خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٢
شعر بالاشتياق والحنين يغزو قلبه, والتوتر بدأ يعتلي ملامحه وتجعد وجهه في قلق, لحظات أخرى وانفتح الباب ليظهر وجه (آدم) البشوش وهو يعتقد أنها خدمة الغرف, لكنه فوجئ بوالده وأخويه, ظل يتطلع إلى عيني والده في صمت وفي خيال كل منهما دار حوار تبادلته أعينهما ولم يفصح عنه اللسان ولا تكفيه كلمات, حوار امتلأ بالشوق, بالحزن, بالدموع المحبوسة في مآقيها, بالحنين, بالذكريات الحلوة والمرة, وبالسعادة, طال الصمت والذي كان من الغريب أن (سارة) لم تقطعه كعادتها لكنها بقيت تطلع لكليهما باستغراب لكنها لم تتكلم وكأنها رغبت أن تستمر محادثة الأعين تلك وصمتت إجلالا لها, كان (أدهم) هو من قال فجأة :
– ايه يا آدم, ايه يا بابا, هنفضل واقفين هنا كتير ؟
كان يريد قطع حديث الذكريات بين العيون الذي لاشك أنه يحمل بعض المرارة والتي لن تكون في صالح لقاءهما سويا, التفت إليه (آدم) ببطء وشرود ثم أفاق على صوت والده الهامس :
– آدم !
تطلع إليه (آدم) ولمعت في عينيه دمعة لم يستطع في مهدها فبقيت تتلألأ في مقلتيه لكنه فجأة رمى نفسه بين ذراعي والده, والده الذي شعر وكأن حملا أثقل من الجبال قد أزيح عن صدره فجأة وبخطوة واحدة من ولده الذي دوما شعر أنه يفهمه فقط من عينيه, لقد شعر بحزنه وبألمه وبإحساس الخزي داخله, شعر بعجزه في السابق مع أنه يفترض أن يكون أقوى, تغاضى عن ذلك العجز وسامح, ذلك القلب الطيب والنية الرقراقة الصافية وذلك الحنان الذي اعتاد أن يحيط به كل من حوله على الرغم من افتقاده هو لمن يحنو عليه, لم يعلم أيبكي أم يسعد, أتلك الدمعة التي نزفت من قلبه دمعة فرح أم حزن, قدسية الموقف أجبرت الواقفين على الصمت, صمت (أدهم) وهو يشعر بالسعادة لموقف (آدم) كان قلقا من مقابلة والده وأخاه, لكن وكعادته محى (آدم) ذلك القلق دفعة واحدة بمجرد نظرة في وجه أبيه, أما (سارة) الطفلة الكبيرة فسعادتها منعتها من الحديث ووقفت فقط تتطلع إليهما بحنو ارتسم على وجهها واضحا مع ابتسامة صغيرة على شفتيها, بعدها ربت (أدهم) على كتف أخيه وهو يقول بخفوت مداعبا وكأنه يخشى أن يفسد صوته الموقف :
– طيب خلي المشاعر الحلوة دي جوا بدل ماحد يشوفنا ويفهمنا غلط .
انسلخ (آدم) من بين ذراعي والده ببطء فشعر الأب بانسلاخ روحه معه, كان يحاول إفساح الطريق لهم ليدخلوا لكن والده لم يترك كفه وهو يدخل للغرفة ويملأ عينيه بملامح ابنه التي طالما اشتاق إليها, سلم (آدم) على (سارة) الصغيرة وهو يداعبها ويشد خصلة من شعرها القصير قائلا بحنان :
– كبرت ياسارو وبقيتي آنسة محترمة, فين الشعر المنكوش الكيرلي بتاع زمان ؟
ضحكت (سارة) بطفولة وهي ترد :
– ههههههه منكوش ايه بقى, إحنا خلاص تخطينا المرحلة دي من زمان.
أما (أدهم) فضحك هو الآخر و قال :
– يابني آنسة ايه ؟ دي أخوك الصغنن بس إنت مش واخد بالك, مش شايف عاملة ايه في شعرها 2 سم أقصر وتبقى حلاقة جيش .
نظرت إليه (سارة) في غضب طفولي في حين لكزه (آدم) في كتفه موبخا وهو يربت على رأسها وقال :
– بس إنت خليك في دقنك اللي بتحلقها في السنة مرة, سيبلي أنا القمر الحلو ده, وحشتيني يا سارو أوي
ظل والدهم يتطلع إليهم في حنان وشوق لتلك الأوقات السعيدة التي كانوا يتشاكسون فيها وهم صغار , كان (آدم) دوما حنونا متفهما يتعامل مع أخويه بحنان أبوي وخاصة الصغيرة (سارة) على العكس من (أدهم) المشاكس دوما, قال الأب بعد لحظات :
– فين ابنك يا آدم ؟
التفت إليه ولده يملأ عينيه بملامح والده المجهدة والتي ارتسم عليها اشتياق واضح ثم رد :
– نايم يا بابا, متعود ينام بدري خاصة إنه هيصحى بدري الصبح عشان مواعيد الدراسة قربت وعاوزين نشوف له مدرسة كويسة.
(الأب) :
– طيب عاوز أشوفه, حتى لو نايم مش لازم أكلمه.
تطلع إليه ولديه في صمت في حيت قالت (سارة) :
– وأنا كمان عاوزة أشوفه .
التفت إليها أخويها ثم نهض (آدم) من مقعده وأشار لهما أن يتبعانه وهو يتجه لغرفة جانبية فتبعاه بصمت وهو يفتح باب الغرفة بهدوء شديد ويطل منه مشيرا ناحية السرير في أحد أركانها, دلفوا للداخل بخفوت وتطلع الأب للصغير النائم في فراشه كملاك بحنان شديد أما (سارة) فاقتربت من السرير تتطلع إليه عن قرب ثم مسحت برأسها على شعره برفق وطبعت قبلة حانية على جبهته وعادت إلى جوارهما ثانية, لم يتحرك الأب من مكانه وظل يتطلع للصغير كأنما التصقت عيناه به , عيناه التي امتلأتا بمشاعر كثيرة متضاربة, حب وحنان, شوق وشفقة ممتزجة بعطف لذلك اليتيم الصغير الذي ذكره بابنه الأكبر والده, لم يفق من شروده إلا على جذبة حانية من يد ابنه (آدم) تنبهه ليخرجوا من الغرفة, التفت إليه بشرود ثم تبعه للخارج, تحدثوا كثيرا وحكى لهم (آدم) الكثير مما مر به, الكثير عن غربته وزوجته وطفله, فضفضة لم يتوقع من نفسه أبدا أن ينطق بها خاصة لوالده الذي اعتصره الغضب والحزن منه في يوم ما, يوم شعر فيه بمرارة اليتم للمرة الثانية بعد فقدانه لوالدته وهو بعد رضيع, كان وقت الفجر قد اقترب ولم يشعروا جميعا بمرور الوقت إلا عندما رفع الآذان الأول في مسجد شهير قريب فتنحنح (أدهم) قائلا :
– ياخبر الفجر هيأذن وإحنا مش حاسين بالوقت, يلا يابابا عشان تروح ترتاح وآدم أهو موجود وهيزهقك من هنا ورايح, وعدني إنه هييجي يقف جنبي في شغل شركتنا زي زمان .
قالها كأنما يؤكد على أخيه وعده السابق, فتطلع إليه لحظة في صمت طال حتى قال الأب :
– بتفكر كتير ليه يا آدم ؟ مش عاوز تشتغل في شركتك كمان؟ طيب البيت وقلنا ماشي إنما الشركة دي بتاعتك إنت وأخواتك وماحدش يقدر يخرجك منها .
اندهشت (سارة) من كلام والدها لكنها لم تتدخل في حين قال (آدم) :
– مش بأفكر ولا حاجة يا بابا , ربنا يسهل بإذن الله ألاقي مكان كويس نعيش فيه أنا وجو وبعدين نشوف موضوع الشغل .
لم يعقب والده على موضوع سكنه ذلك فهو يعلم أن ابنه لن يعود لفيلا والده مهما حدث وله الحق في ذلك, فقال :
– موضوع السكن محلول يا آدم لي أصحاب كتير في المقاولات هأعرف أجيب لك مكان يليق بيك .
ارتسمت ابتسامة باهتة تحمل لمحة ساخرة على شفتي (آدم) وهو يقول :
– المهم مكان أرتاح فيه.
فهمه والده جيدا أما (أدهم) فشعر بقليل من الغضب لكنه يعلم جيدا أنه لا حق له في ذلك فاكتفى بالصمت و (سارة) اكتفت بمتابعة حديثهم في صمت ممتزج بالدهشة لكنها أخذت قرارا بداخلها أن تعلم السبب فيما يحدث الآن ولما يرفض أخاها الإقامة معهم.
اقترح (آدم) أن يصلوا سويا في مسجد الفندق فمازحه (أدهم) قائلا :
– ايه ده رحت كندا ولسه برده عم الشيخ.
نظر إليه (آدم) كأنه ينظر لطفل صغير طائش ورد بسخرية :
– ليه هو اللي بيصلي اليومين دول يبقى شيخ .
لكزه أخاه في كتفه وهو يشعر بالغيظ وقال :
– طيب يلا ياسيدي عشان الإقامة قربت.
والتفت لشقيقته قائلا :
– سارة خلي بالك على جو على مانيجي