، أنتي هنا بجد ولا أنا بتهيألي.

 

ربتت عليه وقالت:

_ لاء بتهيألك، قوم بس وأسمع كلامي.

 

تحامل علي نفسه وحاول أن ينهض مستنداً علي طرف السرير، أختل توازنه فكاد يقع، لم تشعر بنفسها وهي تمسك به لتساعده علي الوقوف.

ظل يرمقها وهو لم يصدق عينيه إنها معه بل وتسنده حتي قامت بإيصاله إلي المرحاض.

 

_ أتفضل أدخل حط راسك تحت الحنفيه، يا أما أفتح علي جسمك الدش، وأنا هاروح أعملك حاجة تاكلها.

 

أستدارت لتذهب، أمسك يدها ليمنعها قائلاً:

_ ماتسبينيش أرجوكي، أنا ماليش حد غيرك.

 

سحبت يدها في هدوء:

_ علي، أرجوك أنت أفهم وجودي هنا عشان أساعدك مش أكتر.

 

أستند بجسده علي الحائط وقال:

_ أنا أصلاً مش مصدق، حاسس أن أنا بحلم، اه…

 

تأوه بشدة، ركضت نحوه فلاحظت جرحه أسفل القميص يذرف دماً.

 

_ علي، أنت بتنزف، أنت آخر مرة غيرت علي جرحك ده كان أمتي؟.

 

هز رأسه بعدم معرفة:

_ مش فاكر، يمكن علي ما أعتقد من وقت إمبارح لما الدكتور غير لي عليه.

 

رمقته بضيق وقالت:

_ شكل جرحك أتفتح من الحركة وأتلوث وده الي خلي حرارتك بالشكل ده، أنت لازم تروح للمستشفي أو تكلم دكتور يجي يشوف جرحك.

 

تركها و دلف إلي المرحاض و أخفض رأسه أسفل الصنبور لينهمر الماء علي رأسه.

ذهبت إلي المطبخ تبحث عن شئ لتعده له، فتحت الثلاجة تجدها شاغرة، أغلقتها فشهقت بفزع عندما وجدته يقف أمامه وصدره يعلو ويهبط، يلتقط أنفاسه بوهن.

تراجعت قليلاً لتحافظ علي مسافة بينهما، فقالت بتوتر:

_ أنا كنت بدور علي أكل أعمله لك، ملقتش حاجة.

 

_ أنا أكلي كله دليفري أو باروح أكل في مطاعم، آخر مرة كلت فيها أكل بيتي،كان من أيديكي أنتي، فاكرة؟.

 

تحاشت النظر إليه وهمت بالذهاب لتتهرب من نظراته وحديثه :

_ طيب هاروح أنا لشقتي وهاعملك من عندي وأبعته لك، وياريت تتصل بالدكتور يجي يكشف علي جرحك.

 

خطي نحوها وهي تتراجع حتي أصبح أمامها وخلفها حافة طاولة الحوض الرخامية، يحدجها بعتاب وشوق وهيام و عشق قد بلغ ذروته:

_ أنا جرحي الي بينزف مش هنا.

أشار نحو جرح جانبه، وأردف:

_ جرحي الحقيقي هنا.

 

أشار إلي موضع قلبه، ظل ينظر في عينيها لثوان فبدأ يهبط إلي شفاها التي ترتجف من التوتر والخوف، وقبل أن يتمكن من تقبيلها، دفعته لتبعده من أمامها و عبرت من باب المطبخ إلي شقتها، تلهث بشدة، تضع يدها علي صدرها، تسمع خفقات قلبها أثر هذا الهراء والعبث الذي كان سيحدث منذ قليل، ذهبت إلي غرفة النوم وتخلع حجابها، ضغطت علي زر الإضاءة، تسمرت في مكانها وتشعر بالبرودة تسري في عروقها:

_ أكرم! .

 

#الفصل_السابع_والعشرون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ لاتنظر لنا الحياة بنظرة واحدة تارة تسعدنا وتارة أخري تشقينا وتلقي بنا في بئر الأحزان والمصاعب فما علينا سوي السعي والصبر حتي نجتاز مرحلة الشقاء ونصل إلي بر السعادة.

♕ولاء رفعت علي♕

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ ذهبت إلي غرفة النوم وتخلع حجابها،  ضغطت علي زر الإضاءة،  تسمرت في مكانها وتشعر بالبرودة تسري في عروقها:

_ أكرم!  .

 

كان يجلس علي طرف السرير وينظر إليها بشبه إبتسامة لم تستشف منها إن كان سعيداً أم غاضباً أو هادئ كالهدوء الذي يسبق العاصفة!.

 

أزدردت ريقها بتوتر حاولت إخفاءه ببسمة هشة قائلة:

_ أي المفاجاءه الحلوة دي؟.

وتلتها بالذهاب إليه ومعانقته لتخفي ملامح وجهها عن رماديتيه التي كانت تخترقها عن كثب.

_ وحشتني أوي يا حبيبي.

تردد في مبادلتها العناق لكن رفع ساعديه وأحتضنها وبدأ العناق يشتد،  قائلاً  بنبرة تخلو من المشاعر التي تعبر عنها كلماته:

_ وأنتي كمان كنتِ وحشاني.

 

أنسحبت من بين زراعيه و طبعت قُبلة رقيقة علي ذقنه الحليق،  فسألته :

_ قولتلي إنك في شغل لمدة أسبوع وأنت يا دوب رجعت تاني يوم.

 

أجاب بعملية وجدية:

_ كنت في مُهمة مُحدده والحمدلله خلصتها.

 

أمسك طرف ذقنها و حدق في عينيها بنظرة أربكتها وجعلت قلبها يكاد يقفز من مكانه، فأردف متسائلاً:

_ مبسوطه من المفاجاءه ولا متضايقة؟.

 

تصنعت الدهشة علي ملامحها فأجابت بإنكار:

_ وهتضايق ليه يا حبيبي،  طبعاً مبسوطه وفرحانه،  ده أنا كنت ببقي زعلانه لما كل شويه بتسافر وتسيبنا لوحدنا،  فاكر؟.

 

أومأ لها وأجاب:

_ أه فاكر،  و عمري مابنسي أي حاجة.

 

أدركت مايخفيه في طيات إجابته،  نهضت وهي تحاول تشتيته:

_ طبعاً شكلك مافطرتش، روح خدلك شاور عقبال ما أحضرلك أكله هتاكل صوابعك وراها.

 

_ ما تعمليش حاجة.

أوقفها قبل أن تذهب،  ألتفتت إليه فأردف:

_ أنا أكلت قبل ما أجي ،  لو أنتي لسه مافطرتيش كولي وجهزي نفسك عشان هانروح نجيب البنت.

 

عادت إليه وجلست جواره،  وضعت يدها علي كتفه:

_ مالك يا أكرم،  أنت زعلان مني؟ أو ضايقتك في حاجه؟.

 

أمسك يدها ليضعها بين يديه ليجدها ترتجف وأطرافها يكسوها البرودة:

_ و هزعل أو هتضايق منك ليه!  ،  أنتي عملتي حاجه زعلتني؟.

 

غصة علقت بحلقها،  تجرعتها بصعوبة حتي تجيب علي سؤاله الذي زاد خوفها:

_  لاء،  هو أحنا لحقنا نقعد مع بعض.

 

ربت علي كتفها وقال:

_ متقلقيش،  هانقعد،  هانقعد كلنا مع بعض!.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقف أسفل المياه المنهمرة فوقها كإنهمار عبراتها علي وجنتيها،  تبكي وتنعي ذاتها وكبريائها الذي تحطم علي يدي هذا الظالم.

فالألم النفسي يغمرها أكثر من الألم الجسدي أثر ما أقترفه بها، أطلقت آهه نابعة من جوفها فجلست علي الأرض محتضنة ساقيها وجسدها يرتجف وتبكي ويزداد نحيبها كلما تذكرت وعيده لها بأن يعاملها كالحيوان،  يزداد كلما تشعر بأثر لمساته العنيفة وهو يرغمها علي الركوع أسفله كما يفعل الرجال أيام الجاهلية والعصور المظلمة مع الجواري وآسيرات الحروب.

 

_ بعد ماتخلصي حضري نفسك عشان جايين لينا ضيوف بعد شوية.

أمرها من خلف باب المرحاض، تخشي أن تصرخ بالرفض وتخبره بأن يذهب إلي الجحيم هو وضيوفه،  فيجب عليها أن تتريث وتفكر جيداً في كيفية الخلاص من هذا الوحش.

نهضت وأغلقت الصنبور ثم تناولت معطفها القطني ومنشفة الرأس وأرتدتهما.

 

كان بالخارج يقف أمام المرآه يرتدي حُلة سوداء مثل عالمه،  يمشط خصلاته الفحمية وعينيه تنظر في المرآه نحو تلك التي خرجت من المرحاض للتو تتحاشي النظر إليه،  بل تتمني أن تهبط علي رأسه مصيبة مفجعة تخلصها وتخلص البشرية بأكملها من شره.

 

جلست علي الأريكة عاقدة ساعديها فقال لها وهو ينظر لها عبر المرآه:

_ قاعده عندك بتعملي أي،  مش قولتلك جهزي نفسك!  .

 

رمقته بإزدراء جلي في نظرات ذهبيتيها المتلألأه من أثر البكاء:

_ ما أني منتظراك تخلص وتطلع بره عشان أعرف ألبس.

 

إبتسامة هازئه أعتلت ثغره،  ألتفت إليها وسار نحوها حتي أصبح أمامها وبأسلوب ساخر تحدث:

_ مكسوفه تغيري قدامي يا حبيبتي!، ما خلاص ده أنا حافظ كل تفاصيلك من أول شعرك.

أزاح المنشفة فوق رأسها فسقطت خصلاتها المبتلة بتبعثر علي كتفيها،  هبط ببصره إلي تلابيب معطفها بنظرات وقحة جعلتها تمسك بها وأردف:

_ لحد رجليكي.

 

كادت تحرك قدميها من أمامه لكنه حاصرهما بين ساقيه، حاولت تحرير خاصتها فلم تنجح مما أثارت ردة فعلها ضحكاته، أخذ يقهقه و دنا نحوها ممسكاً بطرف ذقنها يحدق في ذهبيتيها بسوداويتيه لثوان،فباغتها بقبلة لم تستطع الإفلات منها لهيمنته وأصابعه التي أنغرزت خلف رأسها في طيات خصلاتها ليزيد من عمق قبلته التي لاتخلو من العنف،حيث ألتقط طرف لسانها عنوة بين أسنانه بضغطه خفيفة فتأوهت وقامت بمقاومته ليبتعد عنها، لكنه إبتعد بإرادته هو وليست هي.

 

ألتقطت أنفاسها التي كانت علي وشك أن تتوقف، أرتسم إبتسامة إستفزازية علي شفاه وقال:

_ معلش.

 

قالها وأعتدل ليغادر الغرفة قائلاً:

_ عشر دقايق وألاقيكي لابسه وجاهزة قدامي.

 

وما أن غادر بصقت نحو أثره:

_ معلش!  ، معلش علي أي ولا أي يا حيوان،  ربنا ياخدك أنت والي كان السبب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ هدأ من سرعة سيارته حتي توقف أمام البناء القاطن به عائلة زوجته، أمسكت بحقيبتها وكادت تفتح الباب وهي تقول:

_ أستناني هنا خمس دقايق هاجيبها و نازلين علي طول.

 

_لاء.

تفوه بحده مما جعلها ألتفتت إليه بدهشه تلاشت عندما أردف:

_ أنا طالع معاكي.

 

نزل كليهما من السيارة،  و دلفا إلي البناء فأشار لها لتصعد الدرج أمامه،  و مع كل درجة تصعد عليها يزداد شعور بداخلها يحذرها من القادم.

 

أستقبلهما والدها بحفاوة وترحاب بعدما صافح أكرم وأحتضن أبنته:

_ ده البيت نور بالحبايب.

 

أنبسطت ملامحه بسعاده غرار ما كان منذ قليل:

_ الله يخليك يا عمي،  منور بيكم ديماً.

 

جلس ثلاثتهم،  فقالت ندي:

_ أومال فين ماما ولارا ؟.

 

أجاب والدها:

_ بنتك نايمه في أوضتك، ومامتك في المطبخ أول ما عرفت أنكم جايين بعد ما أكرم أتصل بيا، راحت تحضر الأكل الي بتحبوه.

 

_ حبيبتي يا ماما، لما أقوم أروح أساعدها.

قالتها وهمت بالنهوض، فوجدت والدتها تخرج من المطبخ وبيدها منشفه قطنية تجفف يديها بها:

_ أنا خلصت والأكل قرب يستوي كمان.

 

وقفت ندي بجوار والدتها وقالت بفخر:

_ مامتي طول عمرها ست بيت شاطره وأسرع واحده تعمل أكل.

 

قالتها ثم عانقتها، ف ردت والدتها بمزاح:

_ يا بكاشه.

نظرت إلي أكرم وقالت:

_ عارف رغم أنا زعلانه منك أنت وهي، لكن لما عرفت أن الحمدلله ربنا هداكم لبعض فرحت وأتبسطت أوي.

 

فقال والدها:

_ ربنا ما يجيب زعل أبداً ويهدي سرهم، إحنا مش عاوزين غير إننا نسمع عنهم كل خير ويكونو مبسوطين، ولا أي يا ندي؟.

 

_ أطمن يا حبيبي الحمدلله أنا وأكرم أسعد زوجين في الدنيا.

 

تدخلت والدتها قائلة:

_ قولي ماشاءالله يابنتي، لايحسد المال إلا أصحابه.

 

وجه والدها نظراته إلي أكرم الذي آثر الصمت فسأله وخلف سؤاله عتاباً علي ما أقترفه مع إبنته سابقاً:

_ يعني خلاص يا أكرم؟.

 

_ مش خلاص يا عمي.

إجابته الحاده جعلت ملامحهم تتبدل من الفرح والسعادة إلي الصدمة والوجوم، بينما ندي هربت الدماء من وجهها فأصبحت شاحبة كالأموات عندما تفوه الآخر:

_ أنا جيت لحضرتك النهارده زي ما جيت لك من تسع سنين وطلبت إيد ندي للجواز.

 

كان حماه يستمع لكلماته بإنصات شديد يخشي ما هو آتي، و زوجته التي لاتقل صدمتها عن إبنتها التي شعرت وكأن دلو من الثلج أُلقي علي رأسها، ليستطرد الآخر:

_ و زي ماقولتلك وقتها يشرفني إن أطلب إيد الآنسه ندي من حضرتك، دلوقتي بقولك بنتك ما تلزمنيش وكل واحد يروح لحاله.

 

شهقت والدتها وهي تضرب بكفها علي صدرها، وضعت ندي يديها علي فمها وعلي وشك البكاء غير مصدقة ما يقوله زوجها لوالدها الذي أجترع ما سمعه الآن علي مضض فقال:

_ بغض النظر عن الي قولته وهاعتبر نفسي ماسمعتوش، ممكن أفهم أيه السبب الي وصلك تقول كده؟.

 

أعتدل أكرم في جلسته وأرتسمت علي ملامحه الثقة والجدية البالغة:

_ حضرتك عرفت تفاصيل آخر مشكله حصلت مابينا أنا وبنتك، وبعترف بغلطي الي ندمت عليه وأخدت عهد علي نفسي ما كررش غلطتي دي تاني الي أتعلمت منها درس عمري ما هنساه.

 

جال ببصره إلي ندي التي تجلس بالقرب منه وأردف:

_ لكن الظاهر الي ما أتعلمش لسه هي بنتك.

وضع يده في جيب بنطاله وأخرج هاتفه وضغط علي شاشته ثم رفعه أمام عينيها:

_ مش دي الرسالة الي بعتهالك علي الحسيني من كام يوم ومسحتيها؟.

 

أتسعت عينيها وشعرت لوهلة بأنها علي حافة الهاوية، ورغماً عنها تفوه لسانها:

_ إزاي؟.

 

تدخل والدها وهو في حيرة من ما يحدث أمامه:

_ ما تفهمني يابني أي الي حصل؟، ورسالة أي الي بعتها الي اسمه علي ده؟.

 

حاول الآخر أن يكبح جموح غضبه الذي لو أطلقه عليها كلما يفكر فيما سيخبرهم به الآن، ستصبح في تعداد الأموات.

_ تحكي لهم ولا أحكي لهم أنا يا ندي هانم يالي بتوعدي وتحافظي علي وعدك!.

تحدث بسخرية مما جعلها صاحت بدفاع عن نفسها:

_ دي مجرد رساله ملهاش لازمه ومسحتها، الي يسمعك كده يقول إني خونتك!.

 

بادلها نفس وتيره الصوت المرتفع لكن بوضع الهجوم:

_ هو موضوع رسالة بس!، ولما الو….. يجي يسكن في الشقة الي قصادنا وتروحيلو لحد عنده وياريتها مره، مرتين، الأولي يوم ما سبتك وسافرت والتانية وقت ما رجعت من شوية ومالاقتكيش في الشقة ورجعتي من باب المطبخ.

 

كل كلمة وكل نظرة صادرة منه إليها كانت بمثابة سهام مشتعلة تخترق روحها وقلبها، فما كان منها سوي الإنكار لتبعد عنها نظرات الإتهام من والديها:

_ الي قالك كده كداب، أنا مكنتش أعرف أنه هو هيسكن قصادنا.

 

إنكارها الأحمق أسبر أغواره مما جعله يحدثها كما يتعامل مع متهميه في المخفر:

_ عيب لما جوزك يبقي نقيب شرطه وبيتعامل مع مجرمين وأشكال لايعلم بيها إلا ربنا، وتقوليلي كداب الي قالك، محدش قالي أنا شوفت بعينيا.

 

وأخذ يضغط علي شاشة هاتفه وقام بتشغيل فيديو مُسجل:

_ مين دي الي كانت معاه في أوضة نومه وهو مرمي زي الكلب؟.

 

نظرت إلي الهاتف لتجد مقطع دخولها لغرفة نوم علي وهي تحاول مساعدته، أردف:

_ أنا كنت عارف أنه هيجي يأجر الشقة الي قدامنا وصاحب البرج سألني عليه بحكم شغلي خليته يأجر له وأشوف أخرتها معاه، وقبل ما يسكن بيوم بعت واحد ركب له كاميرات، بالنسبة للرساله الي سيادتك مسحتيها من غير ماتبلغيني بيها كانت علي موبايلي زي موبايلك بالظبط، وقبل ما تمسحيها أخدتها إسكرين شوت، ما تستغربيش التكنولوچيا علي مابتضر علي أد مابتنفع برضو، ولو كان عندك ذرة ذكاء واحدة كنتي فهمتي لما قولتلك أوعديني ماتخبيش عليا حاجه تاني، كنت عمال أدعي أنك تخيبي ظني وترجعي ثقتي فيكي تاني، لكن للأسف كل مرة تثبتي لي إنك إنسانه غبية وغير جديرة بالثقة.

 

كان والدها مُنكس الرأس و هو يستمع لأخطاء إبنته التي لاتغتفر، فتدخلت والدتها بدبلوماسية حفاظاً علي منزل إبنتها من الخراب:

_ أكرم يابني، أنا معاك إن بنتي غلطانه وغلطها كبير كمان، بس معلش سامحها هي خافت تقولك علي موضوع الرساله لتتهور وتعمل حاجه في الي إسمه علي وتتأذي أنت.

 

رد بنفاذ صبر وهو يتمالك أعصابه من الإنفلات:

_ ولو عديت موضوع الرساله، بالنسبه لدخولها شقته ده أسامحها فيه برضو!.

 

نظر إلي حماه وسأله:

_ ترضاها علي نفسك يا عمي لو أنت مكاني؟، الي عملته بنتك ملهوش غير تفسير واحد عندي إنها ست خاينه وملهاش أمان .

 

صرخت ندي ببكاء:

_ والله العظيم ما……

 

_ أخرسي بقي مالكيش عين تتكلمي.

صاح بها والدها وهو يهبط بكفه علي وجنتها باللطمة قوية، شهقت والدتها وجذبتها لتبعدها من أمامه، وبرغم من الغضب العارم الذي يشتعل بداخله نحوها من ما أقترفته وألم قلبه من القرار الذي أتخذه وحسم أمره، شعر بوخزة في فؤاده عندما لطمها والدها، فمازال يحبها بل يعشقها بجنون ومن أجل محاربته لهذا الحب الذي سيجعله رجلاً بدون كرامة تفوه بقراره:

_ بنتك طالق.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ دلفت سيارة سوداء ذات الدفع الرباعي من البوابة حتي توقفت أمام باب المنزل،  هبط السائق ليفتح باب السيارة فهبط منها المدعو دنيال ومن الجهة الأخري زوجته ساندرا،  يقف سليم لإستقبالهما.

تقدمت إليه ورفعت يدها لمصافحته تقول بالإنجليزية الأمريكية :

_ منزلك الجديد رائع جداً سليم.

 

بادلها المصافحة ضاغطاً علي أناملها قليلاً ومبتسماً:

_ أحب إقتناء كل ما هو رائع.

 

ضحك دنيال وقال:

_ حتي عندما تزوجت أختيارك رائع.

 

هنا أظلمت عيناه وكف عن التبسم  ،  أشار لهما بالدخول وملامحه يكسوها التجهم :

_ تفضلا.

 

سار بالداخل وهما خلفه،  فنظرت ساندرا إلي دنيال بتحذير هامسه إليه:

_ أحذر من التغزل في زوجته، المرة القادمة لم يتردد في إقتلاع لسانك.

 

رمقها ذات النظرة قائلاً:

_ أنتِ من سيقطع لسانها أن لم تصمتِ.

 

وصل إلي بهو لإستقبال الضيوف فوجدوا زينب تقف في إستقبالهم وتحدقهم بإبتسامة مصتنعه،  فهي ليست في حالة أن تجلس وتتسامر مع أحدهم حتي في ذلك الأمر مُرغمة دون إرادتها.

 

_ أهلاً بكِ سيدة ساندرا.

قالتها زينب وهي تصافح الآخري التي قالت:

_ لا داعي عزيزتي تناديني بسيدة،  هل أبدو لكِ امرأه مُسنة أم ماذا؟.

 

تحمحمت بإحراج فأجابت:

_ لم أقصد،  فأنا أقولها علي سبيل الأحترام.

 

_ قولي لي ساندرا بدون ألقاب فهذا أفضل.

 

فقال دنيال متدخلاً:

_ وأنا دنيال بدون سيد.

 

و كاد يمد لها يده ليصافحها فألحقته ساندرا  وأمسكت بيده تحت نظرات سليم القاتمة والذي قال لهما:

 

_ لا داعِ للجلوس هنا، فهناك حفلة شواء قد أعددتها لكم في الحديقة، أعلم كم يحب دنيال اللحم المشوي.

 

صاح الآخر بسعادة وإبتسامة بلهاء تعلو وجهه:

_ آوه يا ألهي، هيا بنا ساندرا.

 

_ هيا حبيبي.

قالتها وذهبا سوياً وسليم أمسك بيد الأخري قائلاً:

_ خليكي زوق مع الناس وإياك أشوفك قالبه وشك، سامعه؟.

 

تمتمت بدون سماعه لكلماتها كما تظن:

_ سمعت الرعد في ودانك.

 

_ بتقولي أي؟.

صاح بها،  فأجابت في الحال:

_ ما جولتش،  خلاص هاسوي  الي أنت رايده.

وأردفت بصوت خافت:

_ جبر يلمك.

 

حاوطها بزراعه ليتمتم بالقرب منها:

_ أنا الي هاسمعك الي أرعب من صوت الرعد وأنا بعلمك الأدب، والقبر ده الي هيلم أشلاء جتتك بعد ما أقطعك حتت،  لمي لسانك أحسنلك.

وغرز أنامله في خصرها فتأوهت رغماً عنها، هدر بها من بين أسنانه:

_ أكتمي صوتك.

 

أبتعدت عنه بصعوبة وذهب لتجلس حول المائدة بجوار ساندرا التي مالت عليها وسألتها:

_ لما تلك الدموع؟.

 

جففت عينيها أطراف أناملها:

_ لاء مفيش حاچة.

 

عقدت الأخري مابين حاجبيها،  لم تفهم ما قالته زينب حتي أدركت فقالت بالإنجليزية:

_ عفواً ساندرا، كنت أقصد لايوجد شئ، أو علي مايبدو دخان الشواء هو سبب عبرات عينياي.

 

نهضت الأخري وجذبت كرسيها فألتصقت بها حتي تستطيع التحدث مُستغله إنشغال سليم مع زوجها:

_ لا تكذبِ زينب،  أنا أعلم ما يفعله بكِ سليم، هل يُعذبك،  يُضاجعك رغماً عنكِ؟.

 

جحظت عينيها بدهشة وصدمة في آن واحد لتجيب بقليل من الحده:

_ كفي ساندرا،  ما هذا الهراء الذي تتفوهين به!.

 

رفعت جانب شفاها بإبتسامة ماكرة:

_ حبيبتي،  أنا أعلم الكثير عن سليم و والده،  أأخبركِ سراً لايعلمه سوي أنا و هو.

 

تلفتت من حولها لتطمأن عدم سماع دنيال إلي ما ستخبرها به فأردفت:

_ كنت عشيقة داغر العقبي والده،  كان رجل أكثر جنوناً من إبنه، وصل به الأمر شرب دماء ضحياه،  يلقبونه في عالم المافيا بدراكولا،  لذا عندما سنحت لي فرصة الفرار منه،  لم أتردد ولم أظهر سوي بعد علمِ بخبر وفاته، يقولون إنه توفي أثر جرعة مخدر زائدة لكن علمت من كانو مقربون إليه حينها إنه قد مات منتحراً.

 

أنتهت من كلماتها وأمسكت بزجاجة الخمر فسكبت القليل في الكأس وأخذت ترتشف،  تنظر إلي الأخري التي أستمعت إليها وعلامات عدم الإستيعاب وعدم المقدرة علي تصديق ما ألقته عليها للتو،  تمتمت في عقلها:

_ أني سويت أي في دنيتي لأچل أوقع في يد واحد مريض نفسي وأبوه راچل مچنون، واحد بيسلخ الناس صاحيه والتاني كان بيشرب دمهم!،  والله لو جولت الحديت دي لأي واحد حدانا في النچع ليجول عليا أتچنيت عاد،  يارب صبرني وقويني يا تاخده يا تاخدني وتريحني.

 

_ ها قد جاء اللحم المشوي.

قالها دنيال وهو يجلس علي كرسيه والخادمة تضع أمامه طبق من اللحم المشوي وأطباق أخري من الأرز والمقبلات.

 

وبعدما تناول قطعة، تذوقها بسعادة بالغة:

_ أمم، ألذ لحم مشوي قد تذوقته في حياتي.

 

أبتسم له سليم:

_ جعلتهم يعدونه خصيصاً لك، هنيئاً.

 

أبتلع دنيال ما بفمه:

_ شكراً لك عزيزي.

 

إبتسم الآخر قائلاً:

_ علي الرحب.

نظر إلي زينب فوجدها لم تأكل سوي قطعة صغيرة وأخذت تمضغها علي مهل، أبتسم بخبث ومال عليها وقال:

_ مبتاكليش ليه ولا دي كمان محتاجه فيها أمر مني؟.

 

رمقته بإمتعاض وقالت:

_ ما أني باكل أهه.

 

أزدادت إبتسامته أكثر:

_ عارفه اللحمه دي لحمة أي؟.

 

رمقته بريبة وشك:

_ خنزير إياك؟.

 

_ لاء، ده الراجل الي سلخته خلتهم قطعو لحمه وتبلوه عشان نشويه، أي رأيك في لحمه طعمه جامد.

 

ألقت الشوكة والسكين مما أصدرا صوتاً ونهضت تركض مبتعدة لتفيض ما بجوفها وما قامت بأكله من اللحم، أنطلقت ضحكة من خلفها:

_ دي أنتي طلعتي مشكله،معقوله تكوني صدقتي!، حد قالك عليا آكل لحوم البشر!.

 

ألتفتت له وحدجته بإزدراء:

_ والله الي يجتل ويسوي كيف الي سويته ما أستبعدش عنك تاكل لحم البني آدمين، ما أنت قادر وتعملها، ولا نسيت لحمي الي نهشته أكتر من مرة!.

 

سرعان ما تبدلت ملامحه إلي تلك النظرة المُظلمة المخيفة.

_ هو أنتي لسه شوفتي حاجه، ده الي بعمله معاكي عينة من الي ناوي أعمله فيكي لو مابطلتيش عصيان وتمرد ده كوم وطلب الطلاق كوم تاني خالص.

 

ظل كليهما يتبادلان النظرات في صمت، فكانت نظراتها له تنضح بالكراهية والمقت الشديد بينما هو كان يرمقها بالتوعد والعذاب كلما أقترفت مايثير غضبه.

قاطع ذلك الهدوء صوت ساندرا:

_ ماذا بكِ زينب، هل أنتِ بخير؟.

 

أومأت لها وهي تنظر إلي سليم:

_ أجل، أنا بخير.

 

أطلق سليم زفرة ثم سأل الأخري:

_ أراكِ لا تأكلين اللحم ساندرا؟.

 

أبتسمت له إبتسامة صفراء وأجابت:

_ أنا لا أأكل سوي الخضروات، والدك جعلني أمقت كل ما به لون الدماء أو الدماء ذاتها.

 

حدجها بنظرة قاتله، جعلتها تتراجع وأمسكت بيد زينب:

_ زينب، أريد الذهاب إلي المرحاض.

 

فقال سليم وعينيه لم تبرح عينياي ساندرا:

_ أرشديها إلي المرحاض، زينب.

 

لاحظت نظراته الحالكة للأخري فكان هذا دليل مؤكد لها علي ما أخبرته بها وإنها لم تكن تكذب عليها.

سارت ساندرا برفقتها إلي داخل المنزل وقبل أن تدلف الأخري إلي المرحاض أوقفتها زينب بعدما تأكدت خلو الطريق من العاملين في المنزل:

_ أريد منكِ معروفاً وسأدين به لكِ طوال حياتي.

 

رمقتها الأخري بإهتمام بالغ:

_ تفضلِ زينب وأنا سأفعل لكِ ما تريدنه.

 

أجترعت لعابها بتوتر، تعلم ما هي مُقبله عليه سيكون مخاطرة كبيرة، كمن يتراقص علي جمرات مشتعلة، غير آبهه إلي من تلجأ وكيف؟.

قالت بحسم:

_أريد الفرار من سليم!.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ تنظر في هاتفها لتتأكد من العنوان التي أرسلته إليها أحد أصدقائها في رسالة عبر التطبيق الشهير، دلفت فوجدت بهو الإستقبال مزدحم بالشباب والفتيات كل منهم يحمل ملف السيرة الذاتية.

ظلت تنتظر دورها علي مضض، تريد أن تعمل فلم يعد لديها نقود تكفيها ليومين آخريين،  مرت ساعة تلو الأخري،  حتي دوي إسمها في السماعات فنهضت ثم ولجت إلي داخل غرفة المسئول عن المقابلة.

_ أتفضلي أستاذة مروة.

 

جلست أمام المكتب وهي تنظر لهذا الجالس ويقرأ بياناتها ومؤهلاتها وخبرات عملها السابقة،  صدح رنين هاتفها فقد نسيت تماماً أن تضعه علي الوضع الصامت،  فقالت بإحراج:

_ آسفه يافندم،  نسيت أعمله Silent.

 

أومأ لها بشبه بإبتسامة وقال:

_ ولا يهمك.

 

وجدت المتصل إبنة خالتها و زوجة أخيهاوفي ذات الوقت، فقامت برفض المكالمة وكانت علي وشك الضغط علي علامة الوضع الصامت فوجدت رساله واردة للتو من الأخري

(مروة أرجعي أرجوكي خالتو تعبانه والدكتور بيقول حالتها خطيرة جداً ).

 

خفق قلبها بخوف علي والدتها برغم إختلافتهما التي لا تنتهي،  نهضت وتعتدل من إرتداء حزام حقيبتها:

_ معلش يافندم مش هاقدر أكمل ال interview  ،  حصل ظرف طارئ ولازم أمشي،  أشار لها:

_ أتفضلي.

 

خرجت علي الفور و أشارت إلي إحدي سيارات الأجرة،  فتوقفت سيارة أمامها،  دلفت قائلة:

_ حدايق المعادي يا سطا.

 

_ وفي داخل البناء بعد أن وصلت أخذت تضغط علي زر المصعد،  لاحظت ورقة معلقة بجواره مكتوب عليها:

(الأسانسير مغلق للصيانة )

زفرت بتأفف،  عليها أن تصعد الدرج حتي تصل إلي الطابق السادس.

صعدت أخيراً وهي تلتقط أنفاسها،  ضغطت زر الجرس لتجد زوجة أخيها تفتح الباب وترمقها بتوجس،  فقالت لها الأخري بقلق وخوف:

_ ماما مالها يا أمنية؟.

 

وما أن دلفت خطوة إلي الداخل فوجدت من يجذبها من رسغها بعنف:

_ ماما بخير بس معرفتش تربيكي،  وأنا بقي الي هربيكي يا مروة.

 

وأخذ ينهال عليها بالضرب لم يعط لها فرصة،  فصاحت زوجته:

_ خلاص يا معتصم،  أبوس أيدك كفاية خالتو لو عرفت الي بتعمله هتقلب الدنيا عليك.

 

ترك الأخري ليصيح بزوجته محذراً:

_ غوري من وشي بدل ما تكوني مكانها.

وكاد يلتفت ليكمل ما يفعله لكنها باغتته بقذف مزهرية زجاج علي رأسها وهي تصيح به:

_ بتعمل عليا راجل يا أخويا،  خد بقي.

 

صرخت أمنية علي زوجها الذي أختل توازنه ووقع علي الأرض أثر الضربة وجرح غائر في مقدمة رأسه يذرف الكثير من الدماء،  وفقد وعيه.

_ معتصم،  معتصم رد عليا.

 

تراجعت مروة بخوف واضعه كفها علي فمها بخوف، لم تجد سوي الهروب كعادتها.

 

صارت تسير في الشوارع خائفة تفكر فيما وصلت إليه، تشعر بالضياع بعد أن فقدت الكثير،  صديقتها التي لاتعلم إلا الآن بما تكنه لها من حقد وكراهية،  أرادت أن تقلب حياتها جحيماً فأنقلب السحر علي الساحر وسُلب أعز ماتملك بعد فقدان قلبها وحبها الوحيد، والآن كانت علي وشك أن تقتل شقيقها.

وقفت أسفل شجرة عملاقة بعد أن داهمها التعب:

_ ليه كل ده بيحصل معايا، أنا كل الي كنت عايزاه هو علي وجت هي خطفته مني، طول عمرها سارقه أصحابي بيسبوني ويروحلها، حتي الإنسان الوحيد الي حبيته ألاقيه بيحبها، هي طول عمرها أنانيه عايزه كل حاجه من غير ماتخسر، علي هواها حب علي الرومانسي الي كان بيسمعها كلام يرضي غرورها وفي نفس الوقت يبقي معاها أكرم الظابط الوسيم إبن عيلة الي أي بنت تتمناه، وأنا عليا أستحمل وأستني أستاذ علي عقبال مارجع من السفر وبدل ما يتجوزني قال عايز ينتقم منها، أتاريه عايز يخرب حياتها وتطلق عشان هو يتجوزها وأنا زي الهبلة كنت بساعده، وأخرتها ضيعت نفسي معاه، الأناني، الندل، الجبان.

 

كانت تتحدث مع نفسها وتبكي، صمتت وتجفف عبراتها، تحولت ملامحها من البكاء والضعف إلي القوة والشر المتطاير من نظراتها للتو.

_ مبقاش مروة لو ماخلتش كل الي جه عليا يدفع التمن غالي، غالي أوي.

 

أنتبهت لرنين رسالة واردة عبر تطبيق الدردشة فوجدت رسالة صوتية من ندي، ضغطت لتستمع إلي محتواها

( ألحقيني يا مروة أكرم خدني عند أهلي وطلقني).

أعتلت إبتسامة تشفي علي وجهها:

_ من أعمالكم يا صاحبتي!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تمسك بالعديد من أكياس مليئة بالطعام لتعد وجبة الغداء،  وبعدما ولجت وضعت ما تحمله في المطبخ ثم خرجت وهي تخلع غطاء وجهها، كادت تنادي علي عمر وبكر فتذكرت أنهما في المسجد الآن،  نظرت في ساعة هاتفها وقالت:

_ قدامهم يچي ساعتين عقبال مايچو،  أكون خلصت الواكل.

 

ذهبت الغرفة لتبدل ثيابها،  فأرتدت عباءة قطنية بنصف أكمام وأطلقت خصلاتها علي هيئة ذيل حصان، دخلت إلي المطبخ وبدأت في إعداد الطعام.

 

وبخارج المنزل توقفت سيارة أجرة ترجل منها وهو يتلفت من حوله أن لا يوجد من يراقبه،  فمنذ أن قام بطعن من يظنه غريماً له هرب و مكث في إحدي الفنادق وفي الصباح سافر عبر القطار و وصل للتو.

أخرج المفتاح الخاص به وقام بفتح الباب ودلف إلي الداخل،  وصلت لأنفه رائحة طعام شهية ظن إن مصدرها من الجيران برغم بُعد المنزل عن المنازل الأخري ، فهو لم يتذوق أي شئ منذ الأمس ومعدته تضور جوعاً.

ترك متعلقاته علي المنضدة وأتجه إلي غرفته، وفي طريقه سمع بحركة وأصوات تأتي من المطبخ، ذهب ليري ماذا يحدث.

 

وبالعودة إلي التي تقلب قطع الدجاج في الإناء وتتأكد من نضجها بوخزها بالطرف المدبب للسكين، و لدي مدخل الطبخ يقف في مكانه يشاهدها ويتأمل خصلاتها التي تلمع في أشعة الشمس الآتيه من النافذة الصغيرة.

تركت السكين و أستدارت لتأخذ الغطاء وتضعه فوق الأناء فوجدت هذا الذي يحدجها بصمت، صرخت وركضت دافعة إياه من أمامها وذهبت لتجلب خمارها الطويل وأرتدته وبطرفه خبأت منتصف وجهها:

_ أنت كيف تدخل الدار من غير ما تستأذن يا أستاذ زكريا؟.

 

أنتبه لصوتها الذي يألفه وعينيها التي يتذكرها:

_ أنتي تبجي قمر مرات أخوي؟.

 

أجابت بضيق:

_ أيوه أني، وأخوك مش موچود وأنت خابر أننا إحنا جاعدين أهنه، ومن باب الإحترام والذوق كنت تتصل علي أخوك قبل ما تيچي.

 

حك فروة رأسه يشعر بالحرج من تصرفه الفظ:

_ أني نسيت أنكم جاعدين أهنه وما چتش فرصة أكلم أخوي، معلش حقك عليا.

 

وقبل أن تتفوه قاطعها رنين جرس المنزل، فتركته و ولجت إلي الغرفة وأوصدت الباب لترتدي ثيابها التي أبدلتها منذ قليل وغطاء وجهها أيضاً.

 

وفي الردهة بالخارج كان الزائر إبنة خالها المتوفي:

_ السلام عليكم.

 

رد الآخر التحية فسألته:

_ الشيخ بكر وقمر أهنه؟.

 

أشار لها لتدلف:

_أتفضلي قمر موچوده چوه.

 

رمقته بقلق وشك فيما قاله حتي أتي صوت قمر بعدما خرجت من الغرفه علي سماعها:

_ أيوه أني أهه.

 

ركضت إليها وبنبرة وشيكة علي البكاء:

_ أمي يا قمر، أمي عتموت.

 

جذبتها قمر من يدها لتجلسها علي الكرسي:

_أجعدي إكده وفهميني عاد، كيفها مرات خالي؟.

 

_ أمي بجالها فترة تعبانه وبدوخ كتير، أتصلنا علي خالي جالنا أنه سافر وما يعرفش راچع ميتي، روحت أنا وخايتي خدناها علي المستشفي في المركز، عملولها تحاليل وأشعة، الدكتور جالي أمكم حداها بعيد عنك ورم علي المخ وفي مرحلة متأخره كمان، عملها عمليه لأچل ياخده من الورم عينة ويعرفه نوعه أي وبناء عليه هيقرره يسولها العملية ولا لاء، وللأسف لساتنا عارفين النتيچة.

داهمها البكاء مرة أخري وأردفت:

_ للأسف فات الأوان، يعني كلها أيام أو شهر وأتنين و…..

لم تكمل وأنخرطت في نوبة بكاء، أحتضنتها قمر وربتت عليها لتواسيها:

_ كفياك بكا عاد، بإذن الله هاتخف وتعيش، ماحدش فينا خابر حاچة العلم عند الله وهو القادر علي كل شئ.

 

_ عماله تجول أنه الي صابها ده يبجي ذنبك وجاعده تبكي وتدعي ربنا يسامحها ورايده منك تسامحيها.

 

لاتعلم ماذا تقول فما وجدته من تلك المرأه ليس سوي معاملة قاسية وظلم وكأنها عدو لها وليست إبنة أخت زوجها، زفرت بإستسلام إلي مشاعرها وقلبها الذي رأف بحال زوجة خالها، فقالت:

_ أني مسامحها وربنا بشفيها ويعافيها.

 

_ هي رايده تشوفك وتسمعها منك لأچل جلبها يرتاح.

 

ظلت صامته لثوان تفكر في الأمر، فهي برغم ما فعلته في النهاية تكن زوجة خالها التي لم تنس له معروف، فمن أجله ستذهب وتراها وتكسب أچر الثواب.

_ أني چايه وياكي، أعطني دجيجتين هاطفي البوتچاز علي الواكل وهاچيب حاچة من چوة وچاية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ أنتهي الشيخ واصف من أداء فرضه،  فوجد جليلة زوجته ما زالت تجلس في مكانها منذ الصباح تبكي.

_ لساتك جاعده تبكي، جومي أتوضي وأدعي ربنا يرچعها لنا بالسلامه.

 

كفت عن البكاء لتزجره بنظرة غاضبة:

_ الي جهرني الحديت الي عيتجال في حقها،  الي بيجول إنها هربت ويا الحكيم الچديد الي في الصحة،  والي يجول إنها هربت ويا عشيقها ليجتله رافع واد خالها.

 

_ بنتنا أدب وأخلاق الدنيا كلاتهم فيها ومحدش يجدر يجول غير إكده، هملي حديت الناس الي ولا يودي ولا يچيب،  أني چيت أجدم بلاغ للحكومه جالولي لازم يمر 48 ساعة،  و ولد أخوكي ورچالته جالبين البلد عليها.

 

نظرت له بإمتعاض وقالت:

_ كيف أهمله وهي خرچت من ورانا ومن وجتها مارچعتش، الوليه الي قدامنا چايه تجولي جلبي عندك يا أم زكريا،  بتك مش مخطوفه،  بتك طفشت وكانت لابسه نقاب كيف مرات أخوها!.

 

زفر بسأم من حديثها قائلاً:

_ العلم عندالله ولما ترچع نبجو نسألها.

 

طرقات علي الباب فقام الشيخ واصف بفتحه ليجد ولده بكر:

_ السلام عليكم يا أبوي.

 

_ وعليكم السلام يا ولدي.

 

رمقته والدته وقالت بعتاب:

_ لساتك فاكر حداك أهل تسأل عليهم إياك!.

 

أطلق تنهيدة ثم قال:

_ حقك عليا يا أمي ما تزعليش.

وأنحني إلي رأسها يُقبل جبهتها، فكاد يُقبل ظهر يدها أيضاً سحبت يدها قائلة:

_ ما دريتش للي حوصل لخايتك؟.

 

عقد مابين حاجبيه بعدم فهم فسألها:

_ حوصل أي وياها؟.

 

أجاب والده بدلاً منها ليوقفها عن الثرثرة التي صدرت منها منذ قليل:

_ خايتك مختفيه بجالها يومين وما عرفنيش عنها حاچة واصل.

 

صاح بغضب قلما صدر عنه:

_ كيف دي؟.

 

ألتفت والديه نحو الباب الذي أنفتح للتو ودلفت وهي تتحاشي أنظارهم إلي مظهرها الرث وثيابها المليئة بالغبار،تركت الباب مفتوحاً قالت بصوت خافت:

_ السلام عليكم.

 

أجاب والدها وأخيها:

_ وعليكم السلام.

 

لكن والدتها منعتها آمره إياها:

_ وجفي عندك، الي يشوفك وأنتي داخله من باب الدار علي أوضتك يجول ولا كأنك غايبه بجالك يومين عاد.

 

تدخل واصف قائلاً:

_ همليها يا چليلة ترتاح شويه وبعدين نبجو نتحدتو وياها.

 

لم تكترث لما قاله لها زوجها، فنهضت وسارت نحو إبنتها و بنظرة تنذر بالوعيد، وبدون سابق إنذار هبطت علي وجهها بلطمة جعلتها وقعت علي الأرض:

_ كنتي فين يا فاچرة؟.

 

ركض بكر ليقف بين والدته وشقيقته:

_ أي الي عاتسوي ده يا أمي، مايصحش إكده.

 

صاح واصف بها:

_ أنتي أتچينتي في عقلك إياك؟.

 

_ بعد عن خلجتي يا بكر وهملني أربي بتي.

 

نهضت فاطمة تبكي وقالت من بين عبراتها:

_ وأني الي كنت فكراكي قلقانه عليا، عتضربيني!  .

 

صاحت جليلة بغضب:

_ وأموتك بيدي أحسن ما يجولو بتك هربت ويا عشيجها وتچيب لنا العار،  كنتي فين وهروبتي ويا مين؟  .

 

_ أسألي ولدك زكريا وهو هيجولك.

 

تعجب الجميع وأعتلت الدهشة ملامحهم،  فقالت والدتها بسخرية:

_  أخوكي خطفك أياك؟.

 

وسألها بكر:

_ أي علاقة زكريا بخطفك؟.

 

دخل رافع بللهفة باحثاً عنها ليجدها تقف خلف شقيقها و وجنتها بها أثر صفعة، لم يهتم لأمر عمته وزوجها وإبنهما، أمسكها من يدها وسألها بخوف وقلق وغضب:

_ كنتي فين؟.

 

جذبت يدها ورمقته بإزدراء وكراهية:

_ ملكش صالح.

 

_ معلش يا رافع هملها ترتاح، أهم حاچة إنها رچعت لنا بالسلامة.

قالها واصف، فتفوهت جليلة بما سيصبح وبالاً علي إبنتها:

_ ترتاح كيف ما تريد، وتحضر حالها لأچل كتب كتاب رافع ولد أخوي عليها الليلة دي وفرحهم مع بكر ومارته في ليلة واحدة!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ عادت برفقة إبن خالها الصغير  بعدما أتصل بها بكر،  فولجت إلي داخل المنزل فوجدته يتلو آيات الله بصوته الرخيم،  تركته وذهبت لتبدل ثيابها ثم خرجت لتجد عمر نائماً علي الأريكة في الردهة  وعلي وجنتيه آثار عبراته التي أنهمرت بغزارة حزناً علي مرض والدته،  تنهدت بحزن وآسي،  حملته علي زراعيه و وضعته في الغرفة المخصصة له،  ثم ذهبت إلي بكر لتسرد له ما حدث معها اليوم.

 

ذهبت لتجلس علي مقربه حتي ينتهي من تلاوته وما أن قال:

_ صدق الله العظيم.

 

أسرعت فقالت:

_ أسكت يا بكر شوفت الي چري لمرات خالي؟.

 

توقعت إجابة علي غرار ما تفوه به:

_ ومين سمح لك تروحي؟.

 

ألتمست غضبه الجلي في نبرة صوته التي يتحدث بها لأول مرة معاها.

 

_ چت بت خالي وخدتني من أهنه وأتصلت عليك وأني في الطريق لاجيتك ماردتش، أنتظرتك لحد ماتخلص الدرس للولاد وأكلمك،  غصب عني أنشغلت ونسيت.

 

رفع جانب فمه بإبتسامة ساخره مُردداً آخر كلمة نطقت بها :

_ نسيتي!  .

تنهد بعمق وأردف:

_ بصي ياقمر حاجتين ما سمحش فيهم عاد،  الأولي الكذب،  والتانية الإستهتار وعدم التقدير كيف أصلي نسيت،  هابجي أفتكر، لو مخابراش تحترمي چوزك كيف جوليلي وأني هاعلمك.

 

أتسعت فيروزتيها وهي تستمع للهجته الحادة معها مما دفعها إلي الرد عليه بتهكم عاقدة ساعديها:

_ وهاتعلمني كيف يا شيخ بكر!،  ولا حد جالك عليا ما بفهمش عاد !،  چاوبني؟.

 

لايعلم ماذا أصابه، يشعر بضيق في صدره يخشي أن يستسلم لغضبه ويندم لاحقاً،  أخذ يردد بصوت منخفض:

_ أعوذب بالله من الشيطان الرجيم،  أستغفر الله العظيم.

 

بينما هي ما زالت تقف أمامه بتحدي وإصرار،  صاحت بصوت مرتفع وكأنها تُصر علي خروج أسوء ما لديه:

_ ما تعلمني وخابرني كيف ما جولت دلوق،  ولا أجولك روح علم أخوك الي دخل الدار من غير إستآذان، ولا چاي تتشطر عليا أني!.

 

جز علي فكه وقد وصل غضبه إلي ذروته فأطاح بالمنضدة من أمامه يهدر بها:

_بعدي عن وشي، وأدخلي چوه.

 

أنتفضت بخوف وذعر، كم هي حمقاء لاتعلم مهما كان هذا الذي يقف أمامها يتحلي بالصبر والتريث فهيمنة  وسيطرة الرجل الشرقي تسري في دماءه، ركضت إلي الداخل وأوصدت الباب ثم ألقت جسدها علي الفراش تحتضن الوسادة وأجهشت في البكاء.

كان يجلس بالخارج في سكون، نهض ليتوضأ  ، فالوضوء يطفأ من نيران غضبه ويخمدها ويرجعه إلي صوابه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ يتمدد علي الأريكة الخشبية يتأمل النجوم المتلألأه في السماء المحيطة بالبدر المكتمل لتوه،  يتخيل ملامحها بدلاً منه تبتسم له وتحدثه:  _ أتوحشتك يا فارس؟.

 

رد في عقله قائلاً:

_ أتوحشتيني جوي جوي يا روح فارس، محتاچ لك يا زينب،  أني من غيرك كيف التايه في أرض صحرا ملهاش أول من آخر،  كيف الغريب في غربته من غير أهله وناسه،  كيف العطشان وقدامه بير فاضي، ياتري حالك أي وأنتي ويا غيري!.

 

_  حالي كيف حالك يا واد عمي،يمكن أسوء بكتير، وبرغم إكده لسه فيه أمل هيچي يوم ونتلاجي.

 

أطلق تنهيدة من أعماقه السحيقة يخرج فيها كل مالديه من حزن وآسي وقلة حيلة، لايعلم كيف سيصل إلي برائته، وماذا يفعل لقلبه الملتاع منذ أن ضاعت ملكته، تقذفه الدنيا كأمواج البحر الثائرة لتلق به علي كل شاطئ، وهو لايريد سوي مرسي واحد، العودة إلي بلده وينال براءته وتعود له من عاهدها ألا يعشق فؤاده سواها.

 

قاطعه صوت رفيق دربه المجهول:

_ هاتفضل مبحلج في السما إكده، ده أنت من وجت ما رچعت وأنت علي وضعك.

 

نهض وهو يزفر ليقول له:

_ والله يا چنيدي كأني عايش حلاوة روح، ولا مني حي ولا مني ميت.

 

زفر دخان السيجارة التي بين أصبعيه وقال:

_ چري أي ياصاحبي عتنوح كيف النسواين حدانا في الصعيد!.

 

زجره الآخر بنظره تحذره من التمادي في تشبيهاته الفظه، فقال جنيدي:

_ ماتزعلش مني ياصاحبي،  ما أنت خابرني كيف الدبش في حديتي.

 

نهض و وقف خلف السور ينظر إلي الشارع وأسطح المنازل، ضيق رماديتيه:

_ ألحق الواد شريف الي ساكن ويانا لساته نازله من التوكتوك علي ناصية الشارع الي جصدنا وچاي چري علي اهنه.

 

وقف الآخر بجواره ليري قائلاً:

_ عمري ما أرتاحت له الواد ده، شاكك مليون في الميه إنه عيشتغل شمال وچاي وحداه مصيبة.

 

عقب فارس علي حديثه:

_ ربنا يستر، إحنا ما ناجصينش بلاوي عاد، كفاية البلاوي الي إحنا فيها.

 

وبعد دقائق وجدا أمامهما شريف يلهث من الصعود ركضاً علي الدرج، فقال جنيدي له:

_ أي يا أبو عمو،  عتچري ليه إكده كيف الحرامية؟.

 

لم يرد ودلف إلي الغرفة يبحث عن حقيبته،  جثي علي عقبيه ليسحبها من أسفل السرير ثم قام بفتحها وأخذ يلقي بداخلها كل ثيابه.

 

_ ما تخابرنا يا چدع هببت أي بدل ما نلاجي الحكومة في وشنا دلوق!.

 

صاح بها جنيدي وقبل أن يجب عليه الآخر صدح رنين هاتفه ذو الطراز القديم، فأجاب عند رؤية إسم المتصل:

_ أزيك يا عم عربي.

 

رد الآخر علي عجل من أمره:

_ بسرعه يا جنيدي أنت وفارس خدو حاجتكم وأمشو بسرعه من الأوضة ، جالي خبر دلوقت من ناس تابعي من قسم المنطقة جايين يقبضو علي الي اسمو شريف بتهمة القتل.

 

أغلق المكالمة علي الفور وأمسك بتلابيب شريف وصاح في وجهه:

_ أنت ياض جتلت كيف ما جال عم عربي؟.

 

أبعد الآخر يديه وقال بإنكار:

_ أقسم بالله ما قتلتها، هي الي زودت في الشرب و وقفت في البلكونة مقدرتش تصلب طولها ووقعت، من حظي المهبب إبنها رجع من السفر و دخل لقاني في شقتهم وأمه واقعه من الدور العاشر، أفتكرني رماتها، والله ده كل الي حصل.

 

كان فارس يقف مستمعاً إليه فسأل جنيدي:

_ وكيف عم عربي عرف أنه جتل؟.

 

أجاب جنيدي من بين أسنانه:

_ ناس تابعه في القسم بلغوه فيه قوه جايه من هناك علي أهنه.

 

صاح كل من فارس وشريف في آن واحد:

_ بوليس!.

 

وفي غضون دقائق أخذ كل منهم أشيائه وفروا ثلاثتهم، ذهب فارس وجنيدي يبحثان عن مكان مهجور ليمكثا به حتي الصباح بينما ثالثهم ذهب إلي محطة القطارات ليركب القطار المتجه إلي الأسكندرية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ وفي اليوم التالي..

ترجلت من سيارة الأجرة أمام المتجر،  فكانت تتحدث في هاتفها:

_ حاضر يابابا، مش هاكلمه لحد ماتيجي حضرتك وتبعت له وقتها هاعتذر له خلاص كده،  الو،  الو.

 

نظرت في شاشة الهاتف فوجدت الهاتف لايعمل،  زفرت بتأفف:

_ يعني ماتفصلش غير وأنا بكلم بابا،  موبايل معندكش دم،  والله لأغيرك وأشتري الي أحسن منك.

 

ألقته بداخل حقيبتها،  ثم قامت بإخراج المفتاح وتذكرت فارس عندما كان يساعدها في فتح الباب، أنتبهت إلي صفير إحدي الشباب إليها:

_ ده القمر طلع بطل جامد وأحنا مانعرفش.

 

رد عليه شاب آخر بمغازلة سافره :

_ ده الي كان معاها هو الي كان بطل إنه قدر علي الوحش الجامد ده.

 

نظرت نحوهما بإزدراء و هدرت بصياح مدوي:

_ جري أي يا حيلتها منك ليه لازم تتهزأو علي الصبح عشان تلمو لسانكم.

 

وقف أمامها إحدهما قائلاً:

_ حيلة مين وتهزأي مين يا حلوة، أبقي أعمليها كده وأنا هاعمل فيكي أكتر من الي عمله الواد معاكي في الفيديو.

 

لم تفهم ما قاله لها هذا الوغد، فظهر المدعو حموده الذي جاء للتو:

_ في أي ياشبح مالك ومال الآنسه؟.

 

قهقه الآخر بسخرية و أصدر صوتاً بذيئاً من فمه وأنفه:

_ آنسه!، ده أنت الي آنسه جمبها.

 

لكزه حموده في صدره:

_ طب غور من هنا يلا عشان مزعلكش.

 

أمسك الآخر بزراعه:

_ تزعل مين يا بابا، ده أنا الي هزعلك وأجيب ناس تزعلك.

 

خشيت شهد علي حمودة من هؤلاء الشباب من أن يقوموا بأذيته:

_ يلا يا حموده، سيبك منهم دول شوية عيال صايعه مش لاقين حد يربيهم.

 

فصاح الشاب الآخر:

_ ده مين دول الي صيع يا صايعه يا و…..، ما تروحي شوفي مين الصايع والو…… وفيديوهاتك علي كل الموبايلات.

 

قد فاض بها الكيل فصرخت به:

_ فيديوهات أي يا حيوان الي بتتكلم عنها.

 

أشار لها حمودة:

_ أتفضلي أدخلي المحل يا آنسه شهد وأنا هاشوف شغلي مع الأشكال دي.

 

رد الشاب وهو يباغته باللكمة قوية:

_ أشكال دي تبقي خالتك يالاه.

 

وعلي الجهة الأخري هبط كل من فارس وجنيدي من ال (التوكتوك)، فقال الثاني:

_ أيه الخناقة الي هناك دي قدام محل الحاچ نعمان؟.

 

نظر فارس ليجد شهد تصرخ في الشابين وهما يبرحان حمودة ضرباً بالركل في ساقه  واللكم في وجهه، ركض فارس علي الفور فناده جنيدي: _ رايح فين تعالي أهنه.

 

وبمجرد وصوله أمسك الشاب الذي يركل حمودة دفعه باللكمة في وجهه، و كاد الشاب الآخر يركله،أمسك فارس بقدمه ودفعه أرضاً، ودنا منه قابضاً علي ياقة قميصه:

_ خد صاحبك و غورو من أهنه.

 

و ألتفت إلي شهد وأمرها:

_ وأنتي أدخلي چوه.

 

صاحت وهي تشيح بيديها:

_ مش ماشيه غير لما أعرف أي حكاية الفيديو  الي بتكلمه عنه وبيقولو أنه بتاعي.

 

هدر بها فارس بأمر و حزم:

_ جولتلك أدخلي چوه، أني هاتصرف وياهم.

 

أرتجفت من صياحه في وجهها هكذا، فأذعنت له ودلفت إلي المتجر تنظر لما يحدث من خلف لوح زجاج عرض الملابس  ، فوجدت سيارة والدها وصلت للتو وهبط منها، وعندما رآه كلا الشابين قاما بالركض في الحال.

 

رأت والدها يتحدث مع فارس وحمودة  ثم دلفوا ثلاثتهم إلي الداخل.

 

_ روح يا حموده بلغ الأمين شوقي عايزه ضروري، خليه يجيب لنا العيال ديه ويربيهم.

 

حك حمودة فروة رأسه في حيره لايعلم كيف سيتفوه بالأمر:

_ أستني يا حاج بس الأول لازم تعرف حاجة.

 

أعتلت الدهشه ملامح الآخر:

_ حاجة أي الي لازم أعرفها ؟، ماتخلص وتقول.

 

أزدرد ريقه بخوف من ردة فعل رب عمله عندما يخبره بالآتي:

_ الكلام الي العيال ضايقو بيه ست شهد كان بسبب حاجه كده أنا مش متأكد منها.

 

لم تتحمل أكثر من ذلك فصاحت:

_ ماتنجز يا حموده وقول علي طول.

 

أخرج هاتفه وهو يقول:

_ فيه حوالي خمس فيديوهات أتبعتولي من رقم غريب علي الواتس  الصبح ومش أنا لوحدي،  كمان أتبعتت للشباب الي شاغلين في الكافيه الي علي الناصيه والي شاغلين في المحلات الي جمبنا وأنا جاي في الطريق سامعهم بيتكلمو عنها،  وأنا كنت ناوي أجي أبلغ حضرتك،  عشان بالتأكيد الفيديوهات دي متفبركه مش حقيقية….

 

لم تمهله شهد لإكمال حديثه فأختطفت منه هاتفه واخذت تبحث عن تلك الفيديوهات في معرض الصور، ضغطت لتشغيل واحد منهم وليتها ما قامت بتشغيله.

بدأ الفيديو بظهور فتاة نسخة مطابقة منها ترتدي ثياب فاضحة ويحتضنها شاب فوق الفراش وبدأ يُقبلها بحميمية ويخلع عنها ثوبها العاري!.

#الفصل_الثامن_والعشرون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ أستيقظت من نومها علي صوت جرس المنزل المتكرر،  أرتدت وشاحها و خبأت منتصف وجهها بطرفه،  فتحت الباب لم تجد أحد و مازال الجرس يرن،  خرجت خطوة لم تجد أحد أنتفضت بخوف فولجت للداخل وأغلقت الباب وصدرها يعلو ويهبط من الفزع،  لم يبرحها الخوف فوجدت ظل أسود يتكون علي الحائط بهيئة أمرأة، أرادت أن تصرخ و هي تدير مقبض الباب،  لكن صوتها لم يخرج والباب كأنه موصداً من الخارج.

تسمر جسدها بالكامل عندما سمعت صوت مصدره هذا الظل الذي بدأ يتجسد علي شكل فتاة في مقتبل العشرينات.

_ تعالي أهنه ماتخافيش مني،  أني چايه لك لأچل أبلغك رسالة.

 

جحظت فيروزتيها برعب وأرتعدت أوصالها من الخوف،  تريد أن تسألها من أنتِ لكنها لم تستطع أن تحرك لسانها،  ففاجأتها الفتاة:

_ لو رايده تعرفي أني مين روحي أسأليه ليه جتلتها هي والي في بطنها وكل ذنبها  كانت عتحبك.

 

لا تفهم شيئاً مما قالته تلك الفتاة التي فهمت نظراتها لتكمل لها:

_ جوليلو عمري ما هسامحه ولو ماخدتش حجي في الدنيا هاخده منه في الآخرة.

وبدأت الفتاة تخرج من الحائط تطير في الهواء صوبها مما جعلها ترتجف وتريد الصراخ ولم تستطع.

 

يناديها صوت من بعيد:

_ جومي يا قمر،  جومي.

 

أستيقظت بفزع وأطلقت صرخة،  فوجدت من يوقظها بكر الذي أمسك بيدها يربت عليها:

_ أهدي،  ماتخافيش أني كنت عصحيكي لما سمعت صوتك عماله تقري قرآن وبتترتعشي،  دخلتلك أشوف مالك،  لاجيتك نايمه،  جولت أصحيكي ليكون كابوس ومعرفاش تفوجي منه.

 

أمسك بدورق المياه من فوق الكمود وسكب لها القليل في الكوب الفارغه جواره ومدها إليها:

_خدي أشربي.

 

تناولتها منه وهي ترتشف رويداً رويداً و تركت الكوب جانباً  ،  أخذت تستغفر ربها وتردد أذكار الإستيقاظ من النوم.

 

_ الحمدلله أنك صحتني،  جلبي كان هيجف.

قالتها وهي تضع كفها علي صدرها، أمسك يدها وطبع قبلة في راحة كفها وقال:

_ ألف بعد الشر علي جلبك.

 

تذكرت ما فعله الأمس بها من صراخ و إهانة ولم يعط لها فرصة لتشرح إليه، جذبت يدها ونهضت مبتعدة عنه:

_ يدك ماتلمسش يدي تاني، وهملني أنت في حالك وأني في حالي.

 

غر فاهه فسألها ببلاهة:

_ هو الكابوس أثر علي دماغك إياك؟.

 

عقدت ساعديها وترمقه بسخط فقالت بتهكم :

_  أني برضك!، ولا واحد إكده أعصابه فلتت منه عشية إمبارح،  وشاط التربيزة قدامي،  ما كنت تكسرها علي دماغي أحسن!.

 

إبتسم رغماً عنه و رد برومانسية حالمة تعزف علي أوتار فؤادها الصغير:

_ علي فكرة بجي أني صاحي من بدري لأچل لما تطلعي أعتذرلك وأجولك حجك عليا يا حبيبة جلبي،  شوفتي أنتي ظلماني كيف!.

 

أخفت إبتسامتها وأرتسمت علي ملامحها الضيق والوجوم:

_ ياسلام!  ، بعد كل الي سويته چاي تجولي حجك عليا وأني المفروض أدوس علي زرار و خلاص بجي أسامحك!.

 

أطلق زفرة وتمتم بالإستغفار ثم قال:

_ أني بعترف بغلطي وأني سلمت حالي للشيطان الي خلاني أتعصب،  لكن كيف ماغلطت أنتي كماني غلطتي وعتكابري ومعوزاش تجولي أنك غلطانه،  يبجي مين إكده المفروض يزعل من التاني؟.

 

فتحت فمها غير مصدقة لتقول له بدهشة:

_ بچد والله!،  دلوق خلتني أني الي غلطانة،  ماشي يا سيدي حجك عليا إن روحت لمرات خالي من غير ماأستأذنك،  لكن كيف ما جولتلك أني إكده ولا إكده مكنتش جاعدة في الدار.

 

_ خابر بسبب زكريا الي چه ودخل ونسي إننا في الدار،  أني أتحدت وياه جالي مكنش يعرف وعيعتذرلك.

 

رفعت زواية فمها بتهكم:

_ متشكرين.

 

رفع حاجبه وسألها:

_ شامم ريحة سخرية في حديتك،  ما عچبكيش الي جولتهولك ولا أي عاد؟.

 

ردت بإنكار:

_ وأني  عتمسخر ليه،  أنت عتجولي أخوك أعتذر وأني عجولك متشكرين.

 

أطلق زفرة ويرمقها بنظرة يخبرها بعدم إقتناعه، لكنه لايريد خلاف مرة أخري يكفي ما سيخبرها به للتو:

_ بالمناسبة،بعد ما نفطرو هنعاود علي دار أبوي.

 

داهمها الشعور بالصدمة وأتضح ذلك علي ملامحها

_ كيف؟.

 

رد ليخبرها أن حديثه لارجعة فيه:

_ هو أي الي كيف، مالك حاسس إن رچوعنا لدارنا ما عاچبكيش.

 

جزت علي فكها بحنق لم تستطع إخفاء شعورها بالرفض حيال ما يخبرها به.

 

_ جصدك تجول دارك أنت.

 

_ وأنا وأنتي نبجو أي، واحد؟، ولا كل واحد لحاله!.

 

ردت بتأني لا تظهر له مدي سخطها من العودة إلي منزل والديه:

_ طبعاً واحد، لكن أني أتفاچأت لما عتجولي.

 

أمسك بيدها ليجعلها تجلس علي كرسي وجذب آخر و وضعه أمامها ليجلس مقابلاً لها :

_ بصي ياقمر لأچل نبجي واضحين، أنتي خابرة ظروفي زين، ما أقدرش أشتري شقة دلوق، ممكن نأچر شقة علي قدانا لحد ما ربنا يكرمني وأشتري لك شقة ملك، الي هيحوصل دلوق إننا هانرچع علي دارنا ومنها أجف ويا خايتي فاطمة وأشوف أي حكاية أخوي وأكون ويا أهلي لأچل يحتاچو حاچة مني.

 

أنتبهت لذكر إسم شقيقته فسألته لتطمأن عليها:

_ مالها فاطمة؟ وأي حكاية أخوك؟.

 

أطلق تنهيدة لايعلم من أين يبدأ إخبارها فأجاب بإيجاز:

_أخوي ماعرفش لسه حكايته، لكن خايتي كانت مخطوفة ولساتها راچعة إمبارح وأمي حكمت عليها تتچوز رافع واد خالي غصب عنها.

 

شهقت وهي تضرب علي صدرها بكفها:

_ واه، رافع!، يامُرك يا فاطمة!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ نهض من فراشه عندما شعر بقليل من التحسن،  فبعد أن تركته وعادت إلي منزلها،  تحمل ألم جرحه الذي ذرف دماءً كثيرة وهاتف الطبيب ليأتي إليه وجاء في غضون نصف ساعة مع حارس العقار عم خضر الذي قام بفتح باب الشقة بالنسخة التي تركها علي لديه،  فتفاجأ كلاهما برؤيته مُسجي علي الأرض لا حول له ولا قوة،  ودماءه ملطخه قميصه، أسرع الطبيب بإسعافه وتقطيب جرحه مجدداً وتغطيته بالشاش واللاصق الطبي، وقام بتعليق محلول وحقن بداخله مُسكن لتخفيف آلام جرحه.

 

تضور معدته من الجوع، ذهب إلي المطبخ باحثاً عن أي شئ يأكله فلم يجد سوي قطع دجاج مُتبلة في الثلاجة ،قام بطهيها في المقلاة،  مد يده ليجلب طبق ويضع عليه القطع بعض قليها فداهمه ألم قاتل في جانبه جعله تأوه من بين أسنانه ويعتصر عينيه من فرط الألم.

 

خرج ليأكل أمام التلفاز،  بمجرد ضغط علي زر الإضاءه وجد الذي يجلس أمامه علي الكرسي واضعاً ساق فوق الأخري يزفر دخان سيجارته،  يرمقه في صمت قاطعه عندما تحدث بتهكم:

_ تصدق أنا جعان أوي، بس مليش نفس للفراخ.

 

وضع الطبق علي المنضدة ليجلس علي الكرسي المقابل للآخر، حاول كتمان أوجاعه وأن لا يظهرها أمامه، بادله حديثه بنبرة هاكمة :

_ أنا أول مرة أشوف ظابط يدخل بيوت الناس زي الحرامية!.

 

رفع أكرم زواية فمه بطيف إبتسامة ساخرة ، وضع يده خلف ظهره ليأخذ سلاحه الناري و وضعه علي المنضدة أمامه :

_ وأنا مش جاي لك بصفتي ظابط.

ع،

يجلس أمامه الآخر بثبات يُحسد عليه وكأنه ينتظر هذا اللقاء منذ زمن.

تناول قطعة دجاج بهدوء يثير حنق الآخر الذي يتحكم في ثورة غضبه العارم، تندلع من نظراته المتربصة.

مضغ وأبتلع ما بفمه ولعق أطراف أنامله ثم قال:

_ أومال جاي ليه بصفتك جوز ندي.

 

سحقاً لهذا الأحمق الذي يعلنها أمامه وصراحة، يتحداه والأدهي يلفظ إسم زوجته التي أضحت طليقته الآن علي لسانه بكل جرأه و وقاحة لم يراها من قبل، فسرعان أنقض عليه كإنقضاض ليث علي ضبع يظن نفسه في قوة خصمه لايعلم إنه وقع بين فكيه.

 

_ إسمها ميجيش علي لسانك بدل ما أقطعهولك.

هدر من بين أسنانه ممسكاً بتلابيب علي الذي يحدجه بتحدي سافر، يتراقص علي حافة البركان غير مكترث لحممه المتصاعدة لإحراقه وجعله رماداً مندثراً في مهب الريح.

 

_ إياك تكون فاكر إن هخاف منك!، أنا راجع وعارف مين خصمي ولا نقول غريمي.

 

غمز بعينه فسبر أغوار الآخر، كور قبضته ولكمه في وجهه، فأنقلب بالكرسي إلي الوراء، تأوه رغماً عنه، ليس من اللكمه بل من جرحه الذي لم يندمل بعد، بينما كان أكرم يملك جرح أعمق وأقوي، فجراح الجسد لها العديد من الأدوية لكن جروح الفؤاد لاتوجد ما يداويها.

 

أخذ سلاحه و صوب فوهته نحو رأس المُلقي علي ظهره:

_رصاصة واحدة ترشق في دماغك وتتمحي من الوجود أو أرميك ورا الشمس ومحدش هايعرف أنت عايش ولا ميت.

 

ورغم آلامه تجلت إبتسامه علي شفاه ليكيد الآخر ويثير جنونه، قال بتهدج:

_ أي؟،خايف إنها تسيبك وترجع لي؟، ولا الباشا مش عارف يسيطر!.

 

رصاصة أنطلقت وأستقرت في ظهر الكرسي تركت خدشاً لايذكر علي أذنه تسببت في ذرف بضع قطرات من الدماء، ومالبث أن باغته بالقبض علي تلابيب قميصه وأخذ يكيل له عدة لكمات متتالية، لم يمهله حتي إلتقاط أنفاسه وصاح به مهدداً إياه:

_ كان ممكن أخليها ترشق في قلبك،  بس مش أنا الي يزفر رصاصه من مسدسه بدم واحد وس…..  زيك، أقسم بالله لو ماخدت بعضك وغورت من هنا وياريت تغور من مصر كلها لأكون ملبسك قضية أقل حاجة فيها تأبيدة.

تابع حديثه بركلة قوية في جرح الآخر الذي أطلق صرخة مدوية، يشعر وكأن روحه تغادر جسده المتلوي من شدة الألم، ثم تركه وغادر المنزل متوجهاً إلي مقر عمله.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ بين نغمات أغاني الفلكور الشعبي لمحافظة أسوان والمراكب التي تتراقص في مياه النيل المتلألأة  أثر سقوط أشعة الشمس الذهبية  ، فتغني القلوب طرباً من هذا المنظر البديع الخلاب.

وهنا بداخل هذا المركب يتعانق قلبان كمعانقة أصحابهما لبعضهم البعض.

يهمس بجوار أذنها بعشق وهيام:

_ أنا أسعد واحد في العالم، في حضني الإنسانة الي بحبها وبعشقها وقاعد في مركب وسط النيل وشايفين الخضره علي ضفافه،  هاعوز أي تاني من الدنيا!.

 

مالت برأسها علي كتفه لتنظر له بزواية:

_ عتتحدت چد يا صلاح، للدرچدي حبتني جوي؟.

 

إبتسم بمكر فقال بمزاح:

_ ولا حبيتك ولا حاجه أنتي صدقتي ولا أيه.

 

لكزته في كتفه وقالت:

_ أخص عليك يا صلوحتي وعلي هزارك البايخ عاد،  بجي إكده أوعي.

وكادت تنهض فحاوط خصرها بزراعيه:

_ رايحه فين،  أنسي إنك تقومي من حضني غير لما ننزل من المركب.

 

وقبل أن تتحدث وجدت صاحب المركب الذي يجلس بجوار المحرك ينظر نحوهما ويبتسم،  شعرت بالخجل:

_ طيب خلاص،  بعد هبابه إكده،  الراچل عمال يبص علينا.

 

تمسك بها أكثر وقال:

_ ما يبص مالهوش حاجة عندنا، واحد ومراته في الهني مون وبيحبها ومايقدرش يبعد عنها ولو لحظة.

 

أستدارت بين يديه حتي تنظر في عينيه التي أشتدت زرقتها في ضوء الشمس الساطعة مما جعلها تحدجه وتتأمله في صمت،  فقال هو:

_ عايزة تقولي أي يا سمسمتي؟.

 

يتراقص فؤادها من الفرح والسعادة،  يعشقها ويفهمها بمجرد نظرة من زرقاويتيه لخاصتها،  ما هذا القدر الحليف الذي أوقعها في درب رجل لم تكن تحلم بالزواج منه أو تقابل مثله عندما كانت تعمل بالمشفي،  كثيراً رفضت من يريدون الزواج منها فمنهم من كان طامعاً في راتبها ومنهم من يريدها خادمة لوالداته وشقيقاته والبقية حدث ولا حرج أشباه رجال يريدون الزواج من أجل المتعة ليس أكثر.

 

تنهدت وأجابت:

كنت رايده أجولك أني برضك أسعد واحدة في العالم وربنا بيحبني جوي لأچل يچعلك من حدي ونصيبي.

 

أمسك يدها بلمسة أذابت قلبها تياماً، فقام بتقبيل كل طرف من أناملها حتي وصل لراحة يدها وطبع قبلة أفاضت بكل مايريد إخبارها به عن مشاعره نحوها.

 

_ واه، عتسوي أي عيب إكده.

قالتها بخجل يمتزج به بعض الدلال

 

_ عيب لما أبوس صوابعك وأيديكي ومش عيب الي حصل إمبارح والنهاردة الصبح ولسه هيحصل كل يوم و……

أسكتته بتكميم فاهه بيدها:

_ أكتم عتفضحنا يا راچل.

 

أزاح يدها من علي فمه و أطلق ضحكاته التي تعشقها وتظهر لها مدي وسامته، تصنعت الضيق وزمتت شفاها:

_ وأني جولت أي يضحك يا حضرة الأڤوكاتو؟.

 

أجابها وهو يهز رأسه:

_ أنتي مشكلة يا سمسمة، بضحك علي كلامك و ردود فعلك الغير متوقعة.

 

رفعت رأسها بشموخ لتحدثه من برج كبريائها المرتفع وكأنها ملكة تلقي خطاباً لشعبها:

_ حدانا في البلد إحنا أتربينا علي إكده، ممكن يكون حسب تفكيرك إني رجعية وقديمة لكن دينا وعاداتنا عتجول المشاعر سواء حديت أو فعل مابين الراچل ومارته لما يكون مجفول عليهم باب، لأن دي خصوصية مش علي الملأ إكده.

 

أومأ لها متفهماً، فقال بمزاح:

_ حاضر يا بلدينا.

 

ولت إليه ظهرها متمتمة:

_ روح أضحك مع حالك.

 

_ خدي هنا، أنا بهزر معاكي، وهاسمع كلامك هاعبرلك عن مشاعري لما نرجع الأوتيل، هاغرقك مشاعر لحد ماتفرهدي.

وغمز بعينه، توهجت وجنتيها وأشاحت وجهها، لم يكترث لما قالته له منذ قليل فأحتضنها وسألها:

_ مقولتليش بقي نفسك في أي أعمله لك، أطلبي وأتمني وأنا ومالي وحالي ملك إيديكي.

 

رمقته بفرحة تغمرها:

_ كل الي ريداه منك أنك تفضل إكده معايا علي طول،  ماتتغيرش في يوم ولا تچرحني،  إياك والخيانة.

 

أمسك بيدها وقال:

_ عمري ما أخونك لأني مختارك بعقلي وقلبي وعمري ما هلاقي زيك،  وبالنسبه لحبي ليكي عمره ما هيقل بالعكس كل يوم بعيشه معاكي بحبك أكتر.

 

_ يبجي إكده مافضلش غير حاچة واحدة و دي بجي الي بإذنه ومشيئته هو الي يحققهالي ربنا سبحانه وتعالي.

 

رمقها متلهفاً فسألها:

_ وياتري أي هي الحاجة دي؟.

 

نظرت في عينيه لثوان فأجابت:

_ أنه ربنا يرزقني منك بولد وبنوته ويكونو شبهك بالظبط.

 

تغيرت ملامحه في لحظة من السعادة إلي الوجوم مما أثار الريبة بداخلها:

_ مالك أتضايجت ولا أي،  ماريدش عيال!.

 

كان سؤالها ليس بمجرد سؤال تنتظر إجابته بالإيجاب أو النفي لكنها تخشي ما طرق في ذهنها عندما رأت وجوم ملامحه للتو.

 

و بما إنه متفوق في مهنته التي تميزه بالدبلوماسية البحته،  أجاب عليها كالآتي:

_ مش زي ما أنتي ما فهمتي، كل الحكايه أنا مش مستعجل،  تقدري تقولي نأجل الموضوع ده لبعدين، عايزين نستمتع بكل لحظة بنعيشها مع بعض.

 

هزت رأسها كدلالة علي ما أدركته، أشاحت وجهها وفي رأسها تتدور مئات الأسئلة،  تنظر نحو الشمس التي بدأت في الغروب ويتحول لونها الذهبي إلي الأحمر البرتقالي في منظر جذاب من صنع الخالق.

قاطع وصلة تأملها رنين هاتفه، فأخرجه من جيب بنطاله ونظر إلي هوية المتصل.

_ ألو ياباشا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أجاب سليم علي الجانب الأخر بسخرية مازحاً:

_ ده أنت الي باشا وعريس،  وأنا آخر من يعلم.

 

ضحك وقال:

_ والله الموضوع جه كده بسرعة حتي لسه محدش يعرف .

 

كان يقف علي حافة سطح منزله متكئاًحبمرفقه علي ساقه المستنده علي السور:

_ ما أنت عارف بقي مفيش حاجة بتستخبي علي سليم العقبي، ياتري مين سعيدة الحظ الي خطفت قلبك؟.

 

نظر صلاح إليها وهو يجذبها إلي صدره:

 

_ طبعاً ونيجي فيك أي يا مدرسة، و الي خطفت قلبي يا سيدي تبقي سمية هانم حرمي المصون.

 

عقد مابين حاجبيه يتذكر صاحبة ذلك الإسم:

_ أوعي تكون البنت الممرضة الي خدتها عندك؟.

 

_ دي ملاك رحمة نزل من السما عشان يعالج قلبي الي كان بيموت وهي جت أحيته من جديد.

 

رفع زواية فمه قائلاً:

_ عمتاً ألف مبروك، هاترجع أمتي من عندك؟.

 

شعر الآخر بعدم قبول صديقه تلك الزيجة فلم يهتم، وأجاب علي سؤاله:

_ إن شاءالله علي آخر الأسبوع، عشان فيه شغل وقضايا كتير كنت مأجلها.

 

_ وأنا كمان هخلص حاجه كده في الشغل الي عندي و راجع مصر علي آخر الأسبوع.

 

_ توصل بالسلامة يا باشا.

 

أجاب بإقتضاب:

_ الله يسلمك.

ألقي نظرة في شاشة هاتفه ينظر إلي الساعة ليجدها الحادية عشر صباحاً بتوقيت لاس فيجاس.

_ ماشي يا صلاح، أنا مضطر أقفل معاك دلوقت، يلا باي.

 

_ وبالأسفل بداخل الغرفة، تجول ذهاباً وإياباً تفكر في كيفية الهروب من هذا المتوحش بدون أن تفشل خطتها ويكتشفها فيلقي بها داخل جحيمه و يذيقها ويلات من العذاب الذي لايتحمله بشر.

 

توقفت فجاءة بجوار السرير فرفعت فراشه قليلاً وأخذت شيئاً من أسفلها، جلست تنظر إلي البطاقة المدون بها الرقم الشخصي لساندرا جابرييل وأسفله مدون أيضاً عنوان مركز سبا التي تمتلكه ويقع بالقرب من الكازينو الخاص بزوجها دانيال.

أنفتح الباب فجاءةً، فألقت بالبطاقة سريعاً أسفل السرير.

_ كنت لسه فاكرك نايمه.

قالها فأستدارت إليه فرأته يحدجها بشك، أبتلعت لعابها و قالت بتوتر:

_ لساتني صاحيه من عشر دجايج.

 

كادت تذهب من أمامه فأوقفها ممسكاً يدها، نظرت إليه فسألها:

_ تحبي نتغدا هنا ولا نتغدا بره؟.

 

أجابت بإمتعاض:

_ الي رايده أنت.

 

وقف أمامها مباشرة و رمقها مبتسماً مما أثار دهشتها من هذا الذي يتبدل حاله في كل وقت، رفع يده إلي وجهها فتراجعت بخوف،وجدته يمسك خصلاتها الغجرية وعينيه صوب خاصتها، ويده الأخري تجذبها من خصرها لتلتصق به.

_ خايفه مني؟.

 

لم تقاومه لأنها قد تعلمت، إذا أرتكبت فعل يثير غضبه سيلقنها عقاباً قاسياً، أجابت علي سؤاله المثير للسخرية:

_ و أي الي يخليني أخاف منك، عتضربني أو تعذبني مثلاً عاد!.

 

رفع زواية فمه بعدما أستشف من إجابتها السخرية، رد بهدوء أثار ريبتها نحوه:

_ طول ما أنتي مطيعة وتسمعي كلامي هخليكي أسعد واحدة، و لو العكس زي مابتعملي هخليكي تعيشي أسود أيام حياتك.

 

قالت في نفسها:

_ ما أني عايشة فعلاً أسود أيام حياتي من وجت ما شوفتك.

 

ردت علي كلماته بما يرضيه ويبعد شره وإيذائه عنها إلي أن تحين لحظة فرارها:

_ ما أني خلاص أتعلمت و الي هتجولي عليه من هنا ورايح هاسويه علي طول.

 

شبه إبتسامة يرمقها بها ونظرات قاتمتيه تخبرها بأنه ليس هو الرجل الذي ينخدع من إمرأه ساذجة، فهي كالكتاب المفتوح أمامه سهل قراءة أفكارها من نظرة واحدة.

ربت برقه علي وجنتها:

_ لما نشوف.

 

أصابتها رجفة شعر بها وهي بين يديه، تخشي أن يختبر صدق كلماتها، وقد كان، أبتعد عنها و ذهب ليجلس علي الكرسي واضعاً ساق فوق الأخري بعنجهية، أشار لها بأصبعه:

_ تعالي.

 

أذعنت له وسارت نحوه، مع كل خطوة قلبها يخفق بقوة، وقفت أمامه تنظر لأسفل تتحاشي النظر في سوداويتيه المُظلمة.

 

_ أرفعي وشك وبصي لي.

أمرها مجدداً، ففعلت ما أملاه عليها، وجدت ملامحه ساكنه خالية من أي تعبير يدل علي حالته المزاجية، لكن هناك ما جعل الرعب يتسلل إلي قلبها وهو ذلك الظلام الموجود في عينيه.

 

_ أقلعي.

غرت فاهها بصدمة وكأن خرج له رأس آخر.

 

_ سمعتي أنا قولت أي؟.

سألها بجدية صارمة، فأجابت بتهدج وحماقه :

_ أجلع، أجلع كيف يعني؟.

 

ضحك بتهكم علي سؤالها:

_ ماتعرفيش تقلعي هدومك يا بيبي!،ولا أقلعها لك أنا بطريقتي.

 

تراجعت بخوف خطوة إلي الوراء تضم تلابيب ثوبها:

_ ما أجصدش الي فهمته، أني كنت رايده أسألك هجلع خلچاتي ليه؟.

 

رد بجدية وحزم:

_ عشان أنا عايز كده،  مش من شويه كنتي بتقولي أتعلمتي خلاص وهاتنفذي الي هقولك عليه!  ، فين بقي.

 

تلعن نفسها علي ماتفوهت به إليه، ها قد عاد لجنون ساديته وفرض سيطرته مرة أخري،  هزت رأسها بطاعة، و شرعت في تنفيذ أمره، أخذت تفتح زر تلو الآخر وأنزلته من كتفيها لتخرج زراعيها فوقع علي الأرض، وهكذا أصبحت بثيابها الداخلية فقط .

حدجها من أخمص قدميها إلي رأسها فهز رأسه برفض قائلاً:

_ هدومك كلها.

 

جحظت ذهبيتيها، كيف له أن يطلب منها هذا!، صاح بها ماجعلها أنتفضت مذعورة:

_ هاتفضلي مصدومة كدة كتير!، أخلصي ولا أقوم أنا أقلعك بنفسي.

و كاد ينهض، أوقفته بإشاره من يدها علي الفور:

_ خلاص، خلاص، هاجلعهم بنفسي.

 

وضعت يديها خلف ظهرها لكي تفك مشبك صدريتها بتردد وخجل شديد، أخفضت بصرها لأسفل لتواري عبراتها التي تجمعت للتو لكن شهقاتها بدأت تتعالي، وما أن أنتهت من خلعها أخذت تخبأ مفاتنها بضم زراعيها وكأنها تحتضن نفسها.

لم تشاهد تلك الإبتسامة التي ملأت ثغره و هو في قمة سعادته من رؤيتها في تلك الحالة، خاضعة لأوامره رغماً عن أنفها، تبكي بنحيب لم يكترث له بتاً، بل زاد ضغطه عليها أكثر فهدر بها:

_ أنتي هتقعدي اليوم كله هتعيطي، خلصي وأعملي الي قولتلك عليه.

 

أزداد بكائها بقهر، لم تشعر بإهانة من قبل قدر ماتشعر به الآن، أنهارت قواها فجثت علي عقبيها وتناولت ثوبها لتواري به جسدها، وأمسكت يده برجاء بالغ لتتوسله بل تتذلل إليه:

_ أحب علي يدك يا سليم، كفايه إكده مجدراشي أسوي الي عتجولي عليه.

 

برغم من عدم طاعتها لأمره بالكامل لكن يكفي تلك النظرة في عينيها، نظرة مليئة بالذل والألم،كم جعلت هذا الكائن الضاري بداخله يشعر بالإنتشاء لكن هناك جانب آخر في أعماقه يوبخه وينهره علي ما يقترفه بها وجعلها تصل إلي تلك الحالة التي يرثي لها.

بداخله صراع نشب للتو وصل لذروته مما سبر أغواره، نهض صارخاً:

_ كفايه.

 

توقفت عن البكاء ونهضت سريعاً لتبتعد من أمامه، لم يمهلها خطوة واحدة للإبتعاد، حيث جذبها من خصلاتها لترتطم به وأنقض علي شفاها، يقبلها بعنف وقسوة، وكلما حاولت دفعه عنها تزداد قبضته علي خصلاتها حتي أبتعد ليلتقط أنفاسه بلهاث وكأنه يعدو في صحراء قاحلة.

ظل يرمقها كمن فقد عقله، وهي تتراجع إلي الوراء تهز رأسها بالرفض تخشي ما هو مُقبل عليه، أندفع نحوها فأوقفه طرق علي الباب وتابعه صوت الخادمة:

_ عفواً سيدي، فرجالك ينتظرونك بالأسفل، يريدون مقابلتك في الحال.

 

أخرج هاتفه من جيبه ونظر إلي شاشته ليجد العديد من المكالمات الفائتة من كبير رجاله، فتركها وهبط إليهم ليري ماذا يريدون منه.

 

_ كارثة، كارثة سيدي.

 

أتسعت قاتمتيه فسأله:

_ ماذا هناك؟.

 

_ چوناثان قد علم بهجومنا علي وكره فنصب لنا فخاً و نال من العديد من رجالنا فلم يتبق سوي نحن الأربعة فقط، وقبل أن نرحل قال لي أحد  رجاله قُل لسيدك إذا أراد أن يسترجع أشيائه فليأت ويأخذها بنفسه.

 

ثار غضبه وأصبحت ملامحه كوحش ضاري يريد الفتك بأعداءه، صاح بهم:

_ أذهب وأجمع لي كل رجال الحراسه.

 

_علينا ترك أثنين منهم لحراسة المنزل.

 

هدر بأمر حاسم:

_ أذهب وأفعل ما أمرتك به أيها الأحمق.

 

صعد إليها فوجدها تتمدد علي السرير بعد أن أرتدت ملابسها، ذهب إلي الخزانة وقام بفتح الضلفة الوسطي التي بداخله خزنته ذات الشفرة، لمس أحدي الأزرار المسطحة فأضاءت اللوحة الرقمية فوضع كفه وقام بفتحها وأخذ سلاحين ،فتح خزينة كل منهما  وملئها بالرصاص.

أرتدي الحزام علي كتفيه و وضع السلاحين في كل جراب علي حده.

خطي علي عجالة وأمسك بزراعها:

_ قومي تعالي معايا.

 

_ واخدني علي فين إكده؟.

سألته بصراخ من ألم قبضته القاسية علي زراعها، فزجرها بنظرة جعلتها تلزم الصمت، هبط بها لأسفل ودفعها بداخل غرفة مكتبه منادياً علي مديرة المنزل:

_ آنيتا، آنيتا.

 

جاءت راكضة:

_ أمرك سيدي.

 

أشار لها قائلاً:

_ أوصدِ باب الغرف عليكما من الداخل حتي أعود.

وأردف بصوت لايسمعه سواها:

_ لا تخبريها بأي شئ، وأجعليها تحت عينيك، فأنتِ المسئولة أمامي.

 

أومأت له بطاعة:

_ أمرك سيدي.

 

وفي غضون دقائق ذهب وبرفقته جميع رجال الحراسة ولم يتبق سوي الخادمة وزينب في غرفة المكتب، أدركت الأخري بأن هناك كارثة قد حدثت وجعلته يأخذ جميع رجاله فعليها إستغلال تلك الفرصة للهروب.

نظرت إلي الخادمة التي ألتزمت بالوقوف في صمت مطبق، فسألتها:

_ أنيتا.

 

_ نعم سيدتي.

 

_ ماذا حدث وجعل سليم يأخذ جميع رجال الحراسة ويذهب؟.

 

تصنعت الأخري جهلها بالأمر:

_ لا أعلم.

 

حسمت أمرها وعليها التشبث بتلك الفرصة التي لم تأت مرة ثانية، فسألتها مرة أخري:

_ لايوجد سوي أنا وأنتي فقط؟.

 

رفعت كتفيها بإنكار:

_ لا أعلم سيدتي.

 

تمتمت بصوت غير مسموع:

_ آه يا وليه يا جرشانه، عملالي فيها معرفاش حاچة، يبجي تستاهلي الي هسويه فيكي دلوق.

 

أخذت تخطو تتفحص كل أنحاء الغرفة وبطرف عينيها لاحظت مراقبة الأخري لها عن كثب، فأيقنت أن سليم أمرها بذلك.

وقفت خلف المكتب الخشبي وحاولت فتح أدراجه، فتحت الدرج الكبير فوجدت بداخله حاسوبه المحمول، أخذها الفضول لتشغيله، وبعدما قامت بذلك، نقرت علي إيقونة ملفات التخزين فوجدتها مُشفرة.

_ جافلها برقم سري، يبجي بالتأكيد عليها بلاويه السودة.

 

أغلقت الحاسوب لتجد الأخري ما زالت تنظر لها، أمسكت بقطعة خزفية من المعدن وتتأملها:

_ تعالِ أنيتا،أنظري إلي هذا.

 

أقتربت الأخري بإهتمام وقالت:

_ ماذا به؟.

 

ترددت فيما ستفعله لكن كلما تتذكر كم ماتعرضت له علي يد هذا الطاغي، يندفع إليها حافز للفرار بأي ثمن.

شهقت وهي تنظر بفزع نحو الباب فأستدارت الخادمة لتري ماذا يحدث، فباغتتها زينب بضربة علي رأسها بقطعة الخزف مرتين حتي فقدت الوعي.

دنت منها لتأخذ المفتاح من جيب جونلتها، وقبل أن تغادر الغرفة أخذت الحاسوب وفتحت الباب، فصعدت لتأخذ متعلقاتها وبعض الثياب وأبدلت ملابسها سريعاً، أرادت مهاتفة ساندرا لتتأكد من وجودها بالمركز الخاص بها فتذكرت أن ليس لديها هاتفها ولاتمتلك أي أموال.

 

ركضت إلي الخارج حتي غادرت المنزل، ظلت تركض وتركض حتي وجدت نفسها علي طريق رئيسي، أشارت إلي سيارة أجرة وأخبرت السائق علي العنوان المدون بالبطاقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ بداخل الرواق يجلس الحاج نعمان أمام الغرفة التي تمكث بها إبنته منذ البارحة،  فبعدما شاهدت محتوي الفيديو لم تتحمل وخارت قواها وفقدت وعيها علي الفور، حملها فارس علي زراعيه وأدخلها سيارة والدها وذهب جميعهم إلي أقرب مشفي خاص وبعد أن فحصها الطبيب أخبرهم أنها تعرضت لصدمة نفسية وما زاد الأمر صعوبة لأنها مريضة سكري،  لذا وضعها تحت الملاحظة وأمر الممرضة بتعليق محلول لها وتبقي لمراقبتها حتي تفيق.

 

جاء فارس يحمل كيس يبحث عن الحاج نعمان فوجده يجلس علي كرسي مُنكس الرأس يمسك عصاه بيديه مستنداً عليها،  أقترب منه وربت عليه برفق:

_ حاچ نعمان.

 

رفع رأسه ونظر إليه وعينيه تغرقها الدموع، قال له:

_ شهد بتضيع مني يا قاسم يابني.

 

جلس بجواره و وضع يده فوق يد الآخر بمؤازرة ومواساه:

_ ماتخافش يا حاچ،  بإذن الله ربنا هيقومها بالسلامة، أدعيلها.

 

_ وأنا في أيدي أملكه غير الدعاء،  آه لو أعرف مين إبن الحرام الي عمل لها الفيديوهات دي،  وأزاي عملها،  أنا طول عمري أسمع عن صور تتفبرك لكن فيديو أزاي!!.

 

أطلق تنهيدة وأعتدل في جلسته قائلاً:

_ للأسف دلوق فيه فبركه للفيديوهات، صورة وصوت كمان، عيسويها برامچ كيف الفوتوشوب، تبجي جاعد في أمان الله وتلاجي حد مصورلك فيديو بصورتك وصوتك وأنت عتسوي چريمة أو عتجول حديت يلبسك مصيبة،  ياما بيوت خربت بسبب إكده.

 

_ لا حول ولاقوة إلا بالله،  ربنا يسترها ويبعد عننا الأذي،  أنا كل الي عايزه أن بنتي تقوم بالسلامة وهجبلها حقها.

 

وضع يده علي كتفه قائلاً:

_ أطمن يا حاچ وهمل الموضوع ده عليا،  وأوعدك هچبلك الي سوي إكده لحد رچلك وتسلمو للحكومة.

 

_ مش هسلمه غير لما أطلع عينه الأول.

 

رفع الكيس ليقدمه إليه:

_ طيب ممكن تاكلك لقمة،  وأوعدك كل الي رايده هو الي هيحصل.

هز رأسه بالرفض وقال:

_ وهاجيب النفس منين عشان آكل وبنتي مرمية جوه ولسه مافقتش لحد دلوقت.

 

خرجت الممرضة إليهما والسرور يملأ وجهها:

_ الآنسة شهد فاقت.

 

تهللت أسارير والدها فسألها:

_ ينفع أدخلها يابنتي؟.

 

أجابت وهي تشعر بالحرج:

_ بصراحة الي يقرر ده الدكتور،  دقيقة هاروح أبلغه هيجي يطمن عليها وهو الي هيقول لحضرتك ينفع ولا لاء.

 

وبعدقليل جاء الطبيب وقام بفحصها مرة أخري ليطمأن علي حالتها الصحية، وخرج إليهم،  فسأله نعمان بللهفة:

ــ بنتي عامله أيه دلوقتي يا دكتور؟.

 

أجاب الآخر قائلاً:

_ الحمدلله بقت أحسن من إمبارح خدنا منها عينة دم نعملها شوية تحاليل نطمن علي مستوي السكر، وأول ما تطلع النتيجة هاكتبلها إن شاءالله علي خروج بس أهم حاجة الراحة النفسية.

 

وبعدما أعطاهم الطبيب التصريح للخروج، عادوا إلي منزل الحاج نعمان، فساعده فارس علي إيصال إبنته إلي باب شقتهم و نزل لشراء كل ما كتبه لها الطبيب من أدوية وشراء بعض المستلزمات وأعطاها إلي والدها الذي أخرج المال من محفظته لمحاسبته، لكن الآخر رفض رفضاً باتاً.

 

قام نعمان بإعداد الطعام لإبنته و قام برصه علي الصينية ودلف إليها بعدما تحمحم:

_ يارب ياستر، صاحية يابنتي؟.

 

نهضت بجذعها وأراحت ظهرها علي الوسادة التي خلفها بدون أن تتفوه ولو بكلمة، أشاحت وجهها لاتريد النظر في عين والدها من فرط خجلها من ما حدث.

 

رفع طبق الحساء وأغترف منه بالملعقة:

_ عملك حبة شوربة لسان عصفور هتاكلي صوابعك وراهم.

 

هزت رأسها وتمتمت بخفوت:

_ مش عايزة أكل.

 

_ ماينفعش يابنتي، لازم تاكلي عشان الدوا الي هتاخديه.

 

زفرت بحزن وألم فقالت:

_ ياريتني ما فوقت أو موت أحسن.

 

وضع نعمان الطبق علي الصينية وألتفت لها والآسي يختلج ملامحه:

_ حرام عليكي،  بتعملي فيا كده ليه،  عايزه تقهري قلبي عليكي!  ، ده أنا من يوم أمك الله يرحمها ما توفت وسابتك ليا حتة لحمة حمرة وأنتي بقيتي كل حاجة ليا،  مرضتش أتجوز وأجيب لك مرات أب الله أعلم هاتربيكي إزاي ولا هاتعملك حلو ولا وحش،  كان كل همي أربيكي أحسن تربية وأعلمك لحد ما أخدتي شهادتك مافضلش غير أسلمك لإبن الحلال الي يصونك ويحطك في عينيه،  وتيجي في الآخر تقولي ياريتني أموت!.

 

أجهشت بالبكاء وقالت:

_ سامحني يا بابا،  غصب عني الي حصل ده مش سهل عليا، إزاي هارفع راسي في وسط الحته بعد مابقيت في نظرهم الي شافوه في الفيديو   .

 

تريثت لثوان حتي تجفف سيل أنفها بالمحرمة الورقية فأردفت:

_ أنا خلاص بقيت في نظرهم واحدة رخيصة،  مبقتش شهد بنت الحاج نعمان الي بينضرب بيها المثل، أنت عشان أبويا والي مربيني عارف أن في الفيديو دي مش أنا،  لكن غيرك مش هيصدق مهما حلفت لأن الناس ملهاش إلا الظاهر حتي لو عارفين الحقيقة.

 

جلس بجوارها وأحتضنها بحنانه الزاخر:

_ تولع الناس وتولع أي حاجة المهم عندي أنك بخير،  وأوعدك هاجبلك حقك من الي عمل كده،  هاخليه يبوس جذمتك عشان تسامحيه،  بس ياريت تبطلي عياط ومتقهريش نفسك عشان خاطري.

 

عانقته بقوة تتشبث به كطفلة صغيرة:

_ يا بابا أنا أكتر حاجة تعباني أنت.

 

أبعدت رأسها عن صدره لتنظر له:

_ مش عايزه حد يبص لك بصة وحشة بسببي ولا يحرق دمك بكلمة عليا، لأني ما أستحملش أشوفك في الوضع ده،  عرفت ليه بتمني أموت أو ما كنت فوقت!.

 

وضع يديه علي كتفيها وقال بحزم وجدية:

_ لا عاش ولا كان الي يكسرني أو يكسرك، ومتقوليش كده تاني،  أنتي بنت الحاج نعمان الي بتمشي رافعه راسها ولا يهمها غير الي خالقها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ عاد فارس إلي صاحبه جنيدي الذي ما زال يقوم ببيع الثياب فوق الرصيف.

_ الحاچ نعمان كيفه دلوق؟.

 

سأله جنيدي فأجاب الآخر بعد أن جلس بجواره:

_ الله يكون في عونه،  الموضوع شكله كبير جوي،  والي سوي الحكاية دي غرضه يأذي الحاچ جبل بته.

 

زفر دخان سيجارته ليرد قائلاً:

_ وليه ماتجولش الي سوي البلوه دي يكون عينتجم منه أو من بته.

 

نظر له فارس فأومأ له وأشار له بنظرات عينيه نحو هناك حيث متجر المدعو ممدوح،  لاحظ وقوف تلك الفتاة التي رآها منذ يومين أمام المتجر تنظر في هاتفها.

 

وبداخل المتجر،  يجلس خلف مكتبه يزفر دخان الأرجيلة ويشاهد إحدي مقاطع الفيديو بنظرات شهوة مقززة ويقول في نفسه:

_ ده الولاه جيجا طلع فنان،  لولا أنا الي مديله الصور بنفسي كنت صدقت الي في الفيديو دي البت شهد، دي شهد أجمد بنت اللذين،  عليها عود وجوز عيون يدوخو رجالة بشنبات،  يلا خلي أبوها يبقي يوريني وشه ولا هايرفع راسه في الحته إزاي،  والسنيورة بنته هتقعد جمبه مش هتلاقي الي يعبرها،  أقوم أنا أطلع الشهم الجدع الي هيتجوزها ويستر عليها،  الله عليك يا دوحه وعلي أفكارك الألماظ.

 

_ بقالي ساعة برن عليك وأنت قاعد هنا!.

صاحت بها سماح التي ولجت للتو،  فأنفزع وأنتفض علي كرسيه، وقعت من يده عصا الأرجيلة وأغلق هاتفه من الزر الجانبي،  ليهدر بها:

_ أنتي أي الي جابك يابت؟.

 

أشاحت بيديها له في الهواء:

_ بت ماتبتك يا جدع أنت،  أنا جيت لك عشان أخد بقية حقي ولا ناوي تاكله عليا!.

 

نهض وصاح بنفس أسلوبها الفج:

_ حق مين يا أم حق،  أنا مديلك فلوسك وقتها وقولتلك ماشوفش وش أمك في الحته تاني.

 

_ نعم يا عمر!  ، هو المتين ملطوش دول يعتبره فلوس أنت قولتيلي هديكي ألفين جنيه والميتين دي مجرد عربون.

 

دفعها في كتفها مما جعلها سقطت علي الأرض:

_ ألفين عفريت ما يلهفوكي،  يلا يابت غوري من هنا، ولو لمحة خلقتك هنا تاني لأخلي رجالتي ياخدوكي علي الخرابه يوضبوكي.

 

نهضت وتحدجه ب شرٍ وتوعد:

_ ورحمة أبويا يا ممدوح الكلب لأفضحك وأخلي سيرتك علي كل لسان.

 

تجمع أصحاب المتاجر علي صياحها المدوي، فتدخل أحدهم:

_ في أي يا ممدوح مالك ومال سماح؟.

 

صرخ فيهم:

_ أنا قاعد في حالي وهي جايه ترمي بلاها عليا.

 

قالت سماح:

_ ده كداب.

وألتفتت له تزجره بتهديد:

_ أقولهم جيت لك ليه؟.

 

أقترب الآخر منها وقال بصوت لايسمعه سواها:

_ أبقي أنطقي بكلمة واحدة وهخليكي بدل ما بتعالجي أمك العيانه هخليكي تقرأي عليها الفاتحة.

نظرت في عينيه لتدرك صدق تهديده لها، فقال إحدي المتفرجين:

_ ما تقولي ياسماح وخلصينا ممدوح ضايقك في حاجة.

 

ظهر فارس وجنيدي من بين الجميع لمشاهدة تلك المشاجرة في ترقب

 

خشيت أن تتفوه بحرف ٍ واحد وهذا الوغد ينفذ تهديده إليها، ألقت نظرة عليهم جميعاً ولاحظت نظرات فارس التي أربكتها وكأنه يعلم ما بينها وبين ممدوح.

_ مفيش، كان ليا حساب عنده وأخدته منه خلاص.

 

فقال جنيدي بسخرية:

_ حساب كيف وأنتي عتشتغلي في الكوافير الي علي ناصية الشارع!.

 

رمقته بإزدراء:

_ ماتخليك في حالك يا جدع.

قالتها و ذهبت سريعاً، فهمس فارس لصاحبه:

_ أني رايح مشوار إكده، ومعاود علي طول.

 

سار فارس خلفها علي بعد مسافة حتي لا تراه، أوقفت مايسمي بالتوكتوك ودلفت بداخله ليتبعها أيضاً عبر ركوب التوكتوك الذي يليه قائلاً للسائق:

_ ورا التوكتوك الي ماشي قدامك، ماتفرقهوش واصل.

 

ترجلت في منطقة شعبية قريبة وأعطت للسائق الأجرة كادت تلتفت لتعبر الشارع لكن أوقفتها سيارة كانت علي وشك أن تصدمها وفي تلك اللحظة تلاقت عينيها برماديتيه المراقبة لها، فأطلقت ساقيها للريح، لاتدري أنه أمهر منها في الركض.

توقفت في وسط حارة نائية وبعيدة عن الإزدحام لتلتقط أنفاسها، أخذت تنظر من حولها فلم تجده، تنفست الصعداء وعادت لتذهب إلي منزلها، وما أن خطت قدمها فناء البناء ذو الرائحة العطنة أصتدمت به وأطلقت صرخة مدوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ أتفضلي يا حبيبتي.

قالتها والدة ندي وهي تقدم لمروة كأس العصير،  تناولت الأخري الكأس وتتصنع الآسي والحزن علي صديقتها:

_ مكنش ليه لزوم يا طنط،  أنا جيت أطمن علي ندي، أنا مصدقتش لما سمعت الڤويس نوت وبتقولي الي عمله أكرم.

 

جلست و زفرت بقلة حيلة،  لتقول بنبرة مليئة بالشجن:

_ ومين فينا الي مصدق يابنتي،  والله عين وصابتهم.

 

تجرعت رشفة قليلة ثم تركت الكأس لتسأل صديقتها مصتنعة عدم الفهم:

_ هو أي الي حصل و وصل الموضوع مابينكو للطلاق؟.

 

كانت الأخري تبكي كلما تذكرت ماحدث ينتابها حالة من الصدمة وينتابها حالة بكاء هيستري.

_ هو فاهم غلط،  أقسم بالله ما خنته زي ما بيقول.

 

نهضت وعانقتها وربتت علي ظهرها بحنان زائف وتقول في نفسها:

_ دوقي ولو جزء من عذاب قلبي الي خلتيني أدوقه السنين الي فاتت ولسه بدوقه لحد دلوقت.

 

ثم قالت بصوت مسموع:

_ أهدي يا حبيبتي،  ماتعمليش كده في نفسك،  مفيش حاجة تستاهل دموعك، أهدي وفهميني أي الي حصل بالظبط.

 

أخذت ندي تسرد لها ما حدث معها وكذلك والدتها قد حكت لها ما فعله عندما كان هنا.

 

_ والله يا مروة يابنتي كنا قاعدين ولا علي البال ولا الخاطر،  كنت فكراه جايبها عشان يقعدو معانا شويه وياخدو لارا وهم ماشين،  عمري ماتخيلت الي حصل،  بس أرجع وأقول إن بنتي الي غلطانه،  هي الي وصلته لكده،  لو كانت صريحة معاه في الأول مكنش شك فيها وعمل الحوار ده كله.

 

تعالي نحيبها وقالت بدفاع عن نفسها:

_ هو الي أضطرني أكدب عليه،  يعني كنتم عايزني أحكيله واقوله علي حالف ما يسيبني في حالي عشان يروح يقتله!.

 

نظرت إليها مروة بإبتسامة هاكمة فسألتها سؤال يحمل بين طياته العديد من المعاني:

_ و أنتي خايفة يقتل علي ليه؟.

 

أزدردت ريقها من هذا السؤال المباغت والذي صدمها بقوة لاسيما نظرات والدتها التي تحدجها بإستفهام تريد تفسيراً.

أجابت بإنكار للأمر وبرسم الثقة علي ملامحها، وقد نست إخفاء رجفة يديها المنبلجة للعيان:

_ أنا مش خايفة علي علي، خوفي علي أكرم ليتهور ويتأذي بسببه.

 

ظلت مروة ترمقها وتقول في نفسها:

_ آه يا صايعه بتضحكي علينا ولا علي نفسك، قولي خايفة علي الأتنين، بدليل دخولك شقة الواطي قال أي صعب عليا وكنت بساعده، يالهوي علي الكهن الي بيجري في دمك، ياريت كان أكرم دخل عليكم أنتو الأتنين وقتلكم وريحنا.

أنتبهت لندي تناديها:

_ مروة، عماله أكلمك وأنتي سرحانه،مالك في أي؟.

 

عادت من شرودها فأجابت:

_ بتقولي حاجة؟.

 

_ بقولك ساعديني ألاقي حل أخلي أكرم يرجعلي ويسامحني،  والله ما عارفه أنام  وهاتجنن.

 

تصنعت التفكير في الأمر:

_ سهلة أوي أعملي أنك تعبتي وباباكي خدك علي المستشفي ومامتك تظبط الباقي تكلمه وتقوله ألحق ندي بتموت.

 

تدخلت والدة ندي بإمتعاض قائلة:

_ بعد الشر،  وليه أفاول علي بنتي ونعمل الهيصه دي كلها، هو يعرف إنه غلطان ويجي لحد عندها.

 

زفرت ندي بتأفف من فكر والدتها ذو الكبرياء النرجسي،  همست لصديقتها:

_ سيبك من ماما، لحد دلوقت ماتعرفش أكرم زيي، بصي الحل الي قولتيه أوڤر شويه ده غير أنه فكرة مهروسة وهيكشفها بسهولة.

 

ردت الأخري بهمس أيضاً:

_ يبقي مفيش حل غير إنك تروحيلو البيت،  بلاش شغله ليتعصب عليكي وأنتم مش ناقصين فضايح وشوشرة، هاتيها له من ناحية بنتكم،  قوليلو حرام لارا تتربي في جو أسري مفكك وأدخلي له في جو الصعبينيات والحب والكلام الي أنتي عرفاه،  ألعبي علي نقط ضعفه، وأنتي أدري بيه.

 

فكرت ملياً فيما قالته،  ردت بتساؤل:

_ تفتكري الحوار ده هيجيب نتيجة؟.

 

أومأت لها بنعم:

_ طبعاً هيجيب نتايج مش نتيجة واحدة،  وهتدعيلي علي طول.

 

رفعت يديها داعية برجاء:

_ يارب حنن قلبه عليا وخليه يسامحني،  وعمري ما هكرر غلطتي تاني.

 

نهضت وهي تهندم ثيابها:

_ معلش أنا مضطرة أمشي ورايا حاجات كتير وهابقي معاكي علي إتصال.

 

أوصلتها ندي إلي باب الشقه و قبل أن تودعها عانقتها فأجهشت بالبكاء قائلة:

_ أنا بحبه أوي.

 

بادلتها الأخري العناق وقالت:

_ أستهدي بالله ياحبيبتي إن شاءالله هاترجعو لبعض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ يجلس علي حافة النافذة شارداً في من هيمنت علي عقله منذ الأمس، يتذكر ملامحها التي تنضح بالبراءه والجمال ذو السحر الجذاب لكل من يراه، أفاق من شروده قائلاً في نفسه:

_ أنت أتچنيت يا زكريا إياك، دي تبجي مرات أخوك، أعقل إكده وكفياك طيش، وروح توب قبل مايفوت الأوان.

 

أندفع باب غرفته و ولجت كالإعصار المُدمر الذي يقتلع كل مايقابله.

_ والله عال، جاعد حداك ولا علي بالك المصيبة الي چت لي من تحت عمايلك السوده.

 

حدجها بإمتعاض قائلاً:

_ بدل ما تيچي تشكريني أني أقنعت أمك تأچل موضوع كتب كتابك أنتي ورافع، چايه عتعلي صوتك عليا وتزعجي فيا!.

 

كان حديثه كافياً لإضرام نيران غضبها، فصاحت في وجهه:

_ نعم يا أخويا!، تأچيل أي الي عتتحدت عليه، أني مستحيل أتچوزو ولو علي چتتي.

 

أنتفخت أوادجه ليس في مزاج لجدال لا فائدة من الخوض فيه، هدر بغضب :

_ بجولك أي أنتي الي سويتي في حالك إكده لما خرچتي من ورانا لأچل تجابلي الدكتور يا سافله، أحمدي ربنا أني ما كسرتش عضمك علي العمله دي.

 

_ تعالو يا ناس أسمعو وشوفو مين الي عيتحدت!، أنت مسألتش حالك أتخطفت ليه وعشان أي يا أخويا يا كبير؟.

 

أنتبهت حواسه لما تفوهت به ويبدو من ملامحه ليس لديه علم بأمر إختطافها، فكل مايعرفه عندما جاء بأن والدته أخبرته بقرار عقد قران رافع علي شقيقته، فهاتف إبن خاله فأبلغه الآخر بصحة هذا القرار فقام زكريا بتوبيخه لأنه متزوج و شقيقته لاتريد الزواج منه، ليخبره رافع بمقابلة شقيقته للطبيب ولم يذكر له أمر إختطافها.

 

أردفت حديثها:

_ الي خاطفني يبجي أخو ورد.

 

خفق قلبه بخوف عندما ذكرت إسمها وما زاد رعبه شقيقها، كانت فاطمة تحدجه بترقب ملامحه:

_ مالك أتكتمت ليه!، يبجي الي جاله أخوها صوح.

 

تهرب من نظراتها و ولاها ظهره و رد بإنكار:

_ أني معرفش أصلاً عتحددتي عن مين.

 

أستشاطت غضباً أكثر، فوقفت أمامه، تصيح به:

_ كيف ماتعرفش ورد الي ضحكت عليها وخلتها حبلي منك!.

 

وبالخارج جاء للتو بكر وبرفقته قمر التي ذهبت لتري فاطمة وتطمأن عليها، أستمعت لصوت زكريا وهو يقول لشقيقته بإنكار جلي:

_ وأني عجولك ما ضحكتش علي حد ولا أعرف واحدة بالأسم ده.

 

_ لاء يا زكريا، تعرف الي أسمها ورد و كعادتك مع كل واحدة تعچبك تضحك عليها بكلمتين وهي تصدجك كيف الحماره، والظاهر المرة دي مكنش مچرد كلام معسول وخلاص، دي طلعت حبلي منك، يعني ارتكبت ذنب والي أفظع منه إنك تنكر الي سويته ورايد تتهرب منه.

 

أطلق زفرة بغضب عارم:

_ ولو أفترضنا الي عتجوليه صوح، رايده أي دلوق وعتدخلي في الي مالكيش فيه واصل؟.

 

علت الدهشة ملامحها، فقالت:

_ ماليش فيه كيف وأني بجولك أخوها خطفني، ولولا مارته هربتني من وراه كان زمانك عتتفرچ عليا وهو بيسوي فيا كيف ماسويت في خايته.

 

أمسكها من عضديها ليهزها بعنف:

_ يسوي فيكي كيف؟.

 

صرخت ببكاء:

_ كان خاطفني لأچل يخليك تيچي لحد عنده وينتجم منك بأنه…

لا تعلم كيف تخبره فاللأمر مخجل للغاية، صاح بها:

_ انطجي.

 

_ كان رايد يعتدي عليا قدام عينيك ويقهرك كيف ماقهرته علي خايته الي مايعرفش راحت فين وعمال يدور عليها.

 

أخذ يتمتم:

_ يا إبن ال……، وربنا ما أني مهملك ولو وصلت أخليك تحصل خايتك لأسويها.

 

لم تسمع من همهمته شيئاً، فباغتته بسؤال:

_ ألا جولي يا أخوي، ماتعرفش حاچة عن ورد الي أختفت!.

 

ما زالت تقف في الخارج تستمع لحديثهما وعند سؤال فاطمة، تذكرت هذا الكابوس والرسالة التي أبلغتها بها الفتاة، شهقت غير مصدقه:

_ واه، جتلها!.

 

#الفصل_التاسع_والعشرون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

عاد من معركة دامت لأكثر من ساعتين ما بين طلقات نارية متبادلة وهجوم ودفاع ريثما أسترجع كل بضاعته من أسلحة ومخدرات وخسارة الكثير من رجاله، بينما هو أُصيب بطلقة من حُسن حظه ليست خطيرة حيث أستقرت في  عضده الأيسر.

 

أصطفت السيارات أمام المنزل الحجري، ترجل مسرعاً فألحق به إحدي رجاله ليحذره:

_ أنتظر سيدي،  عليك بالذهاب إلي الطبيب لإخراج الرصاصة من زراعك.

 

ألتفت له وبنظرة مرعبة يحدقه وبغضب عارم هدر به:

_ أغُرب عن وجهي، وهاتف الطبيب چوزيف ليأتي.

 

أومأ له بخضوع:

_ أمرك سيدي.

 

تركه سليم و ولج إلي الداخل متجهاً إلي غرفة مكتبه لكنه تفاجأ بخروج أنيتا الخادمة،  تترنح وتمسك برأسها المحاوطة بشاش قطني وينبلج الألم علي ملامحها.

أتسعت قاتمتيه المظلمتين بشدة،  دلف إلي الغرفة سريعاً فلم يجد لها أثراً، نادي علي الخادمة بصوت أهتزت له الجدران:

_ أنيتا.

 

ركضت إليه ترتجف بخوف،  تخشي أن يعلم بما حدث فكما أخبرها هي المسئولة أمامه يا ويلتها!

 

_ نعم سيدي.

تنظر لأسفل متحاشية النظر في تلك الجمرتين المشتعلتين، أزدردت ريقها.

_ ماذا حدث هنا؟.

 

أجابت بتردد و وجل:

_ زينب،  أقصد مدام زينب، هي من قامت بضربي علي رأسي وفقدت الوعي،  وريثما أستيقظت لم أجدها.

 

دفعها من أمامه كالثور الهائج،  وذهب خلف المكتب وفتح الدرج باحثاً عن حاسوبه، لكن لم يجده، قام بفتح درج تلو الآخر بدون فائدة، حتي توقف أمام درج موصد، ألتفت خلفه ليأخذ كتاب من بين الكتب المتراصة،  قام بفتحه وأخذ المفتاح المخبأ بين صفحاته ثم فتح به الدرج وأخذ منه لوح ألكتروني، وضع سبابته في مكان البصمة فأضاء، اخذ يلمس عدة مرات حتي وصل إلي مقاطع فيديو مُسجلة عبر الكاميرات الموضوعة في الغرفة هنا وفي خارج المنزل بالحديقة.

ضغط علي أول مقطع في التوقيت الذي غادر المنزل فيه ليجد ما حدث بين زينب والخادمة، يشاهد ويضغط علي قبضته حتي أتت لحظة إستيلائها علي حاسوبه، ضرب سطح المكتب بقبضته فأهتز كل ما فوقه.

تذكر عندما كان يقرأ بيانتها سابقاً، فكانت تعمل مهندسة برمجيات وبإمتلاكها لحاسوبه هذا لايعني سوي شيئاً واحد، سوف تستخدم كل ما عليه من ملفات صفقات وعقود ألكترونية بينه وبين رجال المافيا كل هذا ضده و ربما لتتخلص منه تُبلغ عنه السلطات وتقدم إليهم كل ما يدينه.

 

صرخ بصوت يشبه زئير الليث وكاد يحطم اللوح الذي بيده لكنه توقف عند لحظة، فضغط ليسترجعها ويمعن النظر مُكبراً الشاشة في تلك اللقطة، زينب تمسك ببطاقة ورقية، لم يستطع قراءة محتواها لكن مالفت إنتباهه هو شعار يألفه جيداً، أخذ يتذكر أين رأي ذلك الشعار.

(مشهد سابق)

_ في حفلة الشواء بعدما عادت ساندرا من المرحاض أصتدمت به فوقعت من يدها حقيبتها وأنفتحت وتدحرجت محتوياتها علي الأرض، دنا ليلملم معها متعلقاتها فلاحظ عدة بطاقات مدون عليها إسمها وأرقامها وشعار مركز التدليك الخاص بها.

 

عاد من ذاكرته فتحولت ملامحه ليصبح كالوحش الضاري الذي يريد الفتك بعدوه، ليتمتم بتوعد:

_ بتتحديني وتهربي مني وكمان سرقتي اللاب، شكلك يا زينب نسيتي متجوزة من مين، أنتي الي أخترتي مصيرك وبتكتبيه بأيدك، والي عملته معاكي قبل كده كوم والي هاعملو فيكي أول ما ألاقيكي كوم تاني خالص!.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ يشعر بالألم في أنحاء جسده لاسيما وجهه المليئ بالكدمات أثر لكمات أكرم له صباحاً، ولج إلي غرفته وهو يخلع ثيابه ثم ذهب إلي المرحاض،  فتح صنبور حوض الإستحمام ليتمدد أسفله بإسترخاء لعل الماء تخفف آلام جسده لكن هناك ماهو أشد ألماً كلما أُعيدت ذكرياته معها وكأنها فيلم سينمائي يُعرض أمامه كما يلي…

 

تمسك طبق الحساء بين يديها وتطعمه منه بالملعقة،  امتعضت ملامحه غير راغب لتناول المزيد:

_ كفايه مش قادر.

 

مدت الملعقة إلي فمه وبإصرار قالت:

_ لازم تخلص الطبق كله عشان لسه هتاخد مضاد حيوي شديد ولا أنت مش  عايز تخف؟.

 

إبتسم والوهن يكسو ملامحه و يتصبب العرق فوق جبهته، هز رأسه بالرفض مازحاً:

_ لاء، مش عايز أخف،  تعرفي ليه؟.

 

دست الملعقه في فمه وقالت:

_ شكلك حبيت الدلع طبعاً  من حقك ما أنت لاقي الي تأكلك في بوقك وتشربك وتصورلك المحاضرات الي فاتتك من زمايلك،  ناقص أي تاني أعملهولك!.

 

أمسك بيدها ليخلل أنامله بين أناملها الرقيقة ورفعها وأستند عليهم بوجنته، فأغمض عينيه قائلاً:

_ عايزك تفضلي جمبي كده علي طول،  تكوني زي ضلي ماتفارقنيش ولا لحظة.

 

أختلجها شعور قوي بالتوتر، سحبت يدها برفق ثم وضعتها علي جبهته، تتهرب من حديثه ونظراته:

_ الحمدلله السخنية شكلها راحت وجسمك عمال يعرق،  هاقوم أجيب لك كوباية مايه تاخد بيها المضاد.

 

أوقفها منادياً بهمس وكأن قلبه من يناديها وليس لسانه:

_ ندي؟.

 

وقفت تحدجه في صمت فأردف:

_ ليه كل ما أعبرلك عن مشاعري وحبي ليكي تتهربي مني!، علي فكرة مشاعرك الي بتحاولي تخبيها مني كل مرة ببقي قاريها في عينيكي.

 

اطلقت زفرة بتأفف وأجابت بإنكار:

_ علي أرجوك متحاولش تضغط عليا أكتر من كده، أنا أتفقت معاك من الأول الي بينا علاقة أتنين أصحاب مش أكتر.

 

نهض من فوق الأريكة ليقف أمامها يحدجها بكل مشاعر الحب والغرام:

_ أنتي الي قولتي،  لكن أنا لاء، أول ماعرفتك كانت بداية مرحلة إعجاب ولما قربنا من بعض أتطور الإعجاب جوايا لحب ودلوقتي عديت مرحلة الحب بكتير.

 

كادت تبتعد فأوقفها مرة أخري،  واضعاً يديه علي كتفيها:

_ أنتي واثقه أن كل كلمة قولتها دلوقت صح، قربك مني دي مش مجرد صحوبيه زي ما قولتي، أنتي بتبادليني نفس المشاعر بس جواكي حاجز مانعك،  نفسي أعرف أي هو،  مش عايزه تصارحيني ليه كل مابسألك فيه حد تاني في حياتك علي طول تقوليلي لاء.

 

ما كان منها سوي أن تنظر ولا تتحدث ، لاتريد البوح له بأن تربطها علاقة خطبة برجل آخر حتي  لاينظر لها بإزدراء ويحتقرها، يكفيها شعور جلد الذات الملازم لها طوال الوقت،  وتتهرب منه بشتي الطرق.

 

_ ساكته ليه ما تجاوبي علي سؤالي؟.

لم يمهلها الإجابة فأردف بنظرات توسل:

_ أوعي تكوني بتضحكي عليا، متعرفيش أنتي بقيتي أي بالنسبه لي، أنا بعشقك أوي يا ندي،  و مستني أخلص الدراسة بفارغ الصبر وأشتغل وأجي أطلب أيدك من أهلك،  والي هيطلبوه مني أنا تحت أمرهم، أنا أي نعم علي أد حالي بس الحمدلله بابا الله يرحمه كان شاري شقة صغيرة في دار السلام، هانبتدي فيها حياتنا مؤقتاً لحد ماربنا يكرمني ونشتري شقة أكبر في حدايق المعادي وياعالم ربنا يكرمني من وسع ونشتري في التجمع أو زايد، المهم نكون مع بعض ،  و دورك بقي لحد ما أجيلكو البيت أنك ترفضي أي حد هيتقدملك من بره بره.

 

رأت في عينيه توسل ورجاء أكثر من كونه طلب، وقعت في حيرة لاتريد أن تحطم فؤاده وفي ذات الوقت لا تريد أن تُعطِ له أملاً واهياً ، وبالنهاية هزت رأسها بتلقائية كدليل علي الموافقة.

تهللت أساريره وألتمعت عسليتيه التي تنضح بسعادة عارمة، لم يصدق ما رآه للتو،  سألها بللهفة:

_ بجد موافقة؟.

 

أزدردت ريقها في تردد، فأجابت:

_ مش هاقدر أديلك إجابة نهائية،  لسه الأول لما أشوف بابا وماما ورأيهم أي.

 

_ أهم حاجة أنتي،  لو موافقة هم كمان هيوافقو حتي لو أعترضو دورك هنا تقنعيهم،  أتفقنا؟.

 

ردت بهمس وكأنها مُغيبة:

_ أتفقنا.

 

وما أن تفوهت بها غمرته سعادة وصلت لعنان السماء، باغتها بمعانقة قوية كعناق المغترب عند رؤية أحبائه وكإحتضان النجوم للسماء وكالقاء عاشقين بعد طول فراق.

أخذ يردد علي سمعها فيض مشاعره:

_ بحبك،  بحبك أوي.

 

وكلما يخبرها كلما يشتد عانقه لها، أبعد رأسها عن صدره لينظر في عينيها الشاردة، تجرع ريقه قبل أن يقدم علي تلك الخطوة، تلك المرة الأولي في تقاربه الجسدي مع من سلبت لبه، فعشقه لها يهيمن علي حواسه ليجد شفاه تنجذب لخاصتها،  يختبر معها أول قبلة وأول عناق، سار بها ومازال يقبلها نحو الأريكة، بينما هي كانت في أشد لحظات ضعفها لم تفق منها سوي عندما وجدت نفسها تمدت علي الأريكة وهو يعتليها ملتصقاً بها  …

صدح رنين جرس المنزل بشكل متكرر ليجعله يعود من حقيبة ذكرياته معها،  فنهض من الحوض وتناول منشفة قطنية قام بتجفيف جسده بعشوائية فتناول منشفة أخري علي عجاله يلفها حول خصره ليسرع ويري من الزائر!.

 

و ما أن فتح باب الشقة، أصابته دهشة، لم يصدق تلك التي تقف أمامه:

_ أنتي!، ليكي عين توريني وشك بعد الي عملتيه معايا في المكتب!.

 

نظرت لأسفل بخجل من هيئته،  ولم تعقب علي كلماته سوي بسؤال ترجوه:

_ ممكن أخد من وقتك عشر دقايق؟.

 

رفع جانب فمه فأجاب علي مضض مشيراً إليها للداخل:

_ أتفضلي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ولجت وهي تختلس بعض النظرات إليه، كم يغمرها الشوق والحنين لكن كلما تذكرت رفضه المُستميت وأهانته لها يختلجها شعور الإنتقام والثأر لكرامتها.

 

_ أدخلي أستنيني في الليڤنج روم عقبال ما ألبس هدومي و أجي لك.

كان يشير لها إلي الغرفة و ذهب إلي غرفته،  بينما هي دخلت تتأمل كل ما يحيط بها،  تمنت لو كان هذا منزل الزوجية الذي يجمعها بالرجل الوحيد الذي أحبته ولا تريد سواه.

 

وبعد دقائق قليلة دلف إليها قائلاً:

_ تحبي تشربي عصير ولا كوفي؟.

 

رفعت عينيها لتجده أرتدي قميص وبنطال قطني يظهران عضلات جسده الرياضي، غرت فاهها عندما رأت تلك الكدمات المتفرقة علي أنحاء وجهه وشريط لاصق علي أنفه.

لاحظ تحديقها في معالم وجهه المصابة، زفر بنفاذ صبر وقال متأففاً:

_ هتفضلي مبحلقه فيا كده كتير!.

 

أنتبهت إليه وملامحه الممتعضة من عدم ردها علي سؤاله:

_ ماتتعبش نفسك وتعالي أقعد، أنا مش جاية أتضايف.

 

تنهد من أعماقه الدفينه وجلس مقابلها:

_ خير؟.

 

لم تعرف من أين تبدأ، كان لديها الكثير من الأحاديث علي لسانها، لكنها شعرت وكأن هناك  من يلجمه، هيهات وشرعت في الحديث متصنعة الحزن من أجله:

_ أولاً ألف حمدالله على سلامتك.

 

تفوهت بها ثم صمتت لثوان، بينما هو قد نفذ صبره وأنتفخت أوادجه، فسألها بصوت به بعض الحدية:

_ عرفنا خلاص أولاً وبقولك الله يسلمك وشكراً علي إهتمامك، ثانياً أي بقي عشان مش فاضي ومعنديش وقت؟.

 

أبتلعت غصتها بعدما شعرت بعدم رغبته في الجلوس أو التحدث معها، أجابت بخفوت:

_ أنا هربت من بيتنا بقالي كام يوم وماينفعش أرجع خالص.

 

إبتسامة هاكمة لاحت علي ثغره:

_ و جاية عشان تستخبي عندي ولا أي بالظبط؟.

 

رفعت إحدي حاجبيها تنتظر ردة فعله علي ما ستلقيه عليه:

_ لاء يا خفيف، أنا هربت عشان ماما وأخويا عايزين يجوزوني بالعافيه.

 

أدرك ما ترنو إليه، نهض يحدقها بغضب، يطلق زفرة إستعداداً لما سيلقنها إياه من حديث قاسي:

_ وحضرتك جايه لي طبعاً عشان تقوليلي الكلمتين بتوع المرة الي فاتت، وأنا بقولك لاء يا مروة مش هاتجوزك، ريحي نفسك بقي وحافظي علي كرامتك ل…….

 

وقفت لتقاطعه بإندفاع:

_ أنا حامل.

 

وقعت الكلمة علي سمعه جعلته يصمت غير مصدق لما تفوهت به، رد بإنكار:

_ كدابة، بتقولي كده عشان ترغميني علي الجواز منك.

 

أمسكت حقيبة يدها وأخرجت منها ورقة مطوية، قامت بفردها لتعطيها له:

_ ده نتيجة تحليل الدم الي لسه عملاه قبل ما أجي لك، طلع Positive.

 

أختطف منها الورقة ليقرأ مابها، فأردفت:

_ ولو عايز تتأكد من كلامي إسم وعنوان المعمل عندك في الورقة.

 

جحظت عينيه وظلت مُسلطة علي كلمة إيجابي بالإنجليزية.

_ إزاي ده حصل؟.

 

صاحت بتعجب وسخط علي قوله:

_ نعم يا حبيبي!، أومال كنت فاكر نتيجة الي هببته معايا ده هيبقي أي إن شاء الله!.

 

ألقي الورقة جانباً وهدر بها:

_ الي حصل مابينا  مكنش مقصود أبداً، أنتي الي أستغليتي الحالة الي أنا كنت فيها وقربتي مني وأنا سكران، ليه ما أتمنعتيش وقتها وبعدتي!،ليه أتجاوبتي معايا وسلمت لي نفسك وعارفة إن شايفك في لحظتها هي!.

 

كانت تكبت عبراتها ريثما لا تضعف أمامه مرة أخري ويري مدي هشاشتها، فقد فاض بها حتي أجهشت بالبكاء وهي تجلس علي أقرب كرسي:

_ ما أتمنعتش عشان كنت في أشد لحظات ضعفي وأنا في حضنك، ما بعدتش برغم إن عارفة أنك فاكرني هي لكن قلبي كان محتاج يحس ولو بلمسة حنان منك حتي لو مكنتش ليا، قلبي هو الي أستسلم لك لأن عقلي كان مُغيب، وللأسف فوقت بعد ما ضعت وياريت خسرت حاجة واحدة، ده أنا خسرت قلبي و شرفي ونفسي، خلاص أنا ضعت والفرصة الأخيرة ليا هو أنت،  أنت الأمل الوحيد الي ممكن أتراجع عن كل الي عملته وهاعمله وأبدأ حياتي من جديد.

 

نهضت لتقف أمامه وأمسكت يده بين يديها تتوسله:

_ أرجوك يا علي متتخلاش عني،  أدي لقلبك فرصة مع الي بتحبك والي هتخلي حياتك جنة،  وتتمني رضاك،  أنا الي بحبك وبعشق التراب الي بتمشي عليه، لكن هي مابتحبكش، سيب نفسك ليا وأنا هنسيهالك وهاتكتشف أنك كنت مخدوع كل السنين الي فاتت، أنا هافضل معاك مهما حصل وعمري ما هتخلي عنك.

 

ينظر في عينيها الباكية التي ذكرته بحاله منذ سنوات، كم كان هو حينها كالجريح يحتاج إلي من يداويه ويحتويه، تركته من عشقها وهو في أشد الإحتياج إليها، وأكثر ما جعله كالذبيح الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة عندما علم بزواجها من آخر، تباً لهذا الحب الذي يجعل صاحبه ذليلاً مقهوراً.

 

شعر بذنب نحو التي أمامه، كيف له أن يجعلها تصل إلي تلك الحالة التي كلما يتذكر حالته عندما كان بمكانها يكره قلبه ويلعن نفسه، يا لسخرية القدر، فقلبه آسير صديقتها وقلبها آسير له، لما لاتسير الأمور كما نريد، لماذا لا نملك أمر أفئدتنا بدلاً من جعلها هي التي تملكنا!.

 

أنحني قليلاً إليها ليعانقها، وأخذ يمسد ظهرها لتهدأتها:

_ خلاص، بطلي عياط، وكل الي أنتي عيزاه هيحصل.

 

أنتفضت كمن لدغها عقرب لم تصدق أذنها:

_ بتتكلم بجد، هاتتجوزني؟.

 

أومأ لها بالإيجاب قائلاً:

_ مفيش حل للي أنتي فيه غير كده، بس….

 

صمت ليفكر فيما سيخبرها به وهو أن قلبه ملك الأخري وليس هي، تلك الحقيقة التي لم تتغير بتاً ، لكنه ترأف بحالتها التي كانت كالغريق الذي يتعلق بقشة لتنقذه من الموت المحتوم.

أردف بإبتسامة مصتنعة:

_ بس كده، ولا أنتي ليكي رأي تاني؟.

 

أنبلجت السعادة علي وجهها بعدما أفتقدتها لسنين منصرمة، تتمني أن ما قاله يكن واقعاً وليس أحلاماً كالتي تراها في منامها يومياً، عانقته بقوة صارخه بفرح عارم:

_ موافقة طبعاً، ده رأيي من وقت ماقلبي دق لك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ تسير في رواق طويل تتفرع منه الغرف الخاصة بعمل التدليك، حتي توقفت أمام آخر غرفة وطرقت الباب فأتاها صوتها من الداخل:

_ تفضلِ ساندرا.

 

ولجت لتجدها مازالت تجلس علي الكرسي والطعام المتراص أمامها لم يؤكل منه شيئاً:

_ ما هذا زينب!، لما لاتأكلِ؟.

 

_ لا أريد شيئاً سوي أن أرحل من هنا بأسرع وقت.

قالتها وأحتضنت حقيبتها، ردت الأخري وبسمة لمعت علي شفاها:

_ أطمأنِ،  سوف ترحلين في خلال ساعة من الآن.

 

أتسعت عينيها في ترقب لمعرفة السبب:

_ كيف؟.

 

أخرجت من الجيب الخلفي لبنطالها جواز سفر و وضعته أمامها علي الطاولة:

_ تفضلِ.

 

جذبته الأخري علي الفور، قامت بفتحه تنظر إلي بياناته، عقدت مابين حاجبيها وقالت:

_ من بالصورة ليست أنا، هي تُشبهني بالفعل وكذلك أيضاً الأسم وتاريخ الميلاد وجميع البيانات مُزيفة.

 

وضعت ساق فوق الأخري، فأشعلت سيجارة لتزفر دخانها في الهواء:

_ أعلم، أمراً بديهياً زينب،  كيف سأخرج لكِ جواز سفر بصورتك وبياناتك الحقيقية و في كل المطارات تجد أعين لسليم وشركائه،  أم نسيتِ من هو زوجك ِ!.

 

تجمعت عبراتها لتحجب ذهبيتيها عن الرؤية كلما تتذكر نظراته المخيفة و وعيده عندما ترتكب ما يغضبه والآن فعلت ما هو أسوأ علي الإطلاق، الفرار من عرينه وليس فقط بل وأخذت حاسوبه!.

ناولتها ساندرا علبة المحارم الورقية لتجفف تلك العبرة التي أنسدلت للتو:

_ لايفيدك البكاء الآن يا فتاة، عليكِ التحلي بالقوة و الشجاعة ريثما تعودِ لموطنك.

أنحنت للأمام لتربت علي فخذها، أخذت زينب محرمة لتجفف عبراتها و أرتسمت إبتسامة، فأخبرتها بإمتنان:

_ شكراً لكِ ساندرا،  كنتُ خائفة للغاية عندما عرضتِ علي مساعدتك،  خشيت أن تخبرين سليم.

 

دست ماتبقي من سيجارتها في المنفضة الصدفية وقالت:

_ العفو عزيزتي، أنا لا أخون أبداً من يلجأ إلي،  كما إنه مررت سابقاً وتعرضت مثل ما حدث معكِ تماماً، بل الأسوأ.

 

توقفت عن الحديث لتخلع سترتها و يليها كنزتها تحت نظرات زينب المندهشة لما تفعله تلك المرأه المتصابية،  حتي أدركت سبب خلع ملابسها عندما ولت إليها ظهرها فشهقت و وضعت كفها علي فمها.

ظهر الأخري مليئ بعلامات جلد وحروق قديمة وأثر لجروح تمت خيطتها بشكل غير تجميلي مما تركت آثار مشوهة.

_ أنظرِ زينب وتمعنِ جيداً في تلك العلامات، جميعها نتيجة جلد بالسوط أو عصا جلدية حادة،  والحروق المتفرقة كانت آثار لإطفاء العديد من السجائر الخاصة باللعين داغر العقبي،  بينما آثار الجروح كانت بفعل نصل سكين ، كان يغرزها في ظهري حتي تسيل دمائي فيلعقها هذا المعتوه وكأنه يتجرع كأس من النبيذ.

 

أوصدت عينيها من فرط بشاعة المنظر، فتذكرت حينما ألقي بها سليم في البناء المخيف خلف المنزل، كان يُقبلها بعنف حتي جرح شفاها وأنسدلت منها الدماء فقام بلعقها.

 

فتحت عينيها فجاءة ً وأستعادت رباطة جأشها وقوتها وإصرارها، لن تتراجع عن قرار فرارها إلي مصر،  فهي لم تتحمل أن يفعل بها مثل ما حدث من أبيه لساندرا، فالموت أكثر رحمة من ذلك العذاب.

نهضت وحملت الحقيبة علي ظهرها

 

_ عذراً ساندرا،  أريد الذهاب إلي المرحاض.

 

أرتدت الأخري كنزتها وسترتها ثم أشارت لتتبعها:

_ سأوصلك،  ولاتنسِ خلع وشاحك،  فصاحبة الصورة لم ترتدي وشاحاً.

 

أوقفتها زينب لتقول بإصرار:

_ أنتظري، لا أستطيع خلع وشاحي قط، ماذا أفعل؟.

 

نظرت ساندرا لهيئتها ريثما أتتها فكرة جيدة:

_ لا تقلقِ،  هناك حل.

 

وبعد قليل خرجت زينب من المرحاض ترتدي قلنصوة قد أعتطها إياها ساندرا لتخفي أسفلها جميع خصلاتها بدلاً من وشاحها وكنزة ذات رقبة طويلة تغطي عنقها بالكامل.

 

رمقتها بإنبهار قائلة:

_ يا ألهي، أصبحتِ مثل يوستينا تماماً، هيا بنا فلقد أعددت سيارة لتقلك إلي المطار.

مدت يدها إليها بظرف سميك وأردفت:

_ خذِ هذا الظرف ،  أنتِ بحاجة إلي المال عند عودتكِ إلي بلدك .

 

رمقتها بسعادة وعينيها لاتخلو من الدمع غير مصدقة إنها وجدت يد العون والمساعدة في تلك البلد الغريب، عانقتها بقوة:

_ لا أعلم كيف أشكركِ علي مساعدتك و وقوفك بجانبي.

 

ربتت عليها الأخري ثم أبتعدت لتنظر لها:

_ كفاكِ بكاءً، لو تردين شكري حقاً هاتفيني عند عودتكِ لأطمأن عليكِ.

 

أومأت لها وقالت:

_ بالطبع، سأكون علي إتصال بكِ.

 

صدح رنين هاتفها:

_ أنتظرِ لحظة.

 

أجابت علي المتصل:

_ ألو، ماذا هناك؟.

…………

 

جحظت عينيها والرعب يختلج ملامحها:

_ حسناً، حاولو إلهاءه ريثما ترحل من هنا، هيا.

 

أغلقت المكالمة لتمسك بيد زينب التي أرتجفت فسألتها وقلبها يخفق وجلاً:

_ هل علم بوجودي لديك؟.

 

_  بسرعة زينب، سليم و رجاله بالأسفل، هيا لترحلِ عبر الباب الخلفي!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ يلتقط أنفاسه بعدما صعد الدرج و وصل أمام شقة الحاج نعمان،  ألقي نظرة علي العنوان المدون في الورقة والذي أخذه من حمودة  .

ضغط علي زر الجرس،  وبعد ثوان أنفتح الباب و وجد نعمان الذي تهللت أساريره رغماً من حزنه علي ماحدث لأبنته.

_ يا مرحب،  يا مرحب،  ده أي المفاجاءة الحلوة دي.

 

دلف فارس و وضع ما جلبه من فواكه وعصائر فوق الطاولة بالردهة:

_ آسف يا حاچ أني چيت من غير ميعاد، كنت عتصل عليك ولاجيت تليفونك مجفول.

 

رد الآخر بعدما أشار له بالجلوس علي الكرسي:

_ أتفضل يابني،  ده بيتك ومطرحك وأهلاً  بيك في أي وقت،  وأنا فعلاً قافل تليفوني مش عايز كل شويه حد يتصل بيا ويرغي ويستفسر،  عاملين نفسهم زعلانين علي بنتي وهم من جواهم شمتانين وفرحانين،  حسبي الله ونعم الوكيل  في كل الي ظلمها و عملها الفيديوهات المهببة دي.

 

أنبلج علي محياه إبتسامة تعجب لها نعمان حتي قال:

_ أني چيت لأچل أطمن علي حضرتك والآنسه شهد وكمان لأچل أجولك إن خلاص خابرنا من ورا الحكاية وسوي الفيديوهات.

 

تجلت الدهشة علي ملامح الآخر في تأهب لمعرفة من أرتكب في حق إبنته ذلك الفعل الفاجر والمشين.

 

(مشهد سابق)

 

أخذت تنظر من حولها فلم تجده، تنفست الصعداء وعادت لتذهب إلي منزلها، وما أن خطت قدمها فناء البناء ذو الرائحة العطنة أصتدمت به وأطلقت صرخة مدوية.

دفعها علي الجدار أسفل الدرج مكمماً فاها ويمسك بزراعها فأخبرها بتحذير:

_ هاشيل يدي دلوق لو صرختي أو سويتي حركة إكده ولا إكده هاكون مخلص عليكي بالخنچر الي معاي.

 

همهمت بصوت مكتوم وهزت رأسها بالموافقة علي حديثه،  فأزاح يده وسألها:

_ أنتي الي ورا موضوع الفيديوهات؟.

 

ردت بإنكار ولوع:

_ فيديوهات أي وأنت مين وعايز مني أي؟.

 

هزها بعنف ويزجرها برماديتيه بنظرة مقصودة لإخافتها:

_ بت أنتي، لو ما ردتيش علي سؤالي دلوق لأخلي الدكاتره تحتار كيف تخيط وشك.

 

وضع يده علي جيب بنطاله وكأنه سيخرج الخنجر،  فأوقفته بتوسل:

_ خلاص خلاص،  هقولك علي كل حاجة،  بس بالله عليك متأذنيش ولا تجيب سيرتي،  عشان ممدوح لو عرف هيأذيني ويعمل حاجة في أمي العيانة.

 

طيف إبتسامة علي ثغره عندما تأكد من حدسه الذي لايخطأ بتاً:

_ جولي و ليكي الأمان.

 

رمقته بتوتر وخوف،  تتردد في إخباره بالحقيقة، رفع إحدي حاجبيه وأردف:

_ لساتك عتفكري،  ما تنطجي وإلا…

 

قاطعته وأمسكت بيده لتمنعه بإخراج الخنجر:

_ ممدوح هو الي خلاني أروح أعمل حوار علي شهد إن أعمل مكالمة من عندها وفي نفس الوقت أشغلها فطلبت منها تجيب لي ميه ساقعه وعقبال ماراحت وجت كنت ناقله شوية صور ليها من تليفونها علي تليفوني عن طريق البلوتوث.

 

أبتلعت لعابها لتسطرد:

_ بعدها روحت لممدوح وبعتله الصور ولما سألته هايعمل بيها أي قالي ملكيش فيه ولو نطقت بحرف لحد هايسلط ناس عليا أنا وأمي و ده جبروت وما بيهموش.

 

حك ذقنه ليفكر بالأمر،  فسألها مرة أخري:

_ ولما أنتي خابره إنه بالأخلاق الشين دي، ليه ساعدتيه وچبتي له الصور؟.

 

أسبلت جفونها بخجل من نفسها،  أجابت بخفوت:

_ الحوجه والفقر الي خلوني أعمل كده، أمي تعبانه ومحتاجة علاج غالي ومرتبي الي باخدو من صاحب المحل الي بشتغل فيه يا دوب بيسد فواتير الكهربا والميه وأكلنا وشربنا،  معاش أبويا مبيكملش لنص الشهر وبفضل أستلف من هنا ومن هنا،  فلما لاقيت ممدوح عرض عليا الموضوع وهيديني ألفين جنيه، أدالي منهم متين عربون وجيت أطالبه بالباقي عمل الي شوفته قدام محله.

 

جز علي أسنانه بغضب من هذا الممدوح و ود لو يراه أمامه لكان لقنه لكمات في وجهه وركلات في معدته.

أطلق تنهيدة من أعماقه وقال:

_ ماشي يا سماح، إسمك سماح برضك ولا أني غلطان؟.

 

أومأت له:

_ أيوه، أنا قولتلك علي كل الي أعرفه،  بس والله مليش دعوة بالفيديوهات الي عملها ممدوح.

 

_ ما خلاص يا سماح، أنتي جولتيلي علي الي كنت رايد أعرفه، خابره لو كنتي روحتي للحاچ نعمان وجصدتيه يعطيكي فلوس لأچل والدتك العيانة مكنش هيجولك لاء وكان وجف وياكي،  لكن أنتي أختارتي الطريق التاني الي كله أذي وشر وأديكي أهه خسرانه ولا طولتي الفلوس وأرتكبتي ذنب عظيم أتمني تتوبي عنه وتروحي لشهد لأچل تسامحك.

 

ردت بصوت حزين وشعور بالذنب يسيطر عليها:  _ ربنا يسامحني ويارب شهد تسامحني.

 

_ هتسامحك لو برأتيها قدام الناس وخابرو الحقيقة.

 

سألته بتوجس تخشي ما تفكر به للتو:

_ عايزني أعمل أي؟.

 

_ تروحي ويا الحاچ نعمان القسم وهو عيقدم بلاغ كيف تكوني شاهده بدل ما تكوني متهمة.

 

صاحت برفض للأمر:

_ إستحالة، بقولك لو عرف هيأذيني.

 

مسح شفاه السفلي بإبهامه ثم أخرج هاتفه من جيب قميصه ليضغط علي زر مكبر الصوت:

_ أيو يا صاحبي عاتسمعني؟.

 

رد جنيدي:

_ معاك يا صاحبي ومسچل كل حاچة جالتها الأخت سماح.

 

إبتسم فارس بإنتصار قائلاً:

_ تمام يا صاحبي، سلام.

 

وضع هاتفه في جيبه ومازال مبتسماً إليها وبتهديد جلي يُخيرها:

_ ها يا سماح هتسوي الي جولتلك عليه ولا أجول لصاحبي يسمع التسچيل لممدوح ويروح يقدمو في القسم علي أنك شريكة في العملة المهببة الي سوتوها أنتي والكلب التاني.

 

هزت رأسها علي الفور بدون أن تتريث أو تفكر:

_ موافقة.

 

كان نعمان يستمع ويضرب كفه بالآخر:

_ كل ده يطلع من الحيوان الي إسمه ممدوح!، والله لأربيه قبل ما أسلمه للحكومة، هخلي الرجالة يأدبوه.

 

_ أني من رأيي يا حاچ تهمله للحكومة وهم هيتصرفو وياه، دي ممكن يستغل الي هاتسويه فيه وهو الي يقدم فيك بلاغ بالتعدي،وإكده يبجي ضيعت حق بتك.

 

ظل يفكر في حديثه لثوان، ويبدو أنه أقتنع به فقال:

_ عندك حق يابني، والله ما عارف أشكرك إزاي علي وقفتك جمبي أنا وبنتي، كان ليا نظرة فيك عمري ما خيبت وأنا أتأكدت بنفسي إنك إبن حلال وإبن أصول، وإن الي خلف ممامتش.

 

أنتفض فارس من ما تفوه به الآخر للتو، ماذا يقصد بحديثه الأخير!،وهل يعلم بحقيقته!.

 

أخفي دهشته ونهض ليهم بالمغادرة:

_ ما تجولش إكده يا حاچ، أني الي عشكرك علي وجفتك معاي،و لو رايد أي حاچة أسويهالك أني تحت أمرك.

 

قام بمفاجأته مجدداً:

_ أقعد يا فارس، واقف ليه؟.

 

جحظت رماديتيه وتصنم في مكانه، فأردف:

_ ما تستغربش أنت أول ما رجلك خطت المنطقة وشوفتك عرفت أنت مين وحكايتك أي.

 

وبقليل من التفكير وسرعة بديهة أدرك من أخبره هويته الحقيقة:

_ عم عربي الي جالك؟.

 

أومأ له قائلاً:

_ أقعد بس وهافهمك.

 

جلس فارس والوجوم يكسو ملامحه، فأردف الآخر:

_ أنا يابني راجل تاجر، أتعاملت مع كل صنف ولون والحلو والوحش، وأنا أول ماشوفتك لما أمين شوقي ماسكك أنت والتاني الي معاك عشان معكمش بطايق، بعدها بعت وراكم واحد عرف إنكم تبع عربي المسئول عن تسكين الشباب الي جايين يشتغلو وملهمش مسكن، كلمته بأمانة مرضاش يقولي في الأول وبعد ما ضغطت عليه قالي علي حكايتك أنت وجنيدي.

 

كان متردداً لايعلم كيف يخبره إنه أمر يطول شرحه، لكنه تعجب لشئ تذكره لوهلة، كيف لرجل بمكانته يطلب من متهم هارب من العدالة العمل لديه والزواج من إبنته!

كانت نظراته كفيلة ليدركها نعمان الذي أردف:

_ طبعاً زمانك بتسأل طالما عارف حقيقتك أي الي خلاني أشغلك عندي وأعرض عليك تتجوز بنتي.

 

أندهش أكثر لفطنة هذا الرجل الذي يذكره بوالده دائماً، فقال:

_ و ده فعلاً صوح الي عيدور في دماغي.

 

إبتسم الآخر ليجيب عليه:

_ لما عرفت إسمك بالكامل وقتها رجعت دماغي لأيام خدمتي في الجيش، كان والدك قاسم القناوي من أعز أصدقائي، ياما وقف جمبي وكان ديماً في ضهري وبعد ما خلصنا خدمة فضلنا علي وصال مع بعض، وكل واحد فينا أتجوز وأتلهي في حياته، سبحان الله يدور بينا الزمن وليا نصيب أقابل إبنه.

 

أطلق زفيراً من عمق أحزانه الدفينة وقال:

_ الله يرحمه، كل الي كان يعرفه يحبه، مكنش ليا غيره .

 

نهض ليجلس بجواره وربت علي كتفه قائلاً:

_  متقلقش يا فارس هساعدك لحد ما تظهر براءتك، بس أخلص الأول من موضوع شهد.

 

_ إن شاء الله يا حاچ.

نهض وأردف:

_ أستأذن أني بجي.

 

فقال الآخر:

_ أستني يا فارس.

 

تركه ودلف للداخل وبعد دقيقة خرج له وفي يده مجموعة من المفاتيح:

_ خلي المفاتيح دي معاك، عايزك تفتح المحل وتاخد بالك منه لحد مابنتي تروق وتبقي كويسه.

 

رد برفض قائلاً:

_ معلش يا حاچ أعفيني م…..

 

قاطعه الآخر:

_ عرفت الي عملته شهد معاك، وأنا بقولك حقك عليا، هي دماغها صغيره وعقلها مش فيها بس قلبها طيب وغلبانه وعيت علي الدنيا من غير أم، أمها الله يرحمها ماتت وهي عندها تلات شهور جالها غيبوبة سكر وكنت مش موجود، ومحدش لحقها وعقبال ماجيت كان السر الآلهي طلع.

 

عقب علي حديثه:

_ لا حول ولاقوة إلا بالله  ربنا يرحمها ويرحم جميع موتانا.

 

_ آمين يارب ، فكل الي طلبه منك ترجع المحل وتاخد بالك من الشغل.

 

زفر بسأم ثم قال:

_ حاضر ياحاچ الي رايده هيكون.

 

تناول المفاتيح من يده ثم نظر إلي ساعة هاتفه فقال:

_ يا دوب أروح ألحج أفتح،  رايد مني حاچة تانيه يا حاچ.

 

رد برفض وإمتنان:

_ لاء يابني،  شكراً.

 

_ العفو،  سلام عليكم.

ردد عليه نعمان التحية وقام بإيصاله إلي الباب.

وبعد مغادرة فارس،  أراد أن يدخل لإبنته ويطمأن عليها فتفاجأ بها تقف علي باب غرفتها!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ يقف أمام المرآه يمشط خصلاته الفحمية ويهندم ثيابه الجديدة، فدلفت بُغتةً وتفاجأت بمظهره يرتدي بنطال وقميص،  يمسك بزجاجة العطر ويضغط المكبس لتتناثر ذرات هذا العطر ذو الرائحة الفجة،  أنتابها السعال ولم تتحمل الرائحة.

نظر لها عبر المرآه وقال بمزاح ثقيل:

_ مالك عتموتي إياك!.

 

حدجته بإبتسامة صفراء وأجابت:

_ بعد الشر عليا،  إن شاء الله الي يكرهني ويظلمني ويچي عليا.

 

ألتفت وسار نحوها فدفعها في كتفها بمرفقه:

_ عتدعي علي حالك ليه يا بت خالتي.

 

جلس علي الأريكة ليرتدي حذائه الأسود اللامع

أمسكت كتفها تتحسس موضع الألم فقالت:

_ أني فعلاً كرهت نفسي يوم ما وافجت وأتچوزتك،  وظلمت نفسي لما كملت وياك وأتحملت كل الي عاتسويه معاي من إهانة وحرجة دم، وآخرتها رايح تتچوز عليا وعمال تظبط حالك وجلعت الچلابيه ولابس بنطلون وقميص ولا كأنك أول مرة رايح تتچوز.

 

لم يكترث بتاً لأي حرف تفوهت به،  عقد رباط حذائه ونهض مبتسماً بسخرية،  أقترب منها ودنا بالقرب من سمعها قائلاً:

_ أني فعلاً  كأني رايح أتچوز أول مرة، وأحمدي ربنا إنك لساتك علي ذمتي،  لولا الي في بطنك كنت طلجتك وأرتاحت من خلجتك الفقر يا وليه يا بومة.

 

ألقي بكلماته الفظة القاسية في وجهها وغادر الغرفة،  تركها لنيران قلبها تحرقها فأنخرطت في البكاء بنحيب.

وبالخارج بحث عن والدته ليجدها تجلس أمام التلفاز.

_ أي ياماه،  لساتك جاعده قدام المخروب وما غيرتيش خلچاتك لأچل تيچي معاي.

 

أطفأت التلفاز لترمقه بنظرةأطفأت التلفاز لترمقه بنظرة سخط:

_ ومين جالك أني هاچي معاك!،  أني مهملاك تسوي الي رايده لأني خابره مهما جولتلك ولا مانعتك حديتي ملهوش عزا حداك يا ولدي.

 

أمتعضت ملامح وجهه فقال هاكماً:

_ بجي إكده!، كل ده لأچل خاطر بت خايتك،  و ولدك ملهوش عندك أي خاطر!  .

 

نهضت و وقفت أمامه بتحدي:

_ ولا كانت مارتك بت حد غريب برضك مكنتش روحت وياك، لأنها ماجصرتش في حقك حتي موضوع الحمل الحمدلله ربنا كرمكم وبجت حبلي،  وبدل ماتفرح وتفرحها وتجف چارها، رايح تقهرها وتحرج جلبها وتتچوز عليها، ما كفكش الي سويته في خايتك الي ماعرفش عنها حاچة لحد دلوق، طول عمرك جلبك كيف الحچر.

 

_ عموماً يا أماه مكنتش منتظر منكم حاچة غير وچودك معاي، أبوي يتهرب مني وأنتي تجوليلي لاء، مادام كل واحد عيسوي الي بدو هملوني بجي أسوي الي علي كيفي و ماحدش يبجي يلومني عاد.

تفوه بكلماته ثم ذهب والغضب رفيقه، يعلم أن ما سيفعله ظلم لزوجته لكنه كمن كان ينتظر تلك الفرصة علي أحر من الجمر،  وها هي قُدمت إليه علي طبق من ذهب وعليه أن يغتنمها ويفوز بها.

 

وبعد قليل…  خرجت من غرفتها لم تستطع البقاء أكثر من ذلك فكل شئ هنا يجعلها تشعر بالضيق والإختناق ولاسيما رائحة عطره كانت تخترق رئتيها وكأنها غاز سام وليس مجرد عطر.

 

وبمجرد خروجها من باب المنزل وقف أمامها دبيكي كالجدار العازل قائلاً:

_ ممنوع يا ست نوارة.

 

عقدت مابين حاجبيها وقالت بحنق:

_ هو أي الي ممنوع يا غفير الغبرة،  غور من خلجتي أحسنلك.

 

أنعطفت من أمامه فأوقفها مانعاً إياها مرة أخري: _ دي أوامر رافع بيه،  إنك ماتخرچيش واصل.

 

صاحت بغضب مستعر كنيران متأججة :

_  أوامره علي نفسه مش عليا.

 

_أجصري الشر و أدخلي چوه.

كانت جملته تهديداً جلياً أكثر من كونه رجاءً،  توقفت لوهلة ترمقه لتفسر نظراته المستتره لها:

_ قصدك أي بأني أجصر الشر!  .

 

تنهد مضيقاً عينيه الحادتين،  فأجاب عليها:

_ قصدي أنتي فهماه يا ست نوارة.

 

تراجعت خطوتين للوراء، تفوهت بخفوت:

_ أنت كنت سامعنا أني وأمي؟.

 

رفع جانب فمه ذو الشارب الكث بزواية:

_ أيوه، ولو ما دخلتيش چوه لأروح دلوق لرافع بيه وأجوله علي كل حاچة.

 

أزدردت ريقها ودب الرعب في قلبها، هربت الدماء من أوردتها والشحوب يختلج وجهها،  تشعر بالجفاف في حلقها،  هيهات ريثما تستعيد قوتها الزائفة حتي لاتصبح لقمة سائغة في فم هذا الصرصور ذو الشوارب.

_ كيف تتحدت إكده وياي يا راس البهيمة، أنت ما خابرش تتحدت ويا مين!.

 

أتسع فمه بإبتسامة ثعلب ماكر مما أزادها وجلاً:

_ لع،  خابر وخابر سر الي في بطنك،  بأمارة الراچل النصاب الي جبضو عليه في البلد علي البر التاني لأچل عيضحك علي النسوان الي رايده تحبل،  يخدرهم ويسوي عملته منها يتكيف ومنها لو حبلت الوليه فيهم يبجي إكده أتعالچت و تچيب له زباين كتير،  و أهو ده الي صار وياكي يا مرات رافع بيه، حبلي من راچل غير چوزك.

 

_ أكتم يا كلب.

لطمة قوية هبطت بها علي وجنته المنتفخة، شعرت وكأنها علي حافة بركان تتأجج حممه التي علي وشك الإنفجار.

_ أسمعني زين يا جلوص الطين،  يوم ما شيطانك يوزك وتروح تبلغ البيه بتاعك بكلمة،  لأكون جايله له إنك كداب وعتداري علي الي سويته فيا،  وهو إنك أتهچمت عليا،  تخيل بجي رافع هيصدج مين!  .

 

جز علي أسنانه و أدخنة النيران تنبعث من أذنيه كفوهة المراجل،  فأردفت :

_كتك البلا في خلقتك.

 

عادت أدراجها،  وما أن فتحت باب المنزل لتدلف أصتدمت في خالتها التي أفزعتها قائلة:

_ أي الي أني سمعته دلوق يابت خايتي!.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ تنظر عبرة نافذة السيارة إلي الطريق المؤدي إلي مسكنها،  كم أشتاقت لمنزلها والأكثر إليه،  كيف له أن يصدق بخيانتها له ونعتها بهذا الوصف المُشين، تعترف حقاً إنها مخطأه لما فعلته عندما ذهبت إلي منزل علي، و ودت لو قام بمعاقبتها بأي عقاب آخر إلا الطلاق،  فهذا بمثابة وكأنه يحكم عليها بالإعدام بدون حق الدفاع أو المرافعة، كان قاضيها وجلادها في آن واحد.

 

_ نزلني هنا لو سمحت.

توقف السائق أمام البناء، فنزلت من السيارة وقبل أن تخطو إلي داخل الفناء أوقفها عم خضر:

_ حمدلله علي سلامتك يا مدام ندي.

 

ردت علي عجالة:

_ الله يسلمك يا عم خضر.

 

كادت تدلف إلي المصعد ليوقفها مجدداً:

_ معلش يا مدام ندي، ممكن أعرف حضراتكم هاتبيعو الشقة بالعفش ولا من غير العفش.

 

وكأن أصابها البرق، فسألته لتتأكد من حدسها للتو:

_ شقة أي وعفش مين يا راجل يا خرفان أنت؟.

 

أومأ لها بمعاتبة:

_ الله يسامحك يا هانم، دي أوامر أكرم بيه الي قالي أدور له علي بيعة لشقتكم و إمبارح جم ناس شافوها وعاجبتهم أوي وسألوني ممكن يشتروها بالعفش ولا لاء، أتصلت علي أكرم بيه ما بيردش عليا.

 

تستمع إليه غير مصدقة،هل وصل الأمر لبيع منزلهما بدون علمها!.

وبعدما أفاقت من شرودها لم تجب علي خضر بل تركته وأسرعت لتستقل سيارة أجرة التي وقفت ودخلت قائلة:

_ شارع 14 لو سمحت.

 

وبعد دقائق كانت أمام منزل عائلة زوجها والتي تقطن فيه حماتها السيدة كوثر وبرفقتها سيدة أخري من أقاربهم تقيم معها للعناية بها.

ضغطت علي زر الجرس، فتحت لها تلك السيدة وأتاها صوت والدة أكرم من الداخل:

_ مين يا فوزية؟.

 

دلفت ندي وهي تخلع حذائها وسارت إلي الداخل:

_ أنا يا ماما كوثر.

 

نهضت وتستند علي عكازها المعدني لتبتسم لها بحفاوة وترحاب:

_ أهلاً أهلاً يا حبيبتي.

صافحتها بعناق وأردفت:

_ أخيراً جيتي تزوريني، ولا أكرم كلمك وقالك تعالي عشان ماما زعلانه إنك مبتجيش تزوريها؟.

 

شعرت بإحراج فقالت:

_ والله يا ماما كنت مشغوله وشوية ظروف كده ربنا يعديها علي خير.

ربتت علي ظهرها بحنانها الفياض:

_ أقعدي خدي نفسك عقبال ما أخلي فوزية تحضرلنا الغدا.

 

_ مفيش داعي،  أنا لسه متغديه قبل ما أجي.

 

_ كده عايزة تكسفيني،  ما واحشكيش  أكل حماتك!.

سألتها بمزاح، ردت الأخري بإبتسامة:

_ لا أبداً والله يا حبيبتي، بس حضرتك عرفاني أكلتي قليلة مابقدرش أكل كتير.

 

أشرأبت السيدة كوثر بعنقها باحثة بعينيها عن شئ ما بالخارج:

_ هي لارا مش معاكي ولا أي؟.

 

أدركت ندي من حديث وأسئلة حماتها إنها لاتعلم بشئ، يبدو أكرم لم يخبرها، تنفست الصعداء وأجابت:

_ لارا ماما خدتها وراحت بيها النادي عندها تمارين السباحة وأنا بقالي كتير موديتهاش.

 

أومأت لها كوثر بتفهم:

_ امم، بما إنك مش هتتغدي تحبي تشربي أي؟.

 

_ يا حبيبتي ماتتع…..

 

_ السلام عليكم يا أمي.

قاطعها صوته الذي جعلها أنتفضت بفزع حيث عاد من عمله للتو، كم تريد أن تنهض وترتمي بين زراعيه وتخبره إنها مشتاقة إليه.

نهضت وألتفتت له بحذر تخشي ردة فعله:

_ أزيك يا أكرم؟.

 

يحدقها برماديتيه وفي نظراته آلاف الكلمات التي لو تفوه بها لجعلها تود أن يقتلها ولا يسمعها إياها.

_ مالك يابني واقف عندك كده ليه، تعالي شوف مراتك الي مش عايزه تتغدي ولا تشرب حاجة.

 

رد عليها وعينيه لاتحيد عن تلك التي تتوسله بنظراتها طالبة العفو والسماح:

_ عن أذنك يا أمي أنا داخل هاغير هدومي.

 

تعجبت والدته وشعرت بأن هناك خطب ما يخبأه ولدها و زوجته عليها.

وقبل أن يذهب لغرفته أشار لندي بعينيه أن تتبعه وبدون أن تلاحظ والدته هذا.

 

دخلت وراءه ليباغتها بقبضته العنيفة علي رسغها وأوصد الباب، قال من بين أسنانه وبدون أن يعلو صوته:

_ أي الي جابك هنا، أمي ماتعرفش حاجة إياكي تكوني أتكلمتي معاها، دي مريضة قلب وماتستحملش ولو جرالها حاجة مش هارحمك.

 

لم تستطع منع نفسها من البكاء:

_ مقولتلهاش حاجة.

 

ترك يدها و زفر بضيق من قسوته المبالغ بها عليها:

_ أومال أي الي جابك هنا؟،مش رميت عليكي اليمين قدام أهلك!.

 

أبتلعت غصتها بمرارة العلقم، ثم أجابت بتهدج:

_ أنا روحتلك علي شقتنا لاقيت عم خضر بيسألني هتبيعو الشقة بالعفش ولا من غيره، أنت هتبيع شقتنا يا أكرم؟.

 

برغم نظرات الحزن والإنكسار التي تنضج من عينيها ترضي غروره وكبريائه كرجل لكن قلبه ينهره ليكف عن قسوته عليها، مازالت عبراتها تألمه لا يتحمل رؤيتها هكذا، بينما عقله يوبخه علي ضعفه ويُعيد عليه ما أقترفته من وراءه فيرتدي من جديد قناع الجمود.

 

_ آه هبيعها، مبقتش طايقها ولا طايق العمارة كلها، وأطمني حقوقك محفوظه نفقتك والمؤخر وكل حاجتك هتاخديها وبالنسبه للشقه هاشتري لك شقة في حته تانيه وإحتمال تكون في نفس العمارة الي ساكنين فيها أهلك.

 

أندفعت نحوه وتشبثت في زراعه:

_ بس أنا مش عايزة حاجة غيرك أنت، أنا مبقتش أعرف أنام ولا أكل ولا أشرب وأنت بعيد عني.

 

تمعن النظر في وجهها ليري صدق كلامها فالإرهاق والتعب يكسو ملامحها وبعض الهالات السوداء بدأت تنبلج أسفل عينيها المليئة بالإحمرار أثر البكاء وقلة النوم.

ولي إليها ظهره وبتعنت قال لها:

_ أنتي الي عملتي في نفسك كده، فمتجيش تلوميني.

ألتفت لتقف أمامه لمواجهته:

_ أنا مخنتكش، بعترف أن غلطت وكنت غبية لما داريت عليك الرسالة وماتعظتش من آخر مشكلة، لو عايز تعاقبني أعمل فيا الي أنت عايزه خاصمني أضربني لكن طلاق لاء.

 

أغمض عينيه لايريد النظر إليها حتي لايضعف أمامها، يجب عليه أن يعلمها أن ما فعلته ليس بهين، فتح رماديتيه وقبض علي ساعديها:

_ كان فين عقلك وأنتي داخله له شقته!، عارفه يعني أي واحدة داخله لواحد شقته ومش أي واحد، ده الي بيحبها وعايزها تطلق من جوزها عشان يتجوزها هو!.

 

ردت بتوسل وتأكيد علي توبيخه لها:

_ عندك حق في كل كلمة، عشان كده جيت لك تسامحني، أنا آسفة وأوعدك هاعمل كل الي هتقولي عليه، وموافقة تبيع الشقه وناخد في أي حته تانيه، المهم نكون مع بعض.

 

صراع ناشب في داخله بين قلبه وعقله، لم يقو علي تحمله ليفرغ تلك الطاقة الكامنة ويصب غضبه العارم عليها، هدر بها ويدفعها علي الكرسي أمامه:

_ أنتي وصلتني لمرحلة مبقاش عندي ثقة في حد، كنتي في حضني وجوايا نار لما كدبتي عليا وأنكرتي أنك مش مخبيه حاجة، كل مرة تثبيت لي إني مغفل بيتضحك عليه بكلمتين، لاء يا ندي، لازم أقهر قلبك وأحرقه زي ما قهرتيني وجرحتيني، هقولك علي حاجة أنا طلقت شفوي و هاردك دلوقت.

 

كادت بسمة فرح تظهر علي شفاها وسرعان ما تلاشت حينما أردف:

_ وهانرجع نعيش مع بعض بس علي شرط.

 

قالت بإندفاع كعادتها:

_ وأنا موافقة علي أي شرط المهم تسامحني ونرجع لبعض.

 

إبتسم بسخرية من ساذجتها:

_ مش لما تعرفي أي هو الشرط الأول.

 

رمقته بتوجس وتردد فقالت:

_ أي هو؟.

 

دنا منها ليخبرها بحزم وجدية :

_ هاتجوز عليكي!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ تمكث في غرفتها وتوصدها من الداخل بعدما علمت بقدوم رافع ليأخذها إلي الصائغ وشراء مصوغات لها ثم يذهبا إلي المشفي من أجل تحاليل وفحوصات ماقبل الزواج.

طرقات علي الباب فصاحت بالطارق:

_ جولت مافتحاش.

 

فقالت قمر بصوتها الناعم:

_ أني قمر يا فاطمة،  ممكن نجعدو مع بعض هبابة.

 

نهضت وفتحت إليها الباب علي مهل:

_ أتفضلي.

 

دلفت قمر ومن بعدها أغلقت فاطمة الباب من الداخل،  فقالت لها الأخري:

_ إكده يا فاطمة،  جافلة عليكي الباب وما ريداش تتحدتي ولا تشوفي حد حتي أني!.

 

شعرت بخجل فقامت بتبرير مافعلت:

_ حجك علي يا قمر، أديكي زي ماسمعتي بودانك من هبابة،  المخفي أتصل علي أبوي لأچل نروحو نشترو الشبكة وبعدها نروح المستشفي لأچل الفحوصات والتحاليل.

 

نظرت لها مبتسمة مما أثار حنقها فسألتها:

_ عتضحكي علي أي شيفاني بجول نكت إياك!  .

 

_ أصل الي يشوف أفعالك ورفضك للچواز منه مايشوفش الي چوه عنيكي.

 

كانت كلماتها في مقتل،  كالمرآه العاكسه لمن ينظر إليها،  أشاحت وجهها بعد أن أصابها التوتر:  _ و چوه عينيا هيكون أي عاد؟.

 

ضيقت فيروزتيها بمكر فأجابت:

_ والله أنتي أدري بحالك يا بطته.

 

ألتفتت إليها فاطمة تزجرها:

_ لو معوزاش تخسريني ماتجوليش الإسم ده تاني.

 

ضحكت رغماً عنها:

_ حاضر، شوفتي بجي نستيني كنت عوزاكي في أي.

 

كانت علي وشك أن تخبرها شيئاً ما فقاطعتها طرقات عنيفة علي الباب وتبعها صوت جليلة:

_ أفتحي بدل وأيمانات المسلمين لأكون مدشملة الباب علي راسك.

 

فتدخل واصف قائلاً:

_ وطي حسك يا چليلة وعيب الي عاتسويه، بكفاينا فضايح عاد.

 

_ أكتم أنت يا أبو زكريا وخليك في حالك.

 

فقال رافع الذي جاء منذ قليل:

_ أصبري يا عمتي هي هتطلع لوحدها، أني خابر دماغها زين.

 

وبالداخل، كانت تجول الغرفة ذهاباً وإياباً، فقالت قمر:

_ أخرچي لهم وخلاص، ماعدش فايدة من جفلتك علي حالك.

 

خرجت فاطمة أخيراً بعدما أرتدت وشاحها وعندما رفعت وجهها تلاقت لؤلؤتيها بسوادويتيه الحادتين، تشعر برجيف فؤادها.

_ أنتي لسه ما لبستيش يا أخرة صبري!.

صاحت بها والدتها

 

_ ما أني لابسة خلچاتي أهه رايدين مني أي تاني!.

 

رمقها من أخمص قدميها إلي رأسها فكبت ضحكته علي مظهرها، ضربت جليلة بكفها علي صدرها:

_ نعم يا روح خالتك، لابسه لي عبايه سوده وحچاب أسود، رايحة تعزي إياك!.

 

صرخت بإصرار وعند:

_ و الله ده الي عندي ولا معاچبكيش أرچع أوضتي ومحدش ليه دعوة بيا واصل.

 

_ بتعلي حسك علي يا بت ال…

 

كادت تهوي بكفها علي وجنتها لكنه وقف حائل بينهما ممسكاً بيد عمته وأنزلها:

_ خلاص يا عمتي، فاطمة مهما لبست خلچات سواء ملونة أو سوده فهي في أي حاچة كيف القمر.

 

قالها وألتفت ليحدجها بهيام لكنها بادلته بنظرة إزدراء قائلة:

_ مالكش صالح أكون قمر ولا كيف القرد، خليك في حالك.

 

وبالنهاية خرج الجميع  فكلا من رافع وعمته جليلة والشيخ واصف وفاطمة معه في سيارته ،بينما بكر وقمر وعمر الصغير في سيارة زكريا الذي أستأجرها، وقبل أن ينطلق كان ينظر إليها عبر المرآه فلاحظت هي تحديقه بها، أشاحت وجهها تنظر إلي الخارج عبر النافذة.

أنطلقت السيارتان حتي وصل الجميع أمام متجر المصوغات، ترجل رافع من السيارة ليفتح الباب لها ومد إليها يده:

_ أنزلي يلا يا عروسة.

ترجلت وهي تدفعه في كتفه ثم ألتفت إليه تحذره بسبابتها في وجهه:

_ يكون في علمك چوازي منك علي ورج أكتر من إكده ماتحلمش.

 

إبتسم وقال بتريث وهدوء عكس صفاته:

_ الي رايداه هو الي هيكون يا بطتي.

 

أستشاطت غيظاً من هدوءه الإستفزازي فكانت ستوبخه لكن ما حدث جعلها شهقت بفزع بل جميعهم حيث أنتفض جسده أمامها بعدما أستقر به رصاصة أنطلقت للتو!.

#الفصل_الثلاثون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ تنزل علي الدرج مسرعة، فتوقفت عندما وجدته يصعد مقابلاً لها، تراجعت درجتين للخلف بعدما رأت تلك النيران المندلعة من ظُلمتيه المخيفتين، تجرعت لعابها بوجل مُرددة إسمه بتعجب زائف وفي محاولة بائت بالفشل وهي إخفاء ماتشعر به للتو:

_ سليم!.

 

وثب كالفهد مُنقضاً عليها حيث قبض علي ساعدها بل يعتصره بقوة ليسألها بنبرة جعلت هذا الشعور التي قد نسته منذ أيام والده يعود مجدداً، فصدق ذاك المثل الذي يقول من شبه أباه:

_ أين زينب أيتها العاهرة؟.

 

تظاهرت بالقوة مُتحملة ألم قبضته فقالت بترحاب زائف غير مكترثة لما نعتها به:

_ يالها من مفاجأة، لم أصدق عينياي، مرحباً بك يا إبن داغر العقبي في مركزي المتواضع.

 

ترك ساعدها ليجذب خصلاتها بعنف شديد مما جعلها أطلقت صرخة مدوية:

_ كُفي عن ثرثرتك وأجيبي عن سؤالي.

 

أجابت بإنكار من بين أسنانها وهي تتلوي وتتألم من خصلاتها التي كادت تقتلع من جذورها في قبضته،كما لاحظت زراعه المصاب بالرصاصة:

_لا أعلم.

 

وقبل أن يصب عليها جموح غضبه باغتته بضربة قوية في زراعه وركضت للأعلي، وبرغم شعوره بألم لم يحتمل بتاً ركض أيضاً خلفها مزمجراً كالوحش عندما يعلن حربه علي أعداءه، يتوعد لها بالويل وبالعذاب.

صاح في رجاله:

_ أجلبو لي تلك العاهرة.

 

وبالفعل قامو بملاحقتها بينما هي كانت تحاول بقدر الإمكان تأخيرهم ريثما تستطيع زينب الفرار إلي المطار و الطائرة التي سوف تكون علي متنها تقلع في السماء.

ولجت في إحدي الغرف و فتحت الخزانة المليئة بالمناشف والشراشف القطنية، إزاحتهم جانباً ليتثني لها الإختباء بداخلها، وما أن أغلقت بابي الخزانة أنفتح الباب بعنف و دلف يبحث عنها، تسمع لهاثه من فرط ألم جرحه الذي ما زال تنغمس به الرصاصة وجاءت ضربتها في مقتل.

 

أخذ قلبها يرتجف وجلاً،فالنظرة التي رأتها في عينيه منذ قليل تشبه تماماً نظرات والده عندما كان يمارس عليها طقوس ساديته.

قرع نعل حذائه يعلو شيئاً فشيئاً:

_ يبدو أن هناك من تتوق شوقاً لما كان يفعله بها أبي، مهلاً أنا لست مثله عزيزتي، هو كان يرأف بكِ،لكن أنا لم أرحم من يقف أمامي، هيا أخرجي بإرادتك بدلاً من أجعلك تخرجين زحفاً بعدما أكسر عظام ساقيك.

 

تراه من ثقب موضع المفتاح وهو يتجه إلي الباب فظنت إنه يغادر، تنفست الصعداء قائلة بداخل عقلها:

_ شكراً لك يا أله….

صرخة شقت حنجرتها حينما فتح باب الخزانة ليجذبها إحدي رجاله من زراعها ويلقي بها أسفل قدمي سليم الذي لم يمهلها لتقف فباغتها بالقبض علي نحرها دافعاً إياها علي السرير الخاص بعمل التدليك.

_ قلت لك لا أعلم، أرجوك أتركني.

صاحت بصوت مختنق و وجهها محتقن بالدماء وعندما رأي إنها علي وشك الموت تركها، أنتابها السعال وظلت تتنفس بصعوبة، كان ينظر لها بتشفي، وضعت يدها في جيب بنطالها لتخرج عبوة الرزاز الخاصة بمن يعانون حساسية الصدر المزمنة.

 

كادت تضعها بفمها وتضغط المكبس فأختطفها من يدها وألقي بها بعيداً، فهزت رأسها بتوسل متفوهة بصعوبة بالغة كالغريق علي حافة الموت:

_أرجوك،لا….

لم تستطع إكمال جملتها،فكان الشعور بالإختناق قد وصل لذروته، جثت علي عقبيها ودنا إليها فحدجها بإبتسامة قائلاً:

_إجابة سؤالي مقابل العبوة ساندرا.

 

جمعت كل ما أوتيت من قوة واهية وأجابت بصوت منقطع:

_ سا… فرت، سافرت بال… طائرة.

 

ذهب بخطي سريعة ومازال الألم يشتد به وبدأ يشعر بالإرهاق والقليل من الدوار، ألتقط العبوة وعاد ليقف أمامها وبكل جبروت لاينضح سوي من ظالم يخلو فؤاده من الرأفة أو الرحمة قال:

_ ها أنا أملك الذي يجعلك علي قيد الحياة أم أتركك تختنقين حتي الموت، إلي أين سافرت؟.

 

لا تريد إخباره لكن تري ما يتفوه به ليس هراءً بل تهديداً صريحاً، فما بيدها سوي أن تجيب علي سؤاله وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:

_ مصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ أمام غرفة العمليات ينتظر كل من الشيخ واصف ويتلو بعض السور من القرآن الكريم، وبجواره تقف جليلة تدعو لإبن أخيها، بينما بكر يقف جوار قمر في الجهة المقابلة، و زكريا يحتضن شقيقته فاطمة التي أنهارت في البكاء منذ أن أطلق أحدهم رصاصة صوب رافع فأستقرت في صدره.

تقدمت نحوها قمر لتربت عليها غير مكترثة لنظرات الآخر التي لاتحيد عن فيروزتيها:

_ بكفياك بكا عاد، دلوق هو محتاچ تدعيله ربنا يجومه بالسلامة.

 

تدخل بكر قائلاً:

_ سبحانه مغير الأحوال الي يشوفك دلوق مايشوفكيش وجت لما أمي حكمت عليكي تتچوزيه، ده أنا كنت خايف لتسوي في حالك حاچة!.

 

قال زكريا مبتسماً:

_ هم الحريم إكده يا أخوي، ماتخابرش هم رايدين أي، صنف مخبل.

 

رد بكر ويمسك بيد قمر ليشابك أنامله بأناملها تحت نظرات أخيه :

_ مش كلهم يا أخوي، والحمدلله ربنا رزجني بالزينة بنت الأصول قمر وهي كيف القمر.

 

حدجها بنظرة عاشقة أمام أخيه وشقيقته التي ما زالت تبكي، فأشاحت قمر وجهها بخجل شديد.

 

وبالعودة لدي الشيخ واصف وصوته العذب في تلاوة القرآن ، بدأت زوجته بالعويل جواره:

_ يا عيني عليك يا إبن أخوي، عين وصابتك أنت وبتي.

 

أنتهي من التلاوة ليجعلها تكف عن ما تتفوه به:

_ چري أي يا چليلة، عتولولي علي الراچل وهو لساته في العمليات بدل ما تدعيله!.

 

زجرته بنظرة كاللهيب المندلعة ألسنته:

_ خليك في حالك وهملني لحالي، أنت هتلاجيك من چواك ماصدجت حوصل إكده لأچل الچوازة ماتمش.

 

نظر بتعجب وأخذ يحوقل:

_ لا حول ولاقوة إلا بالله ، أني ما هردش علي حديتك الماسخ، ويعلم ربنا عمري ماتمنيت الأذية أو الشر لحد واصل.

 

وبنهاية الرواق جاءو يهرولون للإطمئنان علي ولدهم، كانت رسمية تبكي:

_ ولدي چراله أي، كيف أنطخ ومين الي طخه؟.

 

عقب زوجها خميس متسائلاً:

_ جبصتو علي الي سوي فيه إكده ولا لسه؟.

 

ربت علي كتفه واصف بمؤازرة ومواساة:

_ أطمن يا أبو رافع، ولدك هيكون بخير إن شاء الله.

 

لحقت بخالتها و حماها للتو وعينيها تذرف عبراتها، فبرغم ما أقترفه في حقها وظلمه إليها لا تتحمل أي أذي أو شر يصيبه، فعشقها هو المسيطر مهما يحدث.

_ وهيكون بخير كيف والقصيدة أولها كفر.

 

تفوهت بها وهي تحدق بفاطمة بكل ضغينة وكراهية، فسألتها جليلة وعينيها تنضح بالشر:

_ تجصدي أي يا بت سعاد؟.

 

ردت نوارة بقوة تتظاهر بها عكس ما بداخلها من ضعف و وهن كبناء متصدع وآيل للسقوط:

_ أجصد إن النسوان دي أقدام، واحده تبجي دخلتها علي چوزها تعليه ويبجي زين الرچال كيفي إكده، و واحدة تانية دخلتها كيف غراب البين توديه للقبر.

قالتها ورمقت فاطمة بنظرة قاتلة، أبتعدت الأخري عن شقيقها لتحدق إليها بغضب:

_ ما تكتمي يا حرباية، ساكته لك من وجت ماچيتي لكن عتغلطي فيا ده الي ماأسكتش عليه واصل.

 

أندفعت نوارة وكادت تعتدي عليها بالضرب فمنعها زوج خالتها ممسكاً إياها:

_ أني حرباية يا كهينة يا خطافة الرچالة.

 

صاحت فاطمة وتشيح لها بيديها:

_ أني ماخطفتش حد يا حبيبتي، چوزك هو الي كان داير ورايا في كل مُطرح لحد ما چاتله الفرصة ومسك فيا بيده وسنانه.

 

صرخت فيهما رسمية لتوقف تلك المشادة الحادة:

_ أكتمي منك ليها، ولدي بين إيدين ربنا وأنتو عاملين تتخانقو ويا بعض!.

 

ردت جليلة دفاعاً عن إبنتها:

_ يعني عاچبك حديت بت خايتك يا أم رافع؟.

 

كادت نوارة تجيب فقاطعتها خالتها موجهة حديثها لجليلة:

_ أني كل همي أطمن علي ولدي.

 

خرج الطبيب وتبعته المساعدة خاصته، ركض الجميع إليه، فأسرعت فاطمة لسؤاله:

_ طمني يا دكتور كيفه دلوق؟.

 

دفعته نوارة من أمامها:

_ چوزي كيفه يا دكتور؟.

 

رفع يديه كإشارة لهم أن يصمتو وقال:

_ أولاً وجودكم هنا ممنوع، أتفضلو أستنو تحت ولما ننقله لغرفة عادية بعد ما يفوق هانبعتلكم.

 

أشار له خميس قائلاً:

_ معلش يا دكتور، أني والده ورايد أطمن عليه.

 

أجاب الطبيب:

_ أطمن يا حاج، إبنك الحمدلله بخير، الرصاصة كانت بعيدة عن المراكز الحيوية زي القلب والرئة والظاهر إنه ماشاء الله عضمه قوي جداً لدرجة إن الطلقة رشقت في ضلع من ضلوعه الشمال والحمدلله قدرنا نخرجها بكل سهولة.

 

سألته رسمية باللهفة:

_ يعني هو إكده قام بالسلامة.

 

أومأ لها بالإيجاب:

_ إحنا هننقله علي غرفة العناية لحد ما يفوق وبعد كده هننقله علي غرفة عادية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ علي متن طائرته الخاصة يتمدد علي الكرسي ذو المسند المتمدد كالمضجع، يقطب له الطبيب جرحه بعدما أخرج الرصاصة التي أستقرت بين نسيج عضلات عضده فلم تكن بالإصابة الخطيرة، لكن بدأت الأعراض المصحوبة تتوغل جسده كإرتفاع درجة الحرارة الذي أدخله في مرحلة الهذيان وتضارب أفكاره مع ذكرياته القديمة …

 

_ أستيقظ هذا الصغير من غفوته علي صراخ والدته في الغرفة المجاورة لغرفته، نهض من فراشه وذهب للإطمئنان عليها منادياً بصوته الخافت:

_ مامي، مامي.

 

حتي توقف أمام باب الغرفة الذي كان مفتوحاً قليلاً ورأي والده يجذب والدته من خصلاتها وهي تصرخ بألم:

_ حرام عليك بقي كفاية، أنا أستحملتك كتير قولتلك روح أتعالج.

 

قبض علي زراعها ويهزها بعنف ليهدر بها:

_ حرمت عليكي عشتك، أنتي بتاعتي وأعمل الي أنا عايزه فيكي، وبعدين أتعالج أي يا…… شايفاني مجنون ولا أيه!.

 

حاولت التملص من قبضتيه بدفعه عنها بكل قوتها وصاحت به:

_ أيوه مجنون وستين مجنون كمان، تقدر تقولي أي متعتك لما تربطني وتضربني بالكرباج زي الحيوانات!، أي الي بيخليك في قمة سعاتك وأنت بتقعد تشتمني بألفاظ قذرة وتذل فيا وتحرق دمي!.

 

دفعها في كتفها لتتراجع إلي الوراء:

_ أنا بعمل كده لما بأدبك عشان بتعصي أوامري وبتتعمدي تعملي الحاجات الي ناهيتك عنها .

 

_ أوامر أي يا أبو أوامر، حابسني في الفيلا ومش عايز حد يشوفني ولا أشوف حد، حتي أهلي لا أروح لهم ويوم ما كانو جايين يشوفوني روحت أنت كلمت بابا وأحرجته وكدبت عليه قولتله إن إحنا مسافرين!، خايف لأشوفهم وأفضحك قدامهم وأحكي لهم عن عمايلك و جنانك!.

 

كلماتها كانت بمثابة الزيت المنكب علي النار فجعلها أندلعت فتأكل كل مايقابلها، أنقض عليها وقبض علي عنقها بقبضة من حديد:

_ تحكي لمين يا بنت ال….. يا…….، أحمدي ربنا إني أتنازلت وأتجوزت واحدة أبوها حتة ساعي في شركة أبويا.

 

أمسكت كلتا يديها برسغ قبضته لتقول:

_ أتجوزتني عشان عارف أن أهلي غلابة ومش قدك ولا قد نفوذك فتقدر تمرمط فيا وتطلع عليا كل عقدك وأمراضك النفسية، وأنا عمالة اضغط علي نفسي وأستحمل عشان أبني وأنت عمال تتمادي، بتعاملني زي بنات الليل الي بتروح تخوني معاهم وتمارس جنانك عليهم، لكن أنا خلاص فاض بيا وما بقتش قادرة، طلقني.

 

ترك عنقها وتراجع للوراء وأخذ يضحك، تعالت ضحكاته بوتيرة مرعبة، توقف عن الضحك وتبدلت ملامحه القاسية إلي أخري يكسوها ظُلمة حالكة، نهضت لكي تهرب من أمامه لكن كيف لفريسة ضعيفة الفرار من مرمي صيادها!.

وفي غضون ثواني كانت بين يديه يحملها متجهاً إلي المرحاض ولم يأبه لتوسلاتها وصرخاتها، لايشعر بوجود صغيرهما الذي تسلل إلي الداخل ويخشي رؤية والده له فيكيل له العذاب مثلما يفعل به كل مرة.

 

ألقي بها داخل حوض الإستحمام وفتح الصنبور وخلع حزام بنطاله ليقيد يديها خلف ظهرها، وهي ما زالت تصرخ:

_ سيبني يا داغر ، طلقني، أنا بكرهك، بكرهك.

 

أرغمها علي النهوض وأخرجها من الحوض، هيهات ليمسكها مجدداً ريثما امتلأ الحوض بالماء ليغمر رأسها في الماء ثم أخرجها لتتنفس:

_ قولتي عايزة أي يا…….

 

نظرت له جانباً وبكل كراهية تحملها له صاحت:

_ عايزة أطلق منك، مش طيقاك.

 

عاد مجدداً لغمر وجهها في الماء وأخذ يضغط ويستمع لأنينها المكتوم وكأنه يستمع لنغمات تروق لها أذنيه.

يري الصغير هذا لايريد أن يظل مكتوف الأيدي وخائفاً، فعليه إنقاذ والدته حتي لو كان علي سبيل حياته.

 

جذب تمثال كان موضوعاً علي منضدة ورفعه ليباغت والده بضربة فوق رأسه، وما أن رفع التمثال لأعلي وجد والده يلتفت إليه والشر يتطاير من عينيه، أمسك بساعده الرفيع وعينيه جاحظتين ولم ينتبه ليده الأخري الضاغطة علي رأس زوجته في المغطس :

_ أنت كنت عايز تموتني يا إبن ال…..

 

أجهش الصغير بالبكاء وبرجاء وتوسل لوالده:

_ خلاص يابابي، حرمت مش هاعمل كده تاني.

 

وحين أنتبه داغر لسكون زوجته، أبعد يده علي الفور ورفع رأسها ليحملها خارجا

وأخذ يربت علي وجنتيها ويضغط علي صدرها لتفرغ الماء الذي أبتلعته وكل مايفعله بدون فائدة ، فكان خلفه إبنه ما زال يبكي فهدر به بصوت قد جعله كالأبكم:

_ بطل عياط لأخليك تحصلها.

 

عاد ببصره لينظر إلي وجهها الشاحب:

_ قومي يا سوزان، بطلي تمثيل بقي خلاص أنا سامحتك علي أي كلمة قولتيها، قومي وهعملك الي أنتي عايزاه هخليكي تشوفي أهلك أو أخليهم يجو هم هنا، قومي بقي.

ظل يهذي ويبكي بنحيب هكذا حتي أدرك أخيراً إنها فارقت الحياه، حين سأله الصغير ببراءة أصابته بصدمة لما أقترفه:

_ بابي هي مامي ماتت؟.

 

ردد وهو ينهض ويقترب من إبنه وعينيه لاتبرح جثة زوجته:

_ ماتت، ماتت.

 

عصفت به آلاف الكلمات في ذهنه، أولها جملة أنت قاتل زوجتك، بينما جانبه المظلم رفض ذلك الإتهام المطبق عليه ليلقي به علي عتق صغيره، مُعللاً إنه لولا محاولة إبنه لقتله وإنتباهه له لكانت الآن حية، ألتفت إليه ودنا منه بوضع القرفصاء:

_ ماتخافش يا سليم، مش هقول لحد إنك قتلت مامي.

