رواية سطور عانقها القلب (الجزء الأخير من الفصول) بقلم سهام صادق

– اخاف تتعبي يا حياه

ابتسمت وهي تلتقط ذراعه ، وتتأبطه .. فتوقف عن السير مجدداً

– لو تعبتي ، قوليلي علطول

ضحكت مرغمه ، وهي تشده نحوها

– عامر أنا كويسه ، و ولادك كويسين مش سمعت كلام الدكتوره

توقف مكانه ، يسألها بعدم تصديق

– حياة هو أنتِ فعلا حامل في طفلين

ضحكت بكل قوتها ، حتي شعرت بالألم في معدتها ، لا تستوعب الكلمات المتعلثمه التي تخرج من شفتيه ، ولا توتره العجيب عليها ، عامر السيوفي بقوته وحنكته وأمواله ..، مازال تحت تأثير الصدمه ، دمعت عيناه مرغماً وهو يجذبها إليه ويسير بها

– كنت خايف ربنا يعاقبني يا حياه ، عشان ذنب أبن فريده ، لكن صدقيني مظلمتهاش هي اللي ظلمت نفسها

توقفت مكانها ، ووقفت قبالته ترمقه بنظرات حانية ..، نظرات جعلته يتوق للعودة لمنزلهم ، حتي يُخبرها كم هو يُحبها

– الراجل اللي ميقولش لمراته ، سبب طلاقه من طليقته .. يبقي راجل عظيم ..، أنا واثقة أن السبب كان قوي يا عامر ، قوي لدرجه إنك مقدرتش تغفره ليها

والسبب كان قوياً جداً علي رجلاً مثله ، رجلاً عاش طيله حياته يرفع رأسه ، و يخشاه الجميع

عادوا لأكمال سيرهم ، ولاول مره كان يتخلي عن مكانته وعن تعقله ..، ضحكوا وتوقفوا أمام كل متجر ..، يشترون أشياء بلا هدف ..، حتي الأطعمه التي كان يرفض تذوقها أجبرته اليوم علي تناولها

عادوا لسيارته ، وهو يضحك علي حاله وعليها ، وقد أغرقت المثلجات ثيابهم خاصة هو ..، بعدما ذابت فوق يديه

– بتضحكي عليا يا مدام ، لا وخلتيني أقف أكل من الشارع كمان

تعالت ضحكاتها ، وهي تستقل السيارة في المقعد المجاور له

– أتجنن مرة في حياتك يا عامر

جذبها إليه ، يباغتها بقبلة خاطفه ..، جعلتها تشهق بفزع وتلتف حولها ..، لا تستوعب ما فعله للتو ..، أحتلي العبث ملامحه وقد بدء في قيادة سيارته متمتماً وهو يغمز لها

– مش بتقوليلي أتجنن

…………………………………….

أنسابت دموعها وهي لا تستوعب ما تخبرها به أروي ، عن سقوط شقيقه ودخوله العناية المركزه ، جاسر القوي الذي يظنه الجميع لا يمرض ولا يرهقه شئ ، سقط في مكتبه أرضاً

– جاسر تعبان أوي يا جنه ، تعالي يا جنه .. تعالي وقوليله إنك حامل .. ، ليه بتعمل فيه كده

اغلقت “أروي” الخط ، دون أن تنتظر سماعها ، فاتجهت خارج غرفتها بخطوات مهرولة نحو مكان جلوس والديها ، حتي تُخبرهم بحديث أروي ، ولكنها وقفت مكانها ..، تطبق فوق جفنيها بقوة ، تتذكر الحقيقة المريرة التي علمت بها ، تتذكر قسوته وعدم مجيئه إليها

– لو كان بيحبك يا جنه ، كان جالك أول ما رجع من سفره ، لو كان جيه وخدني في حضنه ..، كنت ممكن أسامحه ..، لكن كبريائه ديماً بيمنعه

عادت لفراشها ، تدفن راسها أسفل وسادتها ، تُرثي حالها وحال قلبها ، تُقاوم رغبتها القويه في الركض إليه

…………………

خرج من المشفي هذا الصباح رغما تحذيرات الطبيب له ، ولكنه لم يعد يُطيق المكوث بالمشفي ، خاصة بعدما علم بأشتداد المرض علي والده

توقفت سيارة “هاشم” أمام منزل العائله ، وقبل أن يترجل من مقعده ويلتف إليه حتي يساعده ، كان يترجل من السيارة ويزيح يده الممدوده من أمامه متمتماً بحده

– أنا لسا بصحتي يا هاشم متقلقش

حدقه “هاشم” بقله حيله ، يزفر أنفاسه حانقاً مما يفعله ابن عمه بحاله ..، اسرع في صعود الدرج دون أن يهتم بصوت زوجه أخيه المهلله بعدوته ..، رغم الحزن الذي أصبح يُخيم بالمنزل

وجد عمته ، تتجه نحو غرفتها بملامح حزينه ..، تُسبح فوق سبحتها ولم تنتبه علي وجوده ، شعر بشئ يجثم فوق فؤاده ، فاسرع لغرفة والده ، ليجد راجي جواره و والده يتحدث معه بصعوبه ، وكلما أخبره عن التوقف ..، كان “حسن” يشدّ علي قبضة يده

– مافيش وقت يا ولدي

علقت عيناه بعينين “جاسر” ، فغامت عيناه بالشوق لأبنه الغالي وقد ظنه مسافر كما اخبروه وليس في المشفي بعد المصيبه التي حصلت لهم ..، بسبب ذلك المتبجح الذي يجلس جوار والده

– رجعت بالسلامه ياولدي ، متعرفش أنا كنت مستنيك إزاي ..، كنت خايف أمشي قبل ما أشوفك

اندفع “جاسر” نحوه ، يُقبل كفيه ،يهتف برجاءً له ، ألا يتحدث هكذا

– الموت علينا حق يا كبير عيلة المنشاوي

– هتفضل أنت كبير العيلة ديه يا حاج

لثم رأسه ، يُقاوم ذرف دموعه ، يرمق ذلك الجالس بملامح جامده ، فشعر “راجي” بيد حسن تمسك يده بوهن ، فطالعه بقلق متسائلا

– محتاج مني حاجه

– هاتوا أيديكم يا ولادي

وبأنفاس متقطعة ، كلن يرفع كفوفهم ..، يضمهم بكفيه

– أوعوا تفترقوا عن بعض ، أنت خلاص عرفت الحقيقه يا ولدي ..، اخواتك سندك وضهرك ..، قرب منهم يا راجي

– أنت بتقول إيه يا حاج

ابتلع “جاسر” لعابه ، وهو ينظر نحو راجي الذي دمعت عيناه ..، ثم انسحب من الغرفه

– راجي أخوك يا جاسر ، اخوك من حليمه النعيمي

وهل ينسي اسم هذه المرأه التي أخبره والده عن حكايته معها مؤخراً ، حاول الثبات واحتواء يده

– بلاش تتكلم كتير يا حاج

أغمض “حسن” عيناه ، ينفذ له رغبته ..، يُخبره بخفوت

– سيبني انام شوية يا ولدي

طالعه “جاسر” وهو ينهض من جواره بصعوبه ..، يتحرك نحو باب الغرفه ..، يشعر بأن أنفاسه تتثاقل مع خطواته

كان أذان العصر يعلو ، فخرجت منيرة من غرفة شقيقها صارخه ، جعلتهم جميعهم ينهضون من فوق مقاعدهم وقد أرتجفت اجفانهم وهم يدركون وفاة حسن المنشاوي .

……………………………………….

أنقضت أيام العزاء الثلاثة ، وقد أصبح الجميع يعيش في حاله حزن وعزله ..، كانت عيناها تبحث عنه ..، لعلها تستطيع رؤيته والأقتراب منه ..، فقد حاولت اليومين السابقين أن تكون قربه ..، لكنها شعرت بالفجوة الكبيرة التي أصبحت بينهم

اقتربت منها والدتها ، وهي تري التعب الواضح فوق ملامحها ، وقد بدأت تشك في أمر ابنتها ، خاصه كلما سألتها عن سبب شحوبها والقيّ المستمر ، تُخبرها أن معدتها تؤلمها

– جنه

أنتبهت علي صوت والدتها ، وقد فاقت من حالة الشرود التي أصبحت تُلازمها ، تنظر إليها

– سمعت من أبوكي ، إن جوزك قاعد في بيته التاني يا بنتي ..وقافل علي نفسه من العصر ..، روحي لجوزك يا بنتي ..، الست الشاطرة بتقف جانب جوزها في محنته وترمي ورا ضهرها الزعل

كانت مقتنعه بحديث والدتها ، فهذا ما نشأت عليه ..، التمعت عيناها بلهفة تتأكد منها

– هلاقيه في البيت

ابتست “صافيه” وهي تري لهفتها ، وكيف استجابة لحديثها دون مجادلة

– أبوكِ قالي .. ، لما سألت عنه يا بنت بطني

حثتها والدتها بنظراتها ، ودفعتها برفق حتي تذهب إليه ..، اسرعت في إحكام حجابها فوق شعرها ..، واتجهت نحو الخارج تبحث عن أحد صغار العائله ، حتي يسير معها للبيت بسبب الظلام بعدما تجاوز الوقت السابعه مساءً.

وصلت للمنزل ، تطرق الباب ولكن وجدته مفتوحاً ..، وعلي ما يبدو كان هناك أحداً معه

اقتربت من الغرفة تستمع لصراخ “جاسر” بنيرة التي تعالت شهقاتها بعدما اخبرته عن زيجتها من راجي منذ شهرين وحملها منه

وضعت كفها فوق شفتيها في صدمه ، والتفت خلفها ..، لتجد راجي يدلف المنزل ، وقد خرج هو الأخر من غرفة مكتبه ..، علقت عيناه بها ولكن تجاوزها متجهاً نحو “راجي” يلكمه بقوة

– حبيت تعاقبنا فيها يا ابن النعيمي

تراجع “راجي” للخلف ، بعدما تمكن من الوقوف ..، يمسح فوق خده من أثر اللكمه، ينفث أنفاسه بغضب

– أنا أبن المنشاوي زي زيك ، يا جاسر

كانت الصدمه الأخري تحتل كيانها ، وهي تستمع لعبارات راجي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *