الفصل التاسع والعشرين لولا الغرام روز امين

استدار لقصد مسكنه، لكنها استوقفته سريعًا ببث سمومها مجددًا في عقله، وسألته بسخط لاذع:

-تقدر تقولي اخوك مجبلكش تليفون محمول لحد الوقت ليه؟ مش كنت انت اولى من ابوك اللي راميه طول اليوم على التربيزة برة؟

ثم أكملت وهي تذكي نيران الحقد في جوفه:

-ده حتى بسمة لما جاب لها واحد، وانت ولا عبرك، زي ما يكون مستخسر فيك تمنه.

كان وقع كلماتها في نفسه، كطعنة س/كين مسمومة، أحيت في أعماقه غلاً دفيناً وحقداً أسود بدأ ينهش صدره بلا رحمة تجاه شقيقه الناجح، رمقها بنظرة ضيقة تحمل مزيجًا من العجز والغضب، ولم ينطق بكلمة.

صعد الأدراج بسرعة البرق نحو مسكنه ليبدل ثيابه، بينما كانت مشاعر الحقد تتضخم وتتكاثر داخل قلبه يوماً بعد يوم، يغذيها كلامها في كل مرة، ليتعاظم كرهه لشقيقٍ لم يكن له أي ذنب، سوى أنه ناجح.

_______♕_______

داخل ردهة النادي المطل على النهر، أشرف هشام بنفسه على طلب الطعام، متعمدًا انتقاء تشكيلة فاخرة من اللحوم المشوية لأجل حبيبته، وما إن هبطت الأطباق على الطاولة حتى بدت شهية تسر النظر.

بادر هشام بنقل قطع اللحم إلى طبق بسمة، وتابعها بعينين تفيضان بالرعاية وهو يسألها باهتمام:

-عاوزة حاجة تانية؟

تسلل الخجل إلى وجنتيها إثر هذا الاهتمام البالغ ونظراته المسلطة نحوها، فاكتفت بهز رأسها نفيًا مع ابتسامة شكر رقيقة، لم يفوت رشيد الفرصة، فرمق هشام بنظرة ذات مغزى مغلفة بالمداعبة قائلاً:

-ما تاكل يا هشام باشا، اللحمة هتبرد، ولو بردت هتشد وتجلد ومش هتعرف تاكلها.

ابتسم هشام بثقة وثبات، وراح يوزع قطع من اللحم داخل صحون والدته وشقيقته وايضًا سامية، وعقب بلهجة حملت فخرًا خفيًا بحاله:

-تشد مع الناس الضعيفة يا هندسة،متقلقش، هشام الحديدي بتعرف يتأقلم مع أي وضع بسرعة.

ثم أشار بيده لطبق رشيد بابتسامة وهدوء:

-كُل أنت قبل ما تبرد يا حبيبي، ألف هنا.

ارتسمت على شفتي بسمة ابتسامة عذبة وهي تتابع مناوشاتهما اللطيفة، تلك التي بدأت تألفها بل وتعشق تفاصيلها.

بعد برهة، أزيحت الأطباق وحلّت مكانها القهوة الفواحة وقطع الحلوى، استغل هشام الفرصة واصطحب بسمة نحو ذلك السور الزجاجي القصير،حيث ينبثق منه مشهد النيل الساحر، وقفت تتأمل انعكاس المياه، فدنا منها وسألها بحنو بالغ:

-مبسوطة يا حبيبتي؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *