خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج١

مسحت (جمانة) دموعها وهي تهتف :
– لا والله يالولو مش قصدي دي دموع فرح على فكرة .. فرحانة أوي باهتمامك بي وقربك مني .. ربنا مايحرمني منك ياقلبي .. وعشان أثبت لك أنا موافقة ع الشغل ياستي .. قولي لي ايه المطلوب مني وأنا معاكي على طول

ابتسمت ( لمياء) في فرح وضمت شقيقتها إلى صدرها وقالت :
– أيوة كده ياجوجو .. حبيبة قلبي رجعت تاني .. خلاص ياجميل أنا هاظبط الموضوع وهأكلمك أقولك على آخر الأخبار وأتفق معاكي هنعمل ايه

فسارعت (جمانة) لسؤالها :
– طيب يالميا مش تقولي لي الشغل ده فين وعبارة عن ايه ؟

قالت (لمياء) :
– شوفي ياستي هي شركة كبيرة بتاعة واحد صاحب حمايا بس اللي بيديرها حاليا ابنه هو مهندس ومالوش في شغل التجارة بس عشان خاطر باباه بقى اتعلمها وحمايا كلم صاحبه بعد ماطلبت أنا منه يشوف لك شغل وقالي إنه كلمه ومفيش عنده أي مانع وطلب السي في بتاعتك وأنا بعتها له ولسه منتظرين رده بس ماتقلقيش هو غالبا هيوافق, حمايا بقى ..

ابتسمت (جمانة) ثم سألت شقيقتها :
– طيب وابنه اللي ماسك الشغل حاليا مش هيعترض ؟

ردت ( لمياء ) :
– يعترض على مين يابنتي على باباه .. ماتنسيش إن باباه صاحب الشغل وهو مديره وبس هو أينعم الشركة حالها اتغير بعد لما مسكها واتقدمت كتير في السوق بس مايقدرش يقول لباباه لا .. ده أولا ثانيا بقى وده الأهم السي في بتاعتك مشرفة ينقصها بس الخبرة وهما أكيد عندهم متدربين في الشركة وأنت هتكوني أفضلهم لأنك اتعلمت حاجات كتير باستغرب لحد دلوقتي ليه مااشتغليش بيها

طأطأت (جمانة) رأسها وقالت في خفوت :
– ما انت عارفة إن حسام كان رافض موضوع الشغل تماما وأنا ماكنتش أقدر أزعله خاصة اني ماكنتش محتاجة وحتى دلوقتي مش محتاجة بس أهو حاجة تشغل وقتي شوية

ربتت (لمياء) على كتفها مرة أخرى وهي تقول :
– أنا عارفة ياجوجو ماشاء الله حسام كان مستواه كويس وحاليا ساب لك ميراث معقول .. بس تفتكري هيستمر للأبد من غير مايخلص .. دلوقتي الصيدلية بيديرها دكتور بييجي يوم وعشرة لا مش فاهمة ايه ده وانت حتى مابتسأليش عليها وسايباه براحته ومكتفية بالمبلغ اللي بتاخديه كل شهر منها وحتى الأرض اللي في بلد والد حسام ماتعرفيش عنها حاجة غير الايراد اللي بييجي منها كل كم شهر ولا عارفة ده حقك ولا لا .. حبيبتي اقلقي على حاجتك وحاجة بنتك شوية مش كده اصحي بقى وفوقي وشوفي حالك .. أنا مش بأقولك اشتغلي عشان محتاجة بس عشان تعملي حاجة مش كل الأيام تبقى زي بعضها وليلك زي نهارك وبكرة زي امبارح عيشي وعيشي بنتك جنبك اخرجي شوفي الناس وبنتك الصغننة دي ذنبها ايه تتحبس كده .. عيشي حياتك ياحبيبتي الدنيا ماوقفتش ومش هتقف .. إنت بس اللي وقفتي الزمن بتاعك وهو لسه بيتحرك حواليكي

صمتت (جمانة) وعادت إليها ذكريات الأعوام الثلاثة الماضية بعد وفاة ( حسام ) في ذلك الحادث الذي دمر سعادتها .. وطفلتها الصغيرة التي لم يتخطى عمرها الشهور الستة وقتها الآن طفلتها على أعتاب عامها الرابع وهي تعيش معها وبعيدة عنها في نفس الوقت .. كم تألمت .. كم حزنت .. كم صرخ قلبها وأنّ بين ضلوعها, كم تحملت وسادتها دموعها وتبللت بها .. كم من مرة حلمت به يضمها لصدره في حنان كما اعتادت وهي معه .. آه صرخ بها قلبها انعكست على شكل تنهيدة حارة خرجت من بين شفتيها وهي تقول :
– أنا هاجرب يا لميا .. هاحاول .. ع الاقل عشان ملك وعشان أخرج من اللي أنا فيه وأشغل عقلي اللي قرب يتجنن بأي حاجة.

ابتسمت (لمياء) وتنهدت بارتياح ثم قالت :
– طيب كده تمام احنا متفقين .. هاعرف الأخبار وأكلمك ونشوف هنعمل ايه, دلوقتي ايه رأيك بقى ناخد ملوكة وماما ونخرج نتغدى برا ونتفسح شوية

بادلتها (جمانة) الابتسامة وقالت :
– ماشي أوك .. بس ماقلتليش أنت أخبارك ايه ؟ من ساعة مادخلتي وانت عمالة تطبطبي علي وماطمنتينيش عليكي .. عاملة ايه وأخبارك مع أحمد ايه ؟

ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتي (لمياء) سرعان ماتلاشت لتقول لأختها بسرعة كأنها تداري أمرا ما :
– كلنا كويسين أنا وأحمد وحمايا وكله اطمني .. خلينا فيكي انت أنا دلوقتي هاروح اقول لماما تجهز وتلبس ملك على ما أنت تلبسي ونخرج سوا ماشي

صمتت (جمانة) فهي تعلم ان شقيقتها لا تريد أن تحملها آلامها مهما كان قدرها لكنها تغاضت عن الأمر وهي تعطي الفرصة لشقيقتها أن تتحدث إليها وقتما ترغب وقالت بابتسامة :

– أوك .. أنا هالبس أهو وانت قولي لهم

خرجت ( لمياء ) من الغرفة واستندت لبابها بظهرها وهي تتنهد ثم همست لنفسها :

– أقولك ايه ياجوجو .. إن حب عمري بيخوني .. ومش قادر يتحمل أو يصبر على إن مفيش ولاد لحد دلوقتي ونفسه يكون أب .. أقولك ايه بس وانت فيكي اللي مكفيكي ..

ثم ذهبت في صمت وخطوات بطيئة منكسرة لغرفة والدتها لتخبرها أن تستعد ليخرجوا سويا ..
_________________________________

طوى (جلال الحسيني) جريدته ووضعها على المكتب ورفع فنجان القهوة ليرشف بعضه وهو يخاطب ولده قائلا :
– خلاص يا أدهم أنا اديت الناس وعد وطبعا مستحيل أخلفه, مدام جمانة هتيجي تشتغل في الشركة وشوف لها مكان في قسم الإدارة أوالمحاسبة وصدقني هتنفعك شوف السي في واحكم بنفسك .

زم (أدهم) شفتيه في ضيق وقال :
– يا بابا انت عارف إني مش باحب الطريقة دي في الشغل أو اختيار الموظفين واسطة بقى وكل واحد يحس انه مميز وله ظهر في الشركة ويغلط أو يقصر وهو مطمن ده بالاضافة إني فعلا قرأت السي في ومفيش عندها خبرة خالص, يعني حضرتك هتجيب لي ست بيت تشتغل في الشركة عشان معرفة صديق عزيز

عقد والده حاجبيه في غضب ووضع قهوته بعنف على المقعد ثم قام من خلف مكتبه وجلس أمام ابنه على الكرسي المقابل لمكتبه وهو يقول :
– أدهم حاسب على كلامك, إنت عارف كويس طريقتي في الشغل وإن موضوع الواسطة ده مش بينفع معايا إلا لو فعلا الشخص يستحق الوظيفة لكن الظروف مش مساعدة إنه يلاقيها .

تراجع (أدهم) في مقعده وهو يفكر في صمت لثوان ثم رد على والده :
– تمام يا بابا أنا عارف طريقتك وإنت كمان عارف طريقتي وعارف برده إني دائما بأعمل إعلان لو مكان محتاج موظف عشان الشخص الصح والمناسب يكون في المكان المناسب وحضرتك حملتني مسئولية الشركة على الرغم إنها مش مجال دراستي ولا شغلي وأنا اتنازلت عن المهنة اللي باحبها عشان الشركة وعشان أكون جنب حضرتك ووافقت على طريقتي في الشغل واتفقنا على كده, دلوقتي حضرتك بتجبرني أشغل واحدة لمجرد إنها قريبة صديق وحتى السي في مش للدرجة وبدون خبرة تماما, مش مقتنع للأسف يا بابا .

قالها وهو يلف وجهه للجهة الأخرى ويتنهد في غضب مكتوم, صمت أبوه قليلا وهو يحاول أن يقلب الأمر في ذهنه ويقنع ولده بالأمر دون ضغط على الأقل حتى لا يسبب لها مشاكل في العمل بعدها ثم لم يلبث أن قال :
– أدهم يابني, أنا سعيد بكلامك جدا على فكرة, شوف يا أدهم مدام جمانة حاليا أرملة وبتراعي بنتها وفي نفس الوقت مؤهلاتها كويسة وتأهلها للعمل فعلا ناقصها بس الخبرة ولو كل حد عاوز يشغل موظفين طلب خبرة يبقى ماحدش هيشتغل لأن عشان يكون عندك خبرة لازم ناس تشغلك وبالتالي تكتسبها, لو الكل رفض بدون خبرة الناس هتشتغل إزاي, الموضوع دايرة مقفولة ولازم إحنا كشركة محترمة يهمها الكفاءة أولا نخلي بالنا من الكفاءات وندور عليها, المسألة مش مسألة واسطة أو محسوبية, تفتكر لو ماكنتش شايف إنها تنفع تشتغل معانا كنت هاوافق ؟ ده شغل مش لعبة ولا تكية, اعتبرها فترة تجريب أو متدربة معانا ولو أثبتت جدارتها يبقى أهلا بيها أما لو لا خلاص الموضوع هيكون بايدك وتتصرف فيه بحرية, اتفقنا ؟

صمت (أدهم) قليلا وهو يفكر في الأمر ويديره برأسه ثم تنهد مستسلما وقال :
– ماشي يا بابا اتفقنا, هتشتغل معانا وهاخلي أستاذ محفوظ يتابعها بنفسه بس مع أول غلطة أو تقصير؛ هتكون برا الشركة.

تنهد (جلال) في ارتياح وقام يربت على كتف ولده وهو يقول :
– انت كده تمام يا أدهم أنا هاكلم عمك شكري وأبلغه يبلغهم بموافقتنا عشان تيجي تستلم شغلها

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *