فرط الحب دينا ابراهيم ج2

– قالت طبعا بس إنت عارف دماغ ابوك مش بيصدق حاجة.

ردت شقيقته في نبرة ساخرة فضغط احمد على أسفل رقبته وللحظة شعر بالاختناق وبرغبة كبيره في البكاء، لكنه تحامل على ذاته وسأل في شوق:

– طيب اديني أمك اسمع صوتها.

وصله الصمت قبل أن تهمس لُبنى في خجل وحسرة:

– ماما …اصل… أصل … ماما نايمه.

لم يَفت عليه الاهتزاز في صوتها فسأل في قلق:

– فيه ايه بالظبط يا لُبنى، هي امي جرالها حاجة، انطقي ومتكذبيش عليا.

عضت داخل فمها في حرج قبل ان تخبره بصدق:

– اطمن مفيش حاجة ماما بألف خير، بس ابوك حالف عليها يمين طلاق لو كلمتك في التليفون.

انحسرت أنفاسه داخل صدره وكأن والده يجذب بقايا أدميته، فساد الصمت حتى اتاه صوت والدته المنادي بتحذير:

– بت يا لُبنى ابوكي طالع تاني، اياكي تمسكي التلفون قدامه عدي يومنا على خير.

هربت دمعه حارة على وجنته ما إن اتاه صوت والدته الخائف، فأغلق الهاتف سريعًا ومسحها في عنف وغضب مخنوق، ضغط على عينيه بكفيه يرفض الضعف فقد أظهر ما يكفي منه طوال حياته، حتى أصبح كالمجند الذي تربى على الضعف والمهانة بحجة تقويته ليكون أقوى الرجال.
خرجت منه ضحكة ساخرة مختلطه بزمجرة حاقده فحتى كلمة رجل مسحت من قاموسه وانتهى به الأمر كالحيوان المساق لا يقدر على فتح فمه وإلا كان العقاب ليطوله ويطول معه والدته قبل اشقائه فقط لإثبات قوة مظلمة.
والمبرر كان إن القسوة تربي الرجال ولكن الأمر كان أشبه بتكتيك إرهابي مريض أفقده كل ما يملك من مشاعر فصار كالفأر يختبئ في كل مكان يخشى إلقاء الضوء عليه حتى بين أصدقاءه كان وحيد صامت يخشى العقاب.
واخيرًا حين آتته الجراءة واتجه للتجارة كمرمى للابتعاد عن والده لم يصدق الحظ الذي حالفه ورماه من قريته الصغيرة إلى القاهرة ليمتلك دكانهُ الصغير ويبدأ تجارته ولكن كما يقال الحلو دائمًا لا يكتمل.
فقد ظهر والده في الصورة بسلاح الأصول والاحترام فيمضي على عقد احلامه وممتلكات ما شقى به باسمه، وقتها كاد يثور وينتفض بأنانية امتلاك ما هو حقه وقد عثر اخيرًا على ذاته ولكنه الأكثر دراية بالعقاب، فصمت كالعادة خوفًا على والدته واشقائه من بطش والده.
تنهد في أسى واشعل محرك السيارة، لا يزال يتذكر حين رفض الزواج من ابنة صديقه فثار والده ولكنه صمت، شعر وقتها “أحمد” بالانتصار وبأنه اخيرًا استطاع الابتعاد وكسر الحاجز وبأنه أصبح قادر على فعل ما يمليه عليه قلبه حتى انه ذلك اليوم استطاع النوم دون دواءه الذي يلازمه منذ كان في السادسة عشر من العمر.
ليتفاجأ بعد شهرين بأن والده منع شقيقته من إكمال سنتها الدراسية مقررًا انهاء رحلتها التعليمية كعقاب خفي تلقّاه هو، لتنهار كل احلامه ويزول شعوره الوهمي بالانتصار فينكسر أكثر وأكثر.
وأين صار به الحال؟
صار شابًا في التاسعة والعشرون من العمر عازب غير قادر على الزواج أو بناء أسرة ولا يزال مرهونًا برغبات ومتطلبات والده حتى عائلته لا يستطيع التواصل معها حتى يتزوج وان لم يفعل سيأخذ والده المحل بشكل قانوني ويقطعه من الأهل للأبد، جالت ريم في عقله فكل ما يحتاجه الآن هو الاستماع لصوتها قبل أن يجن، رفع هاتفه يحادثها وانتظر قليلًا حتى أتاه الرد فلم يمهلها وقال في كسره:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *