خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج١

أخذها واتجه به إلى مكتب يضم أثنين آخرين شاب وفتاة وأشار لمكتب ثالث فارغ وقال :
– ده مكتبك إن شاء الله وزمايلك في المكتب المحاسب الأستاذ عصام ومدام هالة

ثم خاطب الآخرين وقال :
– مدام جمانة زميلتكم الجديدة في المكتب, مش هأوصيك يا عصام تعرفها مبادئ الشغل وتساعدها لحد ماتفهم طبيعته وطبعا مدام هالة تساعديها في شغلها برده اتفقنا

ابتسمت الفتاة وقامت لترحب بها وقالت :
– أنا هالة زميلتك هنا نورتينا إن شاء الله تلاقي الشغل سهل وتنبسطي معانا

صافحتها (جمانة) بخجل وقام (عصام) مادا يده ليصافحها قائلا :
– أهلا بيكي مدام جمانة

طأطأت رأسها خجلا وهي تمسك إحدى يديها بالأخرى وتغمغم في نبرة اعتذار :
– ربنا يخليك يا أستاذ عصام, آسفة أصلي مش بأسلم على رجالة

شعر (عصام) بالحرج وهو يتطلع لها في دهشة ثم قال في خفوت :
– لا ولا يهمك أهلا بيكي ولو احتجتي أي حاجة اسألي فورا وإحنا أكيد معاكي أول ماتستلمي الشغل بإذن الله

ثم عاد خلف مكتبه وهو يختلس إليها النظرات بين حين وآخر ولازال يشعر بالدهشة في حين جلست معها (هالة) أمام مكتبها تتحدث معها وتشرح لها مبادئ عملها في المكتب.
مر اليوم بسلام واندهشت (جمانة) كثيرا مما رأته وخبرته في يوم واحد في عملها, لم تكن قد تسلمت عملا فعليا لكن تابعت (هالة) و (عصام) في عملهما وهما يشرحان لها في بعض الأحيان ما يقومان به .
عادت للمنزل وهي تدعو الله أن تكون والدتها قد نسيت الأمر, قابلتها والدتها بابتسامة وسألتها عن عملها, تنهدت (جمانة) بارتياح عندما رأت ابتسامة والدتها وجلست تحكي لها عن يومها الأول وهي تداعب طفلتها, علمت أن أمها تناست الأمر ولم تنسه فقط لتسعدها وحمدت الله على قلب والدتها الحنون .

الفصل الخامس
__________

مرت الأيام و(جمانة) تتعلم وتلتزم وتعمل وبدأت تتقن عملها, وشجعها زملاؤها كثيرا حتى أصبحت تفهمه جيدا, نشأت بينها وبين (هالة) صداقة جميلة لكنها كانت دوما تعامل (عصام) بنوع من الجفاء ازداد عندما شعرت بحاستها كأنثى أنه يعاملها بشكل مختلف عن (هالة) ويتقرب منها محاولا التعبير عن إعجابه بها بعدما علم أنها أرملة, لم تكرهه لأنه لم يكن سيئ الخلق أو لزجا أو لحوحا لكنها فقط تحاشت التعامل معه إلا في أضيق الحدود وكم كان هذا يحزنه, كان يراها هشة وضعيفة كأنها تحتاج دوما لمن يظللها بحمايته ويمدها بالأمان ولكن كلما حاول الاقتراب ليمارس هذا الدور وجد أنثى شرسة عنيدة منغلقة على نفسها تصده بحزم قاطع, لم يدري كيف اجتمعت تلك الرقة مع ذلك العنفوان وهذا الكم من الحزن والضعف مع الصمود البادي عليها في نفس الشخص لكنها حققت تلك المعادلة عن جدارة, ربما لم تكن فاتنة ككثيرات يعملن في الشركة لكنها كانت رقيقة للغاية ورقتها أكسبتها جمالا غير عادي بالفعل, كان الحزن المحفور في عينيها وموشومة به ملامحها يكسبها فوق جمالها جمالا آخر, جلس يتطلع إليها في ذلك اليوم بصمت وهي منكبة على مكتبها وأمامها ملف ضخم يخص حسابات تقوم بها لأحد فروع الشركة , كان يشعر أنها مرهقة حائرة بعض الشيء خاصة وأنها لازالت مبتدئة ولا يدري لما كلفها مدير الشركة بحسابات ضخمة كهذه وكأنما يختبرها أو يتصيد لها خطأً ما فهي في كل الأحوال جديدة وكما علم منها بدون خبرة, شعر بالشفقة تجاهها فقام من خلف مكتبه واتجه إليها ثم سألها برفق وهدوء :
– مدام جمانة لو محتاجة مساعدة في الملف أنا أقدر أساعدك أنا عارف إن الفرع ده مشاكله كتير دايما وحساباتهم مش مظبوطة

رفعت عينيها إليه وبدا فيهما الإرهاق واضحا لكن كان ردها حازما قاطعا جافا :
– شكرا يا أستاذ عصام, المدير كلفني بالحسابات دي ولازم أثبت جدارتي فيها من غير مساعدة

حاول الحديث مرة أخرى ليقنعها بالمساعدة لكنها عادت تنظر إلى الأوراق أمامها معلنة انتهاء الحوار فالتفت عائدا إلى مكتبه في استسلام عندما التقت عيناه بعيني (هالة) التي ابتسمت في خبث, فأشاح بوجهه بعيدا عنها وعاد ليجلس خلف مكتبه في صمت لثوان أخرى وانشغل ببعض الأوراق أمامه عندما ارتفع رنين هاتف (جمانة) الجوال فتطلعت إليه لترى اسم المتصل ثم عقدت حاجبيها في قلق وهي ترد قائلة :
– السلام عليكم, خير يا ماما إنت كويسة ؟

أتاها صوت والدتها باكيا عبر الأثير, فانتفضت (جمانة) في جزع وهي تصرخ :
– ماما إنت بتقولي ايه انتو فين ؟

تطلع إليها كل من (هالة) و (عصام) في قلق وإلى دموعها التي بدأت تنهمر على وجنتيها, وعندما بدأت تلملم أشيائها وتبحث عن حقيبتها وهي لا تكاد ترى أمامها سألتها (هالة) في قلق :
– مالك ياجمانة ؟ خير ايه اللي حصل ؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *