خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٢
رد (آدم) بهزة أخرى من كتفيه :
– مش عارف, يلا نشوف اللي ورانا عشان عاوزين نخلص من المناقصة دي على خير باقي أسبوع بس وتنتهي وعاوزين نلحق نقدم عرضنا.
صمت (أدهم) لحظات أخرى ثم أومأ برأسه وهو يشعر بالحيرة ويبدأ العمل مع أخيه على الملف.
وفي الخارج رمت (سهام) بجسدها على كرسيها وتنهدت بضيق, كانت تشعر بحزن على رب عملها, ذلك الرجل الصارم الحازم الذي اعتقدته دوما مثالا للأخلاق والانضباط تجده بهذه الصورة التي أسقطته من البرج العالي الذي أنشأته له وجعلت إقامته فيه, كانت تعتبره كأخ أكبر يعتمد عليه أكثر من مجرد رئيسها, تراجعت للخلف في مقعدها وهي تجول بعينيها في المكتب في ضيق ثم التقطت منديلا تمسح به وجهها ومالت تلقيه في سلة القمامة أسفل مكتبها عندما وقعت عيناها على تلك الصورة, أول صورة تجمع بين (أدهم) و (دينا) أثناء رقصهما سويا, التقطتها وتطلعت إليها لحظة بقرف شديد ثم ألقتها داخل أحد أدراج المكتب حتى تعيدها لـ (دينا) في وقت لاحق.
______________________
ويبدو أن اليوم لم يكن لينتهي بسهولة فلا يكفي الضيق الذي تعرضت له صباحا حتى لاحقها غيره, فأثناء عودة (جمانة) من عملها في سيارتها وهي تقودها شاردة حزينة لا تدري سببا لحزنها علا صوت هاتفها ليخرجها من شرودها التقطته وتطلعت لاسم المتصل لتجده والدتها, شعرت بالقلق الشديد ودعت الله أن يكون خيرا, أوقفت سيارتها على جانب الطريق وأعادت الاتصال بوالدتها التي أخبرتها أن أخو زوجها الأكبر سيأتي لزيارتهم الليلة لأمر هام, شعرت (جمانة) بالقلق أكثر ولم تدري ما تفعل سوى الانتظار حتى يحين الموعد المنشود, وبعد صلاة المغرب وصل الضيف ورحبت به والدتها :
– أهلا ياحاج عبد الرحمن اتفضل, منورنا والله.
رد (عبد الرحمن) :
– البيت منور بأصحابه يا حاجة أم لميا.
قدمت إليه كوبا من العصير البارد قائلة :
– اتفضل ياحاج, دقيقة وجمانة هتيجي.
التقط منها الكوب وهو يرد :
– تسلم ايدك ياحاجة.
رشف منه رشفة عندما دخلت (جمانة) وهي تصطحب صغيرتها (ملك) لتسلم على عمها وألقت السلام وقالت مرحبة :
– إزيك ياحاج عبد الرحمن وإزي الجماعة في البلد؟ يارب تكونوا كلكم بخير, سلمي على عمو ياملوكة.
ابتسم الرجل ومد يده للصغيرة التي شعرت بالرهبة فالتصقت في أمها فحثتها لتسلم عليه قائلة :
– عمو ياملك أنا عارفة إنك ماشفتيهوش من زمان.
ثم التفتت معتذرة :
– معلش ياحاج, أصلها خجولة شوية.
ظل محتفظا بابتسامته وهو يقول :
– معلش يا أم ملك بكرة تتعود علينا.
تلاقت نظراتها مع والدتها في تساؤل ثم قالت لـ (ملك) :
– طيب ياملوكة روحي العبي في اوضتك شوية واتفرجي ع التي في .
خرجت (ملك ) مسرعة من الغرفة وكأنها خائفة من أمر ما, في حين قال الحاج في حزم :
– ندخل في الموضوع على طول يا حاجة أم لميا, أنا جاي أطلب إيد أم ملك لأخويا كمال, وطبعا هيكون لها بيتها ومهرها وكل اللي تطلبه زيها زي أي عروسة بنت بنوت وأحسن كمان.
اتسعت عينيا المرأتين في ذهول لطريقته أولا ثم لطلبه ولم تستطع (جمانة) الكلام أم الأم فهتفت :
– إنت بتقول ايه ياحاج ؟ كمال أخو حسام الله يرحمه اللي متجوز من سنين؟
أفاقت (جمانة) من الصدمة على كلمات والدتها المستنكرة فقالت هي الأخرى :
– ايه اللي انت بتطلبه ده ياحاج عبد الرحمن؟ حضرتك بتتكلم جد ؟
رفع الحاج حاجبيه في استهجان وهو يجيب :
– أمال جاي من السفر عشان أهزر معاكي يا أم ملك؟ وبعدين ياحاجة أم لميا فيها ايه لما يكون متجوز في الشرع يحق له مثنى وثلاث ورباع المهم يعدل بينهم وكمال أخويا مقتدر ويفتح بيتين و تلاتة.
شعرت (جمانة) أنها لو تحدثت فستقول كلاما ثائرا خارجا عن حدود اللياقة فاحتفظت بفمها مغلقا وتركت لوالدتها دفة الحديث, قالت الأم وهي لاتزال مندهشة وخاصة بعدما قال الحاج :
– ياحاج هي مسألة مقتدر ولا لا ؟ إنت عاوز بنتي تبقى زوجة تانية وعلى ضرة ؟ لا ياحاج اللي ماارضاهوش لبنتي ماارضاهوش لغيرها.
رد الحاج :
– ومالها الزوجة التانية ياحاجة إذا كانت بشرع ربنا ولسبب, مرات أخويا عاملة زي الأرض البور مابتخلفش, متجوز من أكتر من ست سنين ولا حبلت ولا مرة, وأم ملك أهي ماشاء الله زي الفل بعد كم شهر كانت حبلة وجابت العيل وعقبال ماتجيب لكمال إن شاء الله.
ازدادت صدمة (جمانة) ودهشة والدتها من أسلوب (عبد الرحمن) وطريقة كلامه, وعندما حاولت والدتها الرد أشارت لها بالصمت فقد شعرت (جمانة) أنها لا تعبر جيدا عما بداخلها فحاولت انتقاء كلماتها وهي تقول بأكبر قدر أمكنها استحضاره من الهدوء في صوتها :
– يا حاج اللي بتقوله ده ماينفعش, حتى لو حضرتك بتدور على واحدة عشان الولاد لأخوك انا ماانفعش, الأولاد دول رزق ونعمة زيهم زي أي حاجة تانية لما ربنا بيريد إنها تحصل بتحصل وفي الوقت المناسب ليها لا قبل ولا بعد, وكوننا نلف وندور عشان ناخد رزق مش مكتوب لنا ده مفيش منه أي فايدة, ده بالاضافة إني مستحيل أقبل اكون زوجة تانية, ده أولا, ثانيا بقى أنا مش هأتجوز بعد حسام الله يرحمه والموضوع منتهي بالنسبة لي من زمان فياريت ياحاج تخلينا أهل أحسن وبلاش نزعل من بعض إنتم أهل حسام وأعمام بنتي ويهمني وجودكم في حياتها, أعمامها وبس ياحاج لأن ماحدش هيحل محل أبوها.