 

وعانقه ويمسد علي ظهره، رد قائلاً:

_ بس أنا معملتش حاجة يابابي، أنت الي حطيت راسها في البانيو لحد ما ماتت.

 

أبعده عن حضنه وأرتسم علي شفاه إبتسامة لم ينساها الصغير سليم طوال حياته، يسول له شيطانه فكرة نابعة من براثن الجحيم ليرهب بها صغيره حتي لايتفوه بما رآه.

وقف وأعتدل ومد يده إليه والإبتسامة الإبليسية علي محياه:

_ هات إيدك.

 

تردد سليم والخوف يسيطر عليه، يخشي أن يلقي نفس مصير والدته كما هدده والده، صاح داغر به:

_ قولت هات إيدك.

 

أنتفض عندما جذب يده الصغيره وجذبه لخارج الغرفة و حمله ثم صعد به الدرج المؤدي إلي السطح.

_ بابي، إحنا علي السطح ليه؟.

تفوه بتردد و توجس وخوف، يكبت دمعاته حتي لايثير غضب والده الذي توقف للتو لدي حافة السور وبدون سابق إنذار أفلته من زراعيه قابضاً علي رسغيه وجسده بالكامل متدلي في الهواء، أخذ يصرخ ويبكي فقال له داغر:

_ أنا ممكن أسيبك تقع دلوقت وممكن برضو أرجع في كلامي إلا إذا سمعت الكلام، فاهم يا سليم؟.

 

يرمقه بتوسل وببكاء تهتز له القلوب من الهول والفزع:

_ فاهم، فاهم يا بابي، هاسمع الكلام.

 

أفلت يد واحدة حتي أصبح يمسك بزراع واحد فقط فتعالت صرخات طفله مُردداً:

_ هاسمع الكلام، هاسمع الكلام.

 

رفعه داغر رويداً رويداً و أنزله علي الأرض فرمقه من مستوي طوله الفارع ليشعر صغيره بمدي ضاءلته أمامه فيزداد إرهابه أكثر.

_ و دلوقتي يا سليم يا حبيبي، مامي حصلها أي؟.

 

أجاب بعفوية مطلقة:

_ ماتت.

 

_ ماتت إزاي؟.

 

سؤال أبيه دب الرعب في أوصاله، فبرغم صغر سنه الذي لم يتجاوز السبع سنوات لكنه يمتلك ذكاء وفطنة قام داغر بإستغلالها أسوء إستغلال، وقتله لزوجته كانت البداية.

 

أزدرد ريقه الذي علي وشك الجفاف من هول ما حدث معه:

_ عايزني أقول أيه؟.

 

تعجب من صغيره الذي أجاب علي سؤاله بسؤال يدل علي نجاحه في السيطرة عليه وجعله طوع له وبين يديه.

مسد رأسه بحنان زائف:

_ مامي كانت بتاخد شاور وأغمي عليها و وقعت في البانيو، صح يا سليم؟.

 

هز رأسه بالموافقة علي حديث والده:

_ صح يا بابي.

 

_ بدأ يفيق من هذيانه الذي دام طوال رحلة الطائرة إلي أرض الفردوس، فنهض وأتجه إلي المرحاض المخصص للإستحمام، وعند دلوفه إلي الداخل أوصد الباب وخلع ملابسه ونزل أسفل الماء بعد أن فتح الصنبور متفادياً لمسها لزراعه المصابة.

 

وبعد دقائق يقف في الغرفة الصغيرة التي تحتوي علي سرير وطاولة للزينة وكرسين و ثلاجة صغيرة للمشروبات.

وقف أمام المرآه ليمشط خصلاته السوداء، ويحرك زراعه المصابة بحذر ليرتدي سترة حُلته، غادر للخرج وأنتبه لسماع قائد الطائرة ينبه بالإلتزام في المقعد وإرتداء الحزام إستعداداً للهبوط إلي المطار.

 

_ وبعد دقائق من الهبوط وإصطفاف الطائرة في المكان المخصص للطائرات الخاصة، أنفتح الباب بآلية وخرج الدرج، ينزل تلك الدرجات مستنشقاً هواء بلاده، وكان في إستقباله قائد الحرس خاصته:

_ حمدلله علي سلامتك يا سليم بيه، نورت مصر.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ فتح باب الشقة ودلف خطوة للداخل ثم مد يده إليها قائلاً:

_ حمدلله علي السلامة يا حبيبتي، نورتي شقتك يا عروستي.

 

أمسكت بيده و ولجت إلي الداخل تنظر بإنبهار لأثاث وديكور المنزل الذي قام بتغيره كلياً، فسألها:

_ أي رأيك؟، عاجبك الديكور الجديد للشقة؟.

 

ألتفتت له وبإبتسامة تغمر ثغرها:

_ ماشاء الله حلوة جوي جوي، لحجت تغير كل دي ميتي؟.

 

إبتسم بزهو وفخر ليجيب عليها:

_عيب عليكي، جوزك بس يشاور وكل الي عايزه بيتم بسرعة وكل ده وإحنا لما كنا في البلد ولما روحنا أسوان.

 

وبعد أن أدركت الثراء التي تميزت به كل قطعة ديكورية وكل قطع الأثاث، ألتفتت إليه وقالت:

_ و ليه كل المصاريف دي، ما كان العفش الأولاني حلو برضك.

 

أمسك بيديها و جلس علي أقرب كرسي وجعلها تجلس فوق فخذيه:

_ هو كان حلو فعلاً، بس حبيبتي عشان أحلي فلازم أفرشلها الشقة بالي يليق بيها.

 

نظرت للجهة الأخري بخجل من إطراءه لها، همست بخفوت:

_ الله يخليك يا حبيبي.

 

أمسك بوجهها ليجعلها تنظر إليه وبحنق تحدث:

_ الله يخليك يا حبيبي!، هو ده ردك!.

 

تلاشت إبتسامتها وتعجبت لردة فعله فسألته:

_ مالك متضايج ليه إكده؟، رايد مني أرد كيف؟.

 

أنزلها ليقف وحملها:

_ أنا هاعرفك الرد يبقي إزاي دلوقت.

 

وأتجه نحو غرفتهما وهي تصيح بضحكات رنانة: _ واه بجي، إحنا لساتنا راچعين من سفر هملني أرتاح هبابة.

 

ألتهم شفاها في قبلة نهمة لينزلها علي السرير:

_ ما هو أنا لو ماخدتش رد حلو منك دلوقت هخلي ليلتك هبابة!.

يقولها مضيقاً زرقاويتيه، يرمقها بمكر ولم يمهلها للتحدث، يقوم بتقبيلها مجدداً ويهبط بها علي الفراش ويديه تتخلص من وشاحها، ويخلل أنامله في خصلاتها ويضغط علي مؤخرة رأسها ليعمق من قبلته وكأنه يحلق بها في سماء العشق الوردية، مد يده الأخري لتلابيب ثوبها لفك أزراره، يحررها من كل هو عائق أمامه ويغمرها في ملحمة أضرمت نيران الحب في جسديهما، ليست مجرد أحضان وقبلات حميمية وأشياء أخري بل تبادل قلبين وروحين و وله وتيم يبلغ قوته وعنفوانه.

 

وبعد مرور وقت، أنتهي لتوه من الإغتسال وأرتدي مأزره القطني، خرج من المرحاض فلم يجدها في الفراش فقام بمناداتها:

_ سمية؟.

 

أتاه صوتها من الخارج:

_ أنا في المطبخ يا صلوحتي.

 

عقد مابين حاجبيه وقال بتعجب:

_ في المطبخ!، أنا كنت سايبها نايمة.

 

وقبل أن يذهب إليها صدح هاتفه برنين رسائل متتالية من تطبيق الدردشة الشهير، فأمسك به ليري محتواها، وجد أول رسالة كانت صوتية من سكرتيرة مكتب المحاماه خاصته، ضغط لسماعها:

( حمدلله علي سلامتك مستر صلاح، وألف ألف مبروك يا بيبي، مش كنت تقولي وتعزمني ولا خايف أقول للعروسة علي العلاقة اللطيفة الي مابينا، عموماً بكلمك عشان أقولك إن قضية كامل الدمنهوري بكرة الحكم فيها ولازم تكون موجود).

جز علي أسنانه بحنق متمتماً:

_ وأنا كنت ناقصك أنتي التانية، حسابك معايا لما أشوفك.

 

وبداخل المطبخ ذو الطراز الغربي، تقف خلف الطاولة الرخامية تعد بعض شطائر اللحم علي المقلاة تستنشق رائحتها بإستمتاع:

_ الله عليكي يا بت ياسمية، من يومك وعتسوي الحواوشي زين جوي.

 

فجائها صوته من خلفها:

_ طب ما تدوقني حته من إيديكي.

 

أنتفضت بذعر إليه:

_ بسم الله الرحمن الرحيم، حرام عليك يا صلاح خلعت جلبي الله يسامحك.

 

ترك هاتفه أعلي الطاولة، فأقترب منها ليجذبها إلي صدره:

_ سلامة قلبك من الخضة يا روح وعقل ونور عيون صلاح.

 

أستدارت بين يديه تلتقط بالماسك السيلكون وتقوم بتقليب الخبز:

_ واه بجي، شايف كنت هاحرج الرغيف كيف.

 

أحتضنها من ظهرها يستنشق رائحة الطعام وأنحني علي عنقها بهمس:

_ الله حواوشي، علي فكرة بحبه جداً، ممكن أحلي قبله؟.

لثم عنقها بقبلات متفرقة فأنزل حمالة ثوبها القطني، تلوت بين يديه تمسك بالمقلاة وباليد الأخري الماسك قائلة بمزاح:

_ بكفياك تحلية، أني واجعة من الچوع ولو ما أكلتش دلوق هتلاجيني أتحولت لزومبي وأكلك أنت.

 

جذبها إليه مجدداً وقال:

_ ما تيجي في أوضتنا وكوليني براحتك.

 

رن جرس المنزل، ضحكت فقالت:

_ طيب روح شوف مين الي عيرن الچرس، هاكون حضرت السفرة.

 

ذهب ليري من الزائر، وهي أعدت الأطباق وفي طريقها للذهاب إلي طاولة الطعام وجدت هاتفه يضيئ برسالة عبرة تطبيق آخر، كادت لا تكترث لكن إسم المرسل لفت إنتبهها، وكان المحتوي مرسل باللغة لم تستطع ترجمتها بينما الأسم سهل عليها قراءته جيداً، لاتعلم لما خفق قلبها والقلق يداهمه.

ذهبت لرص الأطباق فوجدته يمسك بالعديد من الأوراق، فسألته:

_ مين الي كان بيرن؟.

 

وضع الأوراق فوق منضدة موضوعة في زواية وأعلاها مزهرية:

_ ده السكيورتي بيديني الفواتير، ثواني هاروح أغسل إيدي وجاي.

 

بينما هي جلست تنتظره والوجوم يكسو ملامحها تتردد في سؤاله، ولربما صاحبة الرسالة تكن عميلة لديه، فهو محامي مرموق ذو صيت مشهور في وسط رجال الأعمال والإقتصاد.

 

جاء وجذب كرسيها تحت تعجبها:

_ متقعديش هنا.

 

جلس هو علي كرسيها،فقالت بدهشة:

_ يعني أنت تجومني لأچل تجعد مطرحي، ما الكراسي كتيره أهه.

 

أمسك يدها وأجلسها علي فخذيه:

_ أنتي مكانك هنا علي طول.

 

وأمسك بالشوكة والسكين وكاد يقطع الشطيرة، تناولت منها الأدوات و وضعتهما جانباً:

_ ده ما يتاكلش بالشوكة والسكين.

تناولت شطيرة وأردفت:

_ عيتاكل إكده.

 

و ضعتها بفمه فقطم قطعة وأخذ يلوكها حتي أبتلعها بمتعة عارمة:

_ تسلم أيدك بجد تحفة أوي.

 

رمقته بنظرة أربكته قليلاً:

_ بالهنا والشفا يا حبيبي.

 

وقبل أن يقضم قطعة أخري سألها:

_ مالك مبتاكليش ليه؟.

 

نهضت وعقدت ساعديها لتخبره بتساؤل:

_هاكل وجبل ما أكل، رايده أعرف حاچة إكده.

 

إبتسم ليخفي توتره يخشي أن تكون قد سمعت الرسالة الصوتية التي أرسلتها السكرتيرة:

_حاجة أي يا حبيبتي الي عايزة تعرفيها؟.

 

رفعت إحدي حاجبيها فسألته:

_ مين صوفيا دي؟.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ إحنا كده مضطرين نعمل محضر، عشان دي كانت محاولة قتل.

قالها الطبيب المعالج لحالة رافع بعدما خرج من غرفة الإفاقة للتو ، فأجاب والده:

_ طبعاً لازم تعمل محضر وتشوف مين الي سوي فيه إكده.

 

أقتربت نوارة نحوه لتسأله بقلق بالغ:

_ هو كيفه دلوق يا دكتور؟.

 

وقفت فاطمة خلفها تنتظر سماع إجابة الطبيب:

_ هو الحمدلله بدأ يفوق وعمال ينادي علي المدام.

 

أندفعت نوارة لتهم بالدخول:

_ أيوه أني مارته، ممكن أشوفه؟.

 

أجاب مشيراً إليها:

_ طبعا، ً بس مش أكتر من عشر دقايق.

 

ولجت تحت نظرات فاطمة التي تود رؤيته لتطمأن عليه، فما حدث له كان بمثابة العاصفة التي هبت في فؤادها تدور في دوامة حبها إليه وجعلته يحيا من جديد.

 

وطأت قدميها الغرفة تنظر إليه بقلب منفطر علي حاله، ذرفت عينيها عبراتها علي معذب قلبها الذي يتمدد علي السرير ومتصله به الأجهزة الطبية، جذعه عارياً ويلف صدره ضماد طبي حيث موضع الجرح .

وصل إلي سمعها ترديده بكلمات غير مفهومة فأقتربت منه وجلست علي الحافة جواره، أمسكت بيده التي كان دائماً يهبط بها عليها بالضرب بدلاً من أن يحنو عليها بها ويربت بحب و ود، و رغماً من كل هذا ما زالت تعشقه، فكيف للعاشق يقبل بإهانة معشوقه والدعس علي كرامته وكبريائه، هل العشق أصبح إذلال!.

 

أمسكت بكفه بين يديها وهي تبكي:

_ ألف سلامة عليك يا جلبي، ياريتني كنت مطرحك لعل كان وجتها عرفت غلاوتي چواك، أني بحبك جوي جوي يا واد خالتي وچوزي وحبيبي وكل حاچة.

 

مالت بشفاها علي يده وقبلتها ثم وضعت كفه تتلمسه بوجنتها وقبلة راحته حتي توقفت فجاءة عند سمعها صوته يناديها:

_ فاطمة، ما تهملنيش يا حبة جلبي، أني بعشجك يا فاطمة، ردي علي يا حبيبتي.

 

تركت يده و وقفت ترمقه بصدمة ودمعها مازال ينهمر، والأشد غزارة كان عبرات قلبها الذي يدمي قهراً، ولت ظهرها إليه،ففتح سوداويتيه ليري طيفها وهي تغادر ثم أغمض عينيه مرة أخري.

خرجت وعينيها تتلاقي بخاصتي غريمتها،فباغتها الطبيب قائلاً:

_ لو سمحت يا مدام فاطمة ماتنسيش متعلقات وهدوم جوز حضرتك في الإستقبال.

 

ألتفتت إليه وقالت بملامح متجهمة:

_ أني مش فاطمة.

ثم أستدارت لتشير للأخري:

_ أتفضلي أدخليله، عينادم عليكي.

 

قالتها وتركت الجميع وهم ينظرون إليها فبعض النظرات كانت شفقة وأخري متعجبة.

 

تحمحم بكر وقال:

_ عن أذنكم يا چماعة أني هاخد قمر رايحين مشوار وهنعاود مرة تانية.

 

أومأ له واصف قائلاً:

_ أتفضل يا ولدي، الحمدلله ولد خالك بجي بخير.

 

غادر بكر وبرفقته قمر تحت نظرات زكريا الجليه لمن حوله حتي فاطمة لاحظت ذلك، أنتبهت لوالدتها تقول لها:

_ أدخلي أطمني علي خطيبك يا فاطمة.

 

وجدت زوجة خالها ترمقها بإمتعاض، فلا تبالي ودلفت، و مجرد أن دخلت وجدته ينظر إليها بإبتسامة حالمة:

_ فاطمة!.

 

وقفت بالقرب منه تبتلع لعابها، تخشي أن تظهر له ضعفها فيستغل حبها إليه مرة أخري، تفوهت بصوت خافت:

_ حمدلله علي سلامتك.

 

أجاب والألم يداهمه عندما أراد أن يعتدل:

_ الله يسلمك.

 

عم الصمت بينهما فقاطعه:

_ واجفة ليه عندك، خايفة مني إياك!،أديكي شايفة مفياش حيل حتي أرفع يدي.

 

خطت القرب منه وقالت:

_ الحمدلله إنك بجيت بخير والإصابة مكنتش خطيرة عاد.

 

_ خابره أني علي قد الي حصل مبسوط جوي.

 

رمقته مذبهلة من كلماته:

_ واه، مبسوط إنك أطخيت!.

 

رفع يده بصعوبة وأشار إليها:

_ تعالي، قربي أهنه.

 

أقتربت بتردد وخوف من نظراته التي تخترق روحها، أردف:

_ كنت مبسوط لأچل لما أطخيت آخر حاچة كنت فاكرها وجعت في حضنك، وآخر حاچة شوفتها كانت عينيكي.

 

غرت فاها وأتسعت عينيها، قلبها كاد يخترق ضلوعها ليقفز ويستقر بجوار فؤاد عاشقه.

مد يده ليلامس خاصتها وتفوه من بين شفاه:

_ ساكته ليه يا بطتي.

 

تلك النظرة وتلك النبرة التي غابت عنها منذ سنين منصرمة، لم تنساها، وكم مرت علي سمعها مثل الآن.

ولت ظهرها وما زالت يدها بيده:

_ أنا دخلت لك لأچل أجولك حمدلله علي السلامة والحمدلله شايفاك بخير، عن أذنك.

 

أوقفها برجاء وتوسل عاشق يريد عطف معشوقته ولو بنظرة:

_ فاطمة، ماتهملنيش، خليكي وياي.

 

ردت بنبرة أنبلج من خلالها ضعفها نحوه:

_ رايد مني أي يا رافع؟.

 

أجاب بعشق يآسر فؤاده في سجن مملكتها:

_ رايد جلبك يحن عليا وترچعي وياي كيف زمان، رايد أشوف ديماً النظرة الي لاجتها في عيونك وجت ما الرصاصة صابتني، أتمنيت إن الزمن يوجف في اللحظة دي لأچل ما أنحرمش منيها واصل.

 

بدأت حصونها المشيدة في التصدع وتتخلخل شيئاً فشيئاً:

_ كل ده في يدك أنت ترچعو ويمكن أحسن من زمان.

 

تهللت أساريره وخفق قلبه ليسألها باللهفة:

_ في يدي كيف؟.

 

_ تهمل كل حاچة حرام، تچارتك في السلاح والمخدرات وتبدأ من أول وچديد و چريك ورا الحريم، كل ده لو هملته أوعدك وجتها تلاجيني ملكك وبين يدك، حتي چوازنا مش هايبجي علي ورج.

 

صمت ولم يجب علي طلباتها التي بدت إليه صعبة، فتلك خصاله ويصعب التخلي عنها، الطمع والجشع يتدفقا في مجري دمائه، فهل للعشق سلطان عليه ليغيره!.

 

تأهبت لتردف كلماتها:

_ واضح إنه هيبجي صعب عليك تنفذ كل الي طلبته منك، علي راحتك والمشوار الي كنا رايحينه لأچل نشترو الدهب ده تنساه عاد وياريت تنسي مسألة چوازنا لأنه مستحيل يحصل طالما أنت رايد ماتتغيرش لأچل حالك ولأچل خاطري، سلام.

 

كان علي وشك منادتها ليجد الطبيب يدخل وبرفقته رجلين، فقال الطبيب:

_ حمدالله على السلامة يا رافع بيه.

 

_ الله يسلمك يا دكتور.

 

أشار له نحو الرجلين قائلاً:

_ رحيم باشا رئيس المباحث بذات نفسه جاي لحضرتك عشان ياخد أقوالك ويوصل للمجرم الي عمل فيك كده.

 

جذب رحيم الكرسي وجلس بجواره:

_ أولاً كده حمدلله على السلامة، وثانياً أنا جاي لك مش عشان أعرف مين الي عمل فيك كده، إحنا خلاص رصدناه عن طريق الكاميرات المحطوطه بره المحلات، وتقريباً قربنا نوصله بس حبيت أفرجك علي مقطع فيه ملامحه باينه أوي.

 

أعطي الضابط هاتفه وضغط علي المقطع ويضغط مرة أخري لتثبيته علي صورة المتهم :

_ شوفته قبل كده أو تعرفه؟.

 

أمعن التحقيق في ملامح هذا الرجل، ثم هز رأسه بالرفض، صدح رنين هاتف الضابط فأجاب علي الفور:

_ أيوه، عرفتو هو مين؟

……….

_ تمام، حضرو قوة عقبال ما أجليكم دلوقت، سلام.

 

نهض رحيم ويُعد سلاحه ويضعه خلف ظهره:

_ شوفت بقي لسه ماقعدتش معاك وقدرنا نعرف إسم المجرم وبيناته، ولما تقدر تشد حيلك تيجي تشرفنا القسم نستكمل المحضر.

 

قال رافع:

_ ومين الي سوي فيا إكده؟.

 

أجاب رحيم:

_ إحنا مشتابهين في واحد إسمه مجاهد أنور مجاهد!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ يطوي الثياب بداخل العلبة الخاصة بها ثم وضعها في الكيس المطبوع عليه إسم المتجر وعنوانه، يعطيه للسيدة التي أخرجت له النقود فقال لها:

_ الحساب أدفعيه حضرتك لأستاذ قاسم هناك.

 

ذهبت السيدة إلي فارس الذي كان مسئولاً عن الحسابات وأعطه ثمن ما أبتاعته وذهبت.

 

وضع المال في الدرج فدلف إليه جنيدي ليزعره بصياح:

_ ألحج يا فارس.

وجد حمودة ينظر له بتعجب فتراجع قائلاً:

_ ألحج يا قاسم.

 

نهض من خلف المكتب بقلق،فأمسكه من ساعده متجهاً للخارج:

_ تعالي نتحدتو بره.

وقف كليهما بالقرب من المتجر، فسأله فارس:

_خلعتني يا أخي، حوصل أي؟.

 

أجاب الآخر:

_ روحت نواحي القسم الأول كيف ما جولت لي لأچل أتابع موضوع الآنسة شهد بعد ما الحاچ نعمان سوي محضر في إسمه ممدوح، تصور الكلب ده عمل أي؟.

 

تابع فارس رداً علي حديثه:

_ أنكر طبعاً.

 

_ ياريت أنكر وبس، راح چاب واحد من العيال الصايعة الي شغالين حداه، وخلاه أعترف إنه الي سوي إكده والبت سماح هي الي طلبت منه يفبرك الفيديوهات.

 

أكفهر وجهه مما يسمعه، يتكرر نفس السناريو الذي حدث له وإتهامه بهتاناً و ظلماً، سأله مرة أخري:

_ و سماح ما راحتش ويا الحاچ نعمان لأچل تشهد؟.

 

هز رأسه نافياً وقال:

_ ما لقيوهاش في البيت ولا هي ولا أمها، ده غير الواد الي عيجول أنه سوي الفيديوهات جال إنه مايعرفش الي إسمها سماح ولا عمره شافها واصل وإنه الصور چابها عن طريق الي عيجولو عليه هاكر.

 

أطلق فارس زفرة من أعماقه الثائرة غضباً، وتلفظ بسبة علي هؤلاء الحثالة الأوغاد، أخذ يلتقط أنفاسه حتي تريث وتذكر أمر الحاج نعمان:

_ والحاچ نعمان ماتعرفش سوي أي؟.

 

توترت ملامح جنيدي أثر الصمت لثوان ريثما أجاب:

_ ماعرفش أجولك أي، المصايب كلها عتتچمع في يوم واحد.

 

صاح الآخر بحنق:

_ جصر وجول ياچنيدي، أني ماناجصش مناهده عاد.

 

رد علي مضض قائلاً:

_ الراچل لما حوصل الي حكيت لك عليه ما أستحملش وجع من طوله وخدوه علي المستشفي الدولية الي علي الكورنيش، لساتني راچع من هناك.

 

صاح بصدمة جلية علي ملامحه:

_ عتتحدت چد؟.

 

_ و دي حاچة فيها هزار يا صاحبي، كل الي حكيته لك خابرته من عسكري بلديات واحد صاحبي أهنه،وبعدها أتدليت نواحي المستشفي، بس خد بالك ما عيدخلوش حد واصل غير جرايب المريض وكمان ماحداكش بطاجة.

 

دفعه فارس من أمامه:

_ أوعي من وشي، أني هاتصرف.

 

عاد إلي المتجر لجلب متعلقاته وأخبر حمودة بإغلاق المتجر الآن، لحق به جنيدي ينادي عليه، لكنه لم يبالي وتركه ثم أستقل سيارة أجرة إلي المشفي وفي طريقه هاتف عم عربي لكي يساعده في الدخول للمشفي، وبالفعل قام بمساعدته للولوج إلي داخل المشفي عبر إحد معارفه يعمل بالداخل.

 

وفي ردهة الإستقبال، أوقف عم عربي إحدي الممرضات ليسألها:

_ عن أذنك لو سمحت إحنا جايين نطمن علي الحاج نعمان الي لسه جاي لكم من شوية.

 

سألتهما بإستفسار عن هويتهم بجدية :

_ حضراتكم تبقو مين؟.

 

أجاب مشيراً علي نفسه قائلاً:

_ أنا أبقي صديقه.

ثم أشار نحو فارس الذي قاطعه:

_ الحاچ نعمان يبجي حمايا.

 

أجابت بحزن بالغ:

_ للأسف الحاج نعمان أُصيب بجلطة دخلته في غيبوبة، وحجزناه في غرفة العناية المركزة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ علي چمب هنا ياسطا لو سمحت.

قالها بكر فتوقف السائق أمام بوابة دخول المعبد الذي يقع علي مشارف النجع، وقبل أن يترجل أوقفته قمر هامسة إليه:

_ أنت خليته يوجف أهنه ليه؟.

 

أمسك بيدها وضغط قليلاً وقال:

_ أنزلي دلوق وهاتعرفي.

 

نزل و تبعته بتوجس و وجل، فمنذ أن غادرا المشفي وهو في حالة صمت مطبق، كلما تحدثت معه لم يتفوه بكلمة سوي الآن.

 

سار بها حيث يمسك بيدها إلي داخل الآثار المتبقية من المعبد القديم كما يطلقون عليه أهل النجع.

_ فيه أي يا بكر ما عتردش علي حديتي من وجت ما خرچنا من المستشفي، و واخدني مطرح مهچور، ليه كل ده؟.

 

توقف وجال ببصره ليتأكد من عدم وجود أي أحد سواهما، حدجها بحدية فباغتها بسؤال والشك جلي في مقلتيه :

_ أي الي بينك وبين أخوي عيخليه ماينزلش عينيه من عليكي واصل؟.

 

غرت فاها بصدمة، لم تستعب سؤاله الذي يتهمها فيه بوضوح، تجرعت غصتها في محاولة الإجابة بكل هدوء عكس ما بداخلها:

_ بيني وبين أخوك!، تجصد أي بسؤالك ده؟.

 

ضيق عينيه ليفاجئها مرة أخري بكلمات أكثر صعوبة أن تتحملها:

_ جصدي أنتي فهماه جوي، وماتلفيش وتدوري في الحديت.

 

ترقرقت عبراتها بداخل فيروزتيها، أبتلعت غصتها مرة أخري:

_ ولما أنت أخدت بالك من نظراته ليا ليه ما روحتش له وسألته هو!، ليه من نبرة صوتك وطريجة سؤالك عتتهمني بالخيانة.

 

صاح بغضب وإنكار:

_ أني ما جولتش إكده….

 

قاطعته صارخة به:

_ لاء جولت، مجولتش بلسانك، لكن عينيك جالت، حديت العين أبلغ وأصدج من حديت اللسان يا شيخ بكر، وكان المفروض تسأل السؤال ده لأخوك.

 

تبدلت ملامحه إلي التوتر حيث أحس إنه قد بالغ بالأمر كثيراً، فكلما تذكر نظرات شقيقه إليها تضرم بداخله نيران الغيرة الحارقة كبركان أطلق حممه المشتعلة فتدمر كل مايقابلها وتجعله رماداً منثوراً.

 

رفع غطاء وجهها الذي يحاوطه بكفيه، يحدق في عينيها بنظرات عاشق تقتله الغيرة:

_ أني واثق فيكي زين، لكن كل ما أفتكر نظرات عينيه ليكي الي لو أي حد شافها هيجول إنه هو الي چوزك، لأچل إكده سألتك، أتعرض لك أو ضايجك أو أتحدت وياكي؟.

 

أمسكت بكلتا يديه وألقتهما في الهواء:

_ أيوه أتحدت وياي وشافني من غير نقابي وكنت كمان بخلچات البيت.

 

كانت إجابتها بمثابة صدمة فهو لم يعط لذاكرته مُهلة لتعود إليه الأحداث السابقة، فقالت له:

_ فاكر لما كنت مهملني في البيت لحالي وأخوك چه ودخل بالمفتاح الي حداه ، كنت وجتها في المطبخ وبحضر الواكل أتفاچأت بيه في وشي ولما أخدت بالي إني من غير حچاب ولا نقاب چريت لبست خلچاتي وچت بت خالي أنقذتني من الموجف المحرچ.

 

أندفع نحوها وأمسكها من رسغها:

_ وأنتي ما جولتليش كل الحديت ده ليه من الأول؟.

 

رمقته بإمتعاض فأجابت بنبرة حادة :

_ لأنك وجتها ما هملتليش فرصة أشرحلك الي حوصل، كان كل همك كيف روحت أطمن علي مارت خالي من غير ما أستأذنك وكأني سويت چريمة، ولو جولتلك كنت هاتسوي أي يعني؟.

 

هدر بنبرة أرجفت كل خلاياها:

_ مكناش رچعنا لدار أبوي وأتصرفت، إن شاءالله حتي نجعدو في فندق.

 

جذبت يدها من قبضته التي ألمتها وقالت:

_ أني لا هتدلي علي فنادق ولا دار أهلك، أني هعاود علي دار أمي وخالي ويا مراته وعياله.

 

جذبها مرة ثانية لكن من ساعديها:

_ ومين هيسمحلك بكده، أني رچلي علي رچلك في أي مطرح هتخطيه، والمكان الي هجعد فيه هتكون وياي، و هاخدك دلوق لدارنا تحضري شنطتك ونروح نأچر أي مكان علي جدنا لحد ما يجوم رافع واد خالي بالسلامة وهنعملو الفرح ويتجفل علينا باب واحد، ومحدش هايشوفك غيري واصل، فاهماني ياقمر، أنتي ملكي أني ومحدش ليه حق يشوف شعرة منك لو حتي أبوي، أني راچلك وحبيبك وچوزك.

أنهي حديثه الذي صدر من عاشق تملكت منه الغيرة، فأنحني علي شفاها يلتقمهما في قبلة مليئة بالمشاعر المختلطة من حب وجنون وغيرة وتملك وقليل من العنف.

 

دفعته بكل قوتها في صدره وأخذت تبكي:

_ هملني يا بكر.

خلعت خاتمها وألقته في وجهه فأردفت:

_ أني ما أجدرش أكمل ويا واحد شك فيا ولو لحظة.

ذهبت مسرعة من أمامه لتتركه في صدمة كانت أقوي وأشد من صدمتها منذ قليل.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ كانت تغط في النوم فأستيقظت علي صوت سقوط ضلفة الخزانة، نهضت بفزع:

_ مچاهد!،رچعت ميتي يا راچل؟.

 

رد مشيراً لها بإصبعه:

_ هش أكتمي يا وليه هاتفضحيني، أني چيت هاخد لي حبة خلچات وهاختفي لي كام يوم وهابجي أبعتلك تيچي لي أنتي والعيال.

 

ضربت بكفها علي صدرها:

_ يا مُري، أنت جتلت زكريا؟.

 

أنقض عليها وجذبها من تلابيب عبائتها:

_ أنتي منك لله، لو مكنتيش هربتي البت خايته كان زماني عرفت مكان ورد وخلصت عليها وعليه.

 

ردت بإمتعاض:

_ الحق عليا أني كنت خايفة عليك منيهم لحد يجتلك ولا الحكومة تحبسك، أروح أني فين وعيالي وجتها!.

 

ألقاها علي السرير قائلاً:

_ أديني مهملك الدنيا كلاتها.

 

ذهبت خلفه وبخوف وقلق سألته:

_ طب جولي هتدلي علي فين ولا سويت أي؟.

 

أغلق سحاب الحقيبة الصغيرة ولثم وجهه بالوشاح الأبيض، وقبل أن يغادر وضع يده علي كتفها:

_ أبجي خدي بالك من العيال وأدعيلي ربنا يسترها معايا.

 

تركها وذهب مسرعاً نحو باب المنزل، وبمجرد فتحه وجد أمامه الضابط يرفع فوهة السلاح في وجهه:

_ أرمي الشنطة وأرفع أيديك لفوق يا مجاهد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

_ تركض في وسط غابة مظلمة مليئة بالضباب وأصوات حفيف أوراق الأشجار يدلف الرعب لقلبها التي تسمع دقاته في صميم أذنيها، تركض وتركض وصوت ضحكاته المخيفة تلحقها كلما وطأت قدميها، تنظر خلفها لتتأكد من عدم ملاحقته لها، فإذا تصتدم به و وقعت لتجد إنها غرزت في الوحل، رفعت وجهها لتري ما الذي صدمها.

_ كنت فاكرة أنك تقدري تهربي مني!.

 

أطلقت صرخة مدوية تردد صداها في الواقع عندما أستيقظت من ذلك الكابوس المرعب، ألتقطت أنفاسها، لتجد المضيفة تمد لها كوب من الماء وتقول لها بالإنجليزية:

_ تفضلي سيدتي.

 

تناولت منها الكوب وأخذت ترتشف بنهم وكأنها عادت من سباق مارثون تحت قيظ الشمس المتوهجة.

_ هل من خدمة أخري؟.

 

أومأت لها بالرفض:

_ شكراً.

 

وقبل أن تذهب أوقفتها:

_ من فضلك، كم تبقي من الوقت علي الوصول؟.

نظرت في ساعة معصمها وأجابت:

_ ساعتان فقط.

 

نظرت عبر النافذة المستديرة لتجد أن الطائرة تحلق فوق السحاب مما أعطاها الشعور بالخوف الذي يرافقها منذ أن لاذت بالفرار، و أكثر ما يهدأ من روعها تبقت مائة وعشرون دقيقة فقط تفصلها عن بلدتها، أقسمت بمجرد هبوطها إلي أرض الكنانة سوف تجثو وتقبل ترابها وتعبئ رئتيها من عبق هوائها ذو الرائحة المميزة.

 

تحاول أن لا تغفو لكي لا يعود إليها ذاك الكابوس مجدداً، وإذا ظلت مستيقظة فمخيلتها تصنع لها آلاف المشاهد الدموية إذا أستطاع سليم الإمساك بها.

 

أعلن مساعد قائد الطائرة عن الوصول ويجب ربط الأحزمة، قامت بربط حزامها علي الفور وأرتدت نظارتها الشمسية وقبعتها، تخشي رؤية إحدهم لها ويبلغ زوجها.

 

بدأت الطائرة بالهبوط، وهذا الشعور الذي يداهمها في تلك اللحظة فأخذت تردد بعض الأذكار وتتلو بعض الآيات.

 

أمسكت بمقبض حقيبتها إستعداداً للنزول من الطائرة، وعندما هبطت درج الطائرة شعرت وكأنها كالطير الآسير الذي نال حريته للتو فعاد إلي موطنه.

رفعت زراعيها لتستنشق الهواء العليل وتشعر بأشعة الشمس التي تلامس وجنتيها فخلعت نظاراتها متجهة لصالة المطار من أجل الإجراءات الأمنية.

 

_ يوستينا چوزيف ميشيل.

رددها الضابط وهو يتحقق من بيانتها ثم وضعت الحقيبة علي السير، وأنتظرتها علي الجهة الأخري.

سارت نحو بوابة الخروج و أخرجت الهاتف التي أعتطها ساندرا إياه وقامت بتغير وضع الطيران إلي الوضع العام وقامت بالضغط علي إسمها لمهاتفتها، وعند خروجها من البوابة أصتدمت بإحدهم فتعثرت و وقع الهاتف من يدها علي الأرض، دنت لتلملم أجزاءه المتبعثرة، تدخلت يد أخري لمساعدتها، فقالت بدون أن تنظر لصاحب اليد:

_ شكراً.

 

أجاب عليها:

_ مفيش شكر مابين الراجل ومراته.

 

أنتفضت حينما سمعت صوته، رفعت وجهها للتأكد، وياليتها كانت ضريرة في تلك اللحظة حتي لاتري تلك الإبتسامة التي تشق ثغره ولم تصل إلي عينيه، فها هي أحداث حلمها الأسود يتحقق، فالغابة المظلمة ما تعيش بداخله من حياة بائسة والظلام مملكة معذبها، والضباب تلك الهالة التي تحيطه وتدب الرعب وتزرعه في كل خلية في جسدها، بينما الوحل هو ما حدث معها للتو، فلقد وقعت بين براثن الوحش!.

 

#الفصل_الواحد_والثلاثون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

إنتباه🚫 ركزو في السرد أوي أوي لأنه مهم جداً

أتفاعلووووو رجاءً _ Vote please 😊

 

سارت نحو بوابة الخروج و أخرجت الهاتف التي أعتطها ساندرا إياه وقامت بتغير وضع الطيران إلي الوضع العام وقامت بالضغط علي إسمها لمهاتفتها، وعند خروجها من البوابة أصتدمت بإحدهم فتعثرت و وقع الهاتف من يدها علي الأرض، دنت لتلملم أجزاءه المتبعثرة، تدخلت يد أخري لمساعدتها، فقالت بدون أن تنظر لصاحب اليد:

_ شكراً.

 

أجاب عليها:

_ مفيش شكر مابين الراجل ومراته.

 

أنتفضت حينما سمعت صوته، رفعت وجهها للتأكد، وياليتها كانت ضريرة في تلك اللحظة حتي لاتري تلك الإبتسامة التي تشق ثغره ولم تصل إلي عينيه، فها هي أحداث حلمها الأسود يتحقق، فالغابة المظلمة ما تعيش بداخله من حياة بائسة والظلام مملكة معذبها، والضباب تلك الهالة التي تحيطه وتدب الرعب وتزرعه في كل خلية في جسدها، بينما الوحل هو ما حدث معها للتو، فلقد وقعت بين براثن الوحش!

 

مد يده إليها وما زالت البسمة مرُتسمة علي شفاه: _ يلا أركبي .

 

جالت ببصرها من حولها تحاول إستيعاب ما يحدث، علي مرمي رؤيتها ينتشر رجاله وها قد جاءت سيارته السوداء الفارهة، هبط منها السائق ليفتح لهما الباب الخلفي.

 

تشعر وكأن قدميها أنغرزت في مكانها، لم تستطع أن تتحرك خطوة واحدة، فوجدت زراعه تحاوط خصرها ويدفعها برفق لتدخل إلي السيارة وكأنها عروس ماريونيت وخيوطها المعلقة في أنامله، يُحركها كيفما شاء.

 

أكثر ما يرعبها هدوءه وسكونه المضاد لخصاله، تعلم ما أقترفته يُعد في قانونه جريمة شنعاء ولابد من عقاب يجعلها لا تفكر مجرد التفكير في الفرار مرة أخري.

إحساس يداهمها بقوة عندما أمسك بيدها للتو ضاغطاً علي أناملها وكأنه يخبرها بل يؤكد لها إنها ملكاً له.

 

كل فينة والأخري يرمقها بتلك الإبتسامة، ودت لو كان يصرخ بها أو ينهرها أفضل من هذا السكون المرعب، أخفضت بصرها نحو يده المتملكة ليدها فوجدت قبضته تشتد ويزيد رجيف أناملها، بل جسدها بالكامل يرتجف.

ترك يدها وحاوط ظهرها، فسألها:

_ مالك يا زوزتي بتترعشي ليه؟، أخلي الشوفير يوطي التكيف؟.

 

كان سؤاله ساخراً أكثر من كونه إستفهام، فهو لديه يقين إنها الآن تود أن يأتي لها ملاك الموت ليخلصها منه.

أجابت بإقتضاب و بصوت يكاد يكون مسموعاً:

_ لاء.

 

مسد ظهرها صعوداً وهبوطاً، فأقترب بشفاه نحو عنقها فأحست بأنفاسه التي جعلتها أنتفضت وجلاً:

_ إحنا خلاص قربنا.

 

نظرت للجهة الأخري عبر زجاج النافذة المغلق والمعتم لتجد الطريق يحيطه الصحراء، أنتابها الفزع الشديد، جمعت قواها لتسأله بتوجس:

_ أنت واخدني علي فين؟.

 

أشار للسائق عبر المرآه الأمامية بأن يتوقف، هدأ السرعة ليتوقف جانباً، فأزداد شعور الخوف بداخلها ويتحول إلي الرعب وكأنها علي مشارف تنفيذ الحكم عليها بالإعدام.

أصابها الزعر وأخذت تتلفت يميناً ويساراً:

_ إحنا وجفنا ليه أهنه؟، أنت هاتسوي فيا أي يا سليم جولي؟.

 

رفع يده يتلمس وجنتها وعينيه لاتحيد عن ذهبيتيها، لم تنتبه ليده الأخري وهي تمتد إلي الجيب الداخلي لسترته قائلاً:

_ مستعجلة ليه، لما هتفوقي هاتعرفي.

 

أنبلجت علي شفاه إبتسامة يتجلي منها بريق أسنانه، رددت بتعجب في محاولة إدراك ما أخبرها به للتو:

_ لما أفوق!.

أومأ لها وهو يغرز إبرة المخدر في عنقها، فبدأ جفنيها بالإنسدال وتراخي جسدها بين يديه،بالإنسدال وتراخي جسدها بين يديه، أسند جذعها علي فخذيه وأمر سائقه:

_ أطلع علي الهنجر.

 

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

 

_ دلفت السيارة في مكان نائي بداخل الصحراء لتعبر بوابة عملاقة يقف عليها من الخارج رجال ذوي أجساد ضخمة، وبالداخل يوجد علي جانبي الطريق مباني من طابق واحد بداخلها كلاب بمجرد دخول السيارة أخذت تنبح بقوة، نُباح يشبه ذئير الليث!.

 

توقف السائق عن القيادة،وترجل وألتف مسرعاً ليفتح باب السيارة الخلفي فنزل سليم أولاً ثم أنحني للداخل وحمل تلك المُخدَرة علي زراعيه رغم ألم زراعه المُصاب لكنه تحمل فغضبه يفوق آلامه بكثير ، دخل إلي بناء ذو إضاءة خافته فوقف أمام لوحة معدنية صغيرة موصدة بقفل مفاتيحه لديه هو فقط، سار نحو مقعد معدني وأنزلها عليها ليتثني له أن يخرج المفتاح من جيب بنطاله وفتح القفل ويليه اللوح ثم أنزل زر يشبه الأزرار المسئولة عن فصل وتشغيل الكهرباء.

وعلي بُعد متر أنفتحت بوابة تتوسط أرضية البناء، ذهب ليحملها مرة أخري وسار إلي تلك الفتحة وهبط علي الدرج المؤدي إلي بناء آخر تحت الأرض.

مكان موحش يُنيره إضاءه صفراء خافته تشبه الشعلة، ورواق طويل وجدران صخرية تشبه السجون في العصور الرومانية، أصوات صادرة من مراكز التهوية الموجودة بالسقف.

سار حتي نهاية الرواق وهي مازالت نائمة لاتشعر بما يحدث من حولها.

وقف أمام باب حديدي يفتح عبر بصمة اليد، أنزلها أولاً ثم قام بوضع كفه علي الشاشة فأنفتح الباب وحملها مجدداً و ولج إلي الداخل.

 

_ منذ سنوات عندما كان فتي في الخامسة عشر، عاد من الخارج ليجد رجال والده منُتشرين في كل مكان وكأنهم يبحثون عن شئ مفقود، وأمام باب المنزل يصيح والده في مساعده وقائد الحرس:

_ عايزها في خلال ساعة تكون راكعه تحت رجلي.

 

هز الرجل رأسه له قائلاً بخضوع:

_ أمرك يا داغر بيه أعتبره حصل.

 

كان يقف من بعيد يراقب مايحدث عن كثب، يخشي ملاقاته أو رؤيته له وهو في تلك الحالة حتي لايصب عليه جمام غضبه، فتسلل نحو نافذة الشرفة، أوقفه صراخ والده:

_ سليم؟.

 

توقف فألتفت ليجده خلفه مباشرة والشرر ينطلق من عينيه:

_ كنت فين من الصبح؟.

 

أخفض بصره خوفاً من رؤية نظراته المرعبة، أجاب بخفوت:

_ كنت مع أصحابي.

 

جذبه الآخر من تلابيه فهدر به:

_ ياض أنا مش قايل لك تروح الشركة عشان عزام هايدربك علي الشغل!.

 

أجاب بتردد و وجل:

_ أصل، أنا، أنا…..

 

قاطعه والده صارخاً:

_ أنت أي يا فاشل، أنا لما كنت في سنك حضرت صفقات مع جدك وكنت عارف كل صغيرة وكبيرة في الشغل، كيان العقبي الي أسمه مسمع في سوق رجال الأعمال هنا وفي كل حته في العالم أنا الي عملته وعمري ما أسمح لحد يفكر بس مجرد التفكير أنه يجي جمبه.

 

و قبل أن يفتح فاهه للتحدث سبقه قائد الحرس وهو يلتقط أنفاسه:

_ الرجالة لقوها يا باشا،كانت راكبة تاكسي ومعاها شنطة فيها الملفات الي سرقتها.

 

أرتسم الشر علي ملامحه القاسية، فأشار إليه وقال:

_خدوها علي البيسين.

 

ذهب الرجل لينفذ أمر سيده، فألتفت داغر إلي إبنه الذي كان يخاف أن يفعل به شيئاً.

 

_ تعالي يا خايب أوريك وأعلمك إزاي تخلي الكل يخاف منك من مجرد إنه يسمع إسمك.

 

لم يعقب علي كلمات والده و سار خلفه حتي وصل كليهما لدي المسبح، جحظت عيني الفتي مُردداً بصدمة:

_ ساندرا!.

 

أشار له داغر نحو فتاة شقراء جاثية ومكبلة من يديها وقدميها كانت تبكي وتصرخ لأنها تعلم ماينتظرها علي يد هذا المجنون.

_ طبعاً كنت فاكرها السكرتيرة بتاعتي.

صمت وقهقه ليردف:

_ العاهرة دي قابلتها في اليونان وكان حالها يصعب علي الكافر، عملتلها قيمة ونضفتها وجبتها معايا هنا وعيشتها عيشة عمرها ما حلمت بيها بشرط تكون تحت طوعي والي أطلبه منها تنفذه حتي لو أمرتها تدبح نفسها.

 

خطي نحوها ودنا منها وخلل أنامله الغليظة في خصلاتها وإذا به يجذبها دفعة واحدة مما جعلها تنتفض وتصرخ بقوة، شعر سليم نحوها بالشفقة، أرتجف حين صاح والده:

_ تقوم الو……. بدل ماتحفظ جميلي عليها تهرب مني ومش بس كده، سرقت ملفات بتاعت صفقات السلاح عشان تهددني بيها ولا الله أعلم كان في نيتها أي.

سألها بالإنجليزية التي تتقنها غير لغتها اليونانية:

_ كنتِ تردين إبلاغ الشرطة عني؟.

 

صرخت بإنكار وتتلوي إثر قبضته:

_ لا، لا يا داغر، لم أفعلها، أردت الفرار منك وقد سرقت الملفات لكي تكن حماية لي من بطشك.

 

قهقه وصوت ضحكاته أخترق أذنيها حتي كاد يصيبها الصمم:

_ سأريكِ الآن بطشي بل جحيمي يا عاهرة.

 

تركها ونهض ليأمر رجاله أن يجلبو له صندوق زجاجي يسعي لشخص واحد، وعندما أحضروه قام بجذبها من خصلاتها وسحلها علي الأرض تحت صرخاتها وتوسلاتها بأن يتركها وشأنها، فألقي بها داخل الصندوق الذي يشبه التابوت.

 

_ أتوسل إليك داغر،أتركني لم أكررها أعدك.

 

نظر إلي ولده الذي يري ما يحدث والخوف يكسو ملامحه:

_ شوف أهي بتترجاني عشان أعتقها، أنا ممكن أسامحها ومعملهاش حاجة، بس لازم أعملها إرهاب أخليها بعد كده كلبة مُطيعة من قبل ما أنطق الكلمة تيجي تحت رجلي وتقولي أمرك ياسيدي.

 

أجتر سلسلة معدنية نهايتها معلقة برافعة وطرفها الآخر قام بربطه في حلقة حديدية مفرغة يتفرع منها أربع سلاسل مُثبته بزوايا الصندوق.

فرقع أصبعيه كإشارة لسائق الرافعة الذي بدأ يحرك الصندوق لأعلي وهي تتلوي بداخله وتصرخ.

جلس علي الكرسي وأخذ من فوق المنضدة التي جواره صندوق صغير فتحه وأخذ منه سيجاره وأشعلها بالقداحة، يتأملها بمُتعة وسعادة وهو يزفر الدخان من فمه وأنفه.

 

وحين أصبح الصندوق أعلي المسبح مباشرة بدأ السائق بإنزاله في المياه رويداً رويداً، أخذت تهتز بالداخل وقد أنتابها حالة هيسترية وكان الصندوق يتأرجح من حركتها، ما زال ينزل داخل الماء، فأشار له داغر بالتوقف، نهض وسار نحو الحافة حتي يراها عن قرب وهي تستغيث وترجوه، يرمقها بنظرة تشفي، قال لها:

_ أنتِ من فعلت هذا نفسك أيتها الشقراء الجميلة، لذا لا تلومي سوي حالك.

 

صاح آمراً السائق:

_ نزل.

 

بدأ الصندوق ينغمر في الماء وهي بداخله، حتي وصلت المياه إلي حافة الصندوق المفتوحة وبدأت تدفق إلي داخله وتلك المسكينة تصرخ وتصرخ، يرتفع مستوي الماء من قدميها إلي ركبتيها ثم وصل إلي خصرها وما زال التدفق مستمراً إلي أن وصل إلي شفتيها، حاولت أن تصعد بتحريك جسدها لأعلي لكنها فشلت بسبب يديها وقدميها المقيدين وثقل الصندوق الذي أستقر في القاع.

 

مرت ثوان ثم دقيقة وكادت تدخل في دقيقة أخري، فكانت علي وشك أن تستسلم للغرق.

لايشعر بحاله والمياه تدفق من بين ساقيه من هول ما رأي ريثما أنتشله صوت والده:

_ أرفع الصندوق.

 

قام السائق برفعه علي الفور ومجرد أن أصبح أعلي من مستوي المسبح، بدأت المياه تنهمر من فتحات قاعدة الصندوق فصار شاغراً وهي فقدت وعيها.

 

أخرجها داغر مُسرعاً قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، حرر يديها وقدميها من الاحبال وأخذ يضغط علي صدرها لتفرغ المياه التي تسربت داخل مجري التنفس لديها، فهبط بشفاه علي خاصتها ويزفر بأنفاسه، أفاقت وشهقت بفزع، وما أن رأت إنها ما زالت حية.

 

وقف أمامها وهي أسفل قدميه ينظر لها بتلك النظرة السوداء:

_ هل تعلمتِ من خطأك، ساندرا؟.

 

نظرت له ثم إلي سليم الذي لم يصدق عينيه عند رؤيته بعد كل ما فعله بها والده جثت أسفل قدميه بتوسل:

_ سامحني سيدي، تعلمت ولم أكررها مرة أخري.

ودنت بشفاها لتُقبل حذائه.

 

وفي تلك اللحظة قد ترسخ بداخله لكي يصبح قوياً ويهابه الجميع عليه أن يقتدي بوالده ويطلق لوحش ساديته العنان!.

 

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

_ فتحت عينيها فوجدت نفسها بداخل مكان مظلم يتسلله بصيص من النور يصدر من مصباح صغير يتدلي من السقف، هناك صوت إرتطام قطرات المياه علي الأرض ذلك الصوت المثير للأعصاب ويزيد من الشعور بالتوتر ، وإذا بالأحداث عادت إلي ذاكرتها دفعة واحدة، شرعت بالتحرك فوجدت يديها مُقيدة لأعلي معاً في سلسلة تدلي من السقف، بينما قدميها مكبلة كل واحده علي حده.

تجرعت لعابها ببطئ، فأنتفضت عندما ظهر أمامها بُغتة، ونظرات عينيه كقاتل بل سفاح لا يفقه شيئاً سوي سفك دماء ضحياه.

 

_ عارفة أنتي عملتي الي ولا واحدة قدرت ولا أتجرأت حتي تعمله معايا.

ألتف ليصبح خلفها و بالقرب من أذنها أردف:

_ علشان كده لازم تشوفي جحيم سليم علي الأرض.

 

تحلت بقوة زائفة بل و واهنة للغاية، كيف لعصفور صغير أن يحلق في مرمي وحش بري ذو أنياب حادة، يريد الفتك به وسحق روحه.

 

_ أيه هاتضربني ولا هاتحرجني، ولا تكون ناوي تسوي فيه كيف ماسويت في الراچل الي جطعت چلده حتت وهو لساته حي!.

 

اللعنة علي لسانها وتمردها وكبريائها، ثلاثتهم يجعلون الوحش الذي بداخله يثور ويزأر، يريدها أن تجثو أسفل قدميه ليلقنها أشد ويلات العذاب.

 

ضحك وتعالت ضحكاته المُرعبة مما أثار وجلها دهشتها في آن واحد من رد فعله علي كلماتها، أمسكها من ذقنها ورفع وجهها لتنظر في ظُلمتيه المُخيفتين وقال لها بتوعد محسوم لديه:

_ أنتي يا بيبي الي زيك ولا بينضرب ولا بيتحرق ولا حتي بيتقطع حتت، عارفه ليه؟.

 

باغتها بجذب خصلاتها للوراء فهسهس من بين أسنانه مُردفاً وعيده:

_ لأن عقابك عدي المراحل دي كلها، هاعرفك إزاي قبل ماتفكري مجرد التفكير بس أنك تهربي تفتكري الي هاعمله فيكي كويس.

 

رفعت حاجبيها لأعلي وإبتسمت بإستهزاء وتفوهت بسخرية:

_ تصدج رعبتني جوي، ياريت بدل ما تطلع چنانك عليه روح دور لك علي مستشفي أمراض نفسية لأچل تتعالچ فيها، ولا ناوي تهمل حالك إكده لحد ما تزهق من الدنيا وتنتحر كيف ما أبوك ما أنتحر!.

 

سُحقاً للغباء الذي هبط عليها وأدي بها إلي أن تتفوه بتلك الحماقة أمام من لايرحم، فجعلته عاد إلي وادي ذكرياته السوداء ويعيد علي سمعه كلمات والدته لوالده ونعته بالجنون وعليه بالذهاب للعلاج في مصحة نفسية، الجملة التي أودت بحياة والدته وقتلها علي يد أبيه المعتوه.

وليس هذا وكفي فذكرها لإنتحار والده الذي أدرك أن من أخبرها به هي ساندرا جعل شياطينه تتراقص أمام عينيه ولم يتراجع عما سيفعله بها.

 

ترك خصلاتها ليبدلها بالقبض علي عنقها قائلاً:

_ خليكي فاكرة كلامك كويس عشان مش هاتكرريه تاني لأن هاعيد تربيتك من أول وجديد.

 

ندمت علي ماقالته و ودت أن يُزهق روحها أفضل من هذا العذاب النفسي القاتل.

بدأ بتمزيق ثيابها ليجردها منها ما عدا مايستر مفاتنها فقط، كانت تصرخ وكأنه يمزق روحها وليست ملابسها.

 

_ بطلي صريخ أحسن ليكي، محتاج حنجرتك للي جاي، لما أخلي صوتك يوصل لأخر الدنيا.

هدر بها وأبتعد عنها وذهب إلي داخل غرفة أخري ملحقة به لوح زجاجي كبير عاكس كالمرآه لمن ينظر له في الغرفة، بينما الأخري الملحقة من بداخلها يري كل من بالخارج.

 

كانت أمامه لوحة مليئة بالأزرار، ضغط علي إحدهم فصارت في ظلام دامس مما زاد خوفها،

أخذت تتلوي وتتلفت ، تخشي أن يفاجأها بالإعتداء عليها بالضرب أو يجلدها أو يقوم بإغتصابها كما فعل في آخر مرة، وما زاد الأمر سوءاً هذا الصقيع الصادر عن المكيف الذي تعمد خفض درجاته ليداهمها الشعور بالبرودة.

 

ضغط زر آخر فأصدرت السماعات المتراشقة علي الجدران أصوات صرخات لفتيات يتم تعذيبهن وإحداهن تتوسل لمعذبها أن يرحمها من عذابه لها.

أثارت الأصوات بل ودبت الرعب في أوصالها التي بدأت ترتجف، تجز علي شفتها السفلي وبداخلها تردد:

_ يارب، يارب.

 

وإذ فجاءة ينبعث نور في وسط الغرفة جعلها أنتفضت إلي الوراء وقد نست قدميها المُقيدتين فتألمت كثيراً مع البرودة وإصطكاك أسنانها من إثرها.

 

وما كان هذا النور سوي لفتاة مُعلقة من يديها مثلها و كل إنش بها مليئ بالجروح الدامية والكدمات، وملامح وجهها مشوهة وكأن أنسكب عليها حمض كبريتيك مُركز.

لم تستطع النظر إليها و أغمضت عينيها صارخة:

_ كفاية يا سليم.

 

تبدل صوت الفتاة إلي أصوات إستغاثة تصاحبه موسيقي مزعجة فيتحول المشهد من حولها لألسنة لهب تملئ كل الغرفة وبرغم إدراكها أن ما تراه الآن ليس سوي فيلم محاكاة بتقنية الهولوجرام، لكن ما تمر به للتو من تضارب لمشاعر عديدة كالخوف والتوتر والقلق ورهاب الظلام و أصوات الصراخ، جميعها أدت بها في نهاية المطاف إلي البكاء بنحيب وبدأ يعلو بصرخات.

عم الظلام المكان مرة أخري، ظلت تبكي وترتجف، والشعور بالخدر بدأ يتسلل أطرافها ما زاد الثقل علي كتفيها وعمودها الفقري.

 

يراقبها من خلف الزجاج وأرتفعت زواية فمه جانباً يحدثها عبر مكبر الصوت:

_ بتعيطي من دلوقتي يا زوزو، لاء أجمدي كده ده إحنا لسه في البداية، وبعدين أعرف أنك قوية وشجاعة ومبتخافيش مني،صح يا بيبي؟.

 

أجابته بصرخة مُرددة:

_ حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ظالم.

 

ضحك بصوت مرتفع وقال:

_ و أي كمان؟.

 

صاحت بكل ما أوتيت بقوة وببكاء :

_ أني بكرهك يا سليم.

 

_ قديمة، شوفي لي كلام جديد غير الدعاء وبكرهك والجو القديم ده، خدي بالك إحنا مطولين مع بعض، تصرخي تعيطي لو بتطلعي في الروح مش هارحمك.

 

وقع كلماتها لايزيدها سوي تعالي صوت بكائها فيقابله بالقهقه الساخرة، كف عن الضحك ليبدأ في إرهابها من جديد.

أضاء المصباح فأتضحت لها الرؤية، صوت بكائها يخبو عند رؤيتها دخان ينبعث من الأركان فيملأ الغرفة كالضباب و جعلها تشعر بالإختناق، أنتابها السعال ثم شهقت برعب عندما ظهرت لها أطياف وهمية تظهر وتختفي، فأنبلجت أمامها فجاءة جثة لسيدة هيئتها المُخيفة تُشيب لها الرأس، يصاحبها صرخة مدوية أخترقت أذنيها أدي إلي إصابتها بطنين حاد، خارت قواها ولم تتحمل أكثر من ذلك، الشعور بالخدر أمتد من أطرافها إلي كامل جسدها ومن فرط الضغط المتزايد عليها داهمها دوار كانت تنتظره لتستسلم، أسبلت جفنيها وأنحنت رأسها للأمام.

 

ضغط علي الزر المتحكم في مراكز التهوية لإخراج هذا الدخان الذي حجب عنه رؤيتها، ليراها فاقدة للوعي.

 

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

_ يتصاعد دخان سيجاره للأعلي، يجلس في الظلام، بداخله صوت بعيداً يطالبه بالتوقف عن مايفعله بها، فهذه زوجته وليست خاضعة من اللاتي كان يمارس عليهن ساديته الوحشية، و مهما أخطأت أو أرتكبت مايثير غضبه لكنها لاتستحق هذا العذاب، رغماً من كونه عذاباً نفسياً بدون التعرض لجسدها بالأذي لكن هذا من أسوأ أنواع العذاب.

يتذكر ما كان يطلع عليه من الكتب والمقالات تتحدث عن طرق التعذيب النفسي والجسدي و ذلك حينما سلك درب والده وسار علي خطاه، أراد إضافة الجديد لخبراته التي أكتسبها من داغر العقبي.

منذ القدم كان هذا النوع يُمارس علي آسيري الحروب والمتهمين للأعتراف بجرائمهم، فهناك العديد من أنواع العذاب النفسي، منها الزنزانة الباردة وهي أن تجعل الضحية بمفردها في غرفة مظلمة، بها منفذ تهوية يكاد يتسلل منه الضوء ويدخل منه الهواء وأحياناً لايوجد، يتعمد تشغيل جهاز تبريد كالمكيف بدرجة تجعل الضحية ترتجف من البرودة.

و عندما لايتوفر مكيف أو جهاز آخر يشابه، يملئون أرض الزنزانة بالماء وتخلع الثياب عن الضحية ويتركوه عارياً لمدة أيام حتي تنخر البرودة عظامه فيتوسل إليهم ليعفون عنه ويرضخ لمطالبهم.

ويوجد أيضاً العذاب بالأصوات، كان يمُارس في السجون الأمريكية وهو تعرض المسجون لأصوات مزعجة أو حادة بإستمرار مع حرمانه من النوم لأكثر من يومين وربما ثلاث تصل إلي أسبوع، فهذا كفيل بإصابته بالهلاوس وفقدان العقل أي الجنون، و أحياناً يُصاب من يتعرض لذلك بتوقف قلبه عن الخفق والموت المحتوم.

 

عاد من بحر خبراته المظلمة ينظر لتلك المتمددة أمامه علي الأريكة الجلدية، مغروز في يدها إبرة محلول مُغذي حتي لا تتعرض لهبوط في الدورة الدموية.

 

شارف المحلول علي الإنتهاء وبدأت مقلتيها بالتحرك أسفل جفنيها، أطفأ سيجاره بإلقاءه علي الأرض ونهض و دعس فوقه بحذائه، خطي نحوها وهو ينظر إلي ملامحها القوية التي جذبته إليها من مجرد رؤيتها خلال صورة فوتوغرافية، يري فيها ماينقصه ويختبئ خلف قناع القوة والهيمنة ليهابه الجميع ويخشونه، لم يتجرأ أحد يوماً الوقوف أمامه أو يُعاديه، ومن يقترف ذلك فقد خط شهادة وفاته بيده!.

 

عادت القسوة لتغزو ملامحه وهو يرمقها بنظرة من أعماق واديه المُظلم قائلاً:

_ لازم أكسرك وأخليكي رهن إشارة مني، وقبل ما أنطق الكلمة تكوني تحت رجلي وتعملي الي أنا عايزه، حتي لو طلبت منك تموتي نفسك!.

 

وبعد قليل…..

 

بدأت تفيق وتعود إلي كامل وعيها لتكتشف الصدمة، فهي مُقيدة داخل شيئ ضيق للغاية، وعند إدراكها لهذا الشيئ إزدادت سرعة ضربات قلبها تدعو الله أن لا يكون هو، هيهات وتلك الإضاءة التي تصدر من المصباح اليدوي الموضوع في يدها كشف لها حقيقة ما الذي هي مُقيدة بداخله، ليس سوي مجرد تابوت الموتي.

 

أطلقت صرخة بل صراخات متتالية، فأتاها صوته بتهكم يخبرها:

_ بطلي صريخ و وفري الأكسچين عشان بعد شوية مش هتلاقيه.

 

لم تكترث لنصيحته الساخرة وأخذت تصرخ:

_ خرچني من أهنه.

 

أخذ يقهقه وكانت ضحكاته تثير خوفها وصراخها أكثر.

_ تعرفي أنا عندي فضول أشوف شكلك لو حصلت معجزة وقدرتي تهربي من هنا، إحنا تحت الأرض وأفترضنا لو عرفتي تطلعي مش هاتعرفي تخطي خطوة برة الهنجر، لأن هاكون أديت أمر لرجالتي يفتحو أقفاص الكلاب الي أضعف كلب فيهم مش هايسيب منك غير بقايا عضم.

 

أطلقت تنهيدة وطرق بيده علي التابوب ليرعبها فأردف:

_ أنا هاخرجك فعلاً بس مش بجسمك، هاخرج روحك لما أدفنك دلوقت وأنتي صاحية وتتخنقي لحد ما روحك تتطلع.

 

غارقة في حالة هياج عصبي، فغريزة البقاء هي المسيطرة عليها الآن، وما تراه وما تسمعه منه زاد وجلها من الموت بتلك الطريقة البشعة، وابشعور بالإختناق يزداد بسبب عقلها الذي هيئ لها ذلك، لاتدري بتلك الثقوب الجانبية للتهوية، تدخل إليها الهواء لكن لاينفذ منها الضوء .

 

بدأ التابوت بالتحرك لكن لأسفل حتي أستقر وأرتطم فوقه شيئاً.

صاح بنبرة مرعبة ليخترق صوته أذنيها:

_ أنتي فاكره لما تهربي مني وتسرقي اللاب توب بتاعي مش هاعرف أجيبك! ، مش حتة حشرة زيك هي الي تقف قدامي، أنا دلوقتي هاعرفك أنتي متجوزة من مين!.

 

مهلاً هذا الصوت يشبه صوت إلقاء الثُري علي لحد الموتي بعد دفنهم ناتج عن إحتكاك المجرفة بالتراب.

أنهارت حصون قوتها وكبريائها قرميداً قرميداً حتي صارت أطلال لتعلن إستسلامها وخضوعها التام إليه.

 

_ أني آسفة، ما هاسويش إكده تاني… مش هاهرب… هانفذ كل حاچة هاتأمرني بيها.

توسلات هربت من لسانها بعدما مرت بكل هذا العذاب لينجح أخيراً في خضوعها إليها.

توقف صوت هيل الثري كما ظنت، فوجدت التابوت يتحرك لأعلي ثم نزل علي سطح مستوي.

قام بفتح الأقفال الموصدة، ومجرد أن فتح غطاء التابوت شهقت وهي تلتقط أنفاسها كالعائد من الموت لتوه، قام بفك قيودها من الأحبال، كانت لاتري شيئاً سواه هو فقط.

ساعدها في النهوض بمد يده إليها، لم تكن قادرة علي الوقوف، وكأنها تمتلك ساقين من الهُلام، يكفيها ما عانته من ضغط نفسي وعصبي جعلها تحت سيطرته.

 

جلست أسفل قدميه رفعت وجهها تنظر له في صمت بأعين باكية، بداخله ينهره علي تلك الحالة التي أوصلها لها، بينما خارجه أرتسم قناع الجمود فسألها بذات الصيغة التي سألها والده سابقاً لساندرا:

_ أتعلمتي من غلطتك يا زينب؟.

 

هزت رأسها بالإيجاب، أشار لها نحو أذنه و هدر بها:

_ مش سامع.

 

أجابت و تومأ له تكراراً:

_ أتعلمت، أتعلمت.

 

توقفت عن ترديد إجابتها عندما أمرها كملك يأمر عبدة لديه ريثما يتأكد من خضوعها التام له:

_ وطي علي جذمتي وبوسيها وأطلبي مني أسامحك.

 

غرت فاهها وظلت ترمقه لثوان، تتردد في تنفيذ أمره، لكن الحالة النفسية التي بها جعلتها تذعن لأمره بدون أي رفض.

 

أنحنت أمامه و كانت علي وشك أن تقوم بتقبيل حذائه، فأوقفها قبل أن تفعل هذا وبداخله في قمة سعادته ها هو قد وصل إلي غايته ، رفعها وأحتضنها، فأجهشت بالبكاء بعدما دفنت وجهها في صدره:

_ سامحني، سامحني ياسليم.

 

لم يصدق أذنيه من ماسمعه منها الآن ، ألتمس صدقها من نبرتها، فعانقها بقوة بين زراعيه يمسد بيده علي ظهرها العاري.

 

أبعد رأسها عن صدره وأحاط وجهها الشاحب بين كفيه يجفف عبراتها بإبهاميه من وجنتيها، يخبرها بعفوه عنها بجدية زائفة تخفي ورائها العديد من المشاعر:

_ خلاص سامحتك، كفاية عياط بقي.

 

أرجع خصلاتها خلف أذنيها فوجدها ترتجف، أمسك بيدها فأكتشف إن أطرافها باردة، سألها:

_ مالك بتترعشي كده ليه وأيديكي متلجه؟.

 

تشبثت به لتستمد بعض الدفء:

_ سقعانة جوي.

 

أبعدها وخلع سترته و وضعها عليها، حملها علي زراعيه مغادراً تلك الساحة التي كانت عبارة عن بهو شاسع به حفرتين بعمق مترين تحت الأرض وبالقرب منهما رافعة كان يحرك من خلالها التابوت.

دلف الرواق الطويل و دخل أول غرفة علي يساره.

*ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

 

_ كانت الغرفة ذات أثاث وفراش وثير متكون من الحرائر القرمزية والستائر الشفافة المحاطة بالسرير ذو الأعمدة المتصلة بالسقف وشموع متناثرة بداخل الجدران ومدفأة كلاسيكية مقابلة للسرير، تشبه غرف نوم الملوك و الأمراء في العصور القديمة، كما يوجد مرحاض ملحق بها.

 

أزاح الستائر جانباً بكتفه وأنزلها برفق علي السرير، أتجه إلي المدفأه و ألقي بداخلها ألواح الحطب:

_ هاولعلك الدفاية دلوقت، وهاروح أحضرلك الچاكوزي هيخليكي أحسن.

 

كانت تحدجه في صمت مطبق، تقدم نحوها ثم جلس بجانبها، أخذ يتلمس وجنتها، فوجد عدم مقاومة منها مثلما كانت تفعل معه في السابق، أنبلجت علي شفاه إبتسامة إنتصار، سألها:

 

_ جعانة؟.

 

هزت رأسها بإنكار وأجابت بصوت خافت:

_ لاء.

 

خشيت أن يعاقبها علي رفضها، تراجعت عن إجابتها:

_ أجصد، آه چعانة.

 

أدرك خوفها من نظرات عينيها وهي ترمقه بتوجس وحذر، ضحك وقال:

_ ياه للدرجدي خايفة مني يا زوزتي، عمتاً أنا خليت واحد من رجالتي يشتري لنا أكل، و لو مش قادرة تاكلي مش هاغصب عليكي، كفاية الي حصلك النهاردة.

 

اللعنة عليه، من يسمعه يظن إنه يكترث لأمرها وليس كان معذبها منذ قليل.

 

طيف إبتسامة أرتسم علي شفاها وسرعان ما تلاشي لتقول:

_ أني فعلاً چعانة، ماكلتش من وجت ما أهر…..

 

صمتت لتجده ينتظر تكملة جملتها.

_ سكتي ليه، كملي من وقت ما أي؟.

 

أشاحت وجهها لتتحاشي نظراته المترقبة لها، أمسك بذقنها وجعلها تنظر له فوجد شفاها ترتجف ودقات قلبها تصل إلي سمعه، أخفض بصره إلي منبع حديثها، يرمقها بإشتهاء وكأنها تفاحة الخلود.

رفع عينيه ونظر إلي خاصتها وقال:

_ حبيبتي خلاص عقلت وعرفت إنها طول ما بتسمع الكلام هخليها تعيش ملكة، ولو لحظة بس رجعت للي كانت بتعمله هاتشوف مني أسود أيام حياتها، أنا الي يعتبر عملته معاكي النهاردة كان لعب عيال، كان بإمكاني أسيبك تصرخي في التابوت لحد ما تقطعي النفس، بس لما أتأسفتي وأترجتيني صعبتي عليا وخرجتك.

 

مجرد إنتهاءه من كلماته تعجب منها حيث فاجأته بعناق قوي قائلة بدون أن يري ملامحها التي فقدت روحها وكأنها جسد بلا روح:

_ أطمن، أني تحت أمرك و ملك يدك.

 

تردد صدي جملتها في عقله، أبعدها عن صدره لينظر إليها بتعجب من إستسلامها وخضوعها، فكان هذا مُحفزاً لتدفق هرمون السعادة في جسده ليجعله في أسعد لحظاته.

عقب علي كلماتها بنبرة مليئة بالشغف والتملك والشوق:

_ أنتي فعلاً ملكي، ملكي أنا وبس.

 

وأنحني علي شفاها ليلتقمها بين خاصته، يُقبلها بشغف وبدأت تشتد قوة قبلاته شيئاً فشيئاً، وأكثر ما أدهشه وأصابه بالصدمة غير مصدقاً إنها تبادله إياها بنفس قوة تقبيله لها بل وأعنف.

أبتعد بلهاث ويلتقط أنفاسه ولكي يري ملامحها ويتأكد من رغبتها نحوه كما يرغب بها أيضاً، فوجد ملامح وجهها تحولت من الشحوب إلي اللون الوردي وشفاها تتوهج من الإحمرار أثر تقبيله لها.

تذكر إنها لم تتناول الطعام منذ هروبها، فخشي عليها أن تُصاب بالدوار مُجدداً، أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهاتف إحدي رجاله الذي يأتي لهم بالطعام فأخبره الآخر أمامه نصف ساعة علي الوصول نظراً لبُعد المكان عن العمار.

 

_ قومي خدي لك شاور عقبال ما الأكل ما يجي، وأنا هاتصل بصلاح أبلغه إننا هنا في القاهرة.

 

أومأت له بإذعان:

_ حاضر.

 

قامت وأمسكت بإحدي الأعمدة فكادت تتعثر وتقع، أسرع وأسندها، فقالت:

_ معلش، أول ما جومت حسيت بدوخة ورچليا مش شايلاني.

 

أمسك بيدها وقال:

_ قومي وأنا هاسندك.

 

أمسكت بزراعه وتحديداً في المنطقة المصابة وضغطت بقوة لتتشبث به، فأطلق تأوهاً رغماً عنه، أنتفضت إلي الوراء.

 

_ آسفة لو وچعتك مكنش قصدي.

 

وجدها خائفة ومرتجفة فقال لها:

_ أنتي ضغطي علي جرحي، أصل كنت واخد طلقة.

 

قام بفك أزرار قميصه وخلعه ليطمأن علي جرحه ليجده كما هو و الضماد مازال أبيض دليلاً علي عدم نزفه دماءه.

_ هاتي أيدك وأسندي علي كتفي التاني.

 

فعلت ما أمرها به ودخل كليهما وفي يده الأخري يحمل مصباح يدوي إلي هذا الصرح الذي يُقال عليه مرحاض، بل كان لايُمت للكلمة بصلة من شدة روعته، ذو مساحة كبيرة يتوسطه المغطس (الچاكوزي )، وفي إحدي أركانه كابينة زجاجية للإستحمام، وهناك طاولة رخامية طويلة يعلوها مرايا ذات إطارات ذهبية والأرضية والجدران جميعها من البورسلين، يزين الأركان وجوانب حوض الوجه شموع تتنوع مابين اللون الأحمر والأبيض.

ساعدها بالنزول داخل المغطس، جلست بداخله وتتلفت من حولها بقلق:

_ هو مفيش أهنه لمبات؟.

 

أخرج من جيبه القداحة خاصته وضغط علي المكبس وبدأ يشعل الشموع:

_ فيه طبعاً، بس أنا حابب ضوء الشموع أكتر، مُريح للأعصاب خصوصاً وأنتي بتستجمي في الچاكوزي.

 

أنتهي من إشعال الشموع و هم بالمغادرة قائلاً:

_ عندك البشاكير والبورنص في الدولاب الي جمب الحوض، لو محتاجة أي حاجة أندهي عليا.

 

وقبل أن تخطو قدمه إلي الخارج أمسكت يده وقالت لتصدمه مرة أخري:

_ خليك معايا، أني خايفة.

 

جلس علي حافة المغطس وربت علي رأسها ليطمأنها قائلاً:

_ ماتخافيش أنا معاكي.

 

أمسكت بيده وتحدق في سوداويتيه اللتان تنعكس عليهما نيران الشموع المشتعلة، أغمضت عينيها و عادت برأسها إلي الخلف، ظل يراقب ملامحها لاسيما وهي موصدة العينين، فاجأته بهمسها الذي أخترق سمعه:

_ سليم.

 

دنا منها في ترقب مجيباً علي ندائها:

_ نعم؟.

 

أجابت فأصابته بالصدمة للمرة المائة:

_ أحضني.

 

أفترقت شفاه بدهشة غزت ملامحه، وبدون أن تفتح وتنظر إليه توقعت ردة فعله، فأردفت:

_ مالك مصدوم ليه!، مش ده الي كنت رايده مني من يوم ما أتچوزنا، أسلملك حالي برضايا!.

 

ضيق عينيه وأرهف سمعه، فسألها:

_ قصدك الي فهمته ولا.

 

فتحت عينيها وأعتدلت لترمقه بنظرات خالية من أي تعبير فأجابت بآلية:

_ أيوه جصدي الي فهمته دلوق.

 

رفعت يدها لتضعها علي صدره العاري، وترمقه بدعوة صريحة، فما كان منه سوي أن نزل معها داخل المياه، أنقض علي شفاها بجموح، يقبلها بكل قوته، هبط بشفاه علي ذقنها الملساء ثم إلي عنقها الذي قام بتلثيمه ولأول مرة تصدر تأوهاً ليس نابعاً من الألم مثلما يحدث كلما أقترب منها، بل كان تأوهاً من نوع آخر أثار كل خلية في جسده، غير آبه لألم جرحه الذي لم يندمل بعد، فعليه أن يغتنم تلك الفرصة الذهبية بالنسبة إليه، ما زال يُقبلها ويعانقها ويديه تجول علي بشرتها الملساء ذات الملمس الحريري، ليحررها من قطعتي الثياب التي كانت ترتديها، وعلي أضواء الشموع وأسفل الماء يبادلها الحب، تخلي عن ممارسته العنيفة التي كان يفعلها بها رغماً عنها، والآن كل قبلة وكل لمسة يصاحبها همسات من الغزل والإطراء، يشعر وكأنه يمتلك العالم بين يديه.

 

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

 

_ يستند بظهره علي لوح السرير الخلفي يزفر سيجاره، ينظر إليها بين كل حين وآخر، تتقلب وتمددت علي بطنها وخصلاتها الغجرية مبعثرة علي ظهرها العاري، يظن إنها نائمة وهي مستيقظة تتصنع النوم.

يجول في ذهنه مئات الأسئلة علي رأسها هل خضوعها إليه حقيقي أم زائف لإجتناب شره وما فعله بها اليوم!، لذا يجب عليه أن يضيق عليها الخناق ليري إلي أي مدي ستتحمل سيطرته، و هل ستطيعه أم ستعود كالسابق!.

بينما ما يُلح عليه هو لما بدأ يخبو شغفه نحو خضوعها الذي كان يصبو إليه ، فهل كان تمردها ورفضها الدائم له كانا يروقانه أكثر من إستسلامها!.

أمسك بهاتفه من جواره ينظر في الساعة ليجدها الحادية عشر مساءً، دفس ماتبقي من سيجاره في المنفضة.

 

هبط إلي داخل الدثار جوارها وأستند علي يده والأخري أخذ يمسد ظهرها:

_ زوزو.

 

همهمت بصوت مصتنع يتخلله النعاس ولم تفتح عينيها بعد:

_ لساتك صاحي مانمتش إياك؟.

 

كانت يده تهبط نحو أسفل ظهرها فأنتفضت و أستدارت لتعتدل محتفظة بالدثار عليها وبتلك الإبتسامة التي تخلو من الحياة، فأجاب عليها:

_ مجاليش نوم، غير أن المفروض نرجع الڤيلا، بكرة هانروح نبارك لصلاح ومراته.

 

ردت بإقتضاب:

_ حاضر.

 

عقد مابين حاجبيه متعجباً لردها المقتضب، فسألها:

_ مش هتسأليني هو أتجوز مين؟.

 

ردت بآلية:

_ وأني هسأل ليه عاد، ربنا يهنيه هو ومارته.

 

فاجأها بسؤال آخر وظل يراقب لغة جسدها كردة فعل علي سؤاله:

_ أنتي كنتي واخده اللاب تعملي بيه أي؟،ياتري كنتي ناوية تسلميه للبوليس عشان تخلصي مني قبل ما أوصلك؟.

 

رفرفت أهدابها وحاولت بشتي السُبل أن لا ينبلج علي ملامحها الكذب:

_ بوليس أي الي أسلمه اللاب، أني كنت واخداه لأچل أخلي ساندرا تشوفلي بيعة ليه وأخد فلوسه لأن ما كان معاي ولا فلوس ولا موبايل، لجتها ربنا يباركلها أتكلفت بكل مصاريفي وعطتني الموبايل الي أنت أخدته مني.

 

_ ماشي، هاحاول أصدقك لأن لو أكتشفت لعب أو خيانة من ورا ضهري، مش هارحمك ولا أنتي ولا أهلك، اقل حاجة هاعملها معاكم هي أرميكم للكلاب الي فوق بعد ما أقطع جثة كل واحد فيكم حتت، وصلت الرسالة يا بيبي.

تفوه بها ويداعب وجنتها بأنامله فأومأت له وهي تزدرد لعابها فأجابت:

_ وصلت.

 

هم بالنهوض قائلاً:

_ هاقوم أخد شاور و أنتي كمان وجهزي نفسك عشان نروح علي الڤيلا.

 

_ أستني.

ألتفت إليها ليري ماذا تريد، فوجدها تقترب منه زاحفة علي ركبتيها فوق الفراش، وضعت يديها علي كتفيه تنظر له ذات النظرة عندما كانا في المرحاض.

_ خلينا الليلة دي أهنه ونبجو نرچعو وجت ما نصحو.

 

رمقها بإبتسامة ماكرة يدرك ما وراء طلبها:

_ أنا ملاحظ إن في واحدة صاحبتنا بقت قطة شقية، وعاجبها اللعب مع الأسد.

 

كان يتوقع أنها ستخجل منه مشاكسته لها، لتفاجأه بما لم يتوقعه بتاً مهما كانت مستسلمة إليه.

نهضت وهي تلف علي جسدها الدثار، ألتقطت رابطة عنقه المُلقاة علي الأرض وأتجهت إليه لتعطيها إياه:

_ أني خابرة أنك عتحب تعمل إكده ويدي مربوطة، أتفضل سوي كيف ما أنت رايد.

 

تجهمت ملامحه لوهلة، فوجد أنه سيكون إختبار لخضوعها إليه إن كان حقيقاً أم مصتنعاً.

جذب رابطته من يدها وبحزم أمرها:

_ ضُمي إيديكي جمب بعض.

 

نفذت أمره في الحال، تنظر لأسفل تتحاشي رؤية ظلام عينيه المخيف في تلك اللحظات.

 

_ أرفعي وشك وعينيكي ماتنزلش عن عينيا.

 

نظرت بثبات في عينيه ولم تحرك جفنيها حتي لرؤيته وهو يُقيد الرابطة حول رسغيها معاً بربطة مُحكمة، أمسك بالطرف الآخر وقال لها بأمر مرة ثالثة:

_ أطلعي علي السرير.

 

أذعنت لأمره وفعلتها،فقام بربط الطرف الآخر بللوح السرير الخلفي، أقترب منها وأعتلاها ليمارس معها الحب بطريقته التي لاتخلو من العنف، يُقبلها حتي يُدمي شفاها ويلعق دمائها وكأنه يرتشف صوص الفراولة، كذلك قُبلاته علي أنحاء عنقها وجسدها كانت عنيفة تاركاً علامات بألوان تتراوح بين اللون الأخضر والقرمزي الداكن كإثبات لها إن هذا الجسد ملكه الخاص ويفعل به ما يشاء.

 

ظل كليهما هكذا لأكثر من ثلاث مرات مابين الممارسة الطبيعية والأخري العنيفة وطقوسه السادية الذي يتلذذ فيها بإيلامها، والأكثر دهشةً كانت هي من تطالبه بشراهة مما أثار ريبته نحوها، وفي المرة الأخري نهض من فوقها يلتقط أنفاسه والعرق يتصبب من كل أنحاء جسده، أحتضنها ويربت علي ظهرها قائلاً:

_ كفاية كده عليكي يابيبي النهاردة، الفجر قرب يأذن وإحنا المفروض نصحي بدري، ويكون في علمك في نظام وتعليمات هاتمشي عليها من ضمنها مواعيد نومك، تنامي وتصحي بدري مليش أنا في نظام السهر، إلا إذا كنا خارجين أو معزومين في مناسبة، وحاجات كتير لسه هقولك عليها بس بكرة بقي، لأن بصراحة فصلت وعايز أنام.

 

أعطاها قبلة رقيقة علي شفاها المنتفخة:

_ Good Night My Lovely.

 

ذهب في النوم رغماً عنه، بينما هي نهضت من جواره و ولجت إلي المرحاض ثم دلفت إلي كابينة الإستحمام وبدأت تغتسل، فكانت المياه المنهمرة تختلط بعبراتها التي أطلقتها، تريد الصراخ بأعلي صوت لديها لكنها تخشي إيقاظه ويراها في تلك الحالة التي يُرثي لها.

 

أنهتت من الإغتسال وأرتدت منامتها القطنية، تمددت علي الأريكة المقابلة للسرير، ظلت تنظر إليه وهو نائم في سبات عميق.

 

تسأل نفسها ماذا يحدث إذا قامت بقتله، قامت وأستلت السكين من طبق الفاكهة الموضوع أعلي المنضدة، وبخطي وئيدة تسير نحوه، ويدها الحاملة للسكين ترتجف، طالما تخشي رؤية والدتها وهي تقوم بذبح الطيور، فما بالها أن تقتل إنسان، بل الشيطان ذاته، هل تمتلك القوة والشجاعة بأن تفعلها!.

 

وقفت بجواره، يتمدد علي ظهره بأريحية، الخوف يسيطر عليها، ترددت كثيراً حتي فاض بها الكيل، وحسمت أمرها، رفعت يدها بالسكين لأعلي، فأنزلتها صوب موضع قلبه مباشرة، وقبل أن تصل وتغرز في هدفها أوقفتها يده ونظرته القاتلة عندما فتح عينيه!.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌷يتبع 🌷

 

#الفصل_الثاني_والثلاثون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ ذهب في النوم رغماً عنه، بينما هي نهضت من جواره و ولجت إلي المرحاض ثم دلفت إلي كابينة الإستحمام وبدأت تغتسل، فكانت المياه المنهمرة تختلط بعبراتها التي أطلقتها، تريد الصراخ بأعلي صوت لديها لكنها تخشي إيقاظه ويراها في تلك الحالة التي يُرثي لها.

 

أنهتت من الإغتسال وأرتدت منامتها القطنية، تمددت علي الأريكة المقابلة للسرير، ظلت تنظر إليه وهو نائم في سبات عميق.

 

تسأل نفسها ماذا يحدث إذا قامت بقتله، قامت وأستلت السكين من طبق الفاكهة الموضوع أعلي المنضدة، وبخطي وئيدة تسير نحوه، ويدها الحاملة للسكين ترتجف، طالما تخشي رؤية والدتها وهي تقوم بذبح الطيور، فما بالها أن تقتل إنسان،  بل الشيطان ذاته،  هل تمتلك القوة والشجاعة بأن تفعلها!.

 

وقفت بجواره،  يتمدد علي ظهره بأريحية،  الخوف يسيطر عليها،  ترددت كثيراً حتي فاض بها الكيل،  وحسمت أمرها،  رفعت يدها بالسكين لأعلي، فأنزلتها صوب موضع قلبه مباشرة،  وقبل أن تصل وتغرز في هدفها أوقفتها يده ونظرته القاتلة عندما فتح عينيه!.

 

أستيقظ فجاءةً كالعائد من الموت لتوه، فما كانت هذه سوي أضغاث أحلام ينسجها له عقله الباطن، جال ببصره باحثاً عنها فوجدها تتمدد بجواره وتغط في نوم عميق،الذي حدث لها علي يديه ليس بالهين، وبرغم خضوعها وإستسلامها لكن هناك صوت في رأسه يخبره بالحذر ربما هذا بداية النهاية وربما نهايته هو خاصةً.

 

أخذ يداعب خصلاتها بأنامله، فلاحظ رجيف جسدها ومن ملامح وجهها المنقبضة بإمتعاض، أدرك إنها تري الآن كابوساً.

ربت علي ظهرها برفق ليوقظها:

_ زينب، بيبي قومي أصحي، زي….

 

أنتفضت فأفزعته، تنظر له بخوف وصدرها يعلو ويهبط، فسألها:

_ أنتي كويسة؟.

 

تلفتت من حولها وتذكرت أخر ما حدث بينهم قبل أن ترحل في النوم، بدأت أنفاسها تنتظم، تنظر إليه لتراه يحدقها عن كثب، فنظراته تلك تصيبها بالإرتباك دائماً وكأنها لوح شفاف يسهل قراءته ويعلم ما تفكر به.

أشاحت وجهها لتتجنب نظراته و أعتدلت بجذعها فجذبت الدثار عليها لتنهض، منعها من الإبتعاد بجذب طرف الدثار مما أرغمها للإستداره والنظر إليه:

_ في حاچة؟.

 

ظل يرمقها بشبه إبتسامة لم تصل لقاتمتيه، وكأنه يخبرها إنه ليس بمن يتم خداعه فعليها الحذر وإلا ستري ما هو أبشع ما تلقته علي يديه.

 

أطلق زفرة عميقة فأجاب:

_ مفيش.

ترك الدثار ونهض ليرتدي سرواله مولياً إليها ظهره، أشاحت وجهها بخجل شديد، و ما أن همت بالخُطي نحو المرحاض أوقفها مرة أخري ليردف بأمر:

_ عشر دقايق وألاقيكي جاهزة.

 

أكتفت بالإيماء وكأنه يراها:

_ ما سمعتش.

 

تفوهت بصوت بالكاد يسمعه:

_ حاضر.

 

ألتفت إليها وسار نحوها حتي أصبح شديد القرب منها، وبما أنها في وعيها وإدراكها الكامل، لم تستطع التحمل، أنقطعت أنفاسها حينما تفوه:

_ ما إسمهاش حاضر يا بيبي.

 

جذبها بين زراعيه لترتطم علي صدره ، ف لمسته إليها لاتخلو من العنف، هسهس علي عنقها مُردفاً:

_ إسمها أمرك يا حبيبي، أتفقنا؟.

 

هزت رأسها بالإيجاب، فضغط علي خصرها وبنبرة تبدو هادئه لكنها تحمل تحذيراً جلياً:

_ مش سامع.

 

همست رغماً عنها:

_ أمرك حبيبي.

 

_ براڤو.

أثني عليها وقام بتلثيم عنقها بشفاه لتترك علامة جديدة غير تلك العلامات المنتشرة علي أنحاء جسدها.

 

تملصت من بين يديه قائلة:

_ ممكن تهملني لأچل أچهز حالي في العشر دقايق الي جولتلي عليهم؟.

 

رفع جانب فمه ببسمة هاكمة، فأومأ لها بسوداويتيه أن تذهب.

 

و ها هي قد خرجت أخيراً من هذا المكان الموحش الذي يطلق عليه إسم الهنجر، دلفت بداخل تلك السيارة السوداء في تلك المرة بإرادتها علي غرار الأمس عندما دلفت بداخلها رغماً عن أنفها.

و ما أن بدأت السيارة بالتحرك، ثارت الكلاب بالنباح الذي جعلها أرتجفت ونظرت إليهم عبر النافذة لتجدهم ليست بالكلاب التي تراها من قبل، فأتاها صوته وهو يمد يده ليمسك خاصتها بتملك:

_ ماستيف، من أشرس أنواع الكلاب وأضخمها بعت أشتريته من ألمانيا، والي هناك ده.

أشار إلي مبني آخر بوابته قضبان حديدية، أردف:

_ و ده روت فايلر و زي ما أنتي شايفه شكله بيوحي بشراسته وقوته ومعظم رجال الأعمال بيشتروه للحراسة، إما الي في آخر قفص ده نوعه يبقي بيتبول ده بقي أخطرهم وأشرسهم كمان، مابيسبش فريسته غير لما يغرز فيها أسنانه ولحد ماتطلع في الروح.

 

كان وقع كلماته مع رؤيتها لتلك الكلاب المفترسة جعل خفقات قلبها تتسارع بضراوة، فكان مُحقاً عندما أخبرها إنها لو لاذت بالفرار من تحت الأرض فسيطلق عليها تلك الكلاب القاتلة،فالنجاة من براثنهم ليست سوي معجزة آلهية.

 

تحمحم السائق ليسأله:

_ سليم باشا، أطلع علي زايد؟.

 

نظر إليه عبر المرآه الأمامية وقال:

_ أطلع علي الكونتينتال.

*ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

 

_ وفي المشفي أخبره الطبيب بأن الحاج نعمان أفاق من الغيبوبة وقد نقله إلي غرفة عادية وتحت الرعاية أيضاً، شعر بالسعادة العارمة وكأنه والده، طلب منه الدخول لرؤيته والإطمئنان عليه.

دلف و كان يحمل أكياس مليئة بالفواكه المتنوعة

_ السلام عليكم.

 

بادله التحية بوهن:

_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

كاد يعتدل فهرع إليه ليساعده:

_ خليك مطرحك،  أني مش غريب.

 

رمقه بنظرة حنان لم يراها سوي في عين والده:

_ أنت مش غريب،  أنت إبني الي مخلفتوش يا فارس.

 

أبتسم له بإمتنان وقال:

_ يعلم ربنا أني من أول ما شوفتك وحسيت أن فيك من ريحة أبوي، حنيته وچدعنته و وجفته ويا المحتاچ.

 

عقب نعمان بعدما تنهد:

_ الله يرحمه، بس تعرف أنت شبهه أوي، نفس الطلة حتي خصاله، وارث منه المروءة وعزة النفس.

 

إبتسم بعفوية رافعاً يده:

_ الله يخليك ويبارك لك.

 

_ هات كرسي وتعالي أقعد جمبي عشان عايزك في كلمتين.

تمثل فارس لمطلبه وبعد أن جلس قال له:

_ بص يابني، أنا كنت طلبت منك قبل الي يحصل لبنتي،  أنكم تتخطبو وتتجوزها، لأن عمري ما هلاقي واحد غيرك أأمنه عليها من بعدي.

_ الله يعزك يا حاچ،  بس ه…..

 

قاطعه نعمان بنبرة أدرك الآخر مدي آسفه وحزنه  علي ماحدث لإبنته من إتهامات باطلة:

_ أنا عارف موضوع الفيديوهات ده ممكن يخليك تتراجع حتي لو عارف إنها بريئة.

 

رد بإنكار:

_ أبداً والله يا حاچ، الآنسة شهد زينة البنات، والكلب الي إسمه ممدوح أني مستني إنك تجوم بالسلامة الأول ، وهاشوف شغلي وياه، هي كل الحكاية أن……

 

قاطعه مرة أخري قائلاً:

_ أطمن شهد سمعتنا لما كنت عندنا، وقعدت معاها وقولتلها إنك هتحكيلها بنفسك حكايتك كلها عشان تبقو علي نور من غير خداع أو كذب.

 

_ أني مكنتش أجصد إكده،  كنت هاجول إن…..

 

قاطعة للمرة الثالثة وأستشف من نبرته الرجاء:

_ لو علي موضوع ورقك والبطاقة أنا حبايبي كتير وأطمن هخليهم يظبطولك بطاقة مضروبة، والله يا فارس يابني ماتعرفش فرحت أد أي لما حسيت أنك موافق، شهد ملهاش غيري وأنا أديك شايف ياعالم النفس الي داخلي دلوقت ممكن مايطلعش، وهي علي أد القوة الي بتتظاهر بيها للناس بس من جواها ضعيفة، فيها المطمع، ممدوح والي زيه مش هيسبوها في حالها، عشان كده بقولك بنتي أمانة في رقبتك، خلي بالك منها.

 

كان يريد أن يخبره بالمانع الحقيقي من زواج إبنته، وهو أن قلبه ليس بيديه، يحمل عشق من يتمني أن يلقاها ويراها ولو مرة واحدة.

 

دلفت بدون أن تطرق الباب، تراجعت خطوة إلي الوراء عندما رأته، لديها الكثير من المشاعر المتضاربة نحوه كلما تذكرت حديثه مع والدها وماهية حقيقته.

 

_ تعالي يا شهد،  واقفة عندك ليه يا حبيبتي.

 

قالها ويشير إليها للمجيئ،  ألتفت فارس ليراها تنظر إليه في صمت،  يعلم ما يجول في خُلدها للتو من صدمتها في من أحبته.

 

وضعت ما بيدها جانباً وقالت:

_ أنا لما لاقيتك نايم،  نزلت أشتريت لك شوية حاجات الي أنت بتحبها عارفة أنك بتكره أكل المستشفيات، هاروح أنادي علي الممرضة تديلك العلاج.

 

أوقفها نعمان قبل أن تذهب:

_ تعالي بس،  الممرضة زمانها جاية هي عارفة شغلها،  إنما أنتي خدي فارس يروحك.

 

رفضت بإصرار:

_ وأنا مش هاروح علي البيت غير رجلي علي رجلك، من وقت ما فوقت وعمال تزعق فيا عشان أمشي وقولتلك مش ماشية.

 

أشاح فارس وجهه جانباً حتي لاتري إبتسامته من هيئتها و غضبها كالطفلة المتذمرة.

 

قام بإستغلال خوفها عليه:

_ أقسم بالله ياشهد لو ماسمعتي الكلام، آه…..

 

تألم وتصنع عدم مقدرته علي التنفس مما أفزعها هي وفارس الذي أقترب منه لمساعدته، وبدون أن تلاحظ إبنته، غمز بعينه إليه ليطمأنه ويخبره هذه مجرد خدعة.

 

_ بابا حبيبي أنت كويس، حاضر هاسمع كلامك، بالله عليك ماتتعصبش عشان قلبك.

 

أجاب مشيراً إليها للذهاب:

_ يبقي تسمعي الي بقولك عليه وماتتعبينيش.

 

أعتدل ونظر إلي فارس بجدية مصتنعة:

_ وأنت يا فارس خدها وصلها، وقبل ماتوصلها، روحو علي أي مطعم وأتغدو، دي ما كلتش من الصبح وقت مافوقت.

 

أومأ له قائلاً:

_ حاضر يا حاچ.

 

نظر إلي إبنته مرة أخري:

_ أطلعي بره عايز فارس في كلمتين.

 

رفعت حاجبها الأيسر بدهشة ساخرة، زفرت بتأفف:

_ ماشي.

ذهبت فأشار له بالإقتراب حتي لاتسمعه المنتظرة في الخارج.

_ خدها في مطعم أو أي مكان عام وأقعد معاها أحكيلها عن كل حاجة، وخد بالك منها.

 

_ في عينيا يا حاچ، وأني هابجي أچي أطمن عليك بعد ما أوصلها للبيت.

 

هز رأسه بالرفض وقال:

_ لاء ماتجيش، روح علي المحل وخد بالك عشان الواد حمودة ده علي نياته وساذج وممكن الزباين تضحك عليه، ومتقلقش أنا إحتمال بكرة إن شاء الرحمن الدكتور يكتب لي علي خروج، هابقي أكلمك وقتها.

*ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

_ في مطعم الفندق الشهير تتناول طعام الفطور بينما هو يرتشف القهوة ويتصفح الأخبار، سألها بدون أن ينظر إليها:

_ خلصتي؟.

 

هزت رأسها بالإيجاب وقالت:

_ أيوه،  هو إحنا هنتدلي علي الڤيلا ميتي؟.

 

_ بعد ما نزور صلاح هارجع بيكي علي هنا لأن في شوية تجهيزات في الڤيلا لسه مخلصتش.

ترك القدح علي الطاولة،  وأغلق شاشة الهاتف ليضعه في الجيب الداخلي لسترته

 

تمسك بمحرمة ورقية تمسح فمها من آثار الطعام:  _ ممكن أطلع للچناح أريح شوية، حاسة بصداع رهيب مابيهملنيش غير لما أنعس.

 

رمقها بجدية وأجاب علي طلبها بالرفض التام:

_ لاء، مفيش نوم بالنهار لأن هيخليكي تسهري، و زي ما قولتلك ممنوع السهر.

 

كادت تتمرد لكن كبتت هذا التمرد بداخلها حتي لايأتي علي رأسها بالعواقب الوخيمة،فلقد تعلمت الدرس بحذافيره ولم تكرر خطأها مرة أخري.

 

همت بالنهوض وقالت:

_ ممكن أطلع عشان أخد شاور وأغير خلچاتي جبل مانروح؟.

 

أبتسم من طاعتها التي بدت من أستأذانتها منه، وبرغم تيقنه إنها طاعة زائفة لتتجنب غضبه وعقابه لكن هذا يسعده ويشعره بالإنتشاء فيكفي خوفها ورعبها منه.

 

_ أستني أنا طالع معاكي.

أقترب منها وحاوط خصرها بزراعه وكأنه يعلن ملكيته لها أمام الجميع، سار بها إلي المصعد و دلفا إلي داخله وبمجرد لمسه لزرار الإغلاق و رقم الطابق تحرك المصعد لأعلي، فباغتها بقبلة جامحة، ألتصق ظهرها بمرآه جدار المصعد ومن قوة ضغط جسده علي خاصتها شعرت وكأن جسدها سيخترق المرآه.

توقف المصعد فأبتعد عنها ويلتقط أنفاسه، حاوط خصرها مرة أخري و دخل إلي جناحه الخاص.

أوصد الباب من الداخل، كادت تخطو إلي المرحاض لتتهرب منه، جذبها إليه ورأت تلك النظرة المظلمة في عينيه، أدركت إنه في تلك الحالة الجنونية ولكي تتجنب شره، أستمرت في خضوعها التام.

 

تجرعت لعابها بتوتر وخوف جلي في عينيه، فهي الآن في كامل إدراكها وإفاقة من صدمة الأمس التي كانت تحت وقع أثارها.

 

خلع وشاحها وأمسك بيديها ليضعها أعلاها، وأنهال علي عنقها بقبلات نهمة، تفوهت بصعوبة حتي لا تتأوه من الألم التي تشعر به من حدة أسنانه:

_ إحنا إكده هنتأخرو علي صاحبك.

 

ضغط بجسده عليها ويستمر في قبلاته العنيفة قائلاً من بين أسنانه:

_ ركزي وأنا معاكي.

أبتعد عن عنقها ليرمقها بتلك النظرة وكأنها فاكهة يشتهيها بضراوة، أردف:

_ عايز كل تركيزك وعقلك حتي قلبك وروحك يبقو معايا، فاهمة يا حبيبتي؟.

 

أغمضت عينيها وقالت علي مضض:

_ فاهمة.

 

أطلق زمجرة كالوحش قبل أن يلتهم فريسته، و أكمل ممارسته الضارية بها ليشبع جانبه المظلم.

وبعد قليل بعدما أبتعد عنها يشعر وكأن هناك شيئاً ينقصه، فكان تمردها ورفضها الدائم يرضيه ويسعده لكن خضوعها الآن جعله يفقد ذلك الشغف.

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

_ عجباً لتلك القلوب التي لا تختار سوي من لا يبالي ولا يكترث لأمرها وتفني روحها من أجل هذا الحب!.

 

يجذب لها الكرسي قائلاً:

_ أتفضلي.

 

ردت بإقتضاب متفحصة ملامحه بدون أن يلاحظ نظراتها الخفية:

_ شكراً.

 

و ذهب ليجلس مقابلها،  أطلق زفره من أعماقه،  يحمل من الهموم جبال علي كاهليه، فقلبه موچوع ولايريد أن يؤلم غيره مثلما يتألم هو.

 

_ تحبي تاكلي أي؟.

سألها ويمسك بقائمة المأكولات التي يقدمها النادي و مازال لاينظر إليها وكأنه يتهرب منها.

 

أجابت علي مهل:

_ أنا عايزة أشرب نسكافيه، حاسة بصداع رهيب عشان مابنمش بقالي يومين ويمكن أكتر.

 

رفع رماديتيه فرمقها بإبتسامة هادئة:

_ وياتري جلة النوم دي لأچل تعب الحاچ ولا عشان حاچة تانية؟.

 

ظلت تحدق في رماديتيه لثوان ثم أجابت:

_ مش عارفة.

 

علم إنها تفر من الإجابة علي سؤاله، تنهد و كاد سيتفوه فسبقه النادل:

_ أي طلبات يا فندم، عندنا كل الي موجود في المنيو و في واجبات كمان.

 

أجابت شهد بدلاً من فارس:

_ أنا عايزة واحد نسكافيه سادة، وبعد كده هنطلب الأكل.

 

_ وحضرتك يافندم؟.

 

رد فارس:

_ واحد جهوة مظبوط.

 

ذهب النادل وظلت شاردة في أثره، فأخرجها حمحمته من شرودها:

_ حابب أدردش وياكي عقبال ما تيچي الجهوة.

 

قلبها يدق بقوة، لاتدري ماذا عساها أن تقول له، تحمل في طيات قلبها الكثير إليه، بينما هو من النظر في رماديتيه المليئة بالشجن علمت إنها مُقبلة علي حرب ضروس طاحنة ومهلكة لقلبها.

 

_ أتفضل أنا سامعاك.

تفوهت بها وهي في ترقب لما سيخرج من بين شفاه.

 

_ مبدأياً إكده كيف ما سمعتي أني أسمي فارس قاسم القناوي، من قنا، أبوي الله يرحمه كان عمدة النچع.

كانت ساقه تهتز أسفل الطاولة عادة تلزمه كلما يداهمه التوتر.

_ كنت في أمريكا كملت دراستي وحضرت الماچيستير ونويت علي الدكتوراه، لكن چالي عرض في أكبر شركات البرمچة والكمبيوتر هناك في نيويورك، أشتغلت حداهم تلات سنين ورچعت لأچل….

 

صمت في محاولة التفكير أن يخبرها بتأني حتي لايجرح مشاعرها

أزدرد لعابه ليستطرد:

_ أني كنت خاطب زينب بت عمي من زمان، من وجت ما خابرت معني الحب ماحستهوش غير وياها وهي كمان بتحبني، ولما رچعت من أمريكا رچعت عشان نتچوز لكن فچاءة كل حاچة أتشقلبت اليوم ده.

 

ذهب ببصره ينظر إلي مياه النيل التي تعكس أشعة الشمس المتوهجة، يرجع بذاكرته إلي ذاك اليوم وأخذ يقص عليها كل ما حدث له من بداية وفاة والده والقبض عليه بتهمة ملفقة إلي أن تعرف علي والدها، فكانت تستمع إليه بكل حواسها، وكلما ذكر لها مدي خسارته لزينب التي لايعلم أين هي، تحاول كبت غضب قلبها الثائر.

 

_ هي دي كل حكايتي.

 

جاء النادل و وضع أمام كل واحد علي حده مشروبه وذهب، أمسك فارس بفنجانه وأرتشف القليل، فباغتته بسؤال لم يتوقعه يوماً:

_ زينب لو ظهرت وشوفتها في يوم من الأيام هترجعلها؟.

 

بسمة يخالطها حزن دفين أختلجت ملامحه، في إنتظار الإجابة علي أحر من الجمر، وقبل أن يجيب أطلق تنهيدة وكأنها آهه يخرج بها ألم فؤاده:

_ للأسف آخر مرة شوفتها خلعت الدبلة وعطتيها لي .

 

تعجبت فسألته بدهشة جلية ومصتنعة في آن واحد :

_ ياه، باعتك بدل ما توقف جمبك؟.

 

نظر مرة أخري إلي النيل ليجيب قائلاً:

_ زينب الي شوفتها في اليوم ده كانت خايفة وقلقانة وكأنها مغصوبه علي حاچة، ما أنكرش صدمتي فيها لما سوت إكده وطلبت البعد، غصب عنها، متأكد إن أخوها رافع هو الي غصبها إنها تهملني.

 

أبتلعت غصتها لتسأله مرة أخري حتي تتأكد من حدسها:

_ طيب سؤال أخير وآسفة لو بزعجك، أنا سمعت بابا وهو بيقولك إنه هيساعدك لما توصل لبرائتك  ، بعد ما تاخد البراءة هاترجع لبلدك و…

 

توقفت لتلتقط أنفاسها، وأردفت:

_ قصدي يعني هاترجعلها؟.

 

أدرك مقصد سؤالها المتكرر ومخاوفها ولكي لايكون معها منافقاً أو خادعاً فأختار أن يصارحها بدواخله:

_ بصي يا بنت الناس أني يبجي بخدعك لو جولتلك لاء، أني خابر وقاري الي في عينيكي زين جوي، سبق وجولتلك أني وعيت علي الدنيا عليها وأول ما جلبي دق برضك كان ليها، بجينا روح واحدة في چسدين، أتعهدنا إن الي هيفرقنا حاچة واحدة بس وهي الموت، لأچل إكده من وجت آخر مرة شوفتها و بجيت كيف الميت.

 

بدأت تتجمع العبرات في عينيها كالغيوم الملبدة في سماء الشتاء

 

_ مش ممكن تدي لقلبك فرصة تانية مع حد بيحبه، حد مستعد يعمل أي حاجة عشان يرضيه ويسعده؟.

 

الشعور بالأختناق يداهمه من رؤيتها في تلك الحالة، لايريد أن يؤلمها كما يتألم ويتذوق عذاب شوقه لمعشوقة قلبه و في ذات الوقت لايريد أن يشيد لها قصور من وهمٍ أو يعطيها أملاً في واقعه خيبة، فهي كالتائه في صحراء قاحلة ويبحث عن الماء ليروي جفاف حلقه وكلما تقترب من البئر تجده سراباً.

 

تحمحم ليجيب بكل صدق:

_ جلبي ماهوش ملكي، كل الي هيبجي بيني وبينك أول مايتجفل علينا باب واحد كل الإحترام والتقدير، معلش لو حديتي ضايقك، كان لازم أبجي وياكي علي نور من الأول، وليكي الأختيار في الآخر يا تقابلي تتچوزيني أو ترفضي.

 

صرخة بل آلاف الصراخات المترددة بداخلها، ودت لو أطلقتها لعلها تخفف ألم فؤادها المقهور، لما أوقعها القدر في درب قلب ملتاع علي فراق محبوبته!.

 

لا تجد سوي أن تطلق عبراتها في صمت، نهضت و وقفت لدي حافة السور الزجاجي لتجهش في البكاء، نهض ليتبعها،فوقف بجوارها بدون أن ينظر إليها، أخذت تجفف عبراتها بيديها ثم ألتفتت إليه:

_ أنا عايزة أروح.

 

رد برفض وإصرار:

_ ماينفعش تروحي غير لما تاكلي الأول.

 

صاحت برفض مماثل:

_ مش عايزة أكل.

 

أمسكت بحقيبة يدها إستعداداً للمغادرة،أشهرت سبابتها بتحذير في وجهه:

_ أنا هاروح لوحدي إياك تيجي معايا.

 

وبسبب صوتها المرتفع ألتفتت إليها الأنظار، عقد حاجبيه بغضب، أخرج من جيبه ثمن المشروبات و وضعه علي الطاولة، جذبها من يدها كالطفلة بدون أن يتفوه بحرف وسار بها نحو الخارج وهي تزجره:

_ سيب إيدي، أوعي مابتفهمش، بقولك عايزه أمشي لوحدي.

 

كل مايقابلهما في الطريق يحدق بهما، يبدو علي وجهه إمارات الغضب من صياحها المدوي و هي كانت تحاول سحب يدها من قبضته لكن لامحالة، فقبضته كالفولاذ.

أشار إلي سيارة أجرة، فتوقفت أمامهما.

_ أنت أي معندكش عقل بتفكر بيه بقولك…..

 

قال لها بأمر:

_ أركبي.

 

_ مش راكبه.

 

زجرها بتلك النظرة التي تخيفها وصاح بها:

_ جولت أركبي.

 

جزت علي أسنانها بحنق،  تشهق وتزفر بقوة،فأذعنت لأمره في النهاية ودلفت إلي السيارة و دلف أيضاً بجوارها ليقول للسائق:

_ أطلع ياسطا.

 

* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

 

_ ونعود مرة أخري إلي نجع نور الدين_ ونعود مرة أخري إلي نجع نور الدين حيث منزل الشيخ واصف، تتعالي فيه أصوات جليلة وإبنتها في مشاحنة حادة.

_ جولتلك ماريحاش عند خالي، ولا هو بالعافية عاد!.

صرخت بها فاطمة،  فصاحت بها جليلة بالأمر والقسم:

_ طب عظيم ويمين بالله لأنتي لابسه خلچاتك دلولق وهاتيچي معايا حداهم.

 

أنتفخت أوادجها وفاض بها الأمر فقالت بتحدي وإصرار:

_ قسم جصاد قسم ويمين بالله ماريحاش عند حد واصل.

 

خلعت جليلة نعلها للتو والشرر يتطاير من عينيها:  _ عتحلفي علي أمك يا جليلة الرباية،  والله ما هحلك من يدي.

 

أنقضت عليها قبل أن تفر من أمامها وأنهالت بنعلها علي كل أنحاء جسدها والأخري تصرخ بإستغاثة.

_ ألحجوني، هملني ياماه، بعدي عني.

 

دلف واصف من باب الدار ليري مايحدث أمامه، هدر بزوجته:

_ چليلة.

 

توقفت لترمقه بتحذير:

_ خليك في حالك يا أبو زكريا، وهملني أربي بتي.

 

خطي نحوها ليمسك بيد إبنته وجعلها نهضت ويحتضنها بحنان:

_ عيب يا وليه الي عتسوي في بتك، فاطمة مابجتش العيلة أم ضفاير.

 

_ وأني من ميتي عضربها غير لما تكون سوت حاچة عفشة، أسألها إكده؟.

 

رفعت عينيها الباكيتين لوالدها وقالت:

_ والله ياباه ماسويت حاچة واصل، كل الي جولته ليها إن ماريحاش عند خالي.

 

تفوهت الأخري من بين أسنانها:

_ وفيها أي لما تزوري وتطمني علي خطيبك!.

 

_ لما يبجي خطيبي الأول.

 

رفعت إحدي حاجبيها فسألتها:

_ جصدك أي يا بت بطني؟.

 

أختبأت خلف والدها لتأخذ حذرها:

_ أني أتفجت وياه مفيش لاخطوبة ولا چواز غير لما يتوب عن تچارة المخدرات والسلاح وعن أي حاچة حرام.

 

ربت والدها علي يدها بإحسان وثناء:

_ بارك.الله فيكي يابتي، زين ما جولتي.

 

غرت جليلة فاها بصدمة من زوجها وإبنتها مما جعل الدماء تغلي في عروقها:

_ أنت عتشجعها يا واصف  بدل ما تكسر راسها الحچر دي!.

 

زجرها بنظرة تحذيرية قائلاً:

_ بتك صوح يا چليلة، والي عاتسويه إنها تخلي واحد عاصي يتوب لربه وتنول أچر عظيم عند ربنا.

 

جلست علي أقرب كرسي لها واضعة يديها فوق رأسها:

_ نفوخي يا عالم، الضغط هايموتني، چوزي وبتي رايدين يخلصو عليا.

 

وصرخت بآخر كلمة.

* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

 

_ و هنا في دار خميس القناوي تتعالي ضحكات الشباب، فقال زكريا من بين قهقته:

_ كل ما أفتكر شكل خايتي لما أطخيت،  في عز ما كنت مخلوع في نفس الوجت كنت هاموت من الضحك،  فكرتني بستك نچيبة الله يرحمها لما چدك أغمي عليه وأفتكرته مات جعدت تولول  لحد ما فاق راح عطيها كف.

نهض وأمسك بعصا رافع ليكمل أدائه وتقليده الفكاهي:

_ أكتمي يا وليه يا خرفانه، عتولولي عليا ولساتني عايش، جبر يلمك أنتي وعيلتك نفر نفر.

ضحك رافع ثم تأوه واضعاً يده لدي موضع جرحه:

_ أرحمني بجي من كتر الضحك حاسس الچرح هيتفتح.

 

فقال الآخر مازحاً:

_ چرح أي يا أبو چرح،  ده الدكتور بجي مستغرب كيف الرصاصة رشجت في ضلعك ومعدتهوش، كان نفسي أجوله متخافش عليه يا دكتور ولد خالي من كتر ماعيشتغل في الخرده چتته بجت كيف الحديد.

 

لكزه رافع في صدره ويضحك حتي لاحظ صمت بكر الشارد، فناداه:

_ كيفك يا شيخ بكر، من وجت ما چيبتني مع أخوك وأنت شارد، للدرچدي ماجدارش تبعد عن المزه؟.

 

وأنهي كلماته بغمزة وقحة، فسبر أغوار الأخر،  نهض و أشار له بتحذير:

_ أني محترم فرق السن الي بينتنا يا رافع،  ولولا إكده لكان ليا تصرف معاك تاني عاد.

 

أعتدل رافع في جلسته وقال:

_ مالك يا چدع، أني كنت بهزر معاك،  ومارتك كيف خايتي،  ما أجصدش حاچة واصل.

 

قبل أن يجيب نظر لشقيقه الذي تهرب من نظراته  ثم رمق إبن خاله الذي تعجب من غضبه،  فجميعهم يعلم مدي تحليه بالصبر والحلم.

_ وأنت خابر أني مليش في هزاركم الماسخ ده.

 

وعاد بنظره إلي أخيه الذي أراد تغير الأجواء والفرار من نظرات الإتهام في عين شقيقه.

_ إلا جولي يا رافع هو لما دخلك الظابط،  جالك مسكو الي طخك ولا لاء؟.

 

سأل رافع وأمسك بإناء الفخار ليرتشف القليل من الماء، عاد الأخر إلي الوراء ليتمدد بظهره وينعم بالراحة،  فأجاب:

_ آه جالي إنهم چابه وشه من تسچيل الكاميرات،  وجدرو يوصل له علي ما أظن إسمه مچاهد  أنور مچاهد.

 

وفي لحظة كان كل ما بفم زكريا من ماء تناثر في الهواء كالرذاذ في وجه رافع الذي رمقه بإزدراء وصاح به ويجفف الرذاذ من علي وجهه:

_ الله يجرفك، عيل عِفش.

 

كان يداهمه السعال حتي بدأ يهدأ فقال:

_ معلش يا رافع، أصلي شرجت.

جلس علي الكرسي و الشحوب يكسو وجهه فأردف وقد نسي وجود بكر :

_ خابر يبجي مين مچاهد دي، يبجي أخو البت ورد.

 

رد الآخر بحماقة:

_واه، ورد البت الي كانت حبلي منك ولما چت تجتلك جتلته….

 

لم يكمل حين زجره زكريا وأصلح ما قال:

_ جصدك كانت هتجتلني وهربت، صوح ولا أي.

 

هز رافع رأسه بالإيجاب:

_ صوح.

 

وينظر نحو بكر الذي يرمقهما بتجهم قائلاً:

_ ورد!،مش دي الي أخوها خطف خايتك لأچل يعرف مطرح أخته الي ضحكت عليها وحبلت منك.

 

أتسعت سواديتين رافع وهو يربط خيوط الحديث ببعضها البعض، فقال غير مكترث لزكريا:

_ والرصاصة الي أخدتها كنت أنت المجصود مش أني!.

 

حدج بكر بغضب في أخيه:

_ صوح الي فهمته ده يا أخوي، بجيت زاني وجاتل، بدل ما تصلح عملتك وتتوب تسوي ذنب أكبر، ذنب أي ده أنت سويت أتنين من الكبائر، زنا و جتل.

 

أزدرد الآخر لعابه فقال بدفاع عن حاله وإنكار:

_ أنت فهمت غلط يا أخوي.

 

نهض بكر وهم بالذهاب، في تلك اللحظة ولجت رسمية تحمل صينية الطعام:

_ رايح فين يا بكر، يلا عشان تاكله.

 

_ تسلم يدك يا مرات خالي، أبجي أچيلكم في وجت تاني، سلام عليكم.

قالها و ذهب مما اثار خوف زكريا الذي هم بالذهاب أيضاً واللحاق بأخيه:

_ معلش يا مرات خالي، أصلي أمي لسه مكلماني و رايده أروحلها ضروري، ألف حمدلله علي سلامة رافع، عن أذنك.

 

نظرت في إثرهم وقالت:

_ مالهم ولود عمتك، واحد خارچ كيف الي ميت له ميت والتاني متلهوچ.

 

ردد رافع ويفكر بالأمر:

_ ده بينه هيبجي مرار طافح.

 

وبالخارج أمام أطلال منزل قديم، يركض زكريا خلف أخيه:

_ بكر، يا بكر، وجف ياض عندك، جلبي هيجف من كتر الچري وراك.

 

توقف الآخر ليقول بسخرية:

_ و عتچري ليه ورايا، خايف لأبلغ أبوك وأمك وأفضحك عندهم، ولا خايف للبوليس يشم خبر بالي سمعته!.

 

يلتقط أنفاسه بللهاث، فأجاب:

_ أنت فاهم غلط، أني فعلاً غلطت وياها لكن ماجتلتهاش والله العظيم……

 

قاطعه بكر بصياح:

_ إياك تحلف بالله كذب، كفاية سجطت من نظري وصغرت جوي جوي كمان، للأسف أمي دلعتك بزيادة وكانت تداري علي مصايبك وبلاويك، ماخبراش إنها إكده بدل ما تربيك بتفسدك، وأدي النتيچة، ما هملتش ذنب غير ما سويته، تسكر وتزني وتبص علي دي وماتعتقش دي وأخرتها تقتل، لاء والكبيرة بجي، عينك من مرات أخوك.

 

جحظت عينيه من هول ما تفوه به شقيقه:

_ عتجول أي، عيب يا بكر و راعي إن أخوك الكبير.

 

صاح بغضب عارم:

_ تجدر تفسر لي يا أخوي يا كبير، ليه كل ما تشوف مارتي عينيك ماتنزلش من عليها!.

 

ولي الأخر إليه ظهره خشية من مواجهته قائلاً:

_ كفياك تخاريف، مارتك ببص لها كيف خايتي.

 

ألتفت بكر ليصبح أمامه:

_ خايتك!، هو فيه برضك أخ يبص لخايته كيف ما تبص لمارتي!.

أمسكه من تلابيبه ليردف:

_ ليه إكده يا ولد أمي وأبوي،  ضاجت في خلقتك من بين كل البنات والحريم عينك ماتشوفش غير مارتي!، كل ما كنت أشوف نظراتك ليها، كأنك چبت خنچر وتدبو في جلبي.

 

ترك تلابيب قميصه ليباغته بهذا السؤال الصادم:

_ عتحبها إياك؟.

 

لم يكن قادراً علي التفوه أو الإجابة وأكتفي بنكس رأسه لأسفل،  يخطو الأخر إلي الوراء قليلاً غير مصدق لما يراه من خزي وخيانة.

أجل خيانة، كيف يسمح لقلبه أن يحب زوجة أخيه!.

 

_ ما عتردش ليه؟، أكدب عليه وجولي لاء، جولي إن بتوهم ومچرد تهيؤات!.

 

أجاب بدون أن يرفع عينيه في خاصته:

_ مش بيدي، وماتسألنيش أي السبب لأني أني نفسي ماخابرش، ورايدك تطمن عمري ما أتعدي حدودي، هافضل أبص لها علي إنها مارت أخوي.

 

قهقه بسخرية لاذعة:

_ أنت عتضحك عليا ولا علي حالك؟، هجولك أني، أنت من كتر الوساخة والفچور الي عايش فيهم مبجاش جلبك وعقلك يفرقو مابين الصح والغلط، الحلال والحرام.

 

لم يتحمل كم هذه الإهانات التي أصابته في مقتل وجعلته يشعر بالضيق والكراهية من نفسه، فأخرج ما فاض به وأنهال علي شقيقه بلطمة صارخاً به:

_ أخرس.

 

* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

_ ولج إلي الداخل يسحب الحقيبة خلفه.

_ تعالي.

ولجت إلي هذا المنزل الجديد تتأمل جدرانه التي أثارت بداخلها شعور بالغربة رغماً من إنها في البناء المقابل للبناء التي تقطن به عائلتها.

 

_ واقفة عندك بتعملي أي؟.

أنتبهت إلي صوته،  فسارت إليه تنظر له ولا تعلم من أين تبدأ الحديث معه، بالأمس ما إن رأت إسمه ينير هاتفها وصوت نغمة الرنين التي خصصتها له فقط رقص قلبها من الفرح والسعادة تملأ محياها،تظن إنه كان يمزح في شرط رجوعه إليها وهو الزواج بأخري، وبمجرد أن سمعت صوته و تحدث  أصبحت حالتها علي النقيض تماماً، خاب ظنها عندما أخبرها أنه لايتراجع عن شرطه قد أصبح قرار محسوم أمره وعليها الخيار  فإذا وافقت تُعد حالها وتستعد للذهاب إلي منزلهما الجديد،  و ها هي الآن بداخله وبرفقته،  لكن معاملته التي مازالت تتسم بخلوها من المشاعر

ويكسوها الجليد، تجعل قلبها يشعر بالوخز طوال الوقت، تشتاق إلي نظرات عشقه إليها وإلي أحضانه الدافئه وإلي صوته الحاني عندما يلقي علي مسامعها أجمل الكلمات ومعاني الحب السامية، تشعر حينها وكأنها ملكة متوجة تتربع علي عرش فؤاد معشوقها.

 

أبتلعت لعابها لتبدأ الحديث قائلة:

_ شكراً.

 

رد في طريقه إلي الغرفة ويفك أزرار قميصه:

_ علي أي؟.

 

ذهبت خلفه وبخجل أجابت:

_ شكراً علي أنك سامحتني و ردتني.

 

ألتفت إليها وأمسكها من عضدها وبجمود يرمقها قائلاً:

_ أنا رديتك أه،  لكن ماسامحتكيش لسه، وأوعي تفتكري رجعتك عشان بحبك وعاشق ولهان ومش قادر علي بعدك، عملت كده عشان خاطر بنتنا الي ملهاش ذنب تتربي في جو أسري مفكك،  وملهاش ذنب ربنا رزقها بأم أنانية وكدابة ومش أهل للثقة.

 

كانت كلماته كالسهام المخضبة بالسم القاتل،  تو ملامسته للجسد تو ماينتشر سريعاً.

أزدردت غصتها كمرار العلقم فقالت:

_ كلنا بشر وبنغلط و ربنا بيسامح.

 

ترك زراعها بحدة:

_ و البني آدم مننا لما بيغلط المفروض يتعلم من غلطه مش يكرره!.

 

أقتربت خطوة لتصبح علي قرب شديد منه:

_ وأنا أتعلمت وعمري ما هكرر غلطي تاني،  نبدأ صفحة جديدة مع بعض، ولا أقولك أعتبرنا لسه متعرفين علي بعض من أول وجديد.

 

إبتسامة هاكمة غزت ثغره رداً علي ما تفوهت به، رد بسخرية وتهكم :

_ نتعرف علي بعض من أول وجديد ولما نتخانق في يوم من الأيام وأبعد شوية،  تروحي تغفليني وتخونيني مع علي،  صح!.

 

كم جرحتها كلماته و قبل أن تؤلمها ألمته هو بشدة، وأن قبلت بالعودة فعليها أن تتحمل.

 

_ و ده كان زمان خلاص،  وكنا مخطوبين.

 

دهشة أعتلت وجهه:

_ جواز، خطوبة الخيانة فيهم واحدة مابتتجزأش وأديكي بتدفعي ولسه هاتدفعي تمن خيانتك.

 

ردت بإنكار، فنعتها بالخيانة وصف بشع للغاية:

_ أنا مش خاينة، لكن أنت الي هاتبقي خاين لما تنقض وعدك ليا إن قلبك وكل ماتملك ليه أنا بس وعمر ما حد هيشاركني فيك، و دلوقت قبل ماتوافق علي رجوعي أشترطت إنك تتجوز عليه!، مش دي تعتبر خيانة برضو؟.

 

_ لاء مش خيانة، أولاً ربنا حلل للراجل المسلم مثني وثلاث ورباع بشرط إن تكون الزوجة ليها علم بالجواز من التانية وأنا بلغتك وأنتي وافقتي ثانياً بقي كل الي ليكي عندي المعاملة الطيبة والتقدير والإحترام، أكتر من كده ماتحلميش بحاجة، هاجي لك يوم وهي يوم ويوم الأجازة هاقضيه مع لارا.

 

أنسدلت عبراتها رغماً عنها من قسوة قراره:

_ أنت كده بتظلمني وبتيجي عليه أوي.

 

أمسك بطرف ذقنها لينظر في عينيها الذابلتين من كثرة البكاء وقلة النوم، أقترب بشفاه أمام خاصتها فأغمضت عينيها، تظن إنه سيقبلها لكنه صدمها بقوله:

_ أنتي الي عملتي كده في نفسك.

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاءالله.

_ تعالت الزغاريد في منزل عائلة مروة و ألحان الأغنية الشهيرة (يا دبلة الخطوبة)، ترددها الفتيات وهن يصفقن وينظرن إلي علي الذي يدخل في بنصرها خاتم الخطبة بعدما تمت مراسم عقد القران، قام بتقبيل يدها أمام الجميع ، فهلل الشباب والفتيات وكانت الأجواء مليئة بالسعادة.

حينما عادت إلي منزلها وجدت والدتها في حالة من الحزن الشديد علي غيابها و كذلك شقيقها رغما من ما فعلته به وهروبها من بين يديه، لكن والدتها قامت بالضغط عليه لمسامحتها وبعد ذلك أخبرتهم برغبة مدير الشركة يريد مقابلتهم لطلب يدها، فكانت تلك الفرصة التي لاتكرر مرة أخري، رحبت والدتها وشقيقها معتصم به، ذهب علي للتعرف عليهم ويتعرفون عليه فوجدهم في إستقباله بحفاوة وبترحاب و تبادل الأحاديث معهم حتي تم الإتفاق بينهم بالخطبة وعقد القران معاً وبعد أسبوع حفل الزفاف والسفر إلي إحدي المدن الأوروبية.

 

وبعد أن تبادلا وضع الخواتم، أمسكت الفتيات بيدها لتنهض وفعل مثلهن الشباب مع علي الذي كان كالتائه، كل شئ يحدث حوله بسرعة وعجالة.

بدأت الموسيقي الهادئة، فأمسك بيدها و خاصته الأخري وضعها علي خصرها ليقربها منه وأخذ يراقصها.

أنتبه لصوتها ونظراتها التي تنضح بفرحة عارمة لأول مرة يراها في عينيها.

 

_ علي ماتتصورش أد أي فرحانة أوي، أنا من أول مرة شوفتك من أيام الجامعة وأنا بحلم باللحظة دي،  مش مصدقة نفسي.

 

أومأ لها مبتسماً وقال:

_ صدقي يا مروة، و عايزك تخليني أنا كمان أصدق.

 

تبدلت السعادة علي ملامحها إلي الوجوم بعدما أدركت ما يرنو إليه، أردف كلماته المبهمة:

_ خليكي جمبي و حاولي قويني،  عايز أرجع لعلي الي قبل مايشوفها.

 

هزت رأسها بتفهم وتحاول كبت تلك العبرات التي تجمعت للتو، تصنعت بسمة غزت ثغرها المكتنز، فقالت:

_ أنا جمبك وعمري ماهتخلي عنك أبداً، وأوعدك لهخليك تنساها وتنسي إسمها.

 

مالت برأسها علي صدره وعانقته بقوة تردد بداخل عقلها:

_ هخليك تحبني ضعف ما حبتها وتندم إنك عرفت واحدة زيها في يوم من الأيام.

 

_ وبالعودة إلي ندي التي تجلس في الشرفة تنتظر أكرم الذي هاتفها منذ قليل وأخبرها إنه سيتأخر قليلاً فهو يُعد شقة زوجته الثانية لأنه سيتزوج قريباً مما جعلها بعدما أغلقت المكالمة،  ألقت هاتفها وأخذت تبكي بحرقة وألم.

جاءت لها والدتها لتطمأن عليها ومعها إبنتها التي لاتريد النوم سوي بين زراعي والدتها.

 

_ مامي أنا بابي واحشني أوي.

تفوهت بها الصغير وهي تحتضن أمها،  فقالت لها الأخري:

_ هو زمانه جاي يا حبيبتي بس هيتأخر شوية.

 

غفت الصغيرة وتركتها في محيط أحزانها، أردفت بهمس:

_ و هو كمان واحشني أوي أوي.

 

مرت ساعة تلو الأخري،  ترتشف القهوة لتساعدها علي السهر في إنتظاره،  جلست في الشرفة تمسك بهاتفها تشاهد الصور التي جمعتهما وتستعيد ذكري كل صورة بإبتسامة حالمة،  تتمني أن تشعر بالسعادة التي تراها في تلك الصور.

و سرعان ما رحلت بسمتها عندما أتاها إشعار بمنشور  عبر تطبيق موقع التواصل الشهير،ضغطت عليه ففتح لها، أتسعت عينيها وهي تري صورة كل من علي ومروة صديقتها يشكلنا بأناملهما قلب ويضحكان إلي الكاميرا، وبأعلي الصورة كلمات كالآتي:

(النهاردة أسعد يوم في حياتي كتابنا الكتاب

وأخيراً والحمدلله ربنا جمعني بحب عمري بعد سنين

علي+مروة= عشق للأبد).

 

وضعت كفها علي فمها لكي لايسمع الجيران صوت بكائها، ظلت تبكي حتي غفت في مكانها.

جاء للتو من الخارج، يبحث عنها، دلف إلي غرفة النوم التي تمكث فيها بمفردها فوجد إبنته نائمة، ذهب ليدثرها وبعدها سار للخارج حتي لاحظ ظلها في الشرفة.

رآها تغط في النوم وآثار الدموع علي وجنتيها، أطلق زفرة من أعماقه لعله يخفف هذا الشعور المؤلم، أنتبه لوميض تلك النقطة الموجودة بحافة الهاتف العلوية كتنبيه لرسالة أو مكالمة واردة، وما أن ضغط علي الزر الجانبي أُضيئت شاشة الهاتف ليظهر له منشور مروة.

جلس وهو يتنفس الصعداء، فكان هذا الخبر كفيل بإزاحة هذا الثقل ولو قليلاً من فوق صدره، لكن هناك شيئٍ آخر يريد التأكد منه حتي يريح قلبه والأيام القادمة ستثبت له ذلك!.

 

نهض وحملها علي زراعيه ليدخلها من البرد و ولج إلي داخل الغرفة ليضعها بجوار إبنتها، دنا منها ليقول بصوت لايسمعه أحد سواه:

_ أنتي كمان وحشاني أوي.

* ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

 

_ و علي خشبة الرقص تتمايل وتتهادي علي ألحان الأغنية،  داهمها ألم في خصرها المنحوت وخشيت أن تتوقف،  هيهات والألم يشتد عليها بقوة ويصاحبه دوار، كانت تري كل ما حولها يدور مما جعلها تفقد توازنها وتقع مغشي عليها.

توقفت الموسيقي وركضت مساعدتها والحارس الشخصي لها.

_ يالهوي أبلتي،  قومي يا أبلتي،  أي الي صابك،  شيلها يا تايسون وخدها علي الأوضة،  كان قلبي حاسس إنها تعبانة وشها أصفر وبقالها يومين دايخة.

 

جاء مدير الملهي وقال لهم:

_ دخلوها أوضتها وأنتي يا نواعم لبسيها عبايتها عشان هناخدها علي المستشفي بسرعة.

 

وبعدما أخذوها إلي المشفي فحصها الطبيب وقام بتعليق محلول.

_ أبلتي سمارة مالها يا دكتور؟.

 

نظر إلي بيانات الحالة فسألها:

_ هي مدام سمر بتشتغل رقاصة؟.

 

أجابت نواعم:

_ أيوه يا دكتور وأغمي عليها وهي بترقص وكانت مولعه الصالة،  بس النصيب بقي.

 

_ وفين جوزها؟.

 

ردت بثقة بالغه:

_ سي زكريا جوزها مسافر لأهله في البلد أصله من الصعيد الجواني.

رمقها بضجر وقال بتهكم :

_ طيب يا ريت تهتمي بأبلتك عشان هي حامل والرقص غلط علي الجنين وأبقو أتصلو بأستاذ زكريا وبلغوه،  عن أذنكم.

 

دلفت الغرفة التي تتمدد بها ربة عملها وأطلقت زغرودة مدوية:

_ ألف ألف مبروك يا أبلتي،  يتربي في عزك أنتي وسي زكريا.

 

تحاول أن تفتح عينيها فهي غير مدركة لما يحدث من حولها،  سألتها بوهن:

_ يتربي أي وعز مين يا بت يا نواعم؟.

 

جلست بجوارها لتصدمها بهذا الخبر:

_ أنتي حامل يا أبلتي.

 

نهضت بفزغ رغم التعب الذي يداهمها مرددة بصدمة لم تستعبها:

_ حامل!.

*ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

الآن هما في السيارة في طريقهما لزيارة صديقه…

ترجلت من السيارة فلاحظت السيارة التي كانت تتبعهم ليست سوي سيارة رجال الحراسة الخاصة وسرعان ما أنتشرو من حولهما لتأمين المكان حولهما.

 

وبالأعلي فتح صلاح باب المنزل، كان في أنتظارهما ولم يخبر سمية بمن هم الزائرين، لكنه أخبرها إنه إحدي أصدقائه جاء مع زوجته للمباركة لهما.

 

كانت في المطبخ تعد العصائر والحلوي للضيوف، وفي الردهة يرحب بهما:

_ أهلاً أهلاً ده الشقة نورت.

 

أعطاه سليم علبة شيكولاتة كبيرة من النوع الفاخر والخاص قد أوصي عليها من الخارج ليهدي بها صديقه.

 

_ مبروك يا عريس.

وصافحه وعانقه.

_ الله يبارك فيك يا باشا، وأي لزومه التعب ده وجو الرسميات.

 

همس له حتي لاتسمعه زينب التي تقف بالقرب منهما:

_ دي مش شيكولاته عادية، حاجة كده معمولة مخصوص علشانك، الواحدة منها بتعادل إزازة ڤودكا متعتقة، يعني كفاية عليك تاكل واحدة قبل ما ها.

غمز بعينه ليفهم الأخر مايقصد فضحك وقال:

_ ده أنت الشيطان يقولك شابوه يا باشا.

 

لكزه الأخر في كتفه بمزاح:

_ وطي صوتك ليسمعونا.

 

_ أتفضلو، والله أول ما كلمتني وقولتيلي إنك رجعت مصر مصدقتش لأنك كنت قايلي هاتقعد شهرين هناك.

قالها وترك علبة الشيكولاتة علي طاولة الطعام وعاد إليهم

 

ألقي سليم نظرة لزينب التي تلتزم الصمت ثم حول بصره إلي صديقه وقال:

_ حصلت ظروف كده وأضطريت أقطع الأجازة ونزلنا.

 

_ حمدلله علي السلامة، منورة يا مدام زينب وسليم بيه عامل معاكي أي؟.

لم تنتبه لترحاب صلاح ولسؤاله لها، أمسك سليم بيدها لينبهها:

_ حبيبتي صلاح بيكلمك.

 

رمقته بإبتسامة متكلفة لاتعلم ماذا يقول لها لكنها خمنت إنه يرحب بها، فأجابت:

_ تسلم.

 

_صلاح، يا صلاح.

صوت سمية تناديه من خارج الغرفة تحمل صينية يعلوها كؤوس العصير وأطباق الحلوي

 

_ تعالي يا حبيبتي مفيش حد غريب.

و غمز إلي سليم الذي إبتسم وهو ينظر بطرف عينيه إلي زينب التي أستمعت لصوت صاحبة النداء،تألف هذا الصوت جيداً.

 

_ السلام عليكم.

ألقت سمية عليهم التحية، رد سليم عليها فرفعت عينيها لتري صاحب هذا الصوت التي لاتنساه أبداً.

صرخت وألقت مابيدها في الهواء و وقع علي الأرض، ركضت إلي الخارج.

 

نهض صلاح:

_ آسف يا جماعة أنا كنت عاملهلها مفاجاءة وناسي الي حصل معاها قبل كده، ثواني هاروح أطمن عليها وأرجع لكم.

 

كانت زينب لاتقل عنها صدمة، لم يكن لديها علم بزواج صديقة طفولتها من صلاح، كادت تنهض فأوقفها سليم:

_ رايحة فين؟.

 

_ بالتأكيد مش ههرب عاد ، ممكن أروح لها وأطمن عليها؟.

 

وبداخل الغرفة كان يعانقها ويربت عليها ليهدأها: _ خلاص حقك عليه أنا غلطان المفروض كنت بلغتك قبلها.

 

نظرت له وهي ترفع طرف وشاحها لتظهر جيدها:

_ لو كنت أنت نسيت الي سواه فيه، أني مانستش ولانسيت دي.

 

وأشارت نحو علامة حرق السيجارة الذي فعلها بها سليم، عانقها مرة أخري:

_ آسف حبيبتي.

وهبط بشفاه علي أثر الحرق ولثمه بقبلة رقيقة، أبتعدت عن صدره وقالت:

_ أني خابره أنه صاحبك لو رايد ترحب بيه في أي وقت معنديش مشكلة لكن بلغني جبلها عشان أمشي أروح في أي مطرح عجبال ما يجعد وياك ويمشي.

 

ضحك وقال:

_ يعني خدتي بالك منه وماخدتيش بالك من مراته!.

 

وقبل ان تنطق قاطعها طرق علي الباب:

_ سمية أني زينب ممكن اجعد وياكي؟.

 

صدمة أخري لكن جعلتها تشعر بالسعادة، قفزت من مكانها لتفتح لها الباب وصرخت بفرح:

_ زينب.

عانقتها بقوة:

_ أتوحشتني جوي يا حبيبتي.

 

ردت زينب وتبادلها العناق:

_ وأنتي كمان أتوحشتني جوي.

 

تحمحم صلاح وقال بمزاح :

_ عن أذنكم هاروح اقعد مع صاحبي وأسيبكم تعيشو في جو مسلسل الضوء الشارد الي أنتو فيه ده.

 

أمسكت سمية بيديها:

_ تعالي يا حبيبتي أجعدي وطمنيني عليكي، كيفك ويا سخام البرك الي متچوزاه ده؟

 

طيف إبتسامة ظهرت علي ثغرها الحزين:

_لساتك دمك خفيف كيف ما أنتي.

 

تنهدت وقالت بحزن دفين:

_ هي دي الحاچة الي عتصبرني علي الي حواليا، سيبك مني دلوق، إلا جوليلي أنتي كيف بتتعاملي مع الإبليس الي جاعد بره ده؟.

 

كيف ومن أين ستخبرها من المصائب التي حلت فوق رأسها كل فينة والأخري، تخشي أن لاتصدقها.

_ زينب، ردي عليا يا حبيبتي.

كانت تمسكها من يدها لتنبهها فلاحظت علي رسغيها أثار قيد، شهقت بفزع:

_ يا مُري هو بيربطك وبيعذبك ولا سوي فيكي أي !.

 

ضحكة ساخرة أنطلقت من بين شفاها لتجيب بحسرة وألم:

_ جولي ماسواش فيه أي.

 

خلعت الأخري وشاحها وأعتدلت في جلستها:

_ لاء بجي، رحرحي إكده وجوليلي كل الي حوصل وياكي من وجت ما هربتي من المستشفي لحد دلوق.

 

وبالخارج يزفر سليم دخان سيجارته:

_ هو ده سبب قطع الهني مون.

 

ضيق صلاح عينيه يتفحص ملامح الآخر بتفرس:

_ يعني تقدر تقنعني إنها بعد ما هربت منك و سافرت علي هنا وأنت قومت محصلها وعشان معاك طيارة برايڤيت سبقتها وعملتلها كمين في المطار، كل ده ومعملتلهاش حاجة!.

 

دفس ماتبقي من سيجاره في المنفضة وقال بتحذير للأخر:

_ وأفرض حصل، أظن دي حاجة خاصة بيني وبين مراتي.

 

تحمحم بحرج:

_ أنا كان كل غرضي مصلحتك في النهاية مش عايزك تتهور زي قبل كده، ولا ناسي البنت الي  ما أستحملتش عذابك ليها  تلات أيام ورا بعض في الهنجر  لحد ما ماتت وبكل جبروت خليت رجالتك رمو جثتها للكلاب نهشوها لحد مابقت بقايا عضم! ، مراتك بنت ناس ومحترمة مش زي الأشكال الي كنت بتعرفها هم بيبقو طماعنين فيك وأنت بتغريهم وتجر رجلهم عشان تمارس هوايتك عليهم.

 

زفر بتأفف و رد بضيق:

_ ما قولنا خلاص يا صلاح، ولو عايزنا نخسر بعض أبقي أفتح في المواضيع دي تاني.

 

أبتلع تهديده فقال له:

_ راجع للشركة أمتي؟.

 

رد بجدية:

_ يومين كده وإحتمال بكرة، حصل حاجة جديدة؟.

 

عقد ساعديه وأجاب:

_ لسه جايه لي أخبار من رجالتنا الي في الداخلية إن أكرم عمران هيبدأ اللعب معانا ده.

 

ضحك بإستهزاء:

_ أخبارك قديمة، مش قبل ما أتجوز كنا عارفين إني هدفه ولا شوفنا حتي مخبر واحد من بتوعه هوب ناحيتنا.

 

_ عشان كان مكلف بمهمة تانية ودلوقتي يعتبر فاضي لنا، أنت ناوي علي أي؟.

 

رفع جانب فمه ببسمة ساخرة:

_ خليه يلعب وأنا هوريه اللعب مع سليم العقبي هيبقي إزاي.

 

ولنعود إلي زينب و سمية التي فتحت فاها منذ أن سردت لها الأخري كل ما حدث معها.

_ يا جلب خايتك ربنا معاكي ويبعد شره عنك، واللهي يا سليم يا إبن أم سليم وأنت بتتمشي في الشارع يجع علي نفوخك طيارة مليانة قنابل ومتفجرات وتيچي الإسعاف تلاجيك بجيت رماد.

 

ضحكت رغماً عنها:

_ خابره خايفة لما أروح لأهلي وأحكي لهم مايصدجونيش أو يجولو أني أتچينت وبجول إكده عشان أتطلج وأرچع لفارس، ألا جوليلي يا سمية ماعرفاش حاچة عنهم أو فارس؟.

 

كانت تتردد في الرد لأنها تعلم ماهية الإجابة التي تريدها، لكن أخبرتها في النهاية:

_ أني من وجت ما أتچوزت ما رچعتش البلد لكن مرات أبوي كل يوم عتتصل عليا، وليه كهينة بتنجلي كل أخبار النچع عشان أني كمان أحكي لها عني أني وصلاح لكن بعينيها، المهم أبوكي وأمك بخير و نوارة مارت أخوكي حبلي، والبت فاطمة أتخطفت وأخوكي جلب عليها النچع حته حته لحد مالجوها رچعت لوحدها ومحدش خابر من أهل النچع من الي خطفها وكيف هربت، وأچارك الله من لت وعچن الحريم الي جالت إن أخوكي الي خطفها والي جال هربت مع الدكتور والي خاض في عرضها بالباطل أعوذب بالله منهم حرج أبو الي چابوهم.

 

تناولت زجاجة المياه والكوب:

_ ثواني هاروي عطشي وأكملك.

 

أرتشفت الزجاجة بأكملها تحت دهشة زينب التي تكتم ضحكاتها.

_ دي يعتبر الأخبار الخفيفة، لكن الأخبار الواعرة  هي، أخوكي كان رايح يخطب فاطمة وهم رايحين يشترو الدهبات چاله ولد حلال وطخو.

 

تفاجأت زينب برغم ما فعله بها لكنها أهتزت من داخلها عند سماعها هذا الخبر:

_ و هو كيفه دلوق، عايش ولا؟.

 

_ و ده سؤال يتسأل برضك!،ده الرصاصة هي الي أتصابت مش هو، أخوكي كيف القطط بسبع أرواح، لساته راچع من المستشفي النهاردة.

 

عقبت بسأم:

_ ربنا يشفيه ويهديه، وعچيبة كيف فاطمة وافجت عليه وهو متچوز ومارته حبلي كمان.

 

ردت الأخري بنبرة فكاهية:

_ يعني هاتوهي عن عمتك چليلة، أهي عمتك دي المفروض كانت تبجي أم رافع هو و أخوه زكريا لكن فاطمة وبكر وأنتي أمكم تبجي خالتي رسمية.

 

لم تعقب علي ما قالت لكن أتي في ذهنها سؤال تريد إجابته ليطمأن قلبها ويخفف عنها ما به من عذاب:

_ و فارس كيفه، طلع براءة ولا لساته في السچن.

 

أجابت بتردد:

_ فارس هرب، جصدي الحكومة دورت عليه في النچع كله عيجولو إنه يوم فرحك كان يوم ترحيله هو والي معاه علي النيابة، طلع عليهم عصابة مسلحة و طخو السواق والظباط والعساكر وهربو المساچين كلاتهم والحكومة عمالة تدور عليهم نفر نفر.

 

_ يعني فارس دلوق هربان!.

 

ردت الأخري بإجابة زادت من حيرتها وجعلت قلبها يخفق بقوة:

_ في ناس عتجول إنهم شافوه هنا في القاهرة والله أعلم.

 

طرقات علي الباب وتبعها صوت صلاح:

_ سمية قولي لمدام زينب سليم بيه عايزها عشان هيمشو.

 

نهضت زينب وهندمت ثيابها:

_ هستناكي تيچي مع صلاح، بالله عليكي ماتغبيش عني يا سمية.

 

تبادلا عناق الوداع قبل الذهاب، وبالأسفل بعدما دلفت إلي السيارة التي أنطلقت بعد ذلك.

 

_ طبعاً حكتي ليها عن كل الي حصل بينا.

 

أبتلعت لعابها بتوتر حاولت أخفاءع فقالت:

_ أبداً، كنا بندردشو وبطمن علي أهلي منها.

 

تفوهت بكل صدق حتي لايشك بها ويدرك كذبها، ألتفت لها و بنظرة متفحصة أربكتها:

_ بتطمني علي أهلك ولا علي فارس!.

 

#الفصل_الثالث_والثلاثون

#فارس_بلا_مأوي

#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

 

_ تنظر من النافذة بشرود وأذنها تستمع لتلك الألحان الصادرة من هاتفها و كلمات تتغني بها الفنانة نجاة الصغيرة (آه لو تعرف)، تشعر بكل حرف يعبر عما ما تحمله في فؤادها الذي يعشق رجل لا يحب سوي ذاته، أخبرته بشروطها للموافقة علي الزواج منه و هو لا يكترث، و في ظل عاصفة ذكرياتها التي تجمعهما معاً سمعت طرق علي باب غرفتها وأعقبه صوت شقيقها بكر:

_ فاطمة، لو صاحية رايد أتحدت وياكي دجيجتين.

 

أغلقت الأغنية و أجابت:

_ فوت يا بكر،  أني صاحية.

و أعتدلت في جلستها ونظرت نحو الباب يفتحه و دلف إليها:

_ مالك جافلة علي حالك ولا خرچتي تتفطري ويانا ولا تتغدي كمان.

 

أمسكت بوسادة صغيرة وأحتضنتها:

_ مليش نفس.

 

أطلق تنهيدة ليجيش عما بداخله، رأت في عينيه ما يحمله من الهموم والشجن بادي علي ملامحه وكذلك علامات الإرهاق أيضاً.

_ و مين سمعك يا خايتي، الواحد فينا مبجاش مرتاح و الظاهر ما هيشوف راحة واصل.

 

رمقته بإهتمام وسألته:

_ واه، مالك أنت كمان، لتكون أتخانجت ويا قمر إياك!.

 

تريث في الرد قليلاً و قبل أن يجيب قاطعته مُردفة:

_ مخبي أي يا بكر، لتكون سبب خناجكم إنها حدا مرات خالها؟.

 

هز رأسه بالنفي وقال:

_ هي هناك حداهم مش زيارة، هي غضبانة و زعلانة جوي مني.

 

أعتلت الدهشة ملامحها فسألته مرة أخري لتدرك ما تجهله:

_ وأنت زعلتها ليه يا ولد أبوي؟، ده قمر طيبة و زينة جوي وما يطلعش منها العيبة واصل.

 

ماذا و كيف سيخبرها، عن شقيقهما الأكبر الذي يحب زوجته!،  أم يجيب عن سؤالها أن سبب مكوث قمر لدي زوجة خالها هو شكه بها والذي جعله يلقي عليها بإتهام آثم!  .

 

_ خلافات عادية ملهاش عزا،  أتخانجت وياها و زعجت چامد فيها.

 

رمقته بنظرة شك غير مقتنعة بتلك الإجابة التي توقن أن هناك أكبر من ذلك، ولأنها تدرك خصال شقيقها جيداً أستنتجت مبتغاه من ذلك الحديث معاها، أطلقت زفرة عميقة ثم قالت:

_ برغم أن حاسة الي حوصل حاچة كبيرة و أنت ماريدش تجولي الحقيقة، لكن هساعدك، أنت رايد مني أروح لها لأچل أصالحكم علي بعض، صوح؟.

 

طيف بسمة باهتة بدت علي ثغره علي سرعة بديهة شقيقته التي تدرك مايريده من نظرات عينيه قبل أن يتفوه به.

_ ياريت لو ما عندكيش مانع!.

 

أومأت له وهي تربت علي يده:

_ أنت تؤمر يا حبيب أختك.

 

_ ربنا ما يحرمني منك واصل يا فاطمة،  ويريح جلبك.

 

_ أيوه بالله عليك أدعيلي أني محتاچة الدعوة دي جوي.

 

_ بدعيلك علي طول أطمني.

 

نهضت وقالت:

_ هاجوم أروحلها دلوق،  بس جبلها هاكل لقمة.

 

نظرة تعجب تنضح من عينيه:

_ مش أنتي لسه جايلة أن ملكيش نفس!  .

 

_ يرضيك أروح وأجعد أتحدت وياها و أحايل فيها لحد ما روحي تطلع كل دي وأني علي لحم بطني!  .

 

ضحك رغم حزن قلبه الدفين، يتمني من داخله بأن قمره تسامحه، يعلم ما ألقاه علي سمعها من حديث قاسي و إتهام ظالم يجعلونها لا تغفر له،  لكنه يدعو ربه بالهداية بينهما وأن يبعد هذا الشيطان اللعين الذي يريد أن يفرق بينهما وأن يلهمه الصبر و ينسي ما رآه في عيني شقيقه من نظرة حُفرت في أعماق ذاكرته الدائمة!  .

 

* •••••••••••••••••• *

 

_ تصاعد رنين جرس الدار، خرجت فاطمة من المطبخ تلوك بفمها قطعة شطيرة،  فوجدت والدتها سبقتها لفتح الباب:

_ حاضر يالي عترن الچرس.

 

مجرد أن فتحت ظهرت لها سيدة ثلاثينية ترتدي حجاب و عباءة سوداء فضفاضة إلي حد ما،  يكسو منتصف وجهها نظارة شمسية سوداء، قالت بنبرة رقيقة:

_ السلام عليكم يا حجة أم زكريا،  مش حضرتك أم زكريا ولا أنا غلطانة؟.

 

رمقتها جليلة بنظرة متفحصة من أعلي لأسفل، تشعر بإنقباضة في قلبها، حدسها يخبرها أن هناك بلاء أسود وراء تلك السيدة المريبة، أجابت والقلق ينهشها:

_ أيوه أني أم زكريا،  حضرتك تبجي مين؟.

 

خلعت نظارتها و ظهرت عينيها ذات الكحل الأسود، أفترقت شفاها المطلية بالحُمرة القاتمة بما سيهبط علي رأسهم كالصاعقة:

_ أنا أبقي سمر و…

صمتت لثوان ثم أردفت بتردد:

_ زكريا يبقي جوزي!.

 

*••••••••••••••••••••••*

_ تهبط أشعة الشمس الحارقة علي رأس هؤلاء العمال المنتشرون في تلك البقعة الرملية،  يقومون بحمل الرمال المستخرجة من أعمال الحفر، و رئيسهم واقفاً مع رجل يبدو من مظهره مهندس مدني يشير له في لوحة ورقية كبيرة و يشرح له المخطط الهندسي و كيف سيجعل العمال بحفر وعمل الأساسات.

بينما في بقعة علي بُعد مترين يقود السائق آلة المجرفة ( اللودر)، لرفع كم من الرمال والوصول إلي الأرض الصخرية، وعند الوصول لعمق المتر و رفع المجرفة وقعت لفافة شرشف مهترأة ومُتسخة ينبعث منها رائحة كريهة بشدة.

 

أشار أحدي العمال إلي السائق:

_ وجف لما نشوف أي البتاعة دي.

 

هبط السائق ليري معه ما تلك اللفافة المُريبة،  وعندما أقتربا منها، صاح إحدهما:

_ أباه، أي الريحة النتنة دي ولا كأنه ميت .

 

وضع كلا منهما كفه علي فمه وأنفه، قال الآخر:

_ ما تيچي نشوف أي الي چوة الملاية و ريحته عِفشة جوي إكده.

 

أجاب الأول:

_ هيكون أي الي چوه يعني.

 

أنحني الآخر إلي اللفافة وأقترب بحذر،  فكلما أقترب كلما زادت الرائحة النفاذة فداهمه السعال من قوتها،  وما أن جذب طرف اللفافة ظهرت لهما جثة متحللة، شهق كليهما:

_ يا مصيبة سودة و مهببة،  ده طلع جتيل!  .

 

*•••••••••••••••••••*

 

_ تجلس أمام التلفاز في إنتظاره بعدما أنتهت من جميع الأعمال المنزلية اليومية و طهو كل المأكولات والحلويات التي يحبها،  قامت برص الأطباق علي المائدة بشكل فني و جذاب، كما وضعت شموع و اشعلتها.

تعلم منذ الصباح عندما أسترقت السمع لمكالمة هاتفية له مع إحد أصدقائه أنه سوف يعود من عمله باكراً،  لذا بعدما ذهب إلي عمله هاتف والدتها لتأتي وتأخذ صغيرتها وأنجزت كل ما ذُكر سابقاً و ها هي الآن تجلس مُرتدية ثوب حريري ذو لون زمُردي، يكشف عن زراعيها وظهرها بالكامل و فتحة صدر تكشف عن منتصف نهديها،  تُزين وجهها بعض مساحيق التجميل بلمسة خفيفة تبرز جمالها الطبيعي.

عينيها صوب شاشة التلفاز لكن عقلها في وادي آخر،  عاصفة من الأفكار جعلتها حائرة، كان هناك سؤال يفتك برأسها لماذا تشعر بالضغينة والحقد تجاه صديقتها عند رؤيتها لها مع علي!  ،  هل لأن الأخري لم تكشف لها أوراقها أم لسبب آخر تخشي الإفصاح به و لو لذاتها!  ، و لو كان السؤال الثاني صحيحاً لما هي تحترق تواً من أجل أن يعفو عنها زوجها ويغفر لها خيانتها!  .

 

صدح صوت تنبيه الإشعارات من تطبيق التواصل الإجتماعي، سرعان ما أمسكت بهاتفها وقامت بالضغط علي الإشعار،  فوجدته منشوراً آخر من صديقتها صورة تجمعها بعلي و في الخلفية مرسي علي النيل  وأشجار، بأعلي الصورة كُتبت تلك العبارة:

( هاكون عايزة أي أكتر من كده الماء والخضرة و وجه جوزي حبيبي أحلي راجل في الدنيا).

 

أصتكت أسنانها من الغيظ جعلها أغلقت الشاشة و ألقت هاتفها بعنف علي الأريكة بجوارها، سمعت صوت مفتاحه يتحرك في باب الشقة نهضت علي الفور و دلفت إلي غرفة النوم تلقي نظرة علي هيئتها في المرآه، تعتدل من إسدال خصلاتها الطويلة التي تصل إلي نهاية ظهرها و أطبقت شفتيها لتتأكد من توزيع الحُمرة جيداً.

ألتفتت لتخرج فوجدته يدلف من باب الغرفة، توقف للحظة يرمقها في صمت، عينيه صوب عينيها، رأت إهتزاز تفاحة آدم في عنقه أثر إزدراد لعابه، و قبل أن يستسلم لهوي فؤاده تذكر موقفه و ما يُعده لها ليعود ثانية إلي جموده.

جلس علي طرف السرير ليخلع حذائه، سرعان ما وجدها تجثو أمامه علي الأرض لتخلع له حذائه قائلة بنبرة ناعمة تعلم مدي تأثيرها علي سمعه:

_ ممكن تسيبني أعملك كل حاجتك بنفسي؟.

 

مازال في صمته المُطبق و تركها تخلعه عنه،  عاد بظهره إلي الوراء قليلاً يستند بيديه علي الفراش  ، بينما هي أمسكت بالحذاء والجوارب و وضعتها جانباً،  ما أن مدت يدها لتفك له أزرار قميصه أمسك بمعصمها و نظرة أنطلقت من رماديتيه جعلتها أنتفضت من الفزع،  أبتلعت ريقها وسألته:  _ أأ أنا عملت حاجة ضايقتك؟.

 

بدأت قبضته بالأرتخاء عن رسغها ليتنازل عن صمته و أجاب:

_ متحاوليش يا ندي، فياريت توفري علي نفسك كل الي بتعمليه ده لأن موقفي ناحيتك عمره ما هيتغير، رصيدك خلص من عندي و أحمدي ربنا أني رجعتك علي ذمتي.

 

تستمع لكلماته المُهينة و عينيها كأنها مُتجمدة بل مُتحجرة لم يرف لها هدب واحد، و في غضون ثانية أرتمت علي صدره تبكي كالطفلة الصغيرة، بُكاءً لم يسمعه منها من قبل، صوت بُكائها كان بمثابة سيف أخترق قلبه لم يتحمل رؤيتها في تلك الحالة، عانقها و شد زراعيه عليها، ربت علي ظهرها ليهدأ من روعها قائلاً:

_ خلاص بقي كفاية عياط.

 

لم تكف بل زاد نحيبها التي أهتزت له أركان قلبه المُتيم بها برغم جرحه الغائر منها، ظل يربت حتي تهدأ لكن لافائدة، أقدم علي فعل كان يحترق الأيام المنصرمة شوقاً للقيام به و ها هي الفرصة الآن بين يديه، أغمض عينيه في محاولة التراجع علي ما يدور في خُلده لكن صوت نشيج بكائها جعله يضعف، دفن وجهه في عنقها وهي تبكي علي كتفه، بدأ بكائها يخبو رويداً عند شعورها بشفاه علي بشرتها، يلثم كل إنش بعنقها و عينيه موصدة.

بدأت قبلاته تزداد و ترتفع إلي ذقنها ثم إلي وجنتها حتي وصل بشفاه إلي خاصتها ليلتقطها في قُبلة قوية كالذي يتضور من الجوع و وجد أمامه طبق مليئ بالطعام  فأكله بنهم بدون توقف، رائحتها المشتاق إليها تخترق أنفه لتسيطر عليه.

أبتعدت فجاءةً عندما شعرت بالأختناق و أخذ كليهما يلهث، قام بمحاوطة وجهها بين كفيه ليمسح عبراتها بإبهاميه، سألها بصوت تُهيمن عليه الرغبة:

_ بتحبيني؟.

 

أومأت له وأجابت ببحة أثر البكاء يكاد يسمعها بصعوبة:

_ بحبك.

 

رد بإنكار:

_ عليي صوتك مش سامع.

 

دنت علي أذنه لتتفوه بعمق و تخترق سمعه:

_ أنا بحبك، و عايزاك تسامحني و شرط ترجعني ليك أنك تتجوز عليا بالله عليك بلاش،  أنا ممكن أموت لو واحدة جت خدتك مني أو تبص لك أو تقرب منك أو تلمسك حتي، ده أبشع عذاب ماقدرش أتحمله و….

 

أكتفي من ما تفوهت به وضاق به زرعاً،  جذبها بين يديه ليقبلها مُجدداً، تطورت القُبلات إلي لحظات أخري حميمية لكن تخلو من الرومانسية بل كانت تسير في درب العنف.

تتلوي بين يديه تتوسله ليبتعد عنها أو يكف عن قسوته التي يلقنها إياها.

نهض من فوقها وأبتعد ليعود إلي حالة الجمود و يتلبسه هذا الشخص العاشق الجريح:

_ مالك متضايقة وبتعيطي ليه!  ، للدرجدي مش طايقاني وأنا معاكي!  ، ولا هاتسيبيني و تروحي لعلي الحسيني عشان حنين و يعرف يدلعك!، لكن أنا القاسي أبو قلب حجر.

 

بدأ نحيبها في الإرتفاع تلملم الغطاء لتدثر جسدها العاري من عينيه التي ترمقها بإزدراء،  ليردف حديثه الأقسي من الصخر، يهدر بصوت أرعبها :

_ عايزاني أسامحك إزاي وأنا كل ثانية بفتكر كدبك وخيانتك!  ، أنسي أن كنت في عز زعلي علي موت أبويا الي أتقتل غدر وغصب عني من حزني عليه بعدت عن الدنيا كلها فترة،  و بدل ما تقفي جمبي وتواسيني روحتي تخونيني مع واحد كلب جاي بيتحداني وعايز أطلقك عشان يتجوزك هو،  صح ولا لاء؟.

 

أرتفع بكائها، فصاح بها بصوت مدوي قوي و مُخيف كالرعد:

_ ردي عليا و بطلي عياط.

 

هزت رأسها بالإيجاب ثم قالت:

_ صح،  بس أنا بحبك أنت مش هو،  غلطت وبعترف بغلطي و توبت وطلبه منك السماح، أضربني أقتلني أعمل فيا الي عايزه بس بلاش تتجوز عليا.

 

أنقض عليها كالذي فقد صوابه وقبض علي خصلاتها:

_ و لما الموت عندك أهون من الإحساس بالغيرة وأن أتجوز غيرك ليه خليتي واحد تاني يحبك غيري!  ، ليه خلتيه يلمسك!  ، ليه روحتي له بيته وأنتي واحدة متجوزة والمفروض  بتحبي جوزك زي ما بتقولي!.

 

ألتقط أنفاسه وأردف:

_ عارفه ليه؟، لأنك واحدة ضعيفة بتمشي ورا هواها،  عايزة كل حاجة حواليكي،  راجل مريض بُحبك زي علي،  و التاني الي يوفرلك كل الي أي واحده بتتمناه،  زوج ميسور و نقيب و طيب وبيحبك وحطي تحت بيحبك مليون خط،  لأن عايزك تحطي في دماغك الي هقوله لك دلوقت،  علي قد ما حبيتك يا ندي من كل قلبي،  علي أد ما كرهت نفسي أني حبيتك، لو ينفع البني آدم يعيش من غير قلب كنت شيلت قلبي و دوست عليه بجذمتي.

 

ترك خصلاتها و وقف فأفترقت شفاه بكلمات نابعة من قلب رجل مقهور ومُتألم:

_ للأسف بحبك و نفسي حبي ليكي يتحول لكره يمكن قلبي يرتاح، بس وقسماً بربي زي ما خلتيني أحس بالوجع والقهر كل ثانية لأخليكي تعيشي عشر أضعاف الي عشته، سواء أتجوز عليكي و لا أعاملك بالمعاملة الي تليق بيكي الي هو مجرد جارية تلبي لي طلباتي.

 

أمسك بالصندوق المحتوي علي زجاجة العطر وألقاه نحوها فأصتدم في وجهها:

_ مش عايز هدايا، هديتك الي لسه عاملينو مع بعض من شوية.

 

*••••••••••••••••••••••••*

 

_ تشق المركب مياه النيل ونسمات الهواء العليل تداعب بشرتها التي يختلجها اللون الوردي الآن بدلاً من الأصفر الشاحب كأرض جافة تشققت من قلة الماء و عندما أرتوت عادت إلي روعتها وجمالها فينتشر الزرع بها ويترعرع،  فهكذا فعلت  بها عودة علي لها، أقسمت حينها أنها ستحارب بكل ضراوة حتي تسترده ويصير قلبه ملكها فقط.

 

نظرت إليه فوجدته ينظر إلي الماء شارداً، أقتربت منه وأمسكت بذقنه ذات اللحية المشذبة:

_ ياتري حبيبي سرحان في أي؟.

 

شبه إبتسامة هيمنت علي شفاه، فأجاب بحزن دفين ادركته لتوها:

_ مفيش،  عادي منظر الميه حلو وشدني ليه.

 

باغتته بسؤال لم يكن مستعد لأجابته:

_ لسه بتفكر فيها؟.

 

أطلق تنهيدة ود لو كانت الأفكار كالهواء في رأسه تخرج بالزفير، تصنع عدم الفهم ما ترمي إليه :

_ مين الي هاكون بفكر فيها يعني؟.

 

رفعت إحدي حاجبيها وبتهكم أجابت:

_ علي،  بطل إستهبال أنت عارف أنا قصدي علي مين كويس، من وقت ما جيت عديت عليا و روحنا الفندق عشان نأكد علي حجز القاعة و لحد ما جينا هنا وركبنا المركب وأنت سرحان وساكت وكل ما أتكلم معاك تهزيلي راسك كأني بكلم نفسي.

 

عقد مابين حاجبيه بضيق من صوتها المرتفع وأسلوب حديثها معه لايروق له:

_ أنا هنبهك لأول وأخر مرة،  لو أتكلمتي معايا تاني بأسلوبك ده هقولك كل واحد يروح لحاله،  سمعتي كويس ولا أعيد تاني.

 

وقع كلماته بمثابة صدمة، إنه يلعب علي نقطة ضعفها و ما هي إلا حبها نحوه.

ردت بتوتر جلي في نبرة صوتها:

_ سوري،  بالتأكيد مش أقصد أتكلم بأسلوب وحش  زي ما فهمت بس أنا أتضايقت من تجاهلك ليه طول الوقت، عارفه لساك بتحبها ومش قادر تنساها و في نفس الوقت عايزني أنسيهالك،  طب إزاي وأنت حاطط مابينا ألف حيطة سد مابيني ومابينك!.

 

زفر بتأفف لايريد التحدث في هذا الأمر ولو بالفعل يريد نسيانه فهي تذكره الآن وتجعله يعود سجين أفكاره مجدداً.

_ و مجرد أنك تجيبي سيرتها أو تلمحي بيها بكده عمري ما هنساها،  أنا لما طلبت منك وقت ما كنا بنرقص أنك تخليني أنساها،  قصدي تجذبيني ليكي تخليني أعرف أحبك بس بإرادتي مش غصب وعافية!.

 

أفترقت شفاها ببلاهة وكأنها تراه بثلاث رؤوس،  تحلل كلماته المتناقضة بداخل عقلها ولم تصل إلي نتيجة أو حل، لكن هناك حلول يلقيها عليها قلبها الذي لم يتنازل عن عشقه.

_ ممكن نتفق إتفاق و هو نرجع نتعرف علي بعض من أول و جديد،  ننسي كل ماضينا ونرميه ورا ضهرنا، وندي لبعض فرصة أن كل واحد فينا يكتشف التاني من مميزات وعيوب بيحب أي وبيكره أي،  بس بشرط.

 

ومع كلمتها الأخيرة أبتسم بسخرية،  لم تكترث لبسمته وأردفت:

_ ماتستغلش نقطة ضعفي ناحيتك و أنا مش هاضغط عليك وفي نفس الوقت مش هاسيبك لحد ما تحس من جواك أنك فعلاً  بتحبيني،  و حب كمان لدرجة العشق،  أتفقنا؟.

 

أومأ لها بإستسلام قائلاً:

_ أتفقنا.

 

قفزت من جواره لترتمي عليه وتعانقه مُهللة بسعادة، فها هي الآن نجحت في أول خطوة للفوز بفؤاده.

قهقه علي جنونها الذي راق إليه،  فعقله يخبره أن ما هو مُقبل عليه معها هذا عين الصواب، لا أمل ولا حياة في التعلق بأوهام، كُن مع من يحبك ويريدك بشدة وليس مع من لايريد حتي ذكر إسمك أمامه.

 

*••••••••••••••••••••••••••*

_ طرقت الباب أولاً ثم ولجت إلي الداخل تحمل صينية الطعام فوجدته يجلس علي الكرسي ويصلي جالساً،  أنتظرت حتي أنتهي من أداء فرضه فقالت:

_ تقبل الله يا بابا.

 

أنتهي من التسبيح والأستغفار قائلاً:

_ منا ومنكم آمين.

 

همت بالذهاب قبل أن يناديها تخشي التحدث معه فيما حدث بينها وبين فارس،  أوقفها مُردفاً:  _ أستني يا شهد يابنتي عايز أتكلم معاكي شويه.

 

ألتفتت إليه و خطت لتجلس أمامه،  تتجنب تلاقي عينيها مع عينيي والدها حتي لايري مدي ألم قلبها.

_ خير يا بابا؟.

 

رد الحاج نعمان:

_ كله خير يابنتي،  عشان كده مش عايزك تتسرعي وتحكمي علي الحاجة من مظهرها.

 

أدركت ما يرمي إليه فقالت:

_ و أنت يرضيك يا حاج أنت بنتك تتجوز واحد بيحب غيرها ولا عمره هيحبها!.

 

_ و مين قالك أنه عمره ما هيحبك، مش يمكن يزهق من الي بيحبها خاصة أنهم بُعاد عن بعض،  و ممكن لما يشوف حنيتك وإهتمامك بيه علي طول وقتها يتحول حبه ليها ويبقي ليكي أنتي!.

أستند علي مسند كرسيه ونهض ليجلس بجوارها فأسرعت لمساعدته علي السير والجلوس بجوارها وأكمل حديثه:

_ عارفة يا شهد أنا و والدتك الله يرحمها أتجوزنا جواز صالونات ولا كنت أعرفها ولا كانت عرفاني وكان معظم الناس بتتجوز كده أيامنا،  وسبحان الله الي بيوفق ويألف مابين القلوب،  الله يرحمها مكنش فيه أحن من قلبها،  حسيت فيها كل الي أفتقده، لاقيت فيها أمي في حنيتها وصديقتي الي بشكي لها همومي حتي لو كانت السبب فيها  و مراتي الي بتحتويني وعشيقتي الي عيوني ماشفتش ولا هاتشوف غيرها.

 

إبتسمت و هي تشعر بالغبطة،  فوالدها حقاً كان ومازال يعشق والدتها المتوفية،  تمنت ولو جزء بسيط من هذا العشق لكن من فارسها،  أمعنت التفكير فيما قاله والدها.

_ تفتكر أن ممكن يحبني زي ما بحبه؟.

و ما أن أنتبهت لتصريحها بدون خجل أمام أبيها،  طأطأت رأسها لأسفل بحياء، وضع يده علي كتفها:

_ مكسوفة من أي،  أنا عمري ما هحجر علي مشاعرك ولا أمنعك عن نعمة ربنا وهبها لينا طالما هاتكون في إطار شرعي و يكون الي بتحبيه واحد يستاهلك وهيتقي الله فيكي.

 

رمقته من طرف عينيها وقالت بتردد:

_ أنا بس أندفعت مرة واحدة كده والمفروض يكون عندي دم وأخجل إن أقول حاجة زي كده قدام حضرتك.

 

ضحك علي برائتها،  فهذه طفلته التي مهما كبرت ما زالت خصالها كما هي،  تندفع وترتكب الأخطاء ثم تخجل غرار جرأتها المعتادة.

_ والله وكبرتي يا قلب أبوكي،  كنت طول عمري أقول أمتي أشوفها وهي عروسه وأخيراً جه اليوم وربنا يقدرني ويديني العمر أسلمك بنفسي لعريسك.

 

عانقته بقوة مثلما كانت تفعل دائماً:

_ ربنا يبارك لي في عمرك و أخليك زي ما ربتني تربي أحفادك كمان.

 

ربت علي ظهرها قائلاً:

_ ربنا يسعدك ويحفظك يا بنتي ويريح قلبك.

 

*••••••••••••••••••••••••••••*

 

_ أتفضلي يا أبلة فاطمة دارنا نورت.

قالها عمر إبن خال قمر بعد أن فتح الباب، ألتفتت خلفها قبل أن تدلف تشير لبكر المنتظر في ركن يبعد عن المنزل بأمتار قليلة.

وبعدما دلفت أشار لها الصغير لتجلس:

_ أتفضلي أجعدي هادخل أنادم لك علي قمر.

 

_ أومال فينهم أمك وأخواتك؟.

 

أجاب:

_ أمي في المستشفي وأخواتي وياها وأني وقمر هنا في الدار بنچهزلهم الواكل.

 

رمقته بشفقة عند تذكرها لمرض والدته فقالت:

_ ألف سلامة علي والدتك ربنا يشفيها ويعافيها.

 

وقبل أن يُعقب علي مواساتها خرجت قمر من المطبخ،  تفاجئت بوجود فاطمة فأستقبلتها بفرحة:

_ الله أي المفاچاءة الحلوة دي.

عانقتها بود وترحاب،  فقالت الأخري:

_ بجي إكدة ياقمر،  تغيبي يومين ولا تسألي!  ، طب لو زعلك مع أخوي أني ذنبي أي؟.

 

_ طبعاً ملكيش ذنب واصل، معلش حجك عليا أني كنت محتاچة أبعدلي يومين،  و أهنه أديكي شايفه هم محتاچيني،  مرات خالي عتروح المستشفي وبناتها وياها وأني بسويلهم الواكل عجبال ما يرچعو، جوليلي الأول تشربي أي؟.

 

أمسكتها من يدها وقالت:

_ أجعدي أهنه أني ماجياش أتضايف.

 

رمقتها بفيروزيتيها المليئتين بالشجن:

_ لو چاية لأچل تصالحني علي أخوكي، أني بجولك أعفي نفسك من المهمة دي لأني مش هسامحه.

 

_ أستني الأول وأسمعيني، أني وربنا ماعرفاش الي بيناتكو وحوصل أي، بكر أخوي ما جاليش حاچة هو طلب مني أچي أجولك مهما حوصل ماتبعديش عنه لأنه بيحبك جوي ومايجدرش يعيش من غيرك .

 

تنهدت بقلة حيلة لاسيما قلبها الذي خفق من كلمات بكر المُرسلة إليها علي لسان شقيقته، لا تنكر هي أيضاً أنها تحبه بل تعشقه وتشتاق إليه فهو من أنقذها من براثن شر أعمال زوجة خالها وشقيقها ولم يتردد في الزواج منها برغم الظروف الصعبة المُحيطة بها.

_ أخوكي أهاني يا فاطمة، چرحني وأتهمني بأبشع إتهام لا يمكن أسامحه بعده.

 

أطلقت زفرة وأخذت تستغفر ربها ثم قالت:

_ طب جوليلي أتهمك بأي ولا سوي أي وياكي وأني هجولك حداكي حق ولا لاء؟.

 

فكرت لثوان وجدت أن ما حدث لايمكن التكلم عنه، ماذا ستخبرها وكيف!، و هل ستصدق!، فهي تعلم أن زوجها لديه حق في غيرته، لاتنسي نظرات زكريا لها كلما تلاقت عينيه بخاصتها، نظرات كانت تراها دائماً في عينيي بكر قبل ما يفصح لها عن حبه، ألهمتها أفكارها بنسج قصة زائفة حتي تقتنع الأخري فقالت:

_ كل الي حوصل جولت له أني معوزاش أتچوز في دار تانية ورايده أعيش ويا أهلك راسه وألف سيف  ومحكم رأيه لكلمته هي الي هاتمشي.

 

تستمع فاطمة إليها بإهتمام، ضيقت عينيها ويبدو من نظراتها أنها لم تقتنع بعد خاصة أنها علي دراية بأن قمر تريد العيش بعيداً عن جليلة بسبب معاملتها السيئة كلما أتاحت لها الفرصة وبكر غير موجود في المنزل.

_ أخوي رايد تعيشو في شجة تانية ودي أني خابرها لكن الي ما بلعهوش هو كيف أنتي رايدة تعيشي ويا أمي الي كان أغلب خناجاتي وياها بسبب معاملتها الشين ليكي!، قمر، جولي الحجيجة أحسن لك.

 

جلست بجوارها مُترددة تخشي أن تخبرها فيزداد الطين بلاءً.

_ معلش وريداكي متزعليش مني، أخوكي لو كان رايدك تعرفي كان جالك، متحطنيش في موجف محرچ كفايه الي أني فيه.

 

أومأت لها علي مضض وبداخلها الفضول علي وشك أن يقتلها، لكنها أحترمت خصوصيتها مع شقيقها ولم تريد أن تتطفل أكثر من ذلك.

_ ماشي علي راحتكم أنتم الأتنين، علي فكرة هو واجف بره الدار منتظرك تجوليله يتفضل أهنه.

 

قشعريرة سرت علي طول عمودها الفقري من فرط السعادة عند سماع هذا،  فما كان منها سوي أن تتدلل:

_ خليه حداه إن شاء الله يجف لسنة كمان ولا طلعه له ولا هاجوله أتفضل عاد.

 

إبتسمت فاطمة بمكر، تدرك تأثير ما ستتفوه به علي الأخري جيداً:

_ علي راحتك يا مارت أخوي، خليكي أهنه كيف ما أنتي رايده، أه نسيت أجولك طلع أخويا زكريا ماتچوز واحدة إنما أي وسطها كيف الكامانچا  عود وچمال وحلاوة تخلي ماحدش ينزل عينيه من عليها، أني يا بت عاكستها.

 

رمقتها بدهشة فسألتها لتتأكد ما تتمتم به:

_ مارت أخوكي زكريا كيف، أتچوز ميتي؟.

 

_ أرچعي الدار وأنتي هاتعرفي كل حاچة، ده موضوع كبير جوي وأمي جالبة الدنيا علي راس زكريا، الحزين ضاجت في خلقته من جلة الحريم راح أتچوز غازية.

 

شهقت قمر وهيهات أنطلقت في الضحك حتي توقفت:

_ يا خبر أبيض، زمان خالتي چليلة جامت عليه الحد.

 

اجابت الأخري:

_ الدنيا هناك مولعة أمي عمالة تنوح وكأنها ميتلها ميت وأبوي يهديها و زكريا راح ساحب مارته من يدها و باينه خدها علي داره الي كنتو فيها.

 

تركتها و دلفت لتحضر عبائتها السوداء وغطاء وجهها وخمارها وأرتدتهم علي عجلة من أمرها، وقامت بمناداة عمر:

_ عمر خليك أهنه وماتخرچش بره عجبال ما أمك وأخواتك يرچعو.

 

_ رايحه فين، هاتهملينا تاني؟.

سألها بنبرة ألتمست فيها حزنه، دنت منه و مسحت بيدها علي رأسه:

_ ما تخافش أني راچعة تاني، رايحة أشوف عمك بكر رايد مني أي و معاوده تاني.

 

خرجت إلي فاطمة التي فرحت عندما رأتها قادمة معها، فقالت بمزاح :

_ هاترچعي لأچل چوزك ولا غيرتي من الغازية.

 

و غمزت لها بعينها، لكزتها قمر في كتفها:

_ غازية علي نفسها، الي تجرب من چوزي أجطعها بسناني.

 

*•••••••••••••••••••••••••••••*

_ بمجرد رؤيتها وهي قادمة برفقة شقيقته كان كالغائب عن الوعي و أفاق من إغمائه للتو،  كلما تقترب خطوة تزداد دقات قلبه كقرع الطبول.

وبدون أن تنتبه قامت شقيقته بالغمز إليه فبادلها بإبتسامة إمتنان وشكر.

كاد يقترب من قمر لكنها أمسكت بيد فاطمة وقالت من أسفل غطاء وجهها:

_ يلا بينا يا فاطمة.

 

حدجها بدهشة وتعجب من رفضها إليه فقال:

_ فاطمة هاترچع علي الدار وأنتي هاخدك ورايحين نجعدو في أي مطرح، رايد أتحدت وياكي.

 

زجرته بنظرة من فيروزيتيها  :

_ و أني ما رايداش أروح وياك أي مطرح وملكش حديت معايا، أني راچعة لأچل خاطر خايتك وهاجعد وياها.

 

جز علي أسنانه بحنق فقال لها وبنظرة توعد يحدقها بها:

_ بجي إكده يا قمر!، روحي ويا خايتي بس أستلجي وعدك مني.

 

كادت تضحك وحمدت ربها أنه لايري ضحكتها أسفل غطاء الوجه،  فقالت بتحدي وكبرياء:

_ فاكرني خايفة منك إياك،  هاتسوي فيا أي عاد!.

أقترب خطوة ويتظاهر بجذبها:

_ تحبي أفرچك هاسوي فيكي أي.

 

تراجعت بحذر خلف فاطمة ودفعتها للسير بخطي سريعة:

_ يلا بينا يا فاطمة،  أمشي بسرعة.

 

ظل واقفاً في مكانه يتبعهما وهو يكبت ضحكاته عليها،  كم يعشق برائتها وطيبة قلبها.

 

*•••••••••••••••••••••••••••*

 

_ تتلفت تلك السيدة يميناً و يساراً في مدخل قسم الشرطة، رآها الأمين فقام بمناداتها:

_ أنتي يا ست واجفة حداكي ليه إكده وعماله تتلفتي حواليكي؟.

 

سارت إليه و وقفت أمامه:

_ بالله عليك يا بيه تساعدني أدخل الواكل ده لچوزي ده محبوس حداكو بجاله كام يوم وكل ما أچي البيه الي بيبجي جاعد مطرحك يزعجلي.

 

نظر إلي الأكياس التي تحملها  فسألها:

_ چوزك إسمه أي؟.

 

أجابت:

_ أسمه مچاهد.

 

أرتشف من الكوب التي بيده قليلاً من الشاي ثم تركها:

_ مش ده الي ضرب النار علي رافع القناوي الي من النچع ؟.

 

أندفعت قائلة:

_ هو مكنش يجصد رافع القناوي،  هو كان بياخد بتاره من زكريا واصف أصله بعيد عنك ضحك علي أخته والبت حبلي منه و مختفية بجالها كتير و چوزي رايد يعرف مطرحها فين.

 

أنصت لها بإهتمام فقال لها:

_ طب بصي أدخلك لساعة الظابط المسئول وتجولي له كل الحديت الي جولتيه ده لأن وجت ما چوزك جبضو عليه وماعوزش يتحدت واصل.

 

ردت بتردد عندما أدركت عدم إفصاح زوجها عن الحقيقة:

_ هو لازم أجول يعني؟.

 

أجاب بتهكم علي سؤالها الأحمق:

_ أيوه لازم تجولي، لإما چوزك هايروح في داهية.

 

وبعد قليل دلفت إلي الضابط بعدما أخبره الأمين بما تفوهت به،  أخذت تسرد له كل ما تعلمه ظناً منها هذا يبعد عنه تهمة الشروع في القتل.

 

تنهد الضابط وقال:

_ أفهم من الي كل الي حكتيه أنك بتتهمي الي أسمه زكريا إنه ورا إختفاء ورد أخت جوزك الي كانت علي علاقة بيه وحامل منه وهو أنكر ومش عايز يتجوزها ولا هايعترف بالي في بطنها!.

 

أومأت له واجابت بإصرار:

_ وحياة عيالي يا بيه هو ده الي حوصل،  أني كل الي طلباه من حضرتك توصل له الواكل.

 

أشار لها بيده:

_ حضرتك سيبي الأكل والعسكري هيدخلو له بس بعد ما يتفتش كإجراء أمني.

 

_ طب چوزي كده هايخرچ يا بيه ولا لاء؟.

 

_ خير إن شاء الله، كله الي عايزه منك تقعدي مع المُحضر وتقوليلو كل الي حكتيه و كمان مواصفات أخت جوزك الي أختفت.

 

وبعد الإنتهاء من الإدلاء بكل ما أُعيدت سرده علي كاتب البلاغ غادرت القسم،  أخذ الضابط الورق المدون فيه أقوالها ويمعن التفكير في كلماتها.

 

*•••••••••••••••••••••••••••*

 

_ أي الي چابك يا سمر وخلاكي تخابري أهلي عن چوازنا.

هدر بها زكريا قابضاً علي زراعها بقوة مما جعلها تصرخ بألم:

_ أومال كنت عايزني أقولهم عن علاقتي بيك أي إن شاء الله،  ولا ماتكونش ناوي تشهر جوازنا!.

 

نفض زراعها بإزدراء وصاح بتهكم:

_ چواز مين يا أم چواز،  ده كل الي بينا حتة ورجة عرفي ملهاش عزا.

 

تجلت الصدمة علي قسمات وجهها واضعة يدها صدرها غير مصدقة إنكاره:

_ هو أنا الي فهمته من كلامك صح ولا أنا الي فاهمة غلط!.

 

كان جاوبه الصمت الذي كان كافياً كإجابة مُفحمة لها، مما أشعل نيرانها التي أطلقتها للتو :

_ نعم يا روح خالتك!، ورقة ملهاش عزا!، و ديني وأيماني يا زكريا لو ماروحتش جبت المأذون دلوقتي وكتبت عليا رسمي لأكون خارجة وماجرساك في النجع كله مش بس كده،  هافضحك وأقول لأهلك عن البت الورد الي ضحكت عليها وحملت منك وأنت قتلتها والكلام يتنطور للحكومة و في ثانيه تلاقي البوليس حاطط إيديك الحلوين دول في الكلابشات و هوب يرحلوك علي النيابة و هوب تلاقي رقبتك ملفوف حواليها حبل المشنقة.

 

كلماتها كانت كفيلة بإخراج الوحش الثائر من داخله،  و في أقل من ثانية أنقض عليها قابضاً علي نحرها:

_ جولتي لي بجي هاتسوي أي.

 

ردت بصوت مختنق وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، تمسك بمعصم يده القابضة علي عنقها:

_ أي عايز تقتيلني أنا كمان، أنا قايلة للبت نواعم تتصل عليا كل ساعه لو ماردتش تروح تبلغ البوليس.

 

قام بإرخاء يده عنها،  يلهث بقوة من فرط مايشعر به من الغضب والجنون عندما قامت بتهديده.

أردفت كلماتها:

_ أيوه كده أعقل، فاكرني هبلة زي البت الي تويتها أنت وإبن خالك،  لاء يا روحي فوق ده أنا سمارة الي ياما رجالة بشنبات يقف عليها الصقر يتمنو بس إشارة مني، أعمل بقي في نفسي الي زي الزفت رفضتهم كلهم ورضيت بالهم وياريت الهم راضي بينا.

 

أجاب علي سخريتها بحدة قائلاً:

_ و أني ماضربتكيش علي يدك  يوم ما وافجتي أكتب عليكي عرفي.

 

أبتلعت غصتها وعقبت علي كلماته التي تعلم ما وراءها من حديث طائل:

_ كان بإرادتي ورضيت بالعرفي عشان عارفة أنك مش هتوافق تكتب عليا رسمي، لأنك راجل صعيدي و أنا رقاصة والي هايعرف أنك متجوز واحدة زيي هايعيرك بيا برغم وربنا ما في راجل لمسني غيرك.

 

تفوه بأكثر ما قد يؤلمها من داخلها:

_ مش شرط يلمسوكي بإيديهم ولا الي بالك فيه، كفاية عينيهم الي بتاكل كل حتة في چتتك ولحمك الي باين وأنتي بتهزي وسطك جدامهم، خابرة بيتجال أي علي الي بتعري لحمها وتسوي الي عاتسويه هاتروحي تدفيني نفسك بالحيا.

 

_ عارفة من غير ما تقول كلام جارح، ويكون في علمك لو أنا واحدة رخيصة أوي كده أنت ماتفرقش عني يمكن أنت أبشع من كده، خاين و زاني و قاتل، كل واحد فينا هيقف يتحاسب قدام ربنا،  مفيش حاجة إسمها ده راجل والراجل مايعبوش حاجة ودي ست ولو عملت غلطة وتابت يفضلو يعايروها بذنبها طول عمرها وتبقي وصمة عار علي كل الي يعرفوها.

 

ولي إليها ظهره هارباً من نظرات الإتهام في عينيها فكلماتها جعلته عارياً منبوذاً،  فهي لديها كامل الحق زاني وقاتل بل وخائن، قام بخيانة أقرب الناس إليه، أحب زوجة أخيه ولم ينكر حتي عندما سأله شقيقه.

 

_ جصرو يا سمر أني ولا هاكتب رسمي ولا زفت،  أديكي جولتي أني رخيص أوي،  مستنية أوي من واحد مش باجي علي حاچة، أرچعي مطرحك وأنسيني، أني واحد مصيره أسود ومهبب ليه عايزة تربطي حالك بيه!.

 

وقفت أمامه وأمسكت يده وهي تستعيد رباطة جأشها:

_ أنا الي جابني لحد عندك حاجة أغلي مني ومنك، الحاجة الي هتخليني أبطل رقص وأستقر في حياتي زي أي واحدة محترمة.

 

وضعت كفه علي بطنها، رفع عينيه ليرمقها محاولاً إستيعاب ما وصل إليه، فأقتصرت عليه السؤال لتجيب هي:

_ أنا حامل يا زكريا.

 

*••••••••••••••••••••••••••••*

 

_ يجلس أمام شاشة الحاسوب ينقر علي أزرار لوحة المفاتيح يسجل حسابات المبيعات والصادرات والواردات، دلفت له سيدة عجوز ذات مظهر رث قالت له بتوسل:

_ والنبي يابني حاجة لله،  ربنا يزيدك ويفتح عليك من وسع،  أكرمني يكرمك ربنا.

 

وقف و وضع يده في جيب بنطاله وبدون أن ينظر إلي كم هي النقود الذي أخذها وضعها في يدها الممتدة إليه:

_ أتفضلي يا أمي،  ولو محتاچة أي حاچة تعالي وهاعطيكي الي فيه النصيب.

 

تهللت ملامحها وأنفرجت تجاعيد وجهها من الفرح وهي تنظر إلي النقود التي أعطاها إياها و عرض عليها المساعدة،  رفعت يديها لأعلي في وضع الدعاء:

_ ربنا يعطيك ما يحرمك أبداً ويجعلك في كل خطوة خير وسلامة ويبعد عنك ولاد الحرام قادر يا كريم.

 

أبتسم لها بأمتنان:

_ الله يباركلك يا أمي.

 

ردت وهي تغادر المتجر:

_ تسلم يابني.

 

أطلق زفرة من أعماقه،  كم هذه الدعوات أشرحت صدره و تمني أن الله يستجيب لدعوات تلك المرأة المسكينة لعلها تكون السبب أو الطريق إلي برائته والعودة إلي بلده.

وفي أثناء تفكيره، أقتحم جنيدي خلوته مع نفسه فأفزعه قائلاً:

_ أنت جاعد أهنه ولا علي بالك الي بيحوصل بره.

 

رمقه بإنتباه وسأله بقلق:

_ حوصل أي؟.

 

أجاب مُسرعاً:

_ چالنا خبر أن الحكومة باعتة البلدية يشيلو كل الفرش الي علي الأرصفة،  جوم تعالي شيل معاي بسرعة هخلي بضاعتي حداك في المخزن لحد ما يخلصو ويمشو.

 

_ و في مكان قريب يقود سيارته منذ أن تركها وغادر المنزل، لم يتحمل بكائها عندما ألقي عليها بكلماته الأقسي من الحجر، أرتدي ثيابه و ركب سيارته، ثم أخذ يتجول بها لساعات بدون إتجاه محدد.

 

وبالعودة إلي فارس و جنيدي يحمل كليهما اللوحة الخشبية المتراص فوقها البضاعة،  يسيران إلي متجر وفي منتصف الشارع،  صاح جنيدي في صاحبه:

_ حاسب يا فارس.

 

ألتفت بفزع وتفادي السيارة بمعجزة آلهية وقع علي الأرض و كذلك مايحمله ، كانت علي وشك تصدمه من الخلف حيث كان مولياً ظهره،  بينما صاحب السيارة الذي كان غافلاً وأنتبه علي آخر لحظة ضغط علي الفرامل فجاءة مما أصدر صوت إحتكاك الإطارات بالأسفلت.

 

تجمع بعض المارة وأصحاب المتاجر للأطمئنان علي فارس الذي كاد ينهض فتسمر مكانه عندما صوت آخر ما كان يريد رؤيته علي الإطلاق:

_ أنت بخير؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *