خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٢
أجابت بسرعة :
– لا يافندم التعديلات فكرتي طبعا, لكن عرضتها على دكتور آدم عشان آخد رأيه, لأن طبعا الشغل ده مش من اختصاصي حتى لو بأفهم فيه وهو في الأول وفي الآخر أستاذي.
تطلع إليها لحظة في صمت قرأت في عينيه نوع من الغضب لكنه لم يظهر على كلامه وهو يقول :
– امممممم, طيب ياريت مادام أنا اديتك الملف تعرضي تعديلاتك علي الأول بعد كده, وبعدين ناخد رأي دكتور آدم كخبير طبعا.
شعرت بالحرج فقالت في خفوت :
– حاضر يافندم, بأعتذر لحضرتك.
فورا أصابه تأنيب الضمير وفكر, هل هذه غيرة ؟ لما عاملتها بهذا الجفاء على الرغم من اجتهادها وذكائها في العمل, ما الذي يدفع رجلا لمعاملة امرأة بخشونة عند ذكرها لرجل آخر في حضوره ولجوئها إليه إلا إذا كانت غيرة ؟ شعر بالحنق وازداد غضبه أكثر لوصوله في تفكيره لتلك النقطة, أما هي فكانت تنظر أرضا وبين كل فينة وأخرى ترفع عينيها إليه منتظرة قراره شاعرة بالحزن من طريقة تعامله معها على الرغم من إنجازها والذي مدحه أخاه وهو شخصيا في البداية, أتراها أخطأت عندما عرضت الأوراق على أخيه اولا ؟ ولكن مالخطأ في ذلك ؟ فهو أيضا من مديري الشركة وفي جميع الأحوال سيعرض عليه الملف, لم تدري ماذا تفعل فتنحنحت لافتة انتباهه فرفع عينيه إليها يتأملها في صمت, كانت نظرة عينيه العميقتين غريبة للغاية وشعرت بالدفء يغزو قلبها وحمرة الخجل تعلو وجنتيها فأطرقت برأسها أرضا مرة أخرى, تأملها هو لثوان أخرى ولم يدرك أن هناك عينين غاضبتين تتابعان نظرته تلك في إحدى الديكورات ذات السطح العاكس في غرفة السكرتارية, عيني (دينا) التي رأت في عينيه مالم يفهمه هو أو تلمحه (جمانة) نفسها, فازداد حنقها وكادت تدخل إليه لولا بقايا عقل حذر خبيث منعتها من التصرف بحماقة, أما في الداخل فقد نظر (أدهم) لـ (جمانة) وقال بهدوء وبابتسامة مشجعة محاولا استعادة ملامحها المرحة بدلا من الارتباك الذي سببه لها :
– طيب يامدام جمانة, شكرا ع التعديلات الهايلة دي, بإذن الله المناقصة بتاعتنا, اتفضلي إنت على مكتبك.
أومأت برأسها إيجابا وقالت :
– العفو يافندم, بعد إذن حضرتك.
قالتها وخرجت من مكتبه بهدوء وهو يتابعها بعينيه ثم فوجئ بجسد يقتحم الفراغ بين عينيه وبينها رفع عينيه للأعلى لتقع على وجه (دينا) فعقد حاجبيه في غضب ظهر جليا على ملامحه لكنها لم تبالي به وتقدمت للأمام عندما اندفعت (سهام) خلفها هاتفة فجأة :
– آنسة دينا من فضلك.
التفتت إليها في غضب فقال (أدهم) :
– خلاص ياسهام اتفضلي إنت.
بدا على صوته الحنق وظهرت نظرة غضب في عينيه رمق بها (سهام) التي تراجعت للخلف في وجل وهي تومئ برأسها اعتذارا في حين ظهرت الشماتة على وجه (دينا) وهي تنظر إليها قائلة بعينيها : أرأيت ؟ ..
دلفت دينا للمكتب وأغلقت الباب خلفها فتطلع إليه (أدهم) في صمت ثم رفع عينيه إليها قائلا بحزم :
– خير يا دينا ؟
وفي الخارج كان الحنق والغيظ يرتسمان بوضوح على وجه (سهام) فقالت لها (جمانة) :
– مالك ياسيمو ؟ مين مزعلك ؟
ردت (سهام) بحنق واضح :
– البني آدمة اللي اسمها دينا دي, قال ايه خطيبي وأدخل براحتي .
