فراشة اعلى الفرقاطة بقلم منال محمد سالم ج ٧
لحق به آدم الذي أعطى ابنته الصغرى لزوجته لكي تحملها بدلاً منه ، وســـار بخطوات أقرب للركض لكي يفتح له باب سيارته الخلفي ..
أسندها يزيد برفق على المقعد الخلفي ، ثم وضع يده على وجنتها ، ومسح بحنو عليها وهو يرمقها بنظرات آسفة .. في حين وصلت شيماء هي الأخـــرى إلى السيارة وأعطت الصغيرة إلى آدم ، ثم ..
-شيماء بنبرة جـــادة : أنا هاركب ورا معاها
-آدم وهو يوميء برأسه ، وبنبرة جدية : ماشي ، وخلي سلمى أعدة قدام
رمـــق يزيد فـــرح بنظرات متفحصة قبل أن يعتدل في وقفته ويفسح المجـــال لشيماء لكي تجلس إلى جوارها .. ثم استدار بجسده ناحية آدم و..
-يزيد بنبرة شبه آمـــرة وهو يشير بيده : اطلع على بيت المرحومة ، وأنا هاركب معاها في عربية الاسعاف اللي هتوديها على هناك
-آدم بإيجاز : حاضر
ثم استدار عائداً إلى الخــارج حيث تتواجد سيارة الإسعــاف التي حملت جثمان الفقيدة قبل قليل ، وإلى جوار السيارة وقف بعض الضباط ، والمسئولين ..
أوميء يزيد برأسه لهم ممتناً على ما فعلوه من أجله ، ثم اتجه إلى باب السيارة الخلفي ، وفتحه ، وركب إلى جوار الراحلة ..
أغلق الباب أحد رجـــال الإسعاف ، ثم اتجه ناحية الباب الأمامي ليركب بجوار زميله ..
تنهــــد يزيد بآسى وهو يرى تلك السيدة الفاضلة لا حياة فيها ، وهي تلك التي كانت قبل قليل تنبض بالحياة ، وها هي الآن قد فارقتهم وذهبت إلى بارئها ..
رمقها بأعينه التي اكتست بحمــرة الحزن ، وقاوم بشدة رغبته في البكاء ..
هو متيقن أن رحيلها سيشكل فارقاً في حياة فرح التي كانت ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً ، كما سيشكل أيضاً منحنى هاماً في حياتهما معاً ..
ظـــل هو طوال الطريق يستعيد كل ما مـــر به من أحداث ، من ذكرياته البعيدة مع زوجته الأولى هايدي ، والتي كانت سبباً في تحطيم آماله في أن يصبح أباً ، وذكرياته الحالية مع فرح ، والتي تدمــرت فور أن ظهرت هايدي في حياتهما .. ولقائه القصير مع السيدة فوزية والتي ذكرته بأمه الراحلة ذات المعدن الطيب والأصيل ..
زفــــر في إرهــاق ، ثم استند برأسه على مرفقيه ، ونظر أمامه في الفراغ ..
أخـــذ يزيد يفكر في ردة فعل فـــرح حينما تفاجئت بما إدعته هايدي عليها ، ثم فكر ملياً وبطريقة عقلانية في إدعاءات الأخيرة .. هو متأكد من أنه لم يخبر فرح بمسألة زيجته الأولى ، ووالدتها هي فقط من تعلم هذا ، ولكنها رغم هذا لم تكن تعلم بهوية هايدي .. وحينما قابل هو تلك البغيضة في النادي لم تكن تعلم هي أيضاً بمسألة زيجته إلا حينما أراد أن يثير حنقها ، لذا فكر في أن تكون هناك إحتمالية من أن تستغل الموقف وتطلق الأكاذيب ، كمــا أنه استعاد في مخيلته لقاء فــرح بهايدي والذي حيره كثيراً فالأولى لم تنكر معرفتها بها كطبيبة معالجة لها ، والأخيرة تصر إنهما على صلة وثيقة تمتد إلى ذكريات زواجها الأول ، وهذا ما يزعجه حقاً فكيف تعلم هايدي بزواج فرح وتصر على أنه كان فعلياً رغم أن فرح مازالت فتاة ( بِكـــر ) لم يسبق لها الزواج .. هناك إذن حلقة مفقودة في الموضوع ..
كما استعاد في مخيلته صفع فرح لهايدي بقسوة ودفاعها المرير عن نفسها ، فإن كانت حقاً كاذبة فكيف تأتيها القوة لتفعل هذا مع تلك المستفزة ..
و كذلك مر بباله طائف ردة فعلها ونظراتها المذعورة حينما هدد بالإعتداء البدني عليها ، فكل هذا يوحي بأنها فتاة نقية ليست ممن يخدع الأخرين ..
آلمه حقاً أن يكون قد تهور فيما فعل .. وأن يكون قد أخطأ في ظنه السوء بها .. ربما تكون محقة في أنها لم تعرف زوجته السابقة إلا كطبيبة نسائية تتعالج لديها ، والأخيرة ربما تكون قد استغلت الفرصة لتنتقم منه عن طريقها .. أسئلة كثيرة أثارت حيرته ، وإجابات أكثر يسعى جاهداً لمعرفتها ..
ولكن توقف عن التفكير في كل هذا حينما انزاح الغطاء الذي يخفي وجه السيدة فوزية عنها لتظهر ملامح وجهها الشاحب .. فنظر هو إليها بتمعن ووجهه يكسوه الحــزن والآسى و..
-يزيد لنفسه بنبرة مختنقة ومتشنجة : خايف أكون ظلمتها ، خايف أكون ضيعتها فعلاً من إيدي ، خايف مكونش أستاهل الامانة اللي انتي حملتهالي ..يا.. يا أمي !!
