جوازة نت 4

الحلقة الخامسة عشر

استيقظت منة واستدارت الى جانبها لتجد مكان سيف بجوارها خالٍ، حمدت الله في سرها على انصرافه قبل إستيقاظها، تجعد وجهها لتنخرط ببكاء حار عند تذكرها لما حدث بينهما قبل ساعات، شتمت نفسها للمرة الألف، وهي تلومها أنها ستظل أبدا ضعيفة أمامه، فهي لم تقاومه كما يجب، بل سرعان ما استسلم قلبها الضعيف لهمساته العاشقة والتي تذيب الحجر الصوّان!!..، ولكن كيف لا تفعل وهي تذوب عشقا به؟!، هي لا تنكر أنها تحبه، فسيف كان أول #حب يدخل قلبها، لقد أحبته بكل أحاسيسها المختزنة، والتي كانت تدخرها الى زوجها، لتمنحه كامل حبها عن طيب خاطر ومن غير خوف من غضب الله او من خيانة ثقة والديها، فحبهما كان في النور وبمباركة أهليهما!، ولكن كيف أصبحى حالهما الآن؟، لقد خانها سيف، ذبحها بأبشع طريقة ممكنة، ولأنها عشقته بكل قطرة دم فكل خلجة من خلجات قلبها كانت تهمس باسمه، فهي لا تستطيع النسيان أو الصفح، ليس بهذه السهولة!، لو لم تكن تحبه بمثل هذا القدر من الجائز أن تسامحه وتنسى، ولكن كما أن حبها له كبير فغضبها منه …..أكبر !!…
لمست شفتيها الملتهبتين بأصابعها واللتان تحملان دلائل ما تقاسماه لفترة طويلة!! ، كان يبثها شوقه وحبه بينما يداه تضعان صك ملكيته لجسدها وروحها على حد سواء!، لم تستطع الوقوف في وجه سيْل #حبّه الجارف الذي أغرقها به ليجرف معه مقاومتها بعيدا، فقد كان عشقه كالطوفان الهادر لا سبيل للوقوف أمامه أو صدّه !!….
التحفت بالغطاء ونهضت عازمة على الاغتسال أولا ثم التحدث معه بشأنهما، لا بد أن توضح له أن ما حدث بينهما لا يعني أبدا أنها ستنسى أو تصفح، بل ما حدث جعلها أكثر تشبثاً وإصراراً على الطلاق وقبلاً… الرحيل من هنا مع والديْها !!….
خرجت من الحمام بعد أن أنهت اغتسالها، كانت ترتدي ثوبا قطنيا أخذته معها تحسّبا لحضور سيف في غيابها، وحدث ما كانت تخشاه!، إذ فوجئت به يقف في منتصف الغرفة وشعره يلمع بقطرات من الماء وقد ارتدى بنطالا من الجينز وقميصا قطنيا أبرز عضلات صدره، كانت تجفف شعرها بالمنشفة عندما شاهدته فكتمت شهقة صغيرة فيما اندفع اللون الأحمر الى وجهها راسما لوحة أخاذة لحورية تقف أمامه كاد أن يندفع اليها ليغرقا مجددا في طوفان حبهما الجارف!، ولكنه تماسك وقال بصوت هاديء بابتسامة خفيفة:
– صح النوم !، لم تجبه وبدلا من ذلك رمته بنظرة سخط ثم التفتت الى مرآة الزينة لتمشط شعرها، كادت أن تقتلع خصلاته من جذورها لشدة تمشيطها له، تقدم بضعة خطوات منها واقفاً خلفها وغافلها ساحبا فرشاة التسريح منها، حاولت جذبها منه ولكنه أبعد يده وقال بهدوء ولكن يحمل رنة تحذير واضحة:
– كدا هتقطعي شعرك، هسرحهولك أنا!، ليمشط شعرها برقة ونعومة يخالفان خشونة يديه، وما ان انتهى حتى ألقى بفرشاة الشعر جانباً ثم دفن أصابعه في خصلاتها ناثرا اياها فوق كتفيها، ليميل بعد ذلك عليها مقتربا بأنفه من خصلاتها الكستنائية ليشتم عبير الزهور الذي يفوح منها مغمضا عينيه ليتوه في رائحتها العذبة، شعر بها تحاول الفكاك من قبضته، فوضع يديه على كتفيها مديرا إياها له، طالعها بنظرات شوق وعشق سرمدي وتحدث بصوت مخنوق من فرط مشاعره الجياشة بينما نظرت هي الى الأسفل:
– بحبك!، والله بحبك، ولا عمري حبيت قبلك ولا هحب بعدك!، بحبك ومش عاوز حد إلا ..إنتي !!…
رفعت عينيها اليه ليُصعق بنظرة الكراهية التي انبعثت من مقلتيها، تكلمت بصوت هامس ولكن يحمل غضبا مكتوما:
– إوعى تفكر ان استسلامي ليك دا معناه اني خلاص نسيت وسامحت!،….لأ؟؟!، تبقى غلطان يا باش مهندس، أنا ما انكرش اني ضعفت في لحظة، لكن عارف بعد ما فوقت حسيت بإيه؟، حاسيت بنفسي غامّة عليا!، كنت عاوزة أرجّع!، افتكرت كل كلامك للتانية والقرف اللي انا شوفته، علشان كدا مهما عملت انا وإنت حكايتنا انتهت يا سيف، وياريت تحط كلمة النهاية بدري بدري لان المماطلة ما فيش منها فايدة !!..
قست يداه فوق كتفيها وصرخ بغضب بينما طالعها بنظرة ملتهبة من بين فحم عينيه المشتعلتين:
– إنتي إيه؟، مش عاوزة تفهمي ليه؟، أنا غلطت وندمت وتُبت لربنا ، واتأسفت بدال المرة ألف ومليون، أعمل ايه تاني ؟!..
لم ينتظر ردها وتابع بقسوة بالغة:
– انما عارفة لغاية هنا وكفاية يا منة، انا اعتذرت لك كتير وانت مش راضية تدّيني وتدّي لنفسك فرصة تانية، واسمعي آخر كلام عندي بقه علشان نقفل الموضوع دا خالص، طلاق مش بطلق، وسفر من هنا مش هيحصل غير ورجلك على رجلي ، ولما نشوف يا منة…. أنا ولّا.. إنتي !!…، ودفعها جانبا متجها بخطوات تحفر في الارض من قوتها الى باب الغرفة ووقف قبل ان يغادر ناظرا اليها بسخرية:
– ولو على اللي حصل، اطمني خاالص ، مش هيتكرر تاني ولا هتضطري انك تقرفي من نفسك ولا ترجّعي، مش هقرب لك يا منة حتى لو وقفتي من غير هدوم قودامي… عن إذنك !!، وانصرف صافقا الباب خلفه بعنف بينما هَوَتْ جالسة فوق الكرسي خلفها دافنة وجهها بين راحتيها وقد انخرطت في بكاء حار يقطع نياط القلوب !!..
=================================
كان سيف جالسا في حديقة منزلهم الكبير مستندا برأسه الى ظهر مقعده المصنوع من أغصان البامبو، أغمض عينيه زافرا بتعب، كان يفكر كيف يقنع هذه العنيدة التي تقبع في غرفتها بالأعلى أنه لا سبيل إطلاقا لما تفكر فيه؟!، أنه من رابع المستحيلات أن ينفذ لها طلبها المجنون والتي ما أنفكت ترميه في وجهه!، كان يظن أنه بعدما حدث بينهما ستلين، فقد بثها حبه ولواعج شوقه، ألم تشعر بعشقه لها؟، ألم يصلها مدى حبه وولعه بها؟، ألم تعلم بعد أنها بمثابة روح ثانية لهذا الجسد وأنه بدونها يفنى ويهلك؟!……
زفر بتعب، وهو يدعو الله في سرّه أن يلهمه الصواب عندما تناهى الى سمعه صوت والدته يناديه بحنوّ:
– سيف، سيف يا ولديْ…
فتح عينيه وطالع أمه الواقفة بجواره، اعتدل في جلسته وهمّ بالنهوض عندما منعته واضعة يدها على كتفه وهي تجاوره على الكرسي المقابل له قائلة:
– خليِّك مرتاح يا ولديْ..، مالك يا نضريْ؟، وشّك مش عاجبنيْ..
أجاب سيف بابتسامة صغيرة:
– يعني مش عارفة يا أم سيف؟…
ابتسمت أمه بحنان وأجابت:
– منّة!….
ليطلق سيف زفرة حارة من صدره وكأن مجرد سماعه لإسمها يثير فيه العواصف اللاهبة، فإسمها كفيل بجعل دقات قلبه تتسارع وتعلو وكأن قلبه يرفض الاستمرار بدونها…هي…وقوده !!..
تحدث سيف بنبرة مشروخة بالرغم عنه:
– مش عاوزة تنسى يا أمى …. مهما عملت مش عاوزة تسامحني…
اجابت الأم بشفقة على حاله ولكنها في ذات الوقت تريد تقريعه على ما فعله في حق ربّه اولا وامرأته بل ونفسه ثانيا:
– اللي حوصل ما كانشي شويّة يا ولديْ، مَرَتَكْ بتحبك وجوي كمان، بس هي برضيكي موجوعه جوي جوي من عملتك ديْ..، سكتت قليلا لتتابع بعد ذلك وهي تطالعه بحزن ممزوج بأسى وقد أبعدت يدها عنه:
– أني ما سابجليش واتحدت معاك في الموضوع ديه، لكن عاوزة أعرف ليه يا ولديْ؟، ايه اللي خلّاك تعمل إكده؟..
زفر سيف بعمق قبل أن ينظر الى أمه بخجل وقال بندم بالغ:
– أنا عارف أنك زعلانه مني، وأكيد كمان مصدومة فيّا، بس صدقيني يا أمي، لما برجع أفكر في اللي حصل بحس أنه اللي عمل كدا مش أنا!، الشيطان الملعون بيزين لنا دايما الغلط، وللأسف هو أول تنازل وبعد كدا التنازلات بتكتر، وانا الموضوع ابتدى كلام، ونسيت انه فيه زنا عين وزنا أذن، نسيت ان الكلمة اللي بتخرج مننا بنتحاسب عليها، وسلّمت وداني للشيطان، في وقت كانت منة مشغولة عنّي بالبنات والبيت، انا مش ببرر الغلط اللي عملته، لأني عارف ان اللي عملته جريمة مش مجرّد غلط بسيط، لكن أنا عاوز أقول اني ما كنتش في وعيي، أنتي عارفة أنا بحب منة قد إيه، منة حياتي كلها، وفي لحظة ضعف أو ممكن نسميها لحظة غباء سلمت نفسي للشيطان ومشيت وراه، والتانية طلعت دي شغلتها، ويمكن الفضيحة اللي حصلت دي ربنا أراد بيها أني أكفر عن جُرمي في حق ربي وحق نفسي ومراتي، على فكرة يا أمي أنا نهيت علاقتي بيها قبل منة ما تعرف، ….. ابتسم بمرارة وهو يواصل:
– بس مافيش جريمة كاملة !، الرسايل اللي كانت بيننا نسيت أمسحها، منة شافت وقريت كل حاجه، والتانية اتغاظت ان شغلها كدا هيبوظ، عرّفت الكل اننا اتجوزنا ، ازاي.. مش مهم!،… المهم اننا متجوزين!!…
تحدثت زينب بقلق:
– صحيح يا ولدي .. الكلام اللي جالتو الفاجرة ديْ انكم متزوجين دلوكْ ديه صوح؟….
نظر سيف الى امه وهو يزفر بعمق:
– والله يا أم سيف ما أنا عارف، بس منة قالت لي نفس كلامها دا، قالت لي انه الاساس في الجواز الاشهار واني دلوقتي أعتبر متجوز عليها…
قطبت زينب متسائلة:
– وديْ حلّها كيف ديْ؟..
سيف بحيرة :
– مش عارف، بس أنا قريت كتير في الموضوع دا ، ولو قيسنا على الجواز العرفي، الجواز العرفي مش مُعترف بيه قانونا أو شرعا، لكن لو حصل واتنين متجوزين عرفي وعاوزين يسيبوا بعض يبقى لازم الزوج يرمي يمين الطلاق على زوجته في وجود شهود، هو الجواز طبعا في السرّ، لكن دا لازم علشان الواحد يبري ذمته قودام ربنا، فرضا اللي اتجوزت عرفي دي عاوزة تتجوز رسمي من واحد تاني، لو اتجوزت من غير وقوع يمين الطلاق تبقى كدا متجوزة اتنين، والعدة بتاعت المطلقة بتخليها تتأكد اذا كانت حامل مثلا من عدمه، يعني اللي ماشوفهومش وهما بيسرقوا هيشوفوهم وهما بيتقاسموا !!..
زينب بنظرة تفكير عميق وجهتها اليه:
– وانت يا ولديْ، هتعمل إكده؟، هتطلجها في وجود شهود؟..
سيف بقلة حيلة:
– انا مش عارف اعمل ايه، فيه قودامي حاجه من اتنين يا إما أنكر كل حاجه خالص، وما أسألش فيها، يا إما أطلقها وبكدا الناس هتتأكد انها كانت على حق وأخسر كل حاجه، بيتي وشغلي وحياتي المستقرة كلها ؟!..
زينب بحكمة:
– لاه يا ولديْ… ما بتتحسبشي إكده!، انت لو طلجتها هتكسب رضا ربك عليك، ولو ما طلجتهاش هتخسر…. ربك!، أنهي أبدى ربك ولا الناس؟!، انت غُلطت يا سيف، بس ما هنصلحش الغلط بمصيبة أكبر!، فكّر يا ولديْ زين، وأني متأكده ان مرَتك هتبتدي تصفالك لما تطلج الفاجرة ديْ وترميها من حياتك كلاتها، ولو على مسألة الشهود ماليكش صالح أنا هحلّها!…
ابتسم سيف لأول مرة منذ بدء محادثته مع والدته وتنهّد براحه قائلا:
– تصدقي يا أم سيف أنتي أجدع أم، طبعا دول الصعايدة أجدع ناس، ومال على يدها مقبلا إيّاها وهو يتابع:
– ربنا يخليكي ليا أمي، ثم انحسرت ابتسامته بينما تطالعه أمه بابتسامة متسائلة وهو يقول بحيرة:
– لكن شاهي من يوم ما كانت هنا ماشوفتهاش، ومعرفش هي راحت فين؟…
ربتت زينب على يده وقالت بغموض:
– لاه ، ان كان على إكده ما تشيليش همّ، هنجيبها لحدّيك ونرميها تحت رجليكْ كُمانْ….
نظر سيف الى والدته عاقدا جبينه وعلّق متسائلا:
– ازاي يا أم سيف؟؟..
أجابت بثقة:
– ماليكش فيه، انت كل اللي يهمك انها تاجي إهنه علشان نخلصوا من الموال العِفِشْ ديه، ساعتين زمن وكل حاجه هتكون إترتَّبت…، أني هجوم دلوك أشوفهم عملوا ايه، منبهة عليهم يوضبوا جناح الضيوف علشان أهل مَرَتكْ، بيجولوا هيوصلوا على بكرة الصبح تجريباً، بس أخو مرتك اتصل وجال انه هايجي بكرة ع العشا إكده علشان يسلم ع الحاج وعلى منة جبل سفره، هوَّ هياجي من #مصر لكن حماك وحماتك هياجوا من اسكندرية مع ولد خالة مرتك، تصدج … ابن حلال هيطخ المشوار ديه كلاته عشان اهل مرتك يبجوا مرتاحين في جيْتهم، شكله ابن حلال جوي الجدع ديه!…
زفر سيف بحنق فلم يكن ينقصه سوى أمه هي الأخرى تتلو على مسامعه قصائد شعر في مديح ذاك الـ.. نادر!، ألا يكفيه تلك الغضبى التي تحبس نفسها في الأعلى رافضة النزول حتى لا تراه !! ….
ابتسمت زينب فهي أعلم الناس بابنها وبما يدور في ذهنه وقالت بابتسامة صغيرة:
– خير يا ولديْ، سرحت في ايه؟…
انتبه سيف على سؤالها فحاول تغيير الموضوع قائلا:
– أبدا يا أمي، انما صحيح هنعمل ايه مع سلمى، منعم كلمني كذا مرة واتأسف لي، بس ابويا الحاج رافض أي كلام في الموضوع دا؟!…
زينب بثقة:
– خليه يتربى شويْ، علشان يعرف ان الله حج، بتِّي مش شوية عشان يبهدلها إكده، خلِّيه يعرف جيمتها صوح عشان بعد إكده يُبجى يِّفكِّر ألف مرة جبل ما يزعلها أو … يزعلنا، اللي عِملُه ديه مالوش غير معنى واحد، انه راجل ناجص!، ما خَوَاتك التانيين ماحدش منيهم زوجه عمل إكده ليه؟، علشان عارفين انه حتى لو انت غلطت همّا مالهومش صالح في اللي حوصل منِّيك، وعارفين كُمانْ ان الشيخ عبد الهادي مش هيسكت على اللي حوصل، وانه أول واحد هيعرف شغله معاك، خلِّه يتربى شويْ، ما ليكش انت صالح بيه واصل ، …. ثم نهضت واقفة وهي تكمل:
– عموما أني هسيبك دلوك، هروح أطل عليهم علشان الضيوف اللي جايين دول، وانت حاول تنام لك شوية، وشّك بيجول انك مش بتنام يمكن من يوم ما حوصل اللي حوصل، نام يا ولدي وسيبها على ربّك…
أومأ سيف قائلا:
– ونعم بالله، اتفضلي إنتي يا أمي وأنا شوية وهحصّلِكْ..
ابتعدت والدته تاركة سيف ليغوص عميقا في افكاره والتي تنحسر في شعر كستنائي لاهب وعينين لوزتين تلمعان بغضب عاصف تسلبان لبّه كلما وقعت عيناه عليها فأضحى ….أسيرها منذ اللحظة الأولى لرؤيتها !!…
**************************************************

الحلقة الخامسة عشر”ج2

حمدلله على السلامة يا استاذ عمر، الحاجة هتفرح جوي لما تشوفك هي وسيف بيه..
دخل عمر وسط تهليل مهجة بقدومه، فعمر ابن بنت خال سيدتها زينب، ويعدّ كأخ لسيف، قال عمر وهو يتلفت حوله:
– الله يسلمك يا مهجة، أومال فين الناس؟..
قالت مهجة وهي تحمل حقيبة ثيابه:
– الحاجه في دارها وسيف بيه في الجنينة، أومأ عمر برأسه وقال:
– طيب أنا هروح لسيف بيه….
– اهلا ازيك يا عمر ايه المفاجأة دي؟..
سلّم عمر على سيف وجلس حيث أشار سيف قائلا بمرح:
– أعمل ايه جالي استدعاء رسمي من الحاجة زينب، وانت عارف كله الا أوامر الحاجه مقدرش أطنشها !!..
قطب سيف بحيرة وقال:
– هي الحاجه كلمتك؟، أومأ عمر بالايجاب فواصل سيف بتساؤل:
– غريبة!، ما قالتليش يعني؟، وكلمتك ليه؟….
قال عمر وهو يحرك كتفيه علامة الجهل:
– علمي علمك، كل اللي قالته تكوني عندي مسافة السكة!، واهو اقل من 3 ساعات وانا هنا، جاي سايق على 120 !!..
سمعا صوت زينب وهو يقول مرحبا:
– أهلا بولد الغالية، توّك ما جيت !، يعني لازمن كنت أكلمك علشان تاجي تشوفنا؟!..
نهض عمر للسلام عليها وأجاب:
– معلهش يا حاجه، انتو في بالي والله بس ظروف الشغل….
قالت زينب بابتسامة:
– وكيفها نيّرة؟، اتوحشتها جوي!!..
أجاب عمر بابتسامة:
– الحمدلله بخير، وحضرتك كمان وحشتيها وان شاء الله هييجوا قريب علشان كمان يطمنوا على عمي الحاج….
قالت زينب وهي تشير الى سيف:
– يشرّفوا، ودلوك ناجي للمهم، سيف يا ولدي هات وِلد خالتك والحجني !!..
تبادل عمر وسيف نظرات التساؤل ولم يجدا بّدا من اللحاق بزينب..
———————————————————-
– انتو عايزين منّي ايه؟…، صرخت شاهي في وجه رماح الذي قال بغلظة:
– واحنا هنعوز منيكي إيه؟، الكبيرة جالت جيبها يبجى جيبها، ياللا بلاش لكاعه الكبيرة مستنياكي برّه، علشان تعرفي اننا إهنه بنراعي الاصول، مارضيتش تدخل عليكي دارك !!..
شاهي بسخرية وهي تنظر الى ملابسها المزرية التي تتكون من عباءة ريفية سوداء، يتداخل بها بضع ألوان ولكن قد كلح لونها دليل على قِدَمِها، قالت بصوت كالفحيح من بين أسنانها وهي تتقدمه:
– دا على أساس انكو منزلني في اودة في فندق 5 نجوم، أي حد يشوف الاودة دي أنا متأكده انه هيقرف يقعد فيها 5 دقايق، كفاية ريحة العفونة اللي فيها ولا الفيران اللي عماله تصوّت طول الليل ولما صعبت عليكم خرجتوا الفيران بعد ما كنت هموت فيها، انما اقول ايه على الصراصير والقرف اللي موجود هنا، ياللا ياللا خلينا نشوف الكبيرة بتاعتك دي عاوزة إيه، أما أشوف هخلص من فيلم شيء من الخوف دا إمتى؟..
خرجت شاهي الى ردهة الكوخ المحتجزة به، ما إن وقع نظر سيف وعمر عليها حتى نظرا الى بعضهما البعض بحيرة وريبة وتحدث سيف بدهشة:
– ايه دا؟، انتي هنا؟، ثم نظر الى والدته متابعا:
– فيه ايه يا أمي؟، ايه اللي جابها دي هنا؟..
تحدثت زينب بصرامة :
– ماليكش صالح بجات إزاي!،.. انت دلوك ترمي عليها اليمين، واللي بعمله ديه مش علشانها، لاه… دي واحده عاصية ربها، لكن لأن مرتك بنت الاصول ما تستاهيلش تبجى ضُرّتها واحده زييها!….
تحدث عمر بعدم فهم:
– هو فيه ايه بالظبط يا حاجه؟، من ساعة حضرتك ما كلمتيني وانا مش فاهم ايه الموضوع بالظبط؟..
زينب بجدية:
– أني كلمتك علشان تاجي ، عاوزاك تُبجى شاهد على طلاق ولدي من بنت الفرطوس ديْ…، ثم وجهت كلامها الى سيف بأمر:
– ياللا يا ولدي خلّصنا، وما تخافش رماح وعوضين وصابر رجالتنا وخشمهم مش هيجول حاجه لحد واصل !!…
نظزر سيف الى شاهي وبكل ما يعتمل في صدره من حقد وكراهية صرخ:
– انتي طااااااالق، ومش بس كدا لأ… زي ما شيرتي بوست جوازنا ع الجروب، بوست الطلاق بردو هيتشيّر على نفس الجروب، علشان أبقى كدا بريت ذمتي منك، وربنا يغفر لي..
زينب وهي تنظر الى شاهي بينما موجهة كلامها الى سيف:
– خلاص يا سيف ، امشي انت وعمر يا ولدي دلوك، وأني هحصلك..
ما ان انصرف سيف وعمر حتى نظرت شاهي الى زينب وقالت بسخرية:
– فيه حاجه تانية عاوزاها مني؟، ممكن أمشي بقه؟، وشكرا على كرم الضيافة!!..
صدحت ضحكة زينب الساخرة عاليا وقالت :
– لاه، جوام زهجْتي منينا!، عموما ما تخافيش يا غندورة، هتمشي ، بس لوَّل فيه حاجه هتعمليها بعدين تمشي من غير مطرود، نظرت الى رماح وقالت:
– رمّاح…، فهم رماح وسريعا أخرج أوراق كثيرة وقلم وتقدم الى شاهي التي تقف تتفرس فيه بريبة، قالت زينب بهدوء فيما رماح يناولها القلم والأوراق:
– أمضي على الورجَات ديْ الوّلْ..
تناولت شاهي الاوراق والقلم من يد رمّاح وهى تتساءل في دهشة وحيرة:
– ورق ايه دا؟…..، لتشهق مذهولة فاغرة فاها وهي تفتح عينيها على وسعهما هاتفة بسخط:
– ايه دا؟، عاوزاني أمضي على نفسي وصولات أمانة وشيكات؟، انتي أكيد مش في وعيّك!!…
صرخت بجزع عندما جذبها رمّاح من غرّتها وقال زاجرا بغضب:
– لما تتحدتي مع الكبيرة تتحدتي بأدب….
انهمرت دموع الذل من عينيها وصرخت بألم وهي تحاول الافلات من قبضته الشديدة لخصلاتها، قالت زينب بأسف زائف:
– لاه، لاه، يا رماح مش إكده، هي برضيكي معذورة، جاهلة متعرفش اللي ممكن يحصول من ورا كلامها ديه!!…
صرخت شاهي بعنف ومقت:
– آي، سيب شعري يا جاهل يا متخلف، انتو فاكرين نفسكم مين، هي سايبة؟، أنا هوديكو في ستين داهية!!..
هزت زينب رأسها بحزن مصطنع وقالت وهى تطالعها بشفقة مزيفة:
– وأني اللي كنت هسيبك بعد ما تمضي الاوراج ديْ!، شكل الجاعده إهنه عجبتك وعاوزة تكملي باجية حياتك في الكوخ الجميل ديه !!…
هتفت شاهي بجزع:
– لا يا حاجه، الا هنا..، المكان هنا مخيف اووي…
زفرت زينب بيأس زائف:
– ما انتي مش عاوزة تهاودي وتعملي اللي بجولك عليه!، أجولك…. اختاري يا اما توجعي الاوراج دي وتطلعي على بلدكم ويا دار ما دخلك شر، يا ترفضي وتفضلي مأنسانا لغاية ما يأذن ربنا، يا إما……، وسكتت لتهتف شاهي بيأس:
– يا إما ايه يا حاجه؟؟…
سارت الحاجه الى رماح القابض على خصلات شاهي بقوة وربتت على كتفه قائلة بزهو:
– تتزوجي راجل من عندينا وتعيشي كيفك كيف المداس اللي في رجليه….صدجيني مش هتلاجي جدع زي رمّاح، ديه ولدي أنا اللي مربياهْ!…، ها… جولتي ايه يا غندورة !!..
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه رماح فظهرت أسنانه الصفراء بشكلها الغير مستوي، ذعرت شاهي وصرخت:
– لا … همضي همضي….
و….وقّعت بإسمها وهي في قمة الذلّ، كانت الاوراق عبارة عن 5 شيكات و 5 وصولات أمانة كل منها بقيمة 100 ألف من الجنيهات، فيصبح المجموع مليوناً من الجنيهات، كي تضمن زينب ابتعاد تلك المأفونة عن طريق ابنها تماما، قالت لها قبل ان تنصرف:
– لو جليتي عجلك الوصولات هطلعهم، وهجدمهم للنيابة بس مش مرة واحده… لاه….وصل وصل، وشيك شيك، علشان كل ما تخلصي مدة تدخلي تاني بمدة تانية، مش بذمتك زواجك برمّاح أرحم !….، ثم نظرت الى رماح آمرة:
– لما الغندورة تجهز نفسها انت عارف هتعمل ايه؟، أومأ رماح برأسه هاتفا:
– أوامرك يا كبيرة….
أومأت زينب باستحسان ورحلت وبحوزتها الأوراق التي تقبض بها على عنق شاهي، وهي تحمد الله في نفسها أنها استطاعت بفضله الخلاص من هذه الملعونة، يبقى ولدها وكيفية عودته الى زوجته !!..، ابتسمت وهي تتمتم بخبث:
– هيرجعوا لبعض ان شاء الله، مافيش حاجه تعصى عليّ، دا أني زينب والأجر على الله !!….
**************************************************
التزمت منة غرفتها معتزلة بها، كان عبدالهادي دائم السؤال عنها، وعلم أن عائلتها سيحضرون لزيارته، فصمم على أن تشاركهم طعام العشاء وإلا فهو سيصعد بنفسه إليها ليرى ما بها….، ولم تستطع منة ايزاء موقف الحاج المتشدد سوى أن تنزل عند رغبته وتشاركهم طعام العشاء خاصة وأن عمر يحل ضيف على المنزل، ولم تكن قد علمت بعد بتطورات الموقف بين سيف و…..الغندورة !!…
– نورت المكان، شوفت الدنيا نورت كيف لما جيتي يا بتّيّ؟!.
ابتسمت منة للحاج عبد الهادي الذي يجلس مترأس لمائدة العشاء بينما تجلس الى اليمين منه زينب والى اليسار سيف وبجواره منة، بينما يجلس عمر الى يمين زينب، ولم تشأ سلمى تناول الطعام معهم مفضلة تناوله بمفردها، ولم تستطع منة الاعتذار عن مشاركتهم الطعام بحجة سلمى التي تفضل تناول الطعام معها، فقد قرر الحاج وانتهى الأمر !!….، وكانت مفاجئتها كبيرة عندما وجدت أنها ستجاور سيف على المائدة، ولكن ما باليد حيلة، فيجب أن يلعبا دور الزوجين السعيدين أمام الحاج خوفا على صحته العليلة….
ابتسمت منة قائلة:
– ربنا يخليك يا عمي، تسلملي يارب…
أجاب عبدالهادي بابتسامة وهو ينظر الى سيف:
– عارفة انا لوّل ظنيتك زعلانه من ولدي، لكن دلوك توكدت أنك تعبانه صوح، وشّك كيف اللمونة إكده، خلي بالك من صحتك يا بتّي، أنت غالية عندينا جوي، ولو حد زعلك مهما كان بوكي عبد الهادي كفيل إنه يجيب لك حجك….
قالت منة بابتسامة ممتنّة:
– ربنا ما يحرمني منك أبدا يا عمِّي…
قالت زينب بابتسامة وهي تنقل نظراتها بين سيف الذي يتناول طعامه في صمت وبرود ومنة التي تتلاعب بطعامها بشوكتها:
– منة غالية عندينا كلاتنا، صوح يا سيف؟!…
انتبه سيف الى سؤال والدته فأشار بالايجاب متمتما بنعم، استمروا في تناول الطعام حتى سأل عبدالهادي منة:
– صحيح يا منة، أهلك ميتا هياجوا بالسلامة ان شاء الله؟
منة بهدوء:
– هيطلعوا بكرة الصبح ان شاء الله، انما أحمد هييجي بكرة على آخر النهار كدا بإذن الله، احمد جاي من القاهرة وحضرتك عارف القاهرة قريبة، لكن ماما وبابا جايين من اسكندرية وهي اللي بعيدة فبابا فضّل انهم ييجوا الصبح….
عبدالهادي باهتمام:
– همّا هياجوا من اسكندرية بالجطر؟…
وقف سيف عن تناول الطعام بينما ألقت منة نظرة خاطفة اليه وهي تجيب:
– لا، جايين مع نادر ابن خالتي!…
زينب باندفاع:
– كتّر ألف خيره، باين عليه جدع ابن حلال، اكيد مارضيشي والدتك وبوكي يتبهدلوا في الجطر صوح؟؟
ابتسمت منة مطأطئة برأسها وهي تجيب:
– صح يا ماما الحاجة، نادر رفض انهم ييجوا بالقطر وصمم يجيبهم بنفسه…
هز عبدالهادي رأسه باستحسان قائلا:
– والله شكله وِلِد خالتك ديه رجّال صوح….، يطخ المشوار ديه كلاته علشان خالته وزوجها يبجى بيفهم في الاصول، واللي بيفهم في الاصول أنا أشيله على راسي من فوج..
منة بابتسامة:
– تسلم يا حاج، حضرتك الواحد يشيلك فوق الراس وجوّه العين كمان…
صوت قرقعة قطعت كلامها لتنتبه الى سيف الذي ترك ملعقته بحدة لتحدث صوتا عاليا في الطبق الصيني، نظر اليهم حيث يتطلعون اليه بدهشة واجاب وهو يزيح كرسيه جانبا ليقوم:
– أنا شبعت الحمدلله، عن إذنكم …
لم يستطع سيف تمالك نفسه، إن لم ينسحب في هذه اللحظة لا يدري ما سيفعل بهذه العنيدة التي تقبع بجواره تأبى مجرد النظر اليه، وكأن من يجاورها الى المائدة هواء أو خيال!!، فأكثر ما اغاظه ابتسامتها وكلامها الرقيق الذي توجهه الى والده وتتحدث به عن ذاك الـ نادر، بينما تحرمه هو زوجها من مجرد نظرة واحده الى عينيها الفاتنتيْن، ولكنه قد وعدها أنه لن يحاول الاعتذار ثانية وأنه لن يتقدم خطوة أخرى اليها بعد ذلك، كفاه ما قام به من اعتذار بل وتوسّل، وهي متشبثة بموقفها الغبي ذلك!!..
شعر عبدالهادي بالتوتر الذي أصاب الجميع بعد قيام سيف بهذه الطريقة ليتبعه عمر بعد أن شكرهم على الطعام، حاولت زينب اضفاء المرح على الامسية، ولكن عبدالهادي قاطعها بنظرة صارة وأمرها بابلاغ سيف أنه في انتظاره لأمر ضروري بغرفته، وطلب من منة اصطحابه الى هناك….
=================================
طرق على الباب قاطع حديث سيف وعمر، سمح سيف للطارق بالدخول ليجد أنها مهجة تبلغه بطلب والده رؤيته على جناح السرعة في جناحه الخاص، فصرفها قائلا أنه سيلحق بها، ونظر الى عمر الذي حرك كتفيه علامة الجهل….
وافى سيف والده الى غرفته، بعد أن طرق الباب طرقات هادئة، أتاه صوت والده الرخيم يدعوه للدخول، دخل فشاهد والده يجلس الى مقعد مريح في الزاوية وبجانبه تجلس منة على أريكة ضخمة في جلسة بزاوية الغرفة، قال سيف:
– طلبتني يا حاج؟…
قال عبدالهادي بأمر:
– إجفل الباب وراك وتعالى أجعد أهنه….
فعل سيف مثلما طلب عبدالهادي وجلس حيث أشار له عبدالهادي بالجلوس بجوار زوجته، ولكن على الطرف البعيد من الأريكة، نظر اليه عبدالهادي بصرامة وقال فيما هو يدير رأس عصاه الأبنوسية والمطعّمة بالأحجار الكريمة:
– مالك يا سيف؟، فيه إيه يا ولديْ؟…
رمى سيف منة بنظرة سريعة قبل ان يجيب وهو يهرب بعينيه من نظرات والده الثاقبة:
– ولا حاجه يا حاج، خير مافيش حاجه…
عبدالهادي بجدية:
– لاه… فيه!، وشيْ واعر جوي كُمان !، انت ما كنتش داريان بروحك كنت عامل كيف؟!، دلوك هتجولي يا سيف انت ليه بتعامل مَرَتَكْ إكده؟..
ألقى سيف بنظرة لائمة الى منة التي شحب وجهها وأجاب ببرود:
– هي إشتاكتلك منِّي يا حاج؟..
سارعت منة بالنفي:
– ابدا….، ثم وجهت حديثها الى عبدالهادي قائلة في رجاء فهي لا تريد الدخول في نقاشات أمام الحاج وقد يفقد أحدهما أعصابه فيحدث ما لا يحمد عقباه وينكشف المستور أمامه وقلبه قد لا يحتمل الصمود هذه المرة:
– أنا إشتكيت لك يا عمي الحاج؟، يا عمي كل الحكاية انه سيف بئالو مدة طويلة بعيد عن المكتب علشان كدا أكيد كان سرحان في الشغل، ثم أشرق وجهها وكأنها وجدت الدليل لكلامها:
– وبعدين حضرتك شوفت بنفسك، عمر جِه انهرده علشان فيه شغل واقف على إمضة سيف، وطبعا منها يزور حضرتك!!..
وجه عبدالهادي سؤاله الى سيف بصرامة:
– الكلام ديِه صوح يا سيف؟…
زفر سيف بعمق بينما نظرت منة اليه حابسة أنفاسها منتظرة اجابته التي لم تتأخر وسمعته وهو يقول:
– تمام يا حاج، انا بالي مشغول بصفقة كبيرة داخلينها علشان كدا تلاقيني ساكت معظم الوقت، وعمر جِه انهرده علشان نراجع بعض بنود في العقد….، فأخرجت منة أنفاسها المحبوسة في صدرها مغمضة عينيها براحه، قبل أن تنتبه الى حديث عمّها فالتفتت مصغية اليه……
عبدالهادي بحكمة:
– برضك يا ولديْ لازمن تفصل بين شغلك ومَرَتَكْ، ذنبها إيه مرتك تنشغل عنها بالطريجة دِيْ؟…
نظرت منة الى سيف باضطراب ملاحظة أنه يحاول التحكم في غضبه بصعوبة وقد خانته عضلة فكّه المقابلة لها والتي كانت تهتز بشدة دليل على انفعاله الواضح!، قالت منة بابتسامة متوترة بعض الشيء:
– يا عمي مافيش حاجه حصلت أنا….، قاطعها عبدالهادي بهدوء:
– إسكتي أنتي يا بتّي ، أنتِ من أصل طيب وعمرك ما هتشتكي ولدي، بس هو كمان لازمن يعرف انه لو كان حبيبك عسل ما تلهطوش كلاته!!…
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة وقال بهدوء:
– حاضريا حاج، اللي تؤمر بيه…
الحاج بأسى:
– معلهش يا ولدي، أني عارف اني السبب، من ساعة اللي حوصلي وانت مِهمِّل حالك ومالك وجاعد انت ومرتك وبناتك جاري إهنِهْ، انما أنا بجيت عال العال والحمدلله، ماطعتلشي مصالحك أكتر من إكده، لو عاوز تسافر مع نسايبك وهما مروحين سافر يا ولدي، ما تعطلشي نفسك…،
نفى سيف بشدة واستنكار:
– لا لا لا لا ، ازاي تقول كده يا حاج؟!، الشغل ماشي والحمدلله، واي حاجه بتقف عمر بيتصرف، المهم إنت، أنا مش ماشي من هنا دلوقتي خااالص ( ونظر الى منة نظرة مصممة) الّا إذا كنت انت بقه اتضايقت مننا؟…
نهره عبدالهادي وهو يرفع العصا ناحيته وكأنه سيهم بضربه بها:
– باهْ!، أنت بتجول إيه؟، اتجنيت يا سيف!…أنا الود ودّي انك ما تفارجنيش واصل، أنا اتعلجت بيكم جوي، والبيت هيبجى طعمه عفش جوي من غيركم !!….
سيف بانشراح:
– والله فكرة!، ثم نظر الى منة نظرة تحد وتابع:
– ايه رأيك أنقل شغلي ونيجي نعيش هنا؟!…
شحب وجه منة ولكنها في ذات الوقت لا تستطيع الاعتراض أمام الحاج، وكرهت سيف في هذه اللحظة فهو قد وضعها بين اختيارين أحلاهما مُر!، رسمت ابتسامة مزيّفة على وجهها وقالت:
– وإيه المانع، بس فيه مشكلة صغيرة، البنات المفروض هيدخلوا المدرسة السنة اللي جاية ان شاء الله، وعلى ما أعرف ان المدارس اللغات هنا عددها محدود جدا، واحنا فعلا قدمنالهم في مدرسة واتحدد معاد الانترفيو، انت نسيت يا سيف؟…
قال عبدالهادي مستبقا سيف:
– طبعا مصلحة البنات أهم، خلاص انتو كل أجازة تجضوها معانا إهنه، ونهاية الاسبوع كُمان!!…
بعد أن فرح سيف لاقتراح والده بمكوثهم لديْه، شعر بالأسى والغضب لإستطاعة منة التنصّل من الموافقة، لقد شعر وكأن ابوه يمد له طوق النجاة باقتراحه ذلك، نعم فمكوثهم هنا سيجعل منة تتخلى عن عنادها شيئا فشيئا، أما عودتهم الى القاهرة سيجعلها تشعر بالقوة نظرا لوجودها بجانب أهلها، وستبدأ ذات الاسطوانة المشروخة مجددا، ولكنه لن يتزحزح من هنا قيْد أنملة قبل أن يُدخل الى رأسها العنيد هذا أنه ليس من المسموح به أصلا العودة الى ذات الأمر مجدداً، وأكثر ما يغيظه أنه قد علمت من والدتهى أنه قد أنهى أمر هذه العاهرة تماما، وفعل الشيء الصحيح، وقد بدا صادقا في توبته، ومن كلام والدته أنها وان كانت لاح عليها الضيق لذكر هذا الموضوع مجددا إلّا أنها لم تستطع اخفاء ارتياحها لما فعله، بل إنه قد نشر خبر طلاقهما في ذات المجموعه التي قد نشرت فيها تلك البائسة خبر زواجهما سابقا، ولكن منة لم تفاتحه بهذا الشأن، وقد نصحته والدته أن لا يناقشها في هذا الأمر مجددا ، ويحاول نسيانه تماما، كأن لم يكن !!، ولكن موقف منة منه لا يستطيع تقبله، ولن يكون هو سيف إن لم يقضي على مقاومتها نهائيًّا والأيام بينهم!…
تنبه من شروده على نداء والده المتكرر له، نظر له بإعتذار قائلا:
– اؤمر يا حاج معلهش سرحت شوية!!…
ضحك عبدالهادي وعلّق:
– تسرح في الجومر وهو جاعد جارك؟، المهم.. جوم ياللا ….
نظر سيف بارتياب الى منة التي حركت كتفيها علامة الجهل، ثم أعاد نظره الى والده مستفهما بابتسامة صغيرة:
– أقوم؟، أقوم أعمل ايه يا حاج؟، أمشي يعني؟
ضرب والده كفّا بكف وقال:
– شوف أجوله إيه يفهمها إيه!!، جوم صالح مَرَتَكْ… ياللا حِبْ على راسها!..
امتقع وجه منة خجلا واضطرابا وسارعت بالقول:
– ما… مالوش لزوم يا حاج …. انا مش زعلانه!
الحاج بإصرار:
– هي كلمة واحده لازمن يصالحك يعني لازمن يصالحك، ولا إنتي عاوزة تكسِّري كلمتي؟…
ارتبكت منة وتلعثمت ونظرت الى سيف باستجداء والذي بادلها نظراتها بأخرى ماكرة مما جعلها تسبُّه في نفسها وقالت:
– لا أبدا يا حاج، ما عاش اللي يكسّرلك كلمة..
أشار لسيف بعصاه آمرا:
– تعالى جرّبك من مرتك شويْ، مالك جاعد بعيد عنيها ليه إكده، ياللا حِبْ على راسها!..
طوق سيف كتف منة بذراعه ونظر اليها هامسا بينما نظرت اليه بتحذير:
– معلهش عبد المأمور!…
ومال مقبلا جبينها، و…..أطال القبلة، حاولت الفكاك منه ولكن سيف كان كالمغيّب، همست بإسمه مرات عديدة، ولكنه كان تائها في رائحتها الأنثوية العذبة ، وانتقل بشفاهه الساخنة من جبينها نزولا الى صدغها ثم الى الجهة الأخرى من وجهها، ناثرا قبل صغيرة ملتهبة !، وعندما اقترب من شفاهها لفحتها رائحته الرجولية مختلطة برائحة أنفاسه العَبِقة، وقبل أن تتوه هي الأخرى في دوامة حبه الذي يجرفها، وكزته في خاصرته بقوة جعلته يتأوه بألم، وابتعد عنها ناظرا اليها بحنق ليفاجأ بوجهها وقد غدا بحمرة ثمرة الطماطم الناضجة، كما أن وشاحها قد إنزاح الى الخلف قليلا لتفلت بضعة خصلات من شعرها، انتبه لوجوده بجوارها و….أمام والده!!، طغى الاحمرار على وجهه هو الآخر خجلا من والده ، وتنحنح مبتعدا عنها قليلا بينما تعالت ضحكات والده وقال:
– جرى ايه يا وِلدْ؟، خفّ ع البنيّة!!، سكت قليلا ليتابع بحنو:
– ربنا يسعدكم يا ولديْ…
استأذنت منة في الانصراف واتجهت سريعا بخطوات متعثرة لتغادر غرفة عبدالهادي صاعدة الى غرفتها حيث ارتمت فوق الفراش بينما تضع يدها اليسرى فوق قلبها لعلها تُبطيء دقاته التي غدت كالمطرقة حتى إنها تظن أن صوتها مسموع لمن أصاخ السمع قليلا، وقد شعرت أن قلبها سيخرج من بين جنبات صدرها ليرتمي على ذاك الذي يجعله يدق بخفقات متتالية سريعة بلاااااا… رحمة!!….
*************************************************
وصل والديْ منة برفقة نادر ظهيرة اليوم التالي، رحبت بهم زينب وعبدالهادي الذي أمر مهجة بسرعة إخبار سيف ومنة بحضور والديها..
كانت منة تتجهز للنزول الى أسفل عندما طرق سيف الباب ودخل، وقف متطلعا اليها بغموض قليلا….، لم تكن قد شاهدته منذ جلوسها معه في غرفة عبدالهادي، فقد هربت الى غرفة بناتها مرة، ثم جلست برفقة سلمى أخرى، الى أن حل الظلام أخيرا فذهبت الى الغرفة حيث اصطنعت النوم ونامت، بينما مكث سيف طوال ليله وهو يتقلب على جمر من نار الشوق الى معذبته يحاول ردع نفسه عن الذهاب اليها بينما هي ترقد على بُعد خطوات منه!!..
تقدمت منة اليه مقطبة ووقفت أمامه متسائلة:
– فيه حاجه يا سيف؟…
تحدث سيف بهدوء ولكنها استشعرت نبرة الخطر في صوته:
– باباكي ومامتك جوم تحت، أشرقت أساريرها وما إن همت بالمرور أمامه للهبوط الى أسفل للترحيب بهم حتى أمسك ساعدها بيده ومال عليها ناظرا اليها بقوة هاتفا من بين أسنانه:
– نادر تحت معهم!، إبعدي عنه خالص!، منة … إنتي عارفاني … مش عاوز قلق، لمصلحته هوّ، خليكي بعيد عنه، لو لاقيته بيحوم حواليكي بأي شكل من الأشكال ما تلومنيش ساعتها!، انتي هتنزلي معايا دلوقتي وهترحبي بيه زي أي ضيف غريب…، ونظر اليها بحدة مشددا:
– سامعاني يا منة … غريييب !!…، جذبت منة ساعدها من قبضته ونظرت اليه رافعة رأسها بعنفوان وقالت:
– نادر يبقى أكتر من أخ بالنسبة لي، وهو انسان محترم جدا، عمره ما هيعمل حاجه من اللي بتقول عليها دي، وأظن عيب أوي يبقى ابن خالتي مكلف نفسه مشوار زي دا علشان بابا وماما وأنا في الآخر أقابله بالوشّ الخشب اللي عاوزني أديهوله، مهما كان هو هنا يعتبر ضيف عندي، دا بإعتبار أنه دا بيت جوزي يعني بيتي أنا كمان، عموما عن اذنك انا هنزل أسلم على بابا وماما ماينفعش أتأخر عليهم أكتر من كدا!!..
وخرجت تاركة إيّاه وهو ينظر في إثرها بغيظ وقد كوّر قبضته ضاربا بها الحائط بجواره وهو يهتف بغضب:
– ماشي يا منة، أما أشوف … أنا ولّا .. نادر بيه !!…
اندفعت منة الى أحضان والدها ما إن رأته، ربتّ والدها ضاحكا على وشاحها المغطي رأسها، شدتها أمها اليها وهي تقول بابتسامة دامعه:
– يعني أبوكي بس اللي وحشك يا منون، أمك ما وحشتكيش؟!
منة وهي تتلقى أحضان والدتها بحب مجيبة بمرح:
– إزاي دا؟، وحشتيني جدا جدا يا توفي…..
بعد ان رحّبت بوالديها نظرت الى نادر الواقف بعيد نسبيا وهزّت رأسها بالتحية له قائلة بابتسامة مرحّبة:
– حمدلله على السلامة يا نادر، معلهش تعبناك معانا….
أجاب نادر بهدوء بينما عيناه طفقتا تنهلان من تقاسيم وجهها بنهم شديد فقد إفتقدها بشدة في الأيام السابقة:
– تعبكم راحة يا بنت خالتي، وبعدين السكة مش طويلة أوي يعني، 5 ساعات تقريبا…
قالت زينب بحبور:
– بس؟!….
تمتم نادر بينه وبين نفسه:
– فداكي يا منة …
أنتبه من شروده على عينين تطالعانه بغضب وحشي، قبل أن يتجه صاحبها للترحيب بوالديْ زوجته، ثم اقترب منه بخطوات واثقة ووقف أمامه ناظرا اليه بنصف عين قبل أن يمد يده قائلا ببرود:
– أهلا يا نادر.. حمدلله على السلامة…، صافحه نادر وتمتم بالشكر….
كان نادر يرغب بالرحيل، فنظرات سيف كانت تجعله يشعر بالارتباك، كان مسلط نظراته عليه، وكان نادر يسترق النظر الى منة بين كل فينة وأخرى، وعندما يلتفت يُفاجأ بسيف وهو يطالعه بغضب شرس، فقرر الرحيل، هو لا يريد أن يكون السبب في أي أذى يلحق بها، فمن الواضح أن سيف قد وصل إلى أقصى درجات الغضب، ويخاف أن يصب جام غضبه على هذه المسكينة التي تتحدث بانطلاق وتتبادل العبارات المازحة مع والديْها ووالديْ زوجها غير منتبهة لما يدور حولها من صراع الأعين بينه وبين زوجها !!…
تنحنح نادر ثم قال موجها حديثه الى عبدالهادي:
– ألف حمدلله على سلامة حضرتك، معلهش هضطر أقوم علشان مشواري بعيد، والحمدلله انه صحتك حضرتك بئيت كويسة…..
اعترض عبدالهادي على انصرافه بشدة، حاول نادر معه مرارا فزاد عناده، كان سيف يراقب محاولات نادر للفكاك من إلحاح والده عليه بالمكوث، كان قد تنفس الصعداء وهو يسمعه يستأذن بالرحيل ليأتي والده فيزيد من عذابه وهو يرفض رحيله بهذه السرعة، تحدث عبدالعظيم:
– معلهش يا نادر استنى طيب شوية واحنا نروّح آخر النهار سوا، احمد هييجي بالليل وشكله هيبات لبكرة، وبدل ما ترجع لوحدك نرجع سوا…
قاطعهما صوت عبدالهادي مستنكرا:
– كيف دا؟… هي السكة جنب الرِّجلْ؟، عاوزين تاجوا وترجعوا في نفس اليوم؟، لاه ، انتو هتجعدوا حدانا يومين، وفرصة الباش مهندز أحمد جاي، البلد إهنه جوها جميل…
نادر بابتسامة:
– خلاص يا عمي عبدالعظيم، علشان الحاج عبدالهادي مايزعلش، خليك انت وطنط عواطف وأنا هقوم دلوقتي علشان يدوب كدا…
وضع عبدالهادي يده على كتف نادر مانعا اياه من النهوض وكان جالسا بجواره ونهره قائلا:
– رايح فين؟، أنا لمن جولت ما حدش مسافر كان جصدي الكل!
نادر بحيرة وابتسامة صغيرة بينما سيف يراقب الحوار بترقب:
– معلهش يا حاج، طيب هما هيباتوا مع بنتهم، أنا ماينفعش أبات!، ثم …. هقعد بصفتي إيه؟…
عبدالهادي بجدية:
– بصفتك ضيف مَرَتْ ولدي، يعني ضيفي، وبعدين اعمل حسابك انت ماهتباتش يوم ولّا…. تنين ..لاه !!…
نادر بارتباك:
– معلهش مش فاهم يا حاج؟..
عبد الهادي بثقة مفرطة:
– إنت ضيف، وواجب الضيافة تلات إيام، يعني إنت هتجعد معانا إهنه تلات إيام بلياليهم، بعد إكده إنت حرّ، عاوز تدنِّيكْ معانا تنورنا، عاوز تعاود تاني براحتك، لكن مش جبل التلات إيام بنص ساعه حتى !!…
لم يهتم نادر برد فعل أحد من الحاضرين سوى سيف، فنظر اليه ما إن أنهى عبدالهادي إصدار أوامره ليفاجأ بشحوب وجهه الشديد، بل وكأنه يرى ألسنة من اللهب تتطاير من رماد عينيه المشتعل فيما سيف يتمتم بينه وبين نفسه أن والده قد زاد من شقائه وليس عذابه برفضه رحيل …… نادر!!..

“جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة السادسة عشر”
وصل أحمد قرابة المغرب، وتم الترحيب به بشدة، وكانت الفرحة تملأ منة لوجود شقيقها، ورحّب به عبدالهادي شاكرا له قدومه لزيارته، وقابل أحمد ترحيبه بامتنان، وعندما جاء دور سيف في السلام على أحمد، راعا الاثنان ألّا يظهر عليهما أية علامات تدل على سوء العلاقة بينهما،.. أمرت زينب مهجة بوضع الحقائب في الجناح الشرقي الخاص بالضيوف، وهو عبارة عن غرفتي نوم بكل واحده حمامها الخاص، وردهة متوسطة ومطبخ صغير يقتصر فقط على وجود طبّاخ كهربائي والأدوات اللازمة لصنع المشروبات الساخنة…، وقد تقرر أن يكون هذا الجناح خاص بعائلة منة والديْها وشقيقها مع عائلته، أما نادر فتم اعداد استراحة صغيرة موجودة في حديقة المنزل، وتتكون من غرفة نوم متوسطة وصالة استقبال واسعة الى حد ما، وحمام ومطبخ ….، بينما استأذن عمر في الرحيل مبررا بأنه لا يستطيع الابتعاد عن المكتب كثيرا خاصة في عدم وجود سيف…..
بعد أن استقرّ الضيوف في غرفة الجلوس ، توجه عبدالهادي بالحديث الى أحمد سائلا إياه عن أحوال رحلته الى البلدة ، وعمّا إذا واجه صعوبة في الوصول، كان أحمد يتحدث بمنتهى التلقائية، وقد تناسى غضبه مع سيف لدى مشاهدته الأريحية التي تتعامل بها منة معه، كما أن والديْها كانا يتعاملان معه بتلقائية شديدة كأن لم يكن يحدث شيء!..،دخلت منة وايناس الى غرفة الاخيرة، جلست منة على طرف الفراش بينما ايناس تقوم بوضع ثيابهم التي جلبوها معهم لقضاء ليلتهم في الخزانة، قالت ايناس وهي ترفع الثياب من الحقيبة الموضوعه فوق الفراش :
– ما شاء الله على حماكي وحماتك يا منون، بجد ناس في منتهى الطيبة والاحترام..
منة موافقة على كلامها:
– أكيد، وانا بحبهم جدا، إنتي عارفه لولا خوفي على زعلهم انا كنت مشيت من زمان…
اتجهت ايناس لوضع الثياب في الخزانة واستدارت وهي تستند على رف الثياب قائلة بتقطيبة:
– إلا صحيح يا منة، عمك عبدالهادي لسه ميعرفش باللي حصل؟…
نفت منة بهزة من رأسها وأجابت:
– لا طبعا، دا كان بين الموت والحيا، والحمدلله ربنا نجّاه، عمي ميعرفش حاجه كل اللي يعرفه انه واحد بيكره سيف طلع الاشاعه دي وانا قلت له اننا كنا في اسكندرية بنقضي يومين لما جالنا خبر تعبه المفاجيء دا، ودا اللي خلّاه يصدقني، بس اللي وقفت جنبي بجد هي حماتي، الست دي فعلا اللي يتقال عليها سِتْ بميت راجل، عملت معايا اللي متعملوش أم لبنتها !!…
اتجهت ايناس الى منة بعد أن أنهت وضع الثياب في الخزانة الخاصة بهم ، جلست أمامها وقالت وهي تعقد جبينها متسائلة:
– هي عرفت؟، أومأت منة بالايجاب فتابعت ايناس متسائلة:
– وعملت ايه؟؟..، ضحكت منة واجابت:
– قولي معملتش ايه!!، دي ماسابتش حاجه معملتهاش، قومي قومي ياللا زمانهم حضروا العشا.. مرام مع هنا وفرح وزمان سلمى عشِّيتهم مع عيالها، أهي سلمى دي عليها حنيّة مش ممكن، ربنا يصلح لها الحال مع جوزها….
أمّنت ايناس على دعاء منة واتجهت معها ليلحقا بالباقين في غرفة المائدة وهي تقول ضاحكة:
– لا.. ياللا بينا ، أحسن مش عارفة ليه عندي احساس كدا ان جوزك ممكن يأكّلنا نادر ع العشا!!، أنا شوفت نظراته ليه، كأنه بيتمنى الارض تنشق وتبلعه !!..
ابتسمت منة ابتسامة صفراء وعقّبت:
– هههه، ظريفة أوي!، طب ياللا يا خفيفة نلحقهم…، ضحكت ايناس وتابعا سيرهما الى غرفة المائدة للحاق بالباقين…
———————————————————-
كان الجو العام يسوده الهدوء أثناء تناولهم طعام العشاء، والذي تخلله بعض الاحاديث الخفيفة، كانت منة تجلس بجوار سيف والذي يجاور والدته التي تجلس يسار عبد الهادي ، وعبد العظيم صمم عبدالهادي على أن يجلس هو الى يمينه، تجاوره عواطف ثم نادرفأحمد وأيناس..
لم يكن سيف متتبع للأحاديث التي تدور بين الجالسين، فكان منشغل باستراق النظرات الى نادر وهو يضغط على أسنانه بين كل حين وآخر، يتمنى لو أن بإمكانه ترك المكان مصطحبا منة معه وألا ينزلا من غرفتهما الا بعد رحيل هذا الـ….. نادر !!
لفت انتباهه كلمة جعلته تيبس في مكانه، فقد قال أحمد بتلقائية رادّاً على سؤال عبدالهادي عن مكتب نادر السياحي والذي حدّثه الاخير عنه:
– لازم تتعامل معاه يا عمي، بجد حضرتك لو ناوي تطلع عمرة مثلا هتلاقي عنده عروض جميلة، أحسن من أي عروض ممكن تلاقيها في أي حتة تانية!!، ثم غمز منة مازحا متابعا وهو يقول الكلمة التي خرقت سمع سيف وأوشك أن يغصّ بطعامه:
– وبعدين كفاية ان الباش مهندسة منة بنفسها هي اللي عملاله ديكور المكتب، أنا متأكد إن شغلها هيبقى وشّه حلو عليه!!،،،
ابتسمت منة بخجل بينما التفت سيف اليها ناظرا اليها بحدة لم تنتبه لها وهى تعلق على كلام أحمد:
– هو أنا لسه عملت حاجه، انا ما لحقتش أرسم خط واحد حتى!