شعرت (جمانة) بشعور غريب, كأنه مزيج من الدهشة والحزن والاستغراب, كيف لتلك الملونة أن تخطف قلب رجل صارم جاد مثل (أدهم), لكنها قالت بدهشة متسائلة :
– هي خطيبته ؟
ردت (سهام) بغيظ :
– أهي بتقول, وانت شفتي بنفسك لما دخلت ماقالش حاجة.
قالت بلامبالاة :
– خلاص هما أحرار مع بعض, هاروح أنا على مكتبي.
قالتها وغادرت المكان بسرعة وفي الداخل كان (أدهم) يقول لـ (دينا) :
– خير يادينا ؟ أحنا مش قلنا قبل كده في الشركة نهتم بقوانين الشغل ونراعي المكان كويس ؟
قالت مهادنة بدلال وهي تقترب منه :
– معلش يا أدهم, أنا كنت جاية من شوية أصلا وبعدين البنت اللي برا منعتني بطريقة مش لطيفة وجت جمانة دي دخلت وأنا قاعدة برا منتظرة كل ده.
كاد يهتف فيها غاضبا للمرة المليون أن هذا مقر عمل لكنه اكتفى بالصمت والتطلع إليها وإلى ماترتديه في صمت حانق ثم خفض عينيه وانشغل بالأوراق أمامه, فاقتربت أكثر تحاول الالتفاف حول المكتب لكنه رفع عينيه إليها مرة أخرى بنظرة تحذيرية صارمة أخافتها فترددت لثانية ثم تراجعت وجلست أمامه على المكتب وهي تضع إحدى ساقيها على الأخرى وهو ينظر لها في صمت فقالت بدلال :
– المهم انا كنت جاية أعزمك على حفلة في الفيلا عندنا, داد وقع عقد جديد مع شركة أكواريوم الانجليزية وعاملين بارتي كبير وطبعا لازم تيجي.
دفن عينيه في الأوراق مرة أخرى وهو يرد باقتضاب :
– معلش يا دينا مش هأقدر آجي.
وقفت مرة أخرى ثم مالت بجسدها على المكتب ضاغطة عليه وتركت عطرها النفاذ يتسلل لأنفه حتى أنه رفع عينيه إليها مندهشا وازداد دهشة من جرأتها حين مدت كفها تمسك بيده والأخرى ترفع ذقنه تجاهها لينظر إليها قائلة بدلال أكبر :
– تؤ تؤ تؤ .. مش هينفع تعتذر كل ….
قاطعتها انتفاضته وسحب نفسه بكرسيه للخلف وهو ينظر إليها بغضب حتى كادت تسقط فوق المكتب لولا أن استندت إلى يديها في آخر لحظة فنظرت إليه بدهشة وهي تهتف :
– في ايه يا أدهم ؟
قال في غضب مكبوت :
– هو ايه اللي في ايه ؟؟ آنسة دينا ده مكان شغل وأنت عارفة كويس إني مش باحب الحركات دي, ومش معنى إننا معارف يبقى تتعاملي معايا كده, سواء في الشغل أو برا الشغل.
شعرت بالغضب فقالت متصنعة الحزن :
– خلاص يا أدهم أنا آسفة, إنت عارف إني باحب …
صمتت بطريقة مدروسة بعدما قالت كلمتها لينظر لها مرة أخرى باستهجان فأكملت بعد تظاهرها بكتمان مشاعرها :
– بأعزك جدا ومام وداد توtoo , سو so لازم تيجي لأن كل البيزنس مِن الكبار جايين وأونكل جلال وأنتي فريدة جايين برده.
تطلع إليها لحظة أخرى في صمت غاضب ثم عاد يقلب في الأوراق أمامه معلنا انتهاء اللقاء قائلا في هدوء :
– ربنا يسهل يادينا, اتفضلي على شغلك دلوقتي.
ظلت تنظر إليه لثوان أخرى ثم قامت من أمامه تتهادى في خطواتها مرة أخرى, وهي تعلم أنه لا ينظر إليها مما أغضبها أكثر, خرجت من المكتب وأغلقت بابه خلفها فرفعت (سهام) عينيها إليها في حنق لتجد عينيها المتحديتين كانها تقول : أرأيت؟ لا تمنعيني مرة أخرى, ثم انطلقت عائدة لعملها الذي قلما تقوم به.
في نهاية اليوم عادت لمنزلها لتجد والدتها جالسة في حديقة الفيلا تشرب الشاي وتتصفح إحدى مجلات التجميل باهتمام وما إن لمحتها حتى لوحت لها بيدها ونادتها :
– مام, أنا جيت.