خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج١
بعد مرور أسبوع بدأت الصغيرة في التحسن والحركة بشكل جيد بدون ألم, في خلال هذا الوقت لم تنقطع زيارات (حسام) وشراء الهدايا لها واللعب معها, كانت والدة (جمانة) سعيدة به للغاية وبحنانه على (ملك), لم يكن يضايقها سوى طريقة (جمانة) الجافة في التعامل معه على الرغم من حنانه الذي يغدقه على الجميع, وفي نهاية الأسبوع كانت (جمانة) في المنزل تحضر بعض الأشياء لها ولوالدتها وتركت والدتها بصحبة الصغيرة وعندما عادت للمكان وجدت (أدهم) هناك فدخلت وهي تقول بلهجة جافة :
– السلام عليكم
رفع (أدهم) والذي كان يداعب الصغيرة وهي تضحك بصوت عال رأسه ورد السلام في هدوء في حين ردته الأم وقالت :
– تعالي ياجوجو الأستاذ أدهم الله يكرمه جاي يطمن على ملك وجايب لها حاجات كتير.
ثم التفت إليه تخاطبه :
– ماكانش له لازمة ده كله والله يابني
ارتسمت ابتسامة على شفتيه وداعب رأس الصغيرة بحنان وقال :
– بسيطة حضرتك, المهم الأميرة الصغيرة تقوم بالسلامة.
تطلعت إليه (جمانة) في صمت للحظات وهي تشعر بالغيظ من طريقته خاصة بعد موقفه الأخير معها في الشركة وكيف انقلب 180 درجة بعدما علم بالحادثة, كان من المفترض أن يغير موقفه وجهة نظرها فيه لأنه قام بما هو أكثر من الواجب لكنها كانت حانقة عليه فما كان منها إلا أن قالت :
– وتاعب نفسك ليه يا باشمهندس, كده كتير فعلا خصوصا إني استقلت من الشغل ومفيش داعي لأي حاجة حضرتك شايف إنها واجب تجاه الموظفين بتوعك.
اندهشت والدتها عندما صرحت بأمر استقالتها وهتفت :
– استقلتي ؟ هو انت لحقتي ياجمانة ؟
أما (أدهم) فتطلع إليها باستخفاف ثم قال كأنه يكلم طفلة صغيرة عنيدة :
– استقالة ايه يا مدام جمانة ؟ أنا ماوصلنيش حاجة ؟ وبعدين في شركتنا مش أي كلمتين يتقالوا في ساعة غضب يبقى معتد بيهم كأنهم ورق رسمي موقع يعني.
كانت تنظر إليه في غيظ وهو يبتسم ابتسامة عجيبة تجمع بين السخرية والاستخفاف وودت لو تلكمه في أسنانه ليغلق فمه ويتوقف عن الابتسام بتلك الطريقة, لكنها تركته واتجهت لصغيرتها فانحنت عليها ومسحت شعرها برفق وقبلتها فبادلتها الصغيرة القبلة عندما قالت مرة أخرى موجهة كلامها إليه :
– دول مش كلمتين يافندم ده كان قراري وأظن حضرتك فاكر اللي قلته لي وقتها وأنا نزلت على رغبة حضرتك واستقالتي الرسمية هتكون على مكتبك بكرة بإذن الله.
ظهر الحزم في عينيه فجأة وكأنما مل من لعبها لدور الطفلة العنيدة وقال بصرامة قاطعة معلنا انتهاء النقاش :
– مدام جمانة الموضوع منتهي وبما إن ملك الحمد لله بقت كويسة والدكتور كان هنا دلوقتي وصرح لها بالخروج النهاردة فإنت تكوني على مكتبك من بكرة بإذن الله.
علت الدهشة وجهها ثم مالبثت أن انقلبت لغضب وفتحت فمها لتتكلم لكنها قاطعها بإشارة حازمة من يده وجملة قاطعة صارمة أرهبتها :
– قلت الموضوع منتهي.
ثم التفت للصغيرة وانحنى ليطبع على جبهتها قبلة هو الآخر وسألها محاولة إغاظة والدتها :
– ولا إنت ايه رأيك ياملك ؟ مش ماما ترجع الشغل عشان كل يوم وهي مروحة تجيب لك شيكولاتة وحاجات حلوة
ضحكت الصغيرة بسعادة وأومأت برأسها أن نعم وقالت ببراءة بلهجتها الطفولية :
– ماما عاوزة شيكولاتة كل يوم
شعرت (جمانة) بالحنان يتدفق داخلها فاحتضنت الصغيرة وهي تربت على شعرها وقالت :
– بس كده ؟ شيكولاتة وكل اللي تحبيه ياملوكة
ورفعت عينيها بغيظ لـ (أدهم) الواقف بجوار السرير فوجدته يبتسم ابتسامة ساحرة وفي عينيه نظرة حنان غريبة, شعرت أن الغيظ الذي كانت تشعر به ذاب فجأة وهي تتطلع لابتسامته ولأول مرة تنتبه لملامحه الرجولية الوسيمة وعينيه البنيتين العميقتين وذقنه النامية والتي بدا كأنه لم يحلقها منذ أيام, ضبطت نفسها تفكر بتلك الطريقة فخفضت عينيها سريعا وهي تؤنب نفسها وتستغفر كيف نظرت إليه بهذا الشكل ؟ ثم وجدت نفسها فجأة تقول في خنوع بصوت خافت :
– شكرا ياباشمهندس على اهتمامك, إن شاء الله هأكون على مكتبي بكرة
هنا كان النصيب الأكبر من الدهشة مرتسما على وجه أمها والبعض منها على وجه (أدهم) الذي لم يتوقع تراجعها عن قرارها بهذه السرعة وكان يستعد لجدال طويل معها لكن أسعده ذلك خاصة لما لمسه من شخصية عنيدة ثائرة بداخلها, أما الأم فنظرت لابنتها باستغراب وهي تتساءل كيف تراجعت عن قرارها الذي اتخذته وهي التي لم تفعل ذلك مطلقا من قبل, أما هي فبعد أن نطقت جملتها تلك امتلأت بموجة عاصفة من الغضب وهي تكاد تفتك بنفسها, ماهذا الذي قلته لن أعود أبدا, ارتسمت ابتسامة على شفتي والدتها وهي تنظر للحيرة المرتسمة على وجه ابنتها ثم قالت لتشق السكون الذي عم الغرفة :
– والله ياباشمهندس أدهم إحنا فعلا تعابينك معانا كل يوم تطمن على ملك بالتليفون ودي تالت زيارة , يارب بس مانكونش معطلينك عن شغلك.
ارتسمت ابتسامة حانية على شفتيه وهو يتطلع لـ (ملك) ويقول :
– لا أبدا ولا تعب ولا عطلة المهم الأميرة تبقى بخير
استغربت (جمانة) منه ومن حديث والدتها وأن هذه هي الزيارة الثالثة, إذن لما لم تره من قبل, هل كان يأتي وهي غير موجودة, وكان يهاتفهم يوميا ليطمئن عليها, رجل غريب, وهنا سمعوا طرقة هادئة على باب الغرفة فقالت (جمانة) :
– ادخل
كان القادم هو الدكتور (حسام) والذي ما إن رآه (أدهم) حتى نظر إليه شذرا كما اعتاد ولم يتكلم في حين ألقى هو السلام واستقبل الرد ثم اتجه لسرير (ملك) وعلى شفتيه ابتسامة عريضة وهو يقول :
– ملوكة عاملة ايه النهاردة.
ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتي (ملك) وهي تمد يديها إليه فأمسك كفيها وانحنى ليقبل رأسها بحنان, كانت الأم تتطلع إليهم في سعادة وهي ترى الرجال بالغرفة يتصرفون بحنان غير عادي مع (ملك) وبدا وكأنها تبحث عن عريسا لابنتها منهما, أما (جمانة) فلأول مرة تقابل (حسام) بهدوء وبدون جفاء كالمعتاد فابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تقول :
– ملوكة حبتك أوي يادكتور مش من عادتها تتعامل كده مع حد غريب
شعر (أدهم) بالغيظ فالصغيرة تحبه أيضا, هذه المرأة تنوي إصابته بأزمة قلبية قريبا, ولما تبتسم في وجهه هكذا؟ أليس هذا من كاد #ابنتها وكانت ستعدمه بيديها؟ عجيبة فعلا, أما (حسام) فبدت السعادة على وجهه عندما لاحظ الفارق بين طريقة (جمانة) السابقة والحالية وعندما لاحظ (أدهم) سعادته تلك كان يريد أن يعطيه لكمة محترمة في أنفه تمحو تلك السعادة وتستبدلها بالألم لكن (حسام) قال :
– والله يا مدام جمانة أنا برده حبيتها جدا , ملوكة بنوتة عسولة ورقيقة وتتحب

