خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج١
قالت السيدة في تردد أكبر :
– توعديني إنك ماتكونيش لحد غير حسام
تطلعت إليها (جمانة) وكم رقت لحالها, هذه السيدة المسكينة التي فقدت وحيدها وهو مازال شابا ومرتعبة من فكرة فقد زوجته وطفلته هي الأخرى, كانت تعلم داخل نفسها أن شيئا من هذا لن يحدث أبدا لذا طمأنتها قائلة وهي تمسك يدها لتقبلها :
– أوعدك يا ماما
وابتسمت فعادت الدموع تتجمع في عيني (راضية) مرة أخرى فسارعت (جمانة) تداعبها قائلة :
– ماما خلاص بقى يلا ولا عشان عارفة غلاوتك عندي, دلوقتي ملوكة هتيجي تجري ورانا عشان الهوت شوكليت بتاعتها زي ماانت معوداها
ابتسمت الجدة وهي تكمل تحضير الشراب الساخن للصغيرة وقالت عندما بدأت (جمانة) في مساعدتها :
– ربنا مايحرمني منكم أبدا
اتجهت إليها (جمانة) وقبلت رأسها وعادتا للصغيرة التي جلست تعلب بلعبتها الجديدة وهي سعيدة للغاية فجلست الجدة بجوارها تلعب معها وهي تضحك كطفلة هي الأخرى و (جمانة) تراقبهما بسعادة حتى شدتها الجدة لتعلب معهما, قضت (جمانة) وطفلتها وقتا جميلا مع جدة الصغيرة ثم عادتا لمنزلهما ونامت (ملك) بين ذراعي والدتها وهي تتحدث مع أمها كانت تبدو مختلفة وقلقة بعض الشيء مما جعل والدتها تسألها عما بها :
– مالك ياجمانة ياحبيبتي في حاجة ضايقتك عند راضية ولا هي زعلتك
(جمانة) :
– لا أبدا ليه بتسألي السؤال ده ياماما
(الأم) :
– شكلك متغير من ساعة ما رجعتي قلقانة وسرحانة وزي مايكون في حاجة شاغلة بالك, انتم اتكلمتوا في ايه هناك بالظبط؟
(جمانة) :
– عادي يا ماما الكلام المعتاد ولعبنا مع ملك وجدتها جابت لها لعب جديدة برده كالمعتاد
قالتها وحاولت الابتسام حتى لا تقلق والدتها أكثر فتطلعت إليها والدتها بصمت, لم تكن ترغب في الضغط عليها لتخبرها بما حدث هناك وجعلها تبدو هكذا وفي نفس الوقت كانت تريد الاطمئنان على صغيرتها فزمت شفتيها وأظهرت القليل من استيائها قائلة :
– ماشي ياجمانة لما تحبي تحكي أنا موجودة مادام شايفة انك بقى لك أسرار مع مامة جوزك الله يرحمه
ثم وقفت لتخرج من الغرفة فاستوقفتها (جمانة) وأمسكت بيدها وهي تهتف :
– ماما وبعدين معاكي انت زعلتي ولا ايه, ياحبيبة قلبي فعلا مفيش حاجة , هي بس ماما راضية قلقت من شغلي وخايفة ياخدني منها ويشغلني عنها وكده .. بس
تطلعت لها والدته بصمت وكأنها تحاول سبر أغوارها واكتشاف صحة ما تقول من عدمها ثم تنهدت باستسلام وقالت :
– غريبة انها تقلق من حاجة زي دي, ايه علاقة الشغل بيها وبإنك تنشغلي عنها ده له وقته وده له وقته
فكرت (جمانة) لثوان هل تخبر والدتها بوعدها لوالدة (حسام) أم لا وهل فعلا ستتفهم أمها الوضع وسبب الوعد الذي قطعته على نفسها .. ترددت كثيرا ثم فجأة قالت بسرعة وكأنها تخاف من التراجع :
– ماما راضية خايفة لا أنشغل عنها بسبب الشغل لأني ممكن اتجوز في يوم من الأيام لكن أنا وعدتها إن مستحيل ده يحصل ومستحيل حد يدخل حياتي بعد حسام الله يرحمه
تطلعت لها والدتها فيما يشبه الصدمة, كانت تتساءل داخلها كيف يمكن لـ (جمانة) أن تقطع على نفسها مثل هذا الوعد وحولت تساؤلها لصوت مسموع طرحته عليها بغضب :
– إنت بتقولي ايه ؟ إزاي تعملي حاجة زي دي ؟
تطلعت لها (جمانة) بدهشة وهي ترى مشاعر الغضب مرتسمة على وجه والدتها وقالت :
– أعمل إيه يا ماما ؟ ما إنت عارفة كويس إني مستحيل أفكر في حد غير حسام
قالت والدتها وغضبها يتصاعد :
– إنت أكيد اتجننتي, جمانة انت اللي في سنك كتير لسه مااتجوزوش أصلا انت ماكملتيش 30 سنة لسه, جميلة وصغيرة ومتعلمة وهتشتغلي كمان يعني المستقبل والحياة لسه قدامك إزاي تفكري إنك تحرمي نفسك من حق حقوقك بوعد زي ده ؟ مافكرتيش إنك فعلا ممكن تقابلي إنسان كويس يراعي ربنا فيكي وفي بنتك ويكون أمين عليكم ؟ بتحَرّمي على نفسك اللي ربنا حلله لك ؟ إنت أكيد ماكنتيش في وعيك, وإزاي راضية تعمل حاجة زي دي؟ يعني لو لا قدر الله كان هو اللي عايش وانت لا كانت هتطلب منه يتعبد في محرابك لحد مايمو,ت ولو أنا اتجرأت وطلبت منه حاجة زي دي كان رد فعلها هيبقى ايه ؟ قولي لي كده
حاولت (جمانة) تهدئة والدتها وقالت بتصميم :
– ماما من فضلك حتى لو ماكانتش ماما راضية طلبت حاجة زي دي فالموضوع مفروغ منه بالنسبة لي ومنتهي وصدقيني لو كان حسام هو اللي عايش كان هيبقى الموضوع منتهي بالنسبة له برده, المسألة مش مسألة انت أو هي مسألة أنا وإنسان حبينا بعض وعمر المو,ت ماهيكون سبب في فراقنا أنا وعدته إني هاكون ليه لحد آخر نفس وماعنديش استعداد أخلف وعدي له ولا لماما راضية.
كادت والدتها تصرخ في وجهها مجددا لولا أنها استوقفتها قبل أن تتكلم :
– لو سمحتي يا ماما الموضوع منتهي بالنسبة لي ولو هتضغطي علي بالشكل ده وكله بسبب الشغل يبقى بلاش منه وخليني في بيتي أحسن بدل المشاكل
تطلعت إليها والدتها في صمت وعينيها يملؤهما الحزن والغضب في مزيج عجيب, كانت تريد أن تخرج ابنتها من شرنقتها التي فرضتها على نفسها, لن تقضي عمرها كله في الحزن على ما فات وفي نفس الوقت كانت غاضبة جدا بسبب ذلك الوعد, قررت أن تنهي الحديث في الموضوع الآن حتى تبدأ ابنتها في عملها وسيكون لها معها حديث آخر, وتوعدت (راضية) بحديث لن يرضيها أبدا لذلك قالت لابنتها في هدوء أقلقها :
– ماشي ياجمانة اعملي اللي انت عاوزاه
والتفت لتخرج من الغرفة فقالت (جمانة) بسرعة :
– ماما, الموضوع ده مايطلعش لحد ولا حتى لميا وطبعا مش هأوصيكي ان ماما راضية ماتعرفش هي مش ناقصة كفاية ابنها الوحيد اللي ضاع منها.
توقفت والدتها للحظات ولم تلتفت إليها وبدت كأنها تحاول هضم ما قالته ابنتها ثم ردت في النهاية :
– اللي انت عاوزاه
واندفعت تغادر الغرفة في غضب, تراجعت (جمانة) في مقعدها وهي تتنهد بحزن ثم همست وهي تمسك سلسلة ذهبية تبدو كقلب صغير وتحتضنها بيدها :
– وحشتني ياحسام .. أوي.
وانحدرت من عينها دمعة ساخنة سالت على وجنتها لتحرق قلبها معها .
_____________________________