عبدالهادي متسائلا:
– ليه يا بتِّي؟، ديه شغلك برضك!..
منة بابتسامة:
– أبدا يا حاج، أصلي شوفت المكتب في نفس اليوم اللي جينا فيه هنا، فما لحقتش اعمل حاجه..
عبدالهادي بهدوء:
– واني خلاص بجيت منيح، يُبجى لازم تخلصي أشغال الناس المتعطّلة ديْ…
أجاب نادر بابتسامة:
– حصل خير يا حاج، وبعدين أنا مش غريب ووقت ما منة تفضى تبقى تشتغل فيه براحتها..
عبدالهادي بلهجة قاطعه لا سبيل لمعارضتها:
– لاه يا ولديْ، مش عشان إنت تُبجى ابن خالتها يُبجى تتعطل مصالحك ، عموما فرصة إنك موجود إهنه، فمنة تجدر تخلِّص الشغل اليامين دول!!…
تبادل الجالسون النظرات، منهم المتفهم لكلامه كعبدالعظيم وعواطف، ومنهم الغير مبال كأحمد، ومنهم المشفق على منة كإيناس، ومنهم المتردد بين الفرح لأنه سيكون بجوار من يهواها قلبه وبين الخوف من نظرات ذاك القابع بجوارها يكاد يفتك به بنظراته!، ومنهم الخائف من نتيجة هذا القرار كمنة ولكنها تحاول التماسك واصطناع الهدوء وبث الثقة في نفسها أنه لا يوجد ما يريب في الأمر فهذا عملها ولا بد من إنجازه!، ومنهم الذي يكاد يرقص جزلا لأن خطته تسير كما سبق ورسمها كـ….زينب!، أما …سيف، فحدّث ولااااا حرج!، فما إن إنتهى والده من القرار الذي أدلى به بمنتهى الهدوء حتى كاد أن يقفز صائحا بغضب عنيف شرس يملأ دواخله، ولكنه تمالك نفسه بصعوبة شديدة، قابضا على يديه بقوة وضاغطا على أسنانه بشدة حتى أن وجهه قد أصبح بلون ثمرة الفراولة ولكن غضبا وكمدا، ومن يراه يكاد يقسم أنه يرى دخانا يخرج من أنفه وأذنيه، وقد إحمرّت عيناه بلون الدم، فغدا كالتنين الهائج الذي ينفث نارا من شدة غضبه الوحشي !!….
بعد ثوان عاد الحديث ثانية بين الجالسين حول مائدة الطعام باسثناء شخصين، منة التي كانت تتلاعب بالطعام في انتظار انتهاء الباقين من تناول طعامهم، وسيف الذي يجلس وكأنه يجلس فوق جمر من النار، يدعو الله أن تنتهي محنة تناول الطعام سريعا ليتحيّن الفرصة السانحة للإنفراد بمنة، فهوإن لم يواجهها بما يعتمل في داخله اليوم وينهاها عن القيام بهذا العمل، لا يضمن ما الذي سيفعله ان رآها بجوار هذا اللعين المتبجّح !!..
بعد الانتهاء من طعام العشاء طلبت زينب من الجميع الذهاب الى الحديقة حيث ستوافيهم مهجة بأكواب الشاي، وأكمل الجميع سهرتهم في الحديقة المزدانة بمصابيح صغيرة، بينما يعم الجو هدوءا جميلا، وتهب من آن لآخر نسمة هواء عليل، ويرتفع صوت صرصور الليل كالموسيقى التصويرية لتكمل هذا المشهد الريفي البديع، حيث يتناول الجميع الشاهي مع أكواز الذرة المشوي الطازجة والتي يقوم بشيّها رمّاح !!…
استأذن عبدالعظيم للذهاب للنوم تبعته زوجته ثم بعد قليل لحق به أحمد وايناس، فوجد نادر أنه من الأنسب انسحابه هو الآخر، ليقف سيف فجأة ما ان توارى نادر عن الانظار زافرا براحة وعمق وقال وهو يمد يده ليمسك بيد منة:
– احنا كمان هنستأذن يا حاج، عن اذنك، وقام بتقبيل يد والده ووالدته وهو يقبض على يد منة بقبضة محكمة حيث لم تستطع الافلات منها، فاصطنعت الابتسامة وأومأت برأسها متمتمة بتحية المساء لعبدالهادي وزينب والتي كانت تلاحقهم بنظراتها الماكرة !!….
———————————————————-
ما إن دخلا سيف ومنة غرفتهما حتى جذبت منة يدها بقوة من سيف والتفتت إليه تهتف بحنق بينما كان يغلق الباب خلفه:
– أقدر أعرف ايه اللي انت عملته تحت دا؟، شدتني من ايدي زي ما أكون عيّل صغير كدا ليه؟!!…
اقترب سيف منها عدة خطوات ووقف امامها واضعا يده في جيبه وقال بنظرات غامضة وبهدوء مريب:
– مزعّلك أوي اللي انا عملته؟، والشُّو اللي اتعمل على العشا دا يبقى ايه؟، ما يزعّلش؟!، أعرف بالصدفة حكاية الشغل بتاع سي…نادر دا؟، …سكت قليلا وتابع ساخرا:
– أنا على كدا طلعت الزوج اللي آخر من يعلم !!…
نظرت اليه منة في برود مغيظ وقالت بلامبالاة أشعلت النار في عروقه:
– ما جاتش مناسبة إنك تعرف!، عادي يعني، وبعدين الموضوع حصل زي ما قُلت لعمي، يوم ما روحت شوفت المكتب هو نفس اليوم اللي شوفت حضرتك فيه ونفس اليوم اللي جالنا فيه ان عمي تعب ونقلوه المستشفى، يعني تسلسل الاحداث نفسه ما سابش أي فرصة لأي موضوع زي دا إنه يتفتح….
اقترب منها سيف ووقف على بُعد إنشات قليلة منها ومال برأسه تجاهها سائلا بريبة وعقدة عميقة تحتل جبينه العريض:
– إنتي روحتي شوفتي المكتب معاه يوم ما انا لاقيتكم قاعدين في الكافيه اللي ع البحر، صح؟، أومأت بالايجاب، فتابع بغيظ من بين أسنانه وهو يقبض فجأة على ذراعها بقسوة جعلتها تشهق متفاجئة:
– وإزاي يا مدام يا محترمة تسمحي لنفسك تروحي مع واحد غريب عنك لا هوّ اخوك ولا حد من محارمك مكتب عشان ايه؟، وتابع مقلّدا اياها بسخرية:
– تشوفيه علشان تعملي الديكور بتاعه !!…
كادت ابتسامة أن تفلت منها ولكنها جعدت وجهها في تكشيرة عميقة وطالعته ببرود ثلجي وقالت وهي تحاول جذب ذراعها من قبضته:
– انا قلت لك 100 مرة يومها ان احمد كان معانا أنا ما بكدبش، وبعدين معلهش بقه انا عارفة ديني كويس أوي، ومراعية حدود ربي، مش محتاجه حد انه يقولي ايه الصح وايه الغلط !!..
ضيّق سيف عينيه ومال عليها حتى أن أنفاسه اللاهبة قد لفحت وجهها فشعرت بسخونة شديدة تصفع وجهها:
– بردو بتلفّي تلفّي وتفتحي نفس الموضوع!، وبردو هقولك …. انا غلطت وتبت وندمت حطيتي الكلمتين دول في دماغك الناشفة ديه وفهمتيها واستوعبتيها هترتاحي في عيشتك معايا يا بنت الناس، لكن فضلت راكبه دماغك وكل شوية تفتحي نفس الموضوع يبقى عيشتك هتبقى نكد في نكد والنكد دا مش هيبقى منِّي لأ، النكد دا هيبقى منك إنتي لأنك مش هتكوني راضيه عن حياتك معايا، وبصي بقه كلمة وتحتها مليون خط بالاحمر انسي خاااالص أنك تبعدي عني ولو لحظة واحده، ولما نرجع #مصر ان شاء الله هترجعي معايا إنتي والبنات على بيتنا، أظن واضح؟!!..
نظرت اليه منة بقوة وقالت بثبات:
– بص يا سيف، إنت أكتر واحد عارف أنه لهجة الأمر دي ما تنفعش معايا، موضوع انى كل شوية ألف وافتح نفس السيرة صدقني مش من جمالها أوي بتكلم فيها، لكن أعملك إيه إذا كنت بتحاول توعظني وتعدل عليا، أما بقه حكاية اننا هنرجع من هنا على البيت عندك، فالكلام دا سابق لأوانه، ودلوقتي بقه لو سمحت ممكن تسيب دراعي، مش لعبة هي كل شوية تقفش فيه!!..
أجاب سيف وقد تصاعدت نيران الغضب بداخله لتنعكس على عينيه اللتان رمقتاها بنظرات دخانية عاصفة:
– شوفي يا منة، حساب وهحسابك، ولو شوفتك عاوزة تتقوّمي هقوّمك، أنا جووووزك يا هانم ، حطي الكلمة دي حلقة في ودنك، واسمه بيتنا مش بيتك، وكلمة أخيرة الشغل بتاع مكتب ابن خالتك دا تسيبيه، هتعتذري له انك مش قادرة تعمليه مفهوم؟..
نظرت اليه بحدة جعلت عينيها تلمعان وأجابت بحدة بينما صبغ لونها لون أحمر شديد ، دليل على غضبها الذي يمور بداخلها لم تعلم أنه جعلها شديدة الفتنة واصطبغ صوتها برنة تحد لم يرق لسيف:
– بص بقه علشان أنا زهقت، شغلي اللي اتفقت عليه مع نادر هعمله، ولو كان فيه أي حاجه غلط ما كانش والدك أول واحد اتشجع له وصمم أني أخلصه، بس عارف ليه والدك عمل كدا؟.
سأل سيف ساخرا:
– ليه يا فيلسوفة زمانك؟
أجابت ببرود مستفز وعيناها تلمعان بالتحدي:
– لأنه ارتاح أوي لنادر، حاكم فيه ناس كدا ترتاح لها من أول ما تشوفها، ونادر ابن خالتي من الناس دي!!..
ضغط على ذراعها بقوة شديدة جعلتها تئن ألما وجذبها ناحيته حتى كادت رأسها ترتطم بصدره وقال بينما نظرت اليه في دهشة وريبة:
– وأنا مش مستعد دمي يتحرق وأنا شايفك عماله تتكلمي معاه، ولو مصممة على الشغل دا يبقى أنا معاكي خطوة بخطوة، فاهمه يا منة؟، ولمصلحتك إنتي بلاش تختبري صبري أكتر من كدا!..
نظرت منة اليه مقطبة وهتفت محاولة افلات ذراعها من قبضته:
– انت اتجننت يا سيف؟، سيب دراعي!، إنت ازاي تسمح لنفسك تمسكني بالاسلوب الهمجي دا؟!…
أمسك بذراعها الحر الآخر وشدّها ناحيته وهو يجيب بصوت أجش بينما يرى وشاحها وقد انحلت ربطته لتنطلق خصلات شعرها تحيط بوجهها وقد انفلتت عقدته المحكمة بينما كان يهزها بخفة:
– ايوة اتجننت يا منة!، إنتي أكتر واحده عارفة بُعادك عني بيجنني إزاي!، ماينفعش تستني منّي أنك تكوني جنبي وبين ايديا ومعرفش ألمسك؟، أو أخدك في حضني!، أنا عارف أني وعدتك أني عمري ما هقربلك تاني، لكن احساسي أنك ممكن تروحي من ايدي بيموتني، ويخليني أتجنن ….، إرجعي بقه، إرجعيلي منة اللي حبيتها واتجوزتها، منة اللي قلبي دق لها من اول لحظة سمعت فيها صوتها قبل ما أشوف وشّها كمان، منة اللي كنت هتجنن علشان توافق عليّا ، منة اللي عمري ما حبيت ولا هحب حد غيرها، ارجعيلي أرجوكي!!.
لمعت عيناها بدموع محبوسة وقالت بابتسامة أسف:
– للأسف يا سيف، حتى لو رجعت لك زي ما إنت عاوز، منة اللي انت شوفتها وعرفتها وحبيتها واتجوزتها ماتت على إيديك، اللي إنت شايفها قودامك دلوقتي دي منة تاني خالص، صُنع ايديك إنت، ما تستناش مني أني أرجع منة المسالمة البريئة اللي كانت عمرها ما فكرت إنها تشك في حبيبها وجوزها، ولما كانت بتسمع صحباتها وهما بيتكلموا ويقولوا انه لازم الواحده تفتش ورا جوزها بتضحك وتسخر منهم وتقول لهم الحياة يبقى شكلها ازاي وإنتي مخوّنه جوزك؟، كانت حاطة في بطنها شادر بطيخ صيفي، مش بطيخه واحده!، …..ابتسمت ساخرة وتابعت:
– لكن للأسف البطيخ طلع أقرع!، ودفعت تمن غبائها بأقسى صورة، تفتكر أنه ممكن منة دي ترجع تاني؟، أنا آسفة يا سيف، اللي بيموت مش ممكن يرجع تاني!!…
خفف قبضته عن ذراعها فانتهزت الفرصة لتفلت من قبضته ، وعندما همّـت بالمرور من أمامه أمسك بساعدها فرفعت نظراتها اليه لتشاهد عينيه يطالعانها باستجداء بينما يهمس بتساؤل قلِقْ:
– أنما حبهم لبعض مامتش!، مش كدا يا منة؟، حبك ليا مامتش بدليل إنك لسه قودامي، معايا، حتى لو كان مش بإرادتك والظروف هي اللي خلِّيتك تبقي هنا، لكن أنا متأكد أن حبي لسه في قلبك، لأنك عارفة ومتأكده إني حبي ليكي عمره ما قلّ ولا هيقلّ، ومهما عملتي فيا وزعلتي مني وقسيتي عليّا عمري ما هقدر أبعد عنك، وكفاية عليّا دلوقتي انك قودام عينيا، بس عاوز أسألك سؤال ويا ريت تجاوبيني بصراحه، وصدقيني مش هفتح سيرة الموضوع دا تاني؟!..
منة بخفوت وهي تشيح بعينيها بعيدا:
– اسأل يا سيف…
سيف بصوت خشن يحمل نبرة توسل لا إرادي:
– تفتكري ان ربنا قبل توبتي؟، ويا ترى توبتي دي توبة نصوحة فعلا؟!!..
تنهدت منة بعمق ونظرت اليه بعينين تمتلئان بدموع تسبح في مقلتيها قائلة بلهجة متسامحة محاولة إبعاد القلق التي تراه في عينيه بعيدا:
– ربنا بيقول في كتابه العزيز ما معناه : قل يا عبادي اللذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، صدق الله العظيم ، والرسول عليه الصلاة والسلام بيقول : التائب من الذنب كمن لا ذنب له، بس تكون توبة نصوحة وشروطها واضحة ، التوقف عن الذنب والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة الى ارتكاب الذنب، وأعادة الحق لأصحابه، وإنت ندمت وتبت ورجعت عن الطريق اللي كنت ماشي فيه ، مش بس كدا … لأ، انت أعلنت توبتك ، واخترت انك تبري ذمتك منها وطلقتها في وجود شهود وأعلنت دا لكل اللي عرف موضوعكم، لأنك حابيت أن ربك يكون راضي عنك، فبإذن الله ربنا يقبل توبتك، ربنا مطّلع على القلوب يا سيف، …..سكتت قليلا لتتابع مجيبة التساؤل الصامت الذي يملأ عينيه:
– لكن ما تلومنيش أني مش قادرة أنسى وأسامح، أنا مجرد بشر يا سيف مش ملاك !!…
ابتسم سيف ابتسامة أمل وأجاب وهو يحتوي يديها الصغيرتين بين راحتيه الضخمتين:
– وأنا متأكد إنك هتسامحيني، عارفة ليه؟، أجاب تساؤلها بابتسامة حنان:
– علشان زي ما قلتي أنا توبت توبة نصوحة، ونفذت شروطها، وأنا متأكد إن ربنا هيمنّ عليّ بفضله وهيحفظ لي مراتي وبناتي، لأني كنت مخلص وصادق في توبتي وربنا شاهد عليّا، وكفاية عليّا أوي دلوقتي انك واثقة في توبتي، وأنا متأكد أنك هترجعي مُنايا اللي حبيتها واتجوزتها بس ليا طلب عندك، يا ريت تسيبي الباب موارب، ما تقفلهوش، ما تخلينيش أحس باليأس، وعلشان تبقي عارفة عمر يأسي ما هيخليني أبعد، لكن أنا اشتقت لك اوي، ووحشتني أيامنا الحلوة ، ممكن توعديني أنك تديني فرصة وتدّي لنفسك فرصة وما تقفليش الباب في وشّي؟!!..
نظرت اليه منة وأجابت وهى تسحب يديها من قبضته:
– سيبها بظروفها يا سيف، اديني فرصة أنا كمان أني أتخلص من الغضب اللي جوايا، محدش عارف بكرة فيه إيه؟…
ابتسم سيف ومال عليها مقبلا جبينها بعمق وهو يقول:
– وأنا مش هطمع في أكتر من كدا، ياللا علشان تنامي، تصبحي على خير…..
ابتعدت منة عنه وذهبت الى الخزانة متناولة منامتها واتجهت الى الحمام لتغتسل وتبدّل ثيابها، واتجه هو الى الحمام الخارجي للاغتسال وتغيير ثيابه، وعندما عاد ثانية كانت منة تغط في نوم عميق وابتسامة ترتسم على شفتيها جعلته يبتسم بدوره هو الآخر واتجه اليها بخفة ليميل فوقها مساويا الغطاء عليها مقبلا وجنتها برقة هامساً في أذنيها بحب:
– تصبحي على خير يا مُنايا…
واتجه الى الاريكة حيث فرش منامته ورقد على جانبه المواجه لمنة وابتسم قبل أن يغلق عينيه مستسلما لنوم عميق لم ينلْه منذ أن هجرته منة !!..ولكن …..لم يعلم سيف أن هذه الابتسامة التي زيّنت وجهه لن تدُم سوى ساعات الليل فقط لتنقلب الى تجهّم وغضب أسود يعتلي وجهه في الصباح الباكر ما إن يفتح عينيه!!….

الحلقة السادسة عشر”ج2

استيقظ سيف في الصباح الباكر وهو يشعر براحة عميقة لم يحس بها منذ فترة طويلة، حانت منه التفاتة الى الفراش ليجد أنه خالٍ ومُرتّب !!، قطب بحيرة، ثم قام لينظر الى ساعة يده الموضوعه جانبا فتطالعه عقارب الساعة التي تشير الى العاشرة صباحا، تعجّب من نفسه، فهو لم يسبق له وأن نام كل هذا الوقت، ولكن لا بد أن مصارحته مع منة الليلة السابقة هي السبب فلقد نام مليء جفنيه كما لم يحدث معه منذ….، هز رأسه يمينا ويسارا بقوة نافضا عنه هذه الافكار فلقد عاهد منة أنه لن يعود الى ذكر ما حدث ثانية، توجه الى الحمام ليغتسل ويبدل ثيابه….
أنهى سيف تجهيز نفسه وأثناء تمشيطه لخصلات شعره الناعمة بينما خصلته المتمردة لا تزال تقبع فوق جبهته بغرور وكأنه لا سبيل لإعادتها بجوار رفيقاتها من سائر الخصلات، إذ به يسمع صوت ضحكات عالية قادمة من الحديقة بالاسفل، ابتسم وتوجه الى النافذة التي تطل على حديقة المنزل وقد ميّز صوت ابنتيْه الضاحك، اقترب من النافذة ليطالع ابنتيه وهما تركضان وتلهوان بينما تتعالى ضحكاتهما، وافترشت ابتسامة حانية وجهه ولكن… لتغيب هذه الابتسامة تماما وتتبدل الى تكشيرة عابسة ما إن طالع الشخص الذي يلاعبهما والذي لم يكن سوى ….. نادر !!، أفلتت لعنة من بين شفتيه وهو يرى نادر يلاعب طفلتيه بينما تجلس منة تراقبهم ويكاد يقسم أنه رأى الابتسامة تلاعب شفتيها الكرزتين !!، شتم من بين أسنانه وتوجه بخطوات سريعة مندفعة الى الخارج ليرى ما الذي يريده ذاك الـنادر تماما منه؟، من الواضح أن اهتمامه لا يقتصر على منة وحدها بل لقد إمتد الى ابنتيه أيضا وكأنه أخذ على عاتقه أن يسلبه عائلته كلها .. زوجته وطفلتاه، إذن فقد آن الأوان لـهذا الـنادر أن يعيد حساباته جيّدا فليس سيف من لا يدافع عن أثمن ما في حياته بل… إنهم هم حياته بأكملها!!….
هبط ظلّ فوق منة الجالسة تراقب بنتيها تلاعبان نادر بحبور، بينما تعمل هي على حاسوبها الشخصي، محاولة قدر الامكان الانتهاء من العمل على وضع التصميم الخاص بديكور مكتب نادر، كان يجالسها احمد وايناس اللذان استأذنا منذ دقائق وذهبا لمهاتفة والديّ ايناس، بينما ذهبت زينب مع أمها لتتجوّل بها في أنحاء قصرهم الضخم، ورافق أباها عمّها عبدالهادي في جولته المعتادة على الأراضي الخاصة بالعائلة للوقوف على سيْر العمل…
رفعت منة عينيها مظللة لهما براحتها لتبتسم مرحبة بصاحب الظل الطويل قائلة:
– أهلا، صباح الخير، ناموسيتك كحلي، كل دا نوم؟!..
سكت سيف ولم يجبها وبدلا من ذلك طالعها بنظرات غريبة لم تفهمها فقطبت متسائلة وما أن فتحت فمها لسؤاله حتى قاطعها صوت بنتيْها وهما يصرخان بأبي راكضتان اليه، التفت سيف اليهما وسارع باحتوائهما بين ذراعيه رافعا اياهما الى أعلى، وهو يقبلهما وقد أثلج صدره أنه لم يفقد بعد مكانته لدى طفلتيه على الرغم من أنه انشغل عنهما في الفترة السابقة، نظر اليهما وقال بابتسامة حانية:
– صباح الخير يا عيون بابا..
قالت هَنا بابتسامة:
– ثباح الخيل يا بابا، أنا كنت عاوذة أثحيك بث ماما قالت لا…
لتكمل فرح وهى تضع يدها الصغيرة على وجهه لتديره ناحيتها:
– انت وحثتنا اوي اوي يا بابا، وكنا عاوذين نلعب معاك!…
سيف بابتسامة:
– وانتو كمان وحشتوني اوي حبايبي، بعد كدا عاوزين تصحوني في أي وقت ادخلوا صحوني على طول، تابع وهو يرمق منة بنظرات متحدية استغربت لها:
– محدش هيقدر يمنعكم عني!، مش انا بابا اللي بتحبوه؟!!.
سارع البنتان بالهمهمة ايجابا، بينما علّقت منة بحيرة ودهشة وتقطيبة خفيفة تعتلي وجهها:
– انت كان شاكل نايم وفي سابع نومة، ما رضيتش يقلقوك مش أكتر …
عقّبت هنا وهي تشير امامها بفرح:
– بث عمو ناديْ لعب معانا، عايف يا بابا عمو طيّب أوي وبيحبنا أوي، كل ماما ما تقول كفاية لعب بقه علثان عمو مايتعبث، عمو يقولها ثيبيهم يا منة، انا مث تعبان!..
وكأن ابنتها بقولها ذاك قد صبّت الزيت المغلي فوق النار!، فقد انتفخت أوداج سيف قهرا وغيظا وقد أحمر وجهه غضباً وحنقاً، ما جعل منة تستغرب في البداية ولكنها سرعان ما فهمت السبب وراء مزاجه النزق هذا الصباح، وشردت بأفكارها فيما حدث منذ سويعات عندما طلبت منها حماتها بعد الافطار ان تلحق بها في جناحها الخاص مستئذنة والديها، ما ان أغلقت زينب الباب خلفهما، حتى تحدثت وهي تشير الى منة بالجلوس على الاريكة العريضة وهي تقول:
– ارتاحي يا بتّي دجيجة واحده بس!، وسارت الى خزانة الثياب وفتحتها لتخرج منها حقيبة جلدية فاخرة، حملتها ووضعتها على الفراش أمامها وفتحتها وهي تقول بحبور بينما تشير الى الحقيبة المفتوحة بسعادة:
– شوفي إكدِه وجوليلي رايك إيه؟؟..
نظرت منة الى زينب بابتسامة حائرة ثم قامت وتوجهت الى الفراش ونظرت الى ما بداخل الحقيبة وهى تسأل دون أن تمد يدها:
– ايه دا يا ماما الحاجة؟؟، أشارت زينب لها بإلحاح قائلة:
– مدّي يدك يا بتّي وجوليلي رايك إيه؟؟
مدت منة يدها لتتناول ما بالحقيبة ففوجئت بها ممتلئة بثياب مختلفة الأشكال والألوان، وجميعها مصنوع من الحرير الخالص، كما أنها ثيابا خفيفة تناسب الجلوس في المنزل بحرية، تشمل جميع الأنواع من شورتات الى بلوزات صيفية خفيفة، وثياب خاصة بالنوم، وقد احمر وجهها ما ان لمستهم، فقد كانوا كثياب عروس جديدة، رفعت نظرات متسائلة وقالت وهي تتلمس نعومة الحرير بين أصابعها:
– إيه دا يا ماما الحاجه؟…، جذبت زينب الثياب من بين يدي منة معيدة اياهم الى الحقيبة، وأمسكت بيدها لتجلسها فوق الفراش بعد أن أزاحت الحقيبة جانبا وجلست بجوارها وقالت بحنان أمومي:
– شوفي يا بتّي ربنا العالم انك بجيت كيف بتِّي الخامسة اللي بطني ما جابتهاش، وغلاوتك عندينا أني والحاج من غلاوة ولدنا أن ما كانِشْ أكتر، الحاجات ديْ من أم لبتَّها، وأتعشم إنك ما تكسفنيشْ وتجبليها!!.
منة بابتسامة حائرة:
– بس دا كتير اوي يا ماما الحاجة!!..
زينب وهي تربت على يدها بابتسامة حانية:
– ما فيش حاجة تكتر عليكي يا بتّيْ، شوفي يا منة أني في كلمتين عاوزاكي تسمعيهم مني زين، سيف ولدي غُلُط وجرّ بغلطه وتاب لربنا وعمل كل اللي في مُجْدَرْتُهْ عشان يصلح الغلط ديه، لكن بردو لازمن يتعلم الدرس لاخره، تمام كيف ما منعم زوج بتّي سلمى ما اتندم جد شعر راسه ع اللي عِمله معاها ومعانا ودلوك بيسوج علينا طوب الارض علشان نجبل انها ترد له، حتى انه جامع كُبارات العيلة عنديه وجاي الليلة إهنِه يّحجْ نفسه لبوكِ عبدالهادي ويحب على راسه وراس سيف ولدي جودام الخلايج كلّاتها عشان يستسمحهم ويرضوا سلمى تعاود له مع العيال من تاني، منعم خد الدرس لاخره، وسيف كماني لازمن ياخده كلاته، انتي كيف بتّي سلمى تمام، وكيف منعم ما تأدب وعرف ان الله حج، سيف ولدي برضيك لازمن يعرف ان الله حج، وان زعلك وعر جوي، وانه مش بالساهل إكده أنه يغلط ويتأسف لك تجومي مسامحاه في وجتها، علشان يفكر ألف مرة بعد إكده لو شيطانه وزّه على حاجه إكده ولا إكده!!….
ابتسمت منة وقالت وهي تحتضتها بحب خالص لهذه السيدة العظيمة:
– انا مش عارفة أقول ايه، ربنا يخليكي ليا يارب، وحضرتك كمان انت وعمي الحاج ربنا العالم غلاوتكم عندي من غلاوة بابا وماما…، ثم ابتعدت قليلا لتناظر زينب المبتسمة بسعادة ثم قطبت متسائلة بحيرة:
– لكن الهدوم دي هعمل بيها ايه وحضرتك عارفة العلاقة بيني أنا وسيف عامله ازاي، ولسه حالا حضرتك قايلالي ان سيف لازم يتعلم الدرس!!..
غمزتها زينب بخبث مجيبة وابتسامة ماكرة تتراقص على شفتيها:
– ما هي هيّا ديْ لزوم التربية!، الخلجات ديْ هي اللي هتربي ولدي سيف وتخليه يجول حجي برجبتي صوح!، ويفكر بعد إكده ألف مرة جبل ما حتى عجله يوزه انه يفكر في حاجه إكده ولا إكده !!…
ضحكت منة وسارعت باحتضان زينب وهي تقول بمرح:
– يا سلام عليكي يا زوزو، انتي المفروض تألفي كتاب في كدا، وصدقيني ستات كتير هيشكروكي على نصايحك الغالية ديْ!!
علّقت زينب بمرح وهي تشارك منة ضحكاتها:
– إيوة، بس الرجالة هتدعي عليّ، ويمكن يجدموا فيّ بتهمة تحريض نساوينهم عليهم!
انطلقت ضحكات منة وقد انتقل حماس زينب اليها وقد عزمت على أن تربي سيف تربية كاملة وستبدأ أولى مراحل تربيته من اليوم!!..
انتبهت منة من شرودها على نظرات سيف المتهمة وابتسمت في سرها فلم تكن تعتقد أن اولى خطوات تربيته من جديد ستكون بهذه السرعة، انتبهت الى نادر المتجه ناحيتهم فتجاهلت سيف وقالت بابتسامة لنادر:
– معلهش البنات تعبوك…
اجاب نادر باستنكار وهو يجلس في المقعد المواجه لها:
– لا .. اوعي تقولي كدا، دول بنات دمهم زي العسل، ربنا يباركلك فيهم،… ثم التفت الى سيف الذي لا يزال واقفا في مكانه يحمل ابنتيه:
– صباح الخير يا سيف…
أنزل سيف ابنتيه وهمس لهما في أذنهما فسارعا بالركض بحماس بعيدا لينادوا مرام لتأتي للعب معهم حيث سيشاركهم والدهم اللعب كما وعدهم، التفت سيف برأسه ونظر الى نادر مليّا قبل أن يرد تحية الصباح ببرود ويجذب الكرسي الملاصق لمنة ليجلس عليه، لم تعره منة اهتماما ونظرت الى نادر قائلة وهي تُدير حاسبوها الشخصي تجاهه دافعة به اليه:
– بص كدا يا نادر وقوللي ايه رأيك في الديزاين دا؟؟..
نظر نادر حيث أشارت منة ومال قليلا ليستطيع أن يعلّق على ما يراه، فكان أن اقترب من منة، وبطبيعة الحال لم يرُقْ الوضع لسيف، الذي سارع بالامساك بساعد منة وابعادها عنه فقد كانت تميل قليلا لتستيطع رؤية ملاحظاته التي سيدلي بها، وألصقها بكرسيها ومال عليها هامسا من بين أسنانه:
– عارفة لو اتحركتي خطوة واحده بس من مكانك ولا اتوربتي هعمل فيه إيه؟….، مقرنا تحذيره بنظرة وعيد جعلتها تنكمش في مقعدها بالرغم منها ، التفت سيف الى نادر وقال ببرود:
– بيتهيألي تكتب ملاحظاتك في ورقة أفضل!، ثم دفع أمامه بمفكّرة وقلم كانت منة قد جلبتهم تحسّبا لمثل هذا، فقد كانت تعلم أن لا بد لنادر أن يبدي بملاحظاته عن العمل الذي قامت به…
نظر نادر الى سيف بابتسامة صغيرة وتناول المفكرة والقلم وهو يقول:
– الملاحظات بتاعتي مش محتاجه كتابه هي حاجه ولا اتنين بس، شغل منة مافيش غبار عليه، وعموما انا هكتب الملاحظتين علشان منة تعدّلهم قبل ما تعرض عليّا الشغل تاني!!، وألقى بنظرة تحد الى سيف الذي كاد يجزُّ على أسنانه حنقا وغضبا من هذا المتحذلق الجالس أمامه والذي ما انفك ينادي بإسم زوجته بتلقائية من دون ألقاب، الأمر الذي جعله يشعر بالغضب وكأنه يغازل امرأته أمامه بمناداته لها بإسمها مجرّداً!!….
قطع تخيلاته صوت والدته الضاحك وهو يقول موجها الحديث اليه:
– صباح الخيرات يا ولديْ، ايه النوم ديه كلّاته؟!…
نهض سيف من مكانه وهو يمد يده متناولا يد والدته مقبّلا ظهرها وهو يقول:
– صباح الأنوار يا أم سيف….، ألقى سيف تحية الصباح على عواطف وجذب مقعدا لها لتجلس بينما رفضت زينب الجلوس قائلة:
– لاه، اجعُد انت يا ولديْ، أني هروح أجول لمهجة تحضّر لك الفطور..
اعترض سيف قائلا:
– معلهش يا أم سيف ماليش نفس، بس لو كوباية شاي يبقى كتّر خيرك…
استنكرت زينب هاتفة:
– باهْ، كيف دا؟، تشرب شاي على خلو بطِنْ؟، جلبك يحرجك يا نضري!…
تمتم سيف بينه وبين نفسه:
– هو لسه هيحرقني يا أم سيف، ما حرق واللي كان كان!!، انتبه من شروده على حديث والدته وهي تقول بتصميم:
– لاه، اذا ماكانيش ليك شوج في الفطور، يُبجى ع الأجل هجيبلك طبج جراجيش وكوباية شاي بلبن، الجراجيش ديْ بالذات هتعجبك جوي، وما هتجدرش تجول لاه، ….غمزت بعينها متابعة بمكر:
– عارف مين اللي عاملها؟، لم تنتظر اجابته وتابعت وهي تشير الى منة الجالسة بجواره مشيحة برأسها بعيدا عنه:
– مَرَتَكْ هي اللي عاملاهم، وماحدش كَلْ منيها الا وعجبته، مش صوح يا ست أم أحمد، لتوميء عواطف برأسها مجيبة:
– فعلا القراقيش جميلة، ووجهت زينب سؤالها الى نادر:
– مش إكده يا أستاز نادر؟، حانت نظرة من نادر الى منة وأجاب بابتسامة صغيرة بينما عيناه ترصدان تعبير وجه سيف فحثه شيطانه على مشاغبته وزيادة حنقه الواضح عليه:
– طبعا يا حاجه زينب، ما فيش حاجه منة تعملها وتطلع وحشة أبدا، أي حاجه منة تحط ايدها فيها لازم تطلع ممتازة!!…
لم يُدهش جوابه سيف فقط، بل وجميع الجالسين، حتى أن زينب قلقت من أن الزمام سيفلت من يدها ولا تستبعد أن يلقن ابنها نادر درسا كي لا يتحدث عن إمرأته بتلك الطريقة مرة أخرى، بينما حانت التفاتة من منة الى وجه سيف لتكتم شهقة كادت أن تفلت من التعبير الوحشيّ الذي ارتسم عليه مما جعلها على يقين أن هناك جريمة سترتكب لا محالة في التوّ واللحظة إن لم يتدخل أحد لمنعها، فسارعت بالنظر في رجاء لزينب التي التقطت اشارتها حيث سارعت بتغيير الموضوع قائلة بضحكة مصطنعه:
– هروح أجول لمهجة تجيب لك الجراجيش والشاي، تعالي معايا يا منة يا بتّي….، ولحقت منة بحماتها تاركة سيف يرغي ويزبد بينما حاولت عواطف فتح حديث مع نادر لكي تصرف انتباهه عن تعبير وجه سيف الاجرامي!!….
همست زينب لمنة وهما تتجهان للداخل:
– ربنا بيحب واد خالتك ديه، اتكتب له عمر جديد انهاردِهْ، سيف ولدي وأني عارفاه زين واللي شوفته على وشّه يخليني أجول ربنا يعدي اليامين اللي جايين دول على خير وواد خالتك يسافر من عندينا وهو لساته حتّه واحده!!، لم تستطع منة كتم ضحكتها لتشاركها زينب الضحك بمرح !!…
عادت منة تحمل صينية عليها طبق المعجنات وكوب من الشاي الممزوج باللبن، يرافقها زينب، لاحظت عدم وجود سيف فسألت والدتها بينما تضع الصينية على الطاولة أمامها:
– أومال سيف فين يا ماما؟…
أشارت عواطف أمامها وهي تقول:
– بناتك جوم مع مرام وولاد سلمى وصمموا يلعبوا كرة وشبطوا في نادر كمان، أهوم هناك بيلعبوا واحمد معهم، ايناس واقفة تصورهم بالموبايل هناك أهِهْ…..
جلست زينب تراقب بحماس المباراة المقامة أمامها، بينما توجهت منة حيث تقف ايناس وتقوم بتصوير المباراة، انتبهت ايناس اليها فالتفتت لها وقالت بمرح:
– على آخر الماتش دا أنا متأكده إن وشّ ابن خالتك هيكون شوارع!!..
قطبت منة وهتفت متسائلة بينما تراقب اللعب الدائر أمامها:
– يا سلام، ليه ان شاء الله؟، هما بيحطوا أجوان في وشّه؟!
أجابت ايناس بمرح:
– لا وانتي الصادقة جوزك هو اللي بيحط أجوان في وشّه!، بيباصي الكورة في وشه تمام يخليه يلبسها !!..
قطبت منة غير مصدقة واقتربت منهم لتشهق بعنف وهي تشاهد وجه نادر وقد أصبح عبارة عن خريطة مجهولة المعالم!، استرعى انتباهها صافرة اخيها القائم بمهام حَكَمْ المباراة وهو يعلن عن ضربة جزاء مباشرة، ليقف نادر كحارس مرمى بينما يقف سيف امامه متجهزا لرمي الكورة في المرمى، حانت منها نظرة الى سيف لتعلم نيّته تماما!، وقبل أن تحاول لفت انتباه نادر كانت الكورة تنطلق كالقذيفة من قدم سيف لترتطم بوجه نادر تماما مما جعله يطلق صرخة الم قوية ويهتف صارخا بسيف:
– جرى ايه يا جدع اللاه!، انت بتباصي فين؟، انت المفروض تحط الكورة في الجون!، أجاب سيف ببرود بينما عيناه تشوبها نظرات غامضة:
– ومين اللي قالك أني ما حطتش الكورة في الجون؟، دا في الجون تماااااام !!…..
لم يتثنى لنادر استيعاب ما قاله، فقد قاطعهما أحمد معلنا نهاية المباراة، وقد تفرّق الجميع متجهين لغرفهم للاغتسال بينما صمم الاطفال على تكملة لعبهم مع أطفال سلمى في جناح الأخيرة…
———————————————————-
اتجهت منة الى جناحها وسيف غير ملتفتة الى نداءاته المتكررة لها، وما إن نجح في اللحاق بها حتى أوقفه صوت مهجة طالبة منه موافاة والده في الاستراحه فزفر حانقا وغيّر اتجاهه الى الاستراحه ملقيّاً نظرة متوعدة الى منة وكأنه يخبرها أن مواجهتهما قد تأجلت فقط……
تناولت منة منشفتها واتجهت للاغتسال، بعد أن أنهت حمامها اتجهت الى الخزانة لاخراج ثياب لها عندما حانت منها نظرة الى الثياب التي أهدتها اياها حماتها والموضوعة في جانب بعيد عن سائر ثيابها الأخرى، شردت قليلا لتبتسم ابتسامة ماكرة وهي تمد يدها مخرجة ثيابا صيفية خفيفة، فتحتهم أمامها لتبرق عيناها بخبث وهي تقول ببراءة مزيفة:
– اعمل ايه الجو حر هنا أوي، وانا مش هنزل تحت، يبقى مش معقول هقعد بالحجاب ولابسة طويل في أودتي في الحر دا، وسارعت بارتداء ما أنتقته يداها قبل أن تبدل رأيها!!…
نظرت الى نفسها في المرآة، لتطالعها صورة مختلفة كلية عن منة التي تعرفها، فقد أسبغت عليها الثياب التي ترتديها عمرا أصغر من عمرها، فهي بهذه الثياب لا يتجاوز عمرها ال 18 عاماً، كانت ثيابها عبارة عن شورت قصير للغاية الى أعلى الفخذين، بلون أبيض، يلتصق بثناياها مبرزا انحناءاتها الأنثوية الفاتنة، وبلوزة قطنية بحمالات رفيعة باللون الوردي، تلتصق بجزعها العلوي، تكاد تغطي خصرها،مظهرة جزء كبير من صدرها لا يدع للمخيلة شيء!، حتى أنها اذا ما تحركت ظهر جسدها من أعلى ومن …أسفل !!،… مشطت شعرها على هيئة ضفيرة عريضة ألقتها على كتفها الأيمن، وأنهت زينتها ببضع قطرات من عطر الياسمين الخاص بها، والذي لا يستطيع سيف مقاومته، غمزت لنفسها بخبث في المرآة وهي تقول:
– أول درس في التربية يا سيف، وأنا أجدع من يربي بصراحه، خصوصا وانا معايا الناظرة بجلالة قدرها، حماتي… حياتي !!….
———————————————————-
دخل سيف جناحه بعد فترة طويلة، قضاها برفقة والده الذي أخبره بحضور منعم زوج شقيقته سلمى مساءا بصحبة كبار عائلته لتقديم الاعتذار المناسب لهم وترضيتهم طلبا للسماح منهم لرغبته بعودة سلمى وأولاده اليه….
سار سيف بعد أن اغلق الباب خلفه، حتى جلس على الاريكة مطلقا تنهيدة عميقة، ثم أسند ظهره الى الاريكة خلفه مغمضا عينيه، لينتبه بعد ثوان الى السكون السائد حوله، ففتح عينيه متلفتا حوله في ريبة، وحانت منه نظرة الى الفراش فوجده خال، فقطب بحيرة متسائلا عن مكان وجود منة، عندما سمع صوت مقبض الباب ثم ظهرت منة التي دخلت مغلقة الباب خلفها ولم تكن قد انتبهت لوجود سيف بعد، وكانت تدندن بخفوت، ليقف سيف مصعوقا مما يراه أمامه، وتحدث بصوت أجش متسائلا بينما عيناه تفصلانها من أعلى رأسها الى أخمص قدميها:
– إيه دا؟، انتي كنتي فين وانتي بالشكل دا؟، .. وقفت منة مكانها متافجئة من وجوده فهي لم تلاحظ لدى دخولها، طوى سيف المسافة التي بينهما بخطوتين واسعتين وقبض على مرفقها هاتفا بحنق من دون أن يعطيها الفرصة للاجابة على تساؤله السابق:
– انتي اتجننتي؟، ازاي تخرجي بالمنظر دا من الأوضة؟، وقد كاد يجن عندما طرأ بباله انها تتجول بحرية بهذه الهيئة الفاتنة بينما من الممكن أن يراها الآخرون والذي قد يكون ابن خالتها السمج هذا منهم!!، أطلقت منة أنّة صغيرة من الألم وهتفت محاولة الفكاك من قبضته:
– سيب دراعي يا سيف، انت اتجننت؟، أنت واعي للي بتقوله؟، معقول أنا هخرج بالشكل دا قودام الناس؟!…
هدأ سيف قليلا وان كان لم يخف قبضته على ذراعها وقال بخشونة:
– أومال تقدري تقوليلي كنتي فين وانتي باللبس اللي انتي مش لابساه دا؟، في اشارة منه الى ثيابها القليلة التي بالكاد تستر مفاتنها، توقفت منة عن محاولة الافلات من قبضته و قد وعت الى نيران الغيرة التي ينفثها من فمه وأنفه على حد سواء، ابتسمت بداخلها بخبث ابتسامة لم تظهر على محياها وتوعدت في نفسها قائلة:
– إما ورّيتك يا سيف، بحق الليالي اللي نمتها ودمعتي ما نشفتش من على خدي وانا النار ماسكة فيا وكل كلمة وحرف قريته مش بيفارق عقلي… والمناظر اللي انا شوفتها وكل ما أفكر انك شوفتها بالطريقة المقززة اللي كانت عاملاها في نفسها دي.. تخلي دماغي تغلي من الغيرة والغضب، بحق الايام والليالي دي.. لا أخلص منك حقي كامل وهخليك تحرّم انك تفكر مجرد تفكير في أي صيغة مؤنث غيري، وبكرة تشوف !!، تعمدت منة البرود وطالعته بحدة وهي تتحدث بانفعال زائف:
– أنا كنت في المطبخ يا استاذ، المطبخ اللي في الجناح عندنا هنا، بشرب، ايه حرام أشرب؟!، وبعدين الجو حر نار وانا عارفة انه الوقت دا وقت عصاري الكل بيرتاح فيه، وانا قاعده في اوضتي براحتي، مش قاعده قودام حد غريب يعني!….
ازدرد سيف ريقه بصعوبة وأجاب بينما دمه اندفع يهدر في أذنيه، وقد شعر بسخونة تنتشر في أطرافه بينما قلبه يكاد يخرج من مكانه شوقا لأحتواء هذه الحورية الفاتنة، وذراعاه تحترقان لضم قدّها الرشيق الى جسده العضلي لإشباع توقه الشديد اليها، فتحدث محذرا اياها فهي إن ظلّت على هيئتها هذه أمامه فهو غير مسؤول عما سيحدث لها !!، تحدث سيف بحشرجة لشدة الانفعالات التي تمور في نفسه:
– طيب، روحي حطي حاجه على نفسك، تبردي بعدين…
ونفض ذراعها من قبضته،واستدار مبتعدا عنها بينما قطبت منة وقالت بدهشة:
– أبرد!، أبرد إزاي في درجة حرارة ما تقلّش عن 40 زي اللي احنا فيها دي؟؟..
لف سيف بوجهه ناحيتها وزفر بحنق مجيبا:
– منة، قصّري وروحي غيري هدومك….
وقفت منة تتمايل في مكانها وأجابت بغرور:
– والله لو مش عجبك لبسي دي مش مشكلتي، ممكن انت تخرج بره في الصالة، أو تروح حتى تنام في اوضة البنات هما مع ولاد سلمى، انا مش هلبس غير كدا، الجو حر، وأنا في اوضتي وماحدش شايفني ….
التفت سيف بكليته اليها وعاجلها بكلمة خاطفة:
– لكن انا شايفك!، عقدت منة جبينها وهتفت:
– يعني ايه الجملة الغبية اللي انت قولتها دي؟، انت جوزي!، هو المفروض إني أتحجب قودام جوزي ؟!!….
اقترب منها سيف ووقف أمامها مجيبا وهو يزفر بتعب:
– يا بنت الناس ما تلعبيش بالنار، أنا مش مستحمل!، لو في ظرف ثانية واحده ما اختفيتيش من قودامي وروحتي غيرتي هدومك ما تلوميش غير نفسك بعدين!!…
تخصّرت منة ونظرت اليه بتحد قائلة:
– وانا قلت لك عندك اوضة البنات اتفضل روح نام فيها، أنا بقه مش هسيب أوضتي ومش هغير هدومي….
سيف بتهديد واضح:
– يعني دا آخر كلام عندك؟، سكتت منة قليلا قبل ان تجيب بتلعثم طفيف وما لبثت أن تماسكت:
– أيوة ، هز سيف كتفيه بلامبالاة وقال :
– انتي اللي اخترتي!، وانحنى ليحملها فوق كتفه بحيث أصبح رأسها متدليًّا خلف ظهره بينما ساقيها تضربان الهواء أمامه رغبة منها في الفرار من قبضته، صاحت منة وهي تلكمه بقبضتيها الصغيرتين في ظهره:
– سيف، نزلني يا سيف، نزلني ما فيناش من كدا…..
رماها سيف فوق الفراش ثم سارع بقذف حذائه بعيدا وهو يجيبها وهو مشرفا عليها:
– احنا فينا من كدا وأبو كدا وأم كدا كمان، وانا حذرتك وانتي اللي مسمعتيش كلامي، أنا مش حجر، أنا انسان من لحم ودم..
همت منة بمجادلته ليبتلع سيف عباراتها التي كانت تنوي مهاجمته بها، مغرقا اياها في عناق ساحق، رفرفت منة بين ذراعيه اللتان أطبقتا عليها كالكماشة محاولة الافلات من قبضته ولكن كلما زادت مقاومتها زادت رغبته ضراوة، حتى أنه من شدة ضغطه على شفتيها قد ذاق طعم الدماء في فمه، ابتعد عنها بينما كانت دموع الألم تغمر محياها، احتواها بدفء وحنو بين ذراعيه مقبلا جبهتها وقد رقد فوق الفراش جاعلا إياها تتوسد كتفه وقال بنبرة ندم صادق:
– أنا آسف، سامحيني، أنا… ما كنتش أقصد أوجعك، بس إنتي نرفزتيني وانا شايفك رايحه جاية قودامي بالشكل دا، وانا في الأول والآخر انسان، وبحب!، بحبك لدرجة الجنون…
كانت تشهق بغصات بكائها، والتي هدأت قليلا لتجيبه بصوت صغير باك:
– بس انا ما اتعودتش منك على … على كدا يا سيف!، أبعدها عنه مرقدا اياها فوق الفراش ومال عليها هاتفا :
– وأنا آسف، ما كنتش أقصد، أنتي عارفة أنا مش ممكن أقصد أني أتسبب لك في أي ألم !!، ولكن نظرات عينيها قالت له أنه قد سبق له بالفعل وكان السبب في اصابتها بألم قوي أصاب قلبها حتى العمق، فأجابها بعينيه بدون كلام أنه يقسم لها أنه لم ولن يتكرر مثل هذا الألم وأنه يفضل الموت على أن يكون سببا في دمعة تذرفها عيناها حزنا أو ألما يكون هو السبب فيه!، أفصح عما يجول بباله بكلمات صادقة:
– صدقيني يا منة الموت عندي أهون من أني أكون سبب لدمعة ألم أو حزن تنزل من عينيكي ……، سكت لينظر اليها قليلا متسائلا بتردد:
– مصدقاني يا منة؟، نظرت اليه منة بغموض بينما انتظر جوابها على أحر من الجمر، ليسمعها وهي تقول بخفوت:
– مصدقاك يا سيف، مصدقاك…، تنهد سيف براحه عميقة ، ثم انبطح فوق الفراش محتويا كتفيها بذراعه، واضعا رأسها فوق صدره مقبّلا جبينها وهو يقول:
– نامي دلوقتي يا حبيبتي، ارتاحي، عاوز أنام نص ساعه بس وانتي في حضني كدا، علشان الناس اللي جايين بعد المغرب، وسرعان ما أغمضا عينيهما ليغرقا في سبات عميق…..
—————————————————-
تعالى أصوات المباركات والتهنئات، لتعلن زينب للحضور أنه قد تمت المصالحة بين منعم وعائلته والحاج عبدالهادي وسيف، وان سلمى ستعود الى منزلها بصحبة زوجها وأولادهما الليلة، تلقت زينب المباركات من عواطف ومنة وايناس وكانت أصوات الرجال بالخارج تصل اليهم والتي اصطبغت بالفرحة العارمة ، تعالى صوت اطلاق أعيرة نارية قوية ما جعل منة تجفل واقتربت من زينب متسائلة بدهشة ووجل:
– ايه الصوت دا يا ماما الحاجة؟…، التفتت زينب الى منة مجيبة بابتسامة فرح تعتلي محياها لانتهاء مشكلة ابنتها:
– ديه عيارين تفاريح إكده، تلاجي حد #حب يوجّبِ إمعانا…
منة بعدم رضا ولا تدري لم هذه الانقباضة التي شعرت بها تمسك بتلافيف قلبها فجأة:
– حد بيوجب بعيارين؟، أنا أعرف يوجب بفلوس، بدستة شربات، انما عيارين؟!!..
زينب بتفهم:
– يا بتِّي عوايدنا غير عوايدكم واصل، إهنه الرجالة بيوجبوا بعيارين في الجو، أومال…..، ليقاطعها هتاف حاد ثم أبصرت رماح يدخل اليهم ركضا وهو يصرخ فأوقفته زينب ناهرة إياه بقوة:
– باه، إنت اتجنيت ولا ايه يا رماح، داخل ترمح وسط الحريم إكده من غير لا إحم ولا دَستور….، صرخ رماح بينما دموعه تغرق وجهه الكالح:
– الحجينا يا كبيرة، الحجينا ، زجرته زينب بشدة بينما بدأ قلبها يستشعر الخوف مما يحمله من أخبار:
– حوصُل إيه يا واد إتحدت كاك خابط في نافوخك!..
قال رماح من بين شهقات بكائه العالية وبصراخ جمع كل الحاضرين، بينما قطبت منة بصدمة وخوف وتراجعت عدة خطوات الى الخلف كأن قلبها يهمس لها بما سيقوله رماح من أخبار مفزعة جعلت أنفاسها تختنق في صدرها بينما الكلمات تضرب سمعها قوية …عنيفة …. صادمة:
– سي سيف بيه انطخ بالنار ووجع سايح في دمه!!، لتصرخ زينب عاليا قبل ان تندفع الى الخارج لترى وحيدها:
– سيييف، وَلَداااااااايْ…..، بينما تسترجع منة آخر كلمات سمعتها منه أنه يفضل الموت على أن يكون السبب في دمعة ألم تذرفها عيناها!،…..أخذت منة تحرك رأسها مرارا من اليسار الى اليمين رافضة ما سمعته أذناها لتصرخ بعد ذلك صرخة مدوية هرعت على أثرها ايناس وعواطف اليها هاتفة بإسم حبيبها الوحيد:
– سيييييييييف!، و……تهوى منة لترتطم بالأرض مغشيّا عليها، فاقدة لوعيها، بل ……فاقدة الرغبة في حياة من دون…سيفها!!
انتظروني في أحداث الحلقة الأخيرة من ” جوازة .. نت!”،

“جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة السابعة عشر و الأخيرة”

وقفت منة مستندة على حائط ممر غرفة العمليات الجراحية المقابل لباب تلك الأخيرة وقد ساد وجهها الوجوم وتحجرت العبرات في عينيها، فمنذ أن أفاقت بعد اغماءتها على إثر سماعها نبأ اصابة سيف بطلق ناري وقد صممت على اللحاق بعربة الاسعاف التي نقلته الى المشفى الخاص الموجود بعاصمة المحافظة والذي كان والده من أكبر المستثمرين فيه حيث يملك بمفرده اكثر من ستون بالمائة من الأسهم، وقد رافقها احمد ووالدها ونادر، بينما رافق سيف في العربة والده، وقد جاءت زينب وعواطف في العربة الخاصة بعبدالهادي يقودها سائقه الخاص،بينما جلست ايناس بالاطفال في المنزل، منذ ذلك الوقت وهي لم تجلس، فهي واقفة على عقبيها منذ أن وطئت قدماها أرض المشفى، فقد اتجهت من فورها الى الطابق الخاص حيث تتواجد غرفة العمليات الجراحية بعد أن استفسر والدها عن مكان تواجد سيف مدلياً بإسمه، كانت تهرول وهى تتجه حيث الغرفة يلحق بها احمد ونادر ووالدها والذي كان لسانه يلهج بالدعاء لزوج إبنته داعيا الله أن يكتب له السلامة وألاّ يُذيقهم حزنا فيه …..
علمت أنه بالداخل لاجراء عمليه جراحية دقيقة لاستئصال الرصاصة، غاب بالداخل مع فريق الاطباء اكثر من 3 ساعات وهي رافضة لألحاح والدتها عليها بالجلوس، فمنذ أن أنهارت بين يديها وأمها تخشى عليها أن يصيبها الانهيار مجددا، لم تنبس ببنت شفة، تكتفي بهز رأسها رفضا فقط، وكأنها استحالت الى تمثال من الشمع، فقد تحجرت جميع تعابير وجهها، وتجمدت دمعة خائنة تسبح في مقلتيها رافضة النزول، كانت تسمع بكاء حماتها وتعاطف امها معها وهي تريد الالتفات اليها تنهاها عن البكاء، لمَ البكاء؟، فسيفها حيّ، هي تشعر بهذا في قلبها، من المُحال أن يكون قد أصابه مكروه وهي لا تزال واقفة على قدميها لم تلحق به بعد!، لقد شعرت بما أصابه من قبل أن تسمع بذلك الخبر المشؤوم!، فقد نغزها قلبها وشعرت وكأن قبضة قوية قد أمتدت لانتزاعه بقسوة من بين أضلعها قُبيل سماعها نبأ اصابة سيف، فما إن سمعت دويّ إطلاق النار حتى علمت ماذا سيحدث؟!، وهي الآن تدعو الله في سرّها أن يكتب له النجاة ولا يذيقها فيه مكروه أبدا، فهو سيفها، حبيبها، والد بناتها، علمت أنها لا تستطيع الحياة من دونه لحظة واحدة، وتمنّت من الله أن يمنّ عليه بالشفاء، أما هي فستنسى كل ما صار وكان، فكلما تتذكر كلماته الاخيرة لها قُبيل نزولهم من غرفتهم لموافاة الضيوف بالأسفل، تشعر وكأنه كان لديه حدس بما سيحدث له، سؤاله المترجي عمّا إذا كانت توبته نصوحة فعلا، واذا كان الله قد قبلها منه؟، اهتمامه بأن يثبت لها أنه أبدا لن يفعل ما يغضب الله ثانية، كلمته الاخيرة من أنه يفضل الموت على أن يكون سببا في نزول دمعة أخرى من عينيها، كل هذه العبارات كانت تجول في بالها ، عندما رأت باب غرفة العمليات الواجه لها يُفتح فاندفعت الى الطبيب الذي ظهر من ورائه يرافقه طبيب آخر شاب ، اتجهت الى الطبيب في ذات اللحظة التي انتبه لها الباقين لخروج الطبيب واندفاعهم نحوه، وقفت أمامه تسأله بصوت مرتعش وعينين ترتجفان:
– طمنّي يا دكتور، ايه اخبار سيف؟…
زفر الطبيب عميقا وقال وقد لاح على وجهه الاجهاد فهو بالداخل يجري عملية جراحية دقيقة لمدة تقارب الأربع ساعات، تكلم بجدية وان لاح في وجهه حنان أبوي على هذه الزوجة الشابة التي يكاد خوفها على زوجها الراقد بالداخل يقتلها:
– اطمنّي يا بنتي، جوزك ربنا كتب له عمر جديد، الرصاصة كان بينها وبين القلب 2 سم، لكن ربنا ستر، المشكلة دلوقتي انه نزف كتير جدا، فعاوزين نقل دم حالا، احنا بعتنا نستفسر في بنك الدم، أنتو مافيش حد فصيلته مناسبة ليه؟، اندفعت منة قائلة:
– خد مني دمي كله يا دكتور بس رجعهولي تاني، .. أومأ الطبيب ايجابا قائلا:
– طيب اتفضلي حضرتك مع الممرضة علشان ياخدوا عينة من دمك يعاينوها قبل ما ياخدوا منك كمية الدم المناسبة ، بس لسه عاوزين متبرعين تاني، الكمية اللي نزفها مش شوية، هتف عبدالهادي:
– أني يا دَكْـتُورْ، هز الطبيب برأسه رفضا وأجاب بحسم:
– للأسف مينفعش يا حاج، حضرتك مريض ولسه قايم من دور جامد، احنا عاوزين كمية كبيرة مش هينفع ناخدها منك..
– انا عاوز أتبرع يا دكتور، هتف نادر بهذه العبارة فالتفت اليه الطبيب وقال باستحسان:
– ممتاز، اتفضل حضرتك مع المدام والممرضة، ولحق به أحمد قائلا:
– وأنا ، أشار الطبيب للمرضة باصطحابهم للمعمل للتأكد من تطابق الفصائل وخلو الدم من أية أمراض معدية، نظرت منة الى نادر الذي يسير بجوارها وتمتمت:
– شكرا يا نادر، أجاب نادر بنظرة حزن تغشى عينيه فهو قد تأكد أن حبيبته أبدا لم ولن تكون له:
– أنا مستعد أعمل أي حاجه علشان سيف يقوم بالسلامة ليكي ولبناته، أسبلت جفنيها في حركة شاكرة، ثم أكملا المسير متجهين الى المعمل…
– وِلد يا رماح عرفتوا مييين إبن الأبالسة اللي طخ وَلَدِيْ؟
همس عبدالهادي بهذا السؤال الى رماح الواقف بجواره يبكي كالأطفال على ما أصاب سيّده، مسح دموعه بكُم جلبابه الصعيدي الكالح اللون وهتف:
– إيوة أومال يا سيدي الحاج، الواد مجاهد وِلْدْ الفرطوس هو اللي صابه بالغلط وهو بيضرب عيارين في الهوا تفاريح برجعة ست سلمى لسي منعم…، سكت عبدالهادي قليلا ونظر اليه رماح متابعا:
– أني فكرت أطخه عيارين حج اللي عِمِلُه ديه ، لكن جولت أشورك حضرتك الاول!..
شهق رماح عندما أمسك عبدالهادي بقبّة جلبابه وهمس بحدة من بين أسنانه :
– أنت اتجنيت إيّاك!، تطخه كيف؟، عارف ديه هيبجى ايه؟، هيبجى بيننا وبين عيلة الغانم طار وبحور دم مالهاش آخر، جوصر الكلام أي حد هيسأل هنجول الرصاصة أنضربت من حدانا إحنا، لو حد في عيلة السوالمة شمّ خبر أنه مجاهد غفير كبير الغانم هو اللي طخ سيف ولدي مش عيسكتوا، وهتبجى بحور دم مالها آخر، هنجول للناس رصاصة طايشة من اللي الرصاص اللي كان بينضرب في الجو ، حد شاف إمجاهد غيرك؟
هز رماح رأسه بسرعة نفيا بطريقة كوميدية حتى أن صدغيه الممتلئيْن قد ارتطما ببعضهما وهتف بذعر:
– لاه، ماحدش شاف وِلْد الفرطوس ديه غيري، حتى هو ميعرفش أني شوفته، أني كنت واجف جنبيه وسي سيف بيرجوص على الحصان لمّن الغبيّ ضرب الرصاصة في وجت ما سي سيف كان بيلف جوباله،….دفعه عبدالهادي دفعة خفيفة وتنفس الصعداء قائلا:
– أمنيح، يُبجى كيف ما جولتلك، الرصاصة كانت طايشة، لو كان عندي أي شك انها مجصودة كنت خدت حج ولدي بيديّ، لكنها مش مجصودة، والسوالمة مش هيفهموا إكده، هما اساسا كان رافضين انه ولدهم يعاود بنتي تاني لوما سيف ولدي ربنا يشفيه أتدخل في الكلام وراضى الكل… ما كانش منعم هيشوف ضوفرها واصل…..
أومأ رماح قائلا:
– أمرك يا سيدي الحاج….
ظهرت نتائج التحاليل وكانت فصيلة دم منة ونادر متطابقتين، قال الطبيب عندما أبصر نتائج التحاليل:
– اممم، ممتاز يبقى استاذ نادر هيقدر يتبرع للمريض بس كمية الدم هتكون كبيرة شوية، للأسف بنك الدم لسه ماردّش علينا، واحنا بنسابق الوقت علشان حالة المريض الصحية ما تتدهورش..
نادر بحزم:
– خد الكمية الكافية يا دكتور، المهم تنقذ حياته….- وفي نفسه أكمل وتنقذ حياتها هي الأخرى فحياتها موصولة بحياته –
اعترضت منة:
– بس يا دكتور انا كمان فصيلة دمي مناسبة يبقى ليه حضرتك ما تاخدش مني؟…
الطبيب بتلقائية :
– حضرتك حامل يا مدام، ودا هيبقى فيه خطورة عليكي وعلى الجنين!!….
صُعقت منة وشحب وجهها فيما سمع احمد ما قاله الطبيب فسارع بإسنادها قبل أن يغشى عليها ، فيما شحب وجه نادر وساتند الى الحائط خلفه، سار احمد بها حتى أجلسها على كرسي ومال عليها هاتفا:
– ثواني هروح اجيب لك عصير، أمسكت بيده قبل ان ينصرف هامسة :
– ماما، عاوزة ماما…..
أومأ ايجابا بلهفة وسارع لإحضار أمهما……
———————————————————
كانت منة تجلس على كرسي بجوار الفراش الذي يرقد عليه سيف منذ أن استقرت حالته، وكان قد دخل غرفة العناية المركزة لمدة 24 ساعه لحين ثبات حالته الصحيّة ولكن ما أدهش الأطباء هو الغيبوبة التي دخلها، فلم يكن هناك سببا طبيّا لحدوث مثل هذه الغيبوبة، كانت منة تأتي يوميا في موعد الزيارة الصباحية وتمكث حتى يحل المساء تتحدث معه وتُذكّره بأيامهما سوية وببناتهما، فقد أخبرها الطبيب أن الذي يتعرض لغيبوبة يكون هناك جزء من المخ في حالة وعيّ ، وأنه بالتحدث إليه وتذكيره ببعض الأحداث وأشخاص معينين قد يؤدي ذلك الى استيقاظ باقي أجزاء المخ، وهذا ما كانت تقوم به بالفعل بلا كلل أو ملل، فكانت تأتي يوميا للجلوس اليه والحديث معه ولكن دون أدنى استجابة منه أو بصيص أمل، حتى كان يوم …..
كانت تتحدث معه بهمس رقيق وقد مالت ناحيته وهى تقول بإلحاح:
– قوم بقه يا سيف، عجبك يعني رقدتك دي؟، الدكتور وكل اللي شافوك بيقولوا ان غيبوبتك دي متعمدة على فكرة!، قالتها بنصف عين ثم تابعت مهادنة وهى تتلمس أصابعه السمراء الموضوعه بجانبها موصول بها المحلول المغذي:
– قوم علشان خاطري، طيب بلاش خاطري أنا، هـَنا وفرح مش وحشينك؟، و…..، ورفعت يده لتضعها على بطنها وقالت بحنو:
– والكابتن اللي مشرّف جوّه بئالو اكتر من 3 شهور دا واحنا ولا احنا هنا مش وحشك؟، ربتت على خصلاته معيدة خصلته الثائرة الى الوراء وهي تطلع اليه بنظرات #حب صادق ونبرة رجاء:
– علشان خاطري فتح عينيك، انا تعبانه من غيرك اوي يا سيف، الكل شايفني صامدة وقوية، لكن أنا لا قوية ولا حاجه أنا ضعيفة جدااا على فكرة، قوتي دي كنت بستمدها من وجودك جنبي، وانا مش هقدر اكمل من غيرك، علشان خاطر بناتنا، علشان خاطر أبننا اللي لسه في علم الغيب، سيف أنا ….. انا بحبك يا سيف، بحبك ومش قادرة أعيش من غيرك، الفترة اللي فاتت عرفت فيها اني مش ممكن ابعد عنك ولو لحظة واحده حتى …، ثم أعادت يده الى مكانها فوق الفراش ومالت عليها مقبلة أصابعه بحنان زائد وقد أفلتت دمعاتها بالرغم منها وهي تتابع وقد بدأ صوتها يعلوه نشيج البكاء:
– سامحتك والله سامحتك، بس افتح عينيك، ارحمني يا سيف.. انا بموووت بالبطيء…، لـِ…تشعر باهتزازة في اصابعه ما جعلها تنتفض برأسها لترفعها وتنظر غير مصدقة لأصابع يده التي تحركت حركة بسيطة، ثم رفعت عينيها اليه بأمل لاهف لتصطدما بعينين أبنوسيتين تطالعانها بحب وصوت خرج ضعيفا يهمس بمرح خفيف:
– أنا لو أعرف ان ضربي بالنار هيخليكي تسامحيني، كنت انضربت بالنار من زمااان…
هتفت منة بإسمه وارتمت عليه تبكي وتضحك في آن واحد مرددة إسمه مرارا، ولم تنتبه لألم سيف الذي شدّ عليه لإرتمائه على كتفه المصاب الا بعدما سمعت صوت أنينه، رفعت رأسها وتحدثت بلهفة قائلة:
– وجعتك حبيبي؟، معلهش أنا متأسفة، ثم قامت وهي تتابع:
– ثواني هنادي الدكتور، لتعترضها يده التي تشبثت بثوبها فطالعته باستفسار فأجابها بصوت ضعيف مهزوز:
– ما تسيبينيش!، ….هزت رأسها نفيا وقالت بابتسامة مغلفة بدموع الفرح:
– عمري…، ثم مالت عليه قاطفة قبلة خفيفة من شفتيه متابعة:
– ثواني حبيبي انادي الدكتور علشان أطمن عليك…
وبالفعل حضر الطبيب وطمأنها على صحته وأن مؤشراته الحيوية في معدلها الطبيعي، قامت منة بالاتصال بالجميع وزفت اليهم نبأ استيقاظ سيف من غيبوبته، وبعد اطمئنان الطبيب عليه أمر بنقله الى غرفة خاصة وطلبت منة من الطبيب أن تلازمه كمرافقة ، فوافق الطبيب، وتم نقل سيف الى غرفة من غرف الدرجة الاولى…..
كان الجميع ملتفين حول فراش سيف، وكانت منة توزع العصائر عليهم احتفالا بعودة سيفها اليهم، وكانت أمه تجلس بجواره عندما تحدثت قائلة وهي تميل عليه مقبلة جبهته:
– ألف سلامة عليك يا ولديّ، يا ريتها فيني ولا فيك يا حبيبي، أجاب سيف بضعف فهو لا يزال لم يسترد كامل صحته بعد:
– ألف بعد الشر عليكي يا أمي، أنا فداكي….، أجابت أمه وهي تشير الى منة التي وقفت مستندة على الحائط بجوار فراشه سامحة لأمه بالجلوس اليه من ناحية ووالده من ناحية أخرى بينما تعتلي شفتيها ابتسامة سعيدة راضية:
– مَرَتَكْ، ما فاتتكش واصل، كانت جارك طول السَّبوُع اللي انت كنت فيه مِغمِّي عليك يا نضري، غُلُبنا فيها كلام انها حالتها دلوك لازمن تاخد بالها من روحها بس هي دماغها يابسة كيف الصعايدة، ما رضيتش واصل…، ضحك الحضور وعلّقت منة على كلام حماتها وعينيها تلمعان ببريق يخطف الأبصار:
– روحي هو سيف يا ماما الحاجة….، ابتسم الموجودون، بينما طالعها سيف بنظرات عشق خالص ورغبة في احتوائها بين ضلوعه تشتد بداخله ولكنه لا يملك القوة البدنية لذلك، وعوضاً عن هذا رفع يده اليها فتقدمت اليه في حين نهضت زينب مفسحة لها الطريق لتحتل مكانها بجوار زوجها، الذي قبّل يدها وهو يقول بصوت مسموع:
– ربنا ما يحرمني منك ابدا، انتي مُنايا يا حبيبتي، ومن غيرك فعلا أنا من غير روح..
أراد احمد تبديل هذا الجو المشحون بالعواطف فصفّق بيديه وقام متجها اليهما وهو يقول بمرح:
– بقول ايه يا عم الحبيب انت وهي ، مش كدا!، راعوا مشاعرنا بردو، …..ثم توجه الى سيف مربتا على كتفه وهو يتابع:
– ألف حمدلله على سلامتك يا أبو السيوف، ومال عليه هامسا في أذنه ولا تزال الابتسامة ترتسم على وجهه ومن يراه يعتقده يتبادل المزاح مع سيف في حين أنه كان يوجه اليه تحذيرا هامسا، حيث قال:
– عارف لو سمعت انك زعلتها تاني ولا عملت حاجه تضايقها تاني هعمل ايه؟، تابع من دون ان يعطيه الفرصة للجواب:
– انسى انك تشوفها هي وولادك تاني أبدا، لأنها وقتها هتبقى فعلا حلم وراح بالنسبة لك!…..
أجاب سيف بتأكيد وهو يشد على يد منة القابعة في يده بينما تختلس النظرات المرتابة اليهما:
– عهد عليا يا احمد انى عمري ما هزعلها ولا هسمح لنفسي اني أكون سبب في حزن يدخل قلبها تاني…
شدّ احمد على كتفه قائلا والابتسامة قد اتسعت لسعادته بعودة المياه الى مجاريها بين شقيقته الوحيدة وزوجها:
– كدا يبقى ألف حمدلله على سلامتك وأسافر وأنا مطمن عليكم، انا أجلت سفري مخصوص علشان حالتها كانت مش مطمناني خالص….
تحدث عبدالهادي قائلا لولده:
– ما تشد حيلك بجه يا ولدي وتجوم لنا بالسلامة، انت عجبك رجدة المشتشفى ولا ايه؟؟
أجاب سيف بزفرة عميقة وهو يرنو بنظره الى منة الجالسة بجواره من الناحية الاخرى للفراش:
– وانا أكره يا حاج!، بس الدكتور اللي مش راضي بيقول مش قبل اسبوع كمان…..
تدخلت منة في الحوار هاتفة:
– وانا مع الدكتور، اعذرني يا بابا الحاج، سيف مش هيخرج الا لما الدكتور يطمنّا عليه خالص ، وان الجرح مابقاش منه خوف..
انتهز سيف الفرصة وسأل والده باهتمام:
– إلا صحيح يا حاج معرفوش مين اللي ضرب عليّا نار؟؟..
غشت عينا الحاج نظرة غامضة وقال بهدوء وثبات:
– وهيعرفوا منين يا ولدي؟، العيار كان طايش، ومحدش عرف مين اللي طخُّه…. المهم انك جومتلنا بالسلامة..
علقت منة بجدية:
– المفروض يا بابا الحاج حكاية ضرب نار في الهوا دي مجاملة تتمنع خالص، انت حضرتك شوفت سيف جراله ايه، انا من لحظة ما سمعت ضرب النار وانا قلبي اتقبض…
هز عبدالهادي برأسه ايجابا:
– صوح يا بتّي عنديك حج…
تحمّد لسيف عبدالعظيم وعواطف بالسلامة، وعلم أن ابنتيه برفقة سميحة شقيقته، وكانتا قد زارتاه مرة واحده فقط وآثرت منة ألّا يحضرا الى المشفى ثانية حتى ينتهي شفاء سيف فقد كانتا مذعورتين من رؤية والدهما ممدد طريح الفراش وإن كان يحاول محادثتهما والمزاح معهما، ولكنه لم يكن في كامل لياقته المعهودة بالنسبة لهما……
انصرف الموجودون وقد غادر والديْ منة مع احمد وعائلته الى القاهرة بعد أن سبقهما نادر الى الاسكندرية فهو ما ان اطمئن ان سيف قد استقرت حالته الصحية حتى غادر الى مدينته، وكان يتصل يوميا للاستفسار عن حالته الصحية وفرح عندما علم بخبر استيقاظه من غيبوبته، سعادته بالخبر كانت من أجل منة، فلا بد أنها الآن في أقصى درجات سعادتها، وقرر طوي صفحة حبه المستحيل من حياته للأبد، وطلب من والدته البدء بالتفتيش عن عروس مناسبة له…..
بعد رحيل الجميع نظر سيف الى منة وأشار بيده هامسا:
– تعالي،… تقدمت منة اليه وجلست بجواره حيث أشار، رفع يده اليمنى الطليقة وأمسك بها وجنتها في حين اليسرى كان يحركها بصعوبة حيث الضماد الذي كان يلتف على جذعه العلوي من ناحية اليسار حيث مكان الاصابة، نظر الى عينيها مليا قبل ان يرفع يده مزيحا وشاح رأسها الى الخلف لتتساقط خصلات شعرها المنفلت من ربطته لتحيط بوجهها الملائكي الفاتن، طفق ينهل من عذب ملامحها كما العطشان الذي عثر على واحة ماء عذبة رقراقة، همس متسائلا بينما نظرت اليه منة في #حب وابتسامة سعيدة تزين ثغرها المكتنز:
– انتي قلتيلي سامحتك صحيح ولا أنا اللي كان بيتهيألي وانا في الغيبوبة؟، أمسكت منة بيده التي تحيط بوجهها وأجابت بصدق استشعره في حروف كلماتها:
– لا، ماكانش بيتهيألك ولا حاجه، انا فعلا سامحتك يا سيف، اللي حصل خلاني متأكده اني مقدرش أعيش من غيرك ثانية واحده، أنا بحبك يا سيف، عمري ما عرفت يعني ايه كلمة #حب الا على ايديك انت، انت جوزي وحبيبي وابني وصاحبي وأبو ولادي، إنت أهلي يا سيف، أنا لو كنت فعلا عاوزة أسيبك أو مسامحتكش ما فيش حاجه في الدنيا كانت هتخليني مثلا اني آجي معاك عندكو..مهما حصل!، لو بيعتك فعلا.. يبقى خلصت، لكن أنا ما كنتش عاوزة اللي بيننا ينتهي، كنت بجادل كتير وبعاند لكن أنا متأكده انك لا يمكن تسمع كلامي، كنت موجوعه يا سيف، انت متعرفش أنت ايه بالنسبة لي؟!،.. نظر اليها بتساؤل فيما تابعت ودموعها تترقرق في مقلتيها:
– انت كل حاجه يا سيف، احساسي أنك ممكن تبص لوحده تانية كان احساس بشع، عمري ما اتمنى لأي حد انه يحسه أبدا، كنت حاسة زي ما يكون قلبي اتدبح بسكينة باردة، وعمّال ينزف، واللي تعبني اني لا أنا قادرة أوقف النزيف ولا أنا قادرة أنضف الجرح، سيف أنا … بعشقك … عمري ما تصورت اني ممكن أحب حد بالدرجة دي، حتى لو جوزي أبو ولادي، وانت في الغيبوبة دعيت ربنا أنه يرجعك ليا بالسلامة وانا هنسى اللي فات كله ، انا بحبك أكتر من روحي يا سيف…، وقبلت راحة يده المستريحة على وجهها ثم شدت بكلمات الاغنية التي تحمل نفس الاسم :
– أكتر من روحي بحبك، بحقيقي بحبك أكتر، وشعوري بحبك وبإنه دا شيء يتقدر، ولا كل لغات الدنيا تقدر عن حبي تعبّر، وغُنايا بإني بحبك …أكتر من روحي بحبك، بالنسبة لدرجة حبك…رمز صغيّر مش أكتر، وأكتر…أكتر…..أكتر من روحي بحبك……..
لم يتمالك سيف نفسه وجذبها من نهاية رأسها على قدر ما استطاع من قوة ليتناول فمها الذي تراقص لغُناه قلبه في قُبلة عميقة أودعها خالص عشقه، وبادلته منة القبلة بأخرى أشد عمقا وحرارة……
ابتعدا بعد مدة طويلة يلهثان طلبا للهواء، احتضنها سيف الى صدره بيده السليمة وقال وهو يلهث:
– بحبك، بحبك أوي، وعهد عليّا عمري ما هفكر مجرد تفكير في أي حاجه تضيع حبك ليا، بس فيه مشكلة دلوقتي؟…
قطبت منة ورفعت رأسها ناظرة اليه بتساؤل وهي تقول:
– مشكلة؟، مشكلة ايه دي؟…
نظر اليها سيف بخبث وأجاب باتسامة ماكرة تلوّن محياه:
– هصبر ازاي لغاية ما أطلع من هنا؟، خليكي جدعه وقولي للدكتور يكتب لي على خروج بكرة…

” الحلقة السابعة عشر و الأخيرة”ج2

استهجنت منة قائلة:
– أفندم!، بكرة!، لا لا لا ، انت بتهزر صح؟، أجاب سيف بتلقائية:
– لا، غلط!، أنا بتكلم جد، طيب بصي ايه رأيك تيجي تنامي جنبي على السرير، انا هبقى مؤدب خالص ومش هعمل أي حاجه تضايقك، بس عاوز أخدك في حضني وخلاص، أرجوكي يا منة….
نظرت اليه منة في ارتياب وأجابت:
– بس جرحك…، لم يدع لها الفرصة لتكمل وهتف:
– انتي هتبقي بعيدة عن جرحي خالص، هتنامي على اليمين، علشان خاطري يا منة، وحشني أوي انى أخدك في حضني..
وقد اشتاقت الى أمان ذراعيه هي الأخرى فوافقت ولكن… لتعلم خطأ انصياعها لرغبته بعد ذلك بسويعات !!….
كانت قد خلدت الى النوم بين ذراعيه مريحة رأسها على كتفه الأيمن محيطة خصره بذراعها الأيمن، وقد غرقت في سبات عميق، لتشعر بشيء يداعب بشرتها، فجعدت وجهها في نومها، لتفاجأ بلهاث حاد يطرق سمعها، رفرفت بعينيها وفتحتهما وهي تهمس ولم تزل في غياهب النوم:
– اممم، سيف، لتسمع صوتا أجشا خشنا يجيب:
– قلب سيف وعيونه،… شعرت بملمس يده على بشرة جسدها، كانت قد أبدلت ثيابها بمنامة قطنية تصل الى منتصف ساقها ذات اكمام قصيرة، ففوجئت بيده وقد تسللت أسفل رداء النوم لتتلمس ساقيها، شهقت بخفوت وقالت بدهشة وهي تحاول ازاحة يده جانبا بلا جدوى:
– ايه يا سيف انت بتعمل ايه؟!،.. اجابها بصوت أجش من شدة الانفعالات التي تمور في داخله:
– الدنيا حر، وانتي كنت رافصة الغطا ورجليكي مكشوفة خفت لا تبردي فكنت بعدل هدومك!!..، طالعته منة مليا قبل ان تنطلق من فمها ضحكة خافتة ولكنها ناعمة جعلت سيف يبتسم تلقائيا، أجابته من بين شهقات ضحكتها:
– منين الدنيا حر ومنين خفت عليّا أبرد؟، ركّز يا سيف، انت المفروض كتفك بس اللي اتصاب مش دماغك!!…
أجاب سيف وهو يجذبها ناحيته بقوة بينما تدفعه براحتها في صدره محاولة ابعاده:
– ما هو الدنيا حر نار عندي أنا، لكن في الاساس بالليل بيكون فيه هوا وانا بخاف عليكي من الهوا…..
قالت منة وهي تحاول التحرر من قبضته بينما تحرك رأسها يمينا ويسارا للافلات من فمه المتطلب وتلك الرغبة المحرقة التي تنبعث من فحم عينيه المشتعل لتسيل دمها كالعسل الدافيء في أوردتها:
– فيك الخير والله، بس ابعد بقه شوية وإلّا هروح أنام في سريري!!….
أجاب سيف بصوت متهدج:
– مش قادر أبعد، بجد مش قادر، طيب بصي بوسة واحده بس..
قطبت منة كمن يفكّر ثم أشارت اليه بسبابتها وقالت بتحذير:
– واحده بس؟!، أومأ بلهفة فتابعت آمرة:
– طيب غمّض عينيك، أنا اللي هقوم بالمهمة دي!…، لاحت علامات الأسف على وجهه وقال:
– خلّي عنك انتي خالص، قاطعته منة بتحذير ونظرة قوية:
– سيف…، فإنصاع لرغبتها وأغمض عينيه وهو يمنّي نفسه بأنه سيقبض عليها ما أن يشعر بشفتيها الدافئتين، لوهلة لم يشعر بشيء وما إن همّ بالتذمر حتى شعر بمن يمسك بوجهه بقبضة قوية ثم قبلة خفيفة كرفرفة فراشة حطّت على وجنته
اتبعها صوتها يقول ضاحكا:
– تصبح على خير يا سيفي!!، فتح عينيه سريعا وهمّ بالاعتراض عندما أبصرها وقد رقدت فوق فراشها الآخر، كشّر غير راض وهتف بنزق:
– إنتي بتخمِّي على فكرة، احنا ما اتفقناش على كدا!!،،
ضحكت منة مجيبة:
– أنا لا أخو أمك ولا أخو أبوك!!، انا مراتك ونام بقه علشان أنا تعبانه فعلا وعاوزة أنام، تصبح على خير، ولفّت الى الجانب الآخر مولية ايّاه ظهرها في حين همس بيأس وزفرة عميقة خرجت من قلبه:
– أنام!، هو انا هيجيلي نوم طول ما انا شايفك رايحه جاية قودامي وانا مش قادر أقرّب لك، تمام زي العطشان لما يشوف كوباية ماية ساقعه مشبّرة قودامه ومش عارف يشرب منها وهي عماله تطلع له لسانها!، الصبر من عندك يارب…..
مر على تواجد سيف بالمشفى خمسة عشر يوما، ما بين شد وجذب وكرّوفرّ بين وبين مُناه!!، فقد كان يتحيّن الفرص منتهزا حاجته للمساعده وما إن تقترب منه منة حتى يسارع لاستغلال وجودها بجواره بأجمل طريقة ممكنة …..
– سيف، انت لو مش هتعقل انا هروّح وهخلي ماما الحاجة هي اللي تيجي مرافق بدالي، هي عمالة تلحّ عليّا بئالها مدة وخصوصا أنى حامل علشان ارتاح…
هتف سيف رافعا يده الى اعلى:
– لا لا لا، خلاص، حرمت، انما صحيح ازاي حامل 3 شهور وما اخدتيش بالك طول الفترة اللي فاتت دي كلها؟…
اجابت منة وهي تطالعه بنصف عين:
– البركة في حضرتك، هو انت خلّتني عارفة راسي من رجلي، حتى لما معادها فات قلت أكيد علشان حالتي النفسية مش مظبوطة، ما كانش في دماغي خالص اني حامل..
نظر سيف الى وجهها الجالس بجواره وقال بابتسامة:
– ايه رأيك لو ولد عاوز أسميه على اسم كبير العيلة عندنا..
فرحت منة متوقعة انه يريد تسمية ولدهما بإسم والده هو عبدالهادي فهتفت بحبور:
– وماله حبيبي، انت عارف انا بحب عمي عبدالهادي قد إيه..
قطب سيف وقال:
– اولا كلمة بحب دي قلتلك 100 مرة ما تطلعش لأي راجل غيري ولو كان ابوكي ولا ابويا، ثانيا بقه مش عبدالهادي أبويا أنا اقصد جدي الكبير كبير السوالمة، مخيمر السوالمي!!
غابت الابتسامة عن وجه منة وقالت بدهشة:
– نعم؟، مخيمر!، يعني أنا أبقى أم مخيمر!!…
اجاب سيف وهو يبتسم:
– آه، وأنا أبو مخيمر!، يا سلااام يا مُنايا!…، أجابت منة مصعوقة:
– يا سلام يا منايا؟، انت بتتكلم بجد؟، أومأ ايجابا فتابعت:
– سحر ازاي وتسمي عبدالعال؟، يعني معلهش سيف ازاي ويسمي مخيمر؟ عاوزة أفهم أنا!!..
قال سيف وهو يكتم ضحكته بصعوبة فقد راق له مشاكستها:
– ومالو بس يا حبيبتي،….، أشارت منة بيدها وأجابت بجدية مصطنعه:
– سيف ريّح روحك، يمكن ربنا يعديها على خير وتيجي بنت وأسميها على إسم ستّي الكبيرة…
سيف بتساؤل وابتسامة عريضة:
– واسم ستّك الكبيرة كان ايه؟…
مالت فوقه مجيبة بجدية زائفة:
– زليخة!!، أومأ سيف برأسه مبتسما:
– آه، زليـ….، وهتف بحنق متابعا حينما استوعب الاسم جيدا:
– ز … مين؟!، أجابت منة بتلقائية مصطنعه:
– زليخه بابا، زلييييييخة، ايه ما سمعتش عنه قبل كدا؟..
سيف وقد أسند ظهره الى مسند الفراش خلفه ناظرا امامه قائلا بثقة:
– لا هو ان شاء الله مخيمر..
هتفت منة معترضة:
– زليخة، هتف سيف:
– مخيمر، لتتبعه منة:
– زليخة، وظلّ الاثنان يتراشقان بالإسمين حتى هتفا في وقت واحد:
– زليمر!!، وسكتا يطالعان بعضهما البعض لبرهة حتى انفجرا ضاحكيْن.. بضحكات سعيدة ملئت الأجواء بهجة وفرح….
=================================
خرج سيف من المشفى بعربة اسعاف خاصة بناءا على طلبه فورا الى منزله بالقاهرة، يرافقه منة في سيارة الاسعاف، يتبعهما والده ووالدته وابنتاه في سيارة والده الخاصة ….
بعد أن اطمئنا كل من عبدالهادي وزينب الى حالة ولدهما صممت منة على أن يبيتا ليلتهما لديهما على أن يسافرا غدا بالنهار، قالت زينب مشيرة الى حفيدتيها:
– ياللا حبايبي، تاجوا معايْ أحكيلكم حكاية الشاطر حسن وبدر البدور بنت السلطان، قفزا الفتاتيْن فرحا موافقتين، فدفعتهما زينب الى غرفتهما التي ستبيت فيها هي وعبدالهادي ليلتهما، اعترضت منة قائلة:
– لا يا ماما الحاجة، علشان تعرفي تنامي انتي وعمي الحاج، هـَنا وفرح هيناموا في حضني أنا وسيف انهرده، أصرت زينب قائلة:
– لاه، ولو صممتي يُبجى هنسافر دلوك، السواج موجود وبايت تحت في العربيه، هنحس اننا مضيجين عليكم، خليكو كيف ما انتو متعودين يا بتّي، اساسا الحاج هينام ع السرير وأني هاخد الجُطّتين دول في حضني ونفرشو في الارض ونجعد نحَكِّي حواديت للصّبح، زفرت منة وهمت بالاعتراض حين أسكتها سيف قائلا:
– خلاص يا منة، سيبي الحاجه براحتها متزعلهاش…
ودخل كل منهم الى غرفته للنوم…
ساعدت منة سيف في تبديل ثيابه وكان جرحه قد تمت ازالة الضمادة الكبيرة عنه واستعاض عنها بأخرى صغيرة، وكان الجرح قد جفّ تماما، وغدا في طوْر الشفاء الاخير، ارتاح سيف فوق الفراش ودخلت منة الى الحمام الملحق بغرفتهما حيث اغتسلت وابدلت ثيابها الى منامة حريرية مكونة من بنطال حتى الركبة، وفوقه بلوزة بكم قصير للغاية وقبة واسعة تكشف عن عنقها المرمري وتتسع البلوزة الى الاسفل حتى منتصف الفخذين، مشطت شعرها وقد وضعت مرطب الجسم الذي تضعه عادة، ورقدت بجوار سيف وهي تتمتم بثبات لا تشعر به:
– انا هنام عاوز حاجه يا سيف؟، شرد سيف قليلا لينتبه على ندائها له فأجاب:
– ها.. لا ابدا، فرقدت مولية اياه ظهرها وهي تغمض عينيها بقوة قائلة:
– تصبح على خير….
نظر الى ظهرها قليلا ثم مد يده فوق رأسها الى المصباح المعلق فوقهما ليجذب حبل الانارة الخاص به الى اسفل فساد الغرفة الظلام، رفع الغطاء قليلا واندس أسفله وهو يتمتم:
– وانتي من أهله…، بعد ثوان انتفضت منة في رقدتها والتفتت تحاول النظر الى سيف في الظلام الذي لم تعتد عليه عيناها بعد وهي تقول بلوْم:
– انت بتعمل ايه يا سيف؟، كان سيف يعتصرها بين ذراعيه بقوة حتى انها بصعوبة استدارت إليه، ضربت أنفاسه الساخنة صفحة وجهها القشدية وأجاب بصوت أجش بينما يتشمم رائحتها الأنثوية العذبة وهو يهمس بخفوت:
– اشششش، بيننا وبين الحاج والحاجة حيطة واحده، فمش عاوز صوت، بلاش فضايح….
نظرت اليه منة وكانت عيناها قد اعتادتا الظلام فسهُل عليها رؤية وجهه وأجابت وهى تحاول دفعه بعيدا بلا فائدة:
– انت اللي هتجيب الفضايح دي لنفسك!، أعقل يا سيف، ابوك وأمك انت بنفسك قلت بيننا وبينهم حيطة واحده، فعيب اللي انت بتفكر فيه دا!!، أجاب سيف بحنق:
– عيب!، وايه العيب اللي فيه بقه ان شاء الله؟، تفتكري هما دلوقتي فاكريننا بنعمل ايه؟، بنلعب صَلّح؟، ولّا نايمين عاقلين هاديين كل واحد فينا مدِّي ضهره للتاني؟!، لا يا حبيبتي، هما عارفين احنا بنعمل ايه فمينفعش يبقى صيت ع الفاضي، وبعدين انتي وحشتيني أوي، أنا ما وحشتكيش؟!، سكتت منة وقد هدأت مقاومتها وأجابت بخفوت وتردد:
– وحشتني بس….، همس سيف أمام شفتيها وهو يضع سبابته على فمها المكتنز:
– إششش، من غير بس، ليشعر بنعومة شفتيها تحت إصبعه، فمال برأسه متناولا شفتيها في قبلة عميقة محتويا جسدها بقوة أشاعت الحرارة في أوصاله، ولم تستطع منة المقاومة فهو حبيبها التي أوشكت على فقده وتبادلا عهود الحب بأجمل طريقة بين المحبين، وليست مرة واحدة بل….مرّاتٍ ومرّات !!…..
**************************************************
استقرت صحة سيف وعاد الى عمله ثانية بينما تفرغت منة الى ابنتيها وحملها الجديد، واستقرت حياتهما والتي لم تخلو من غيرة منة الشديدة….
– سيف أنت فين؟…، سألت منة بغضب سيف وهي تحادثه هاتفيا وتنقر بقدمها الارض ، أجاب سيف بتلقائية:
– هكون فين يعني يا حبيبتي؟، في الشغل طبعا!!..
منة بحدة قاربت الصراخ:
– شغل؟، انا اتكلمت من ساعه جلال السكرتير رد عليا وقاللي انك جيت ونزلت على طول، وعماله أطلبك على الموبايل مقفول، تقدر تقوللي كنت قافله ليه، وكنت فين؟…( كانت منة قد أصرت على وجود سكرتير رجل وليس أنثى، كما أن طاقم المهندسين جميعهم من الذكور فلم يكن هناك أي مؤنث في الجوار من سيف)…، أجاب سيف بصبر فهو مقدّر لغيرتها الشديدة والتي تقارب الشك ولكنه أخذ على عاتقه ألّا يتذمر منها أبدا وان كان في بعض الأحيان تكاد تفلت أعصابه لشكّها المفرط:
– حبيبتي أنا كنت في مشوار والشّبَكة في المكان اللي انا كنت فيه وحشة، دا كل الموضوع!!..
منة بإصرار:
– مشوار؟، مشوار ايه دا؟، زفر سيف مجيبا وهو يحاول تمالك نفسه:
– أما آجي هقولك، قاطعها وهي تهم بملاحقته بالاسئلة من جديد:
– معلهش يا منة انا داخل على اشارة هقفل علشان العسكري ما ياخدنيش مخالفة،… واغلق الهاتف….
كانت منة ترغي وتزبد وتروح وتجيء في المكان، كانت قد شارفت على شهرها الثامن، وضعت يدها أسفل ظهرها حيث شعرت بألم بسيط،… نفخت بغيظ متمتة:
– ما انا هلاقيها منك ولا من ابوك، شكلك هتطلع متعب زي اللي خلّفك !!..، لتسمع صوتا يأتيها من خلفها يقول بمزاح خفيف:
– واللي خلّفه ماله بس؟، التفتت اليه وقد ثارت خصلات شعرها الذي استطال حتى ركبتيْها وسيف يرفض رفضا باتًّا أن تقصّ منه ولو إنشاً واحدا، هتفت بنزق بينما كانت ابنتيها تلعبان في غرفتهما:
– تاعبني!، اللي مخلفه تاعبني ومش عاوز يريحني، كنت فين يا سيف؟، سار سيف اليها وتناول يدها ليسير بها حتى الاريكة الجلدية الفخمة حيث أجلسها وجثا على ركبتيه أمامها وهو يقول:
– ممكن تقفلي عينيكي بس؟، همّت بالرفض عندما ألحّ قائلا:
– علشان خاطري، هقولك والله كل حاجه بس الاول اقفلي عينيكي، فعلت كما طلب منها لتسمعه وهو يطلب منها أن تفتح عيناها، فتحتهما لتبصر سلسال ذهبي عريض يتدلي منه قلب مغلق، شهقت فمال ناحيتها وفتح القلب مشيرا لها لتقرأ ما حُفر بداخله ” الى مُنايا….بحبك سيف”، في احدى جانبي القلب بينما يحمل الجانب الآخر صورة لهما معهما من صور زفافهما، ترقرقت الدموع في عينيها في حين همس:
– كل 5 شهور وانتي طيبة، زي انهرده انتي سامحتيني، وانا فتحت عينيا من تاني، زي ما أكون كنت رافض انى أرجع للحياة طول ما إنت زعلانه مني، وأول ما سمعت كلمة سامحتك كانت نفس اللحظة اللي انا سامحت فيها نفسي وقبلت انى ارجع للحياة تاني، لأنه من غيرك ومن غير قلبك الدنيا كلها مالهاش طعم..، وصّيت عليها الجواهرجي وانهرده كنت عنده بستلمها، وتقريبا الشبكة عنده واقعه، ومرضيتش اقولك علشان محرقش المفاجأة!!..، وان شاء الله من هنا ورايح كل شهر لازم هحتفل باليوم دا مش كل 5 شهور!!…
نظرت اليه منة مليّا قبل ان تشهق عاليا منخرطة في بكاء عميق وهي تدفن وجهها في راحتيها، قبض سيف على معصميها وهتف وهو يحاول ازاحة يديها بعيدا:
– منة حبيبتي، منة انت بتعيطي؟!، منة كلميني فيه ايه؟،
أبعدت منة يديها عن وجهها وصرخت في حدة أدهشته وهي تبكي بحرقة عالية:
– بعيّط عليك وعليّا، أنا .. أنا بئيت شخصية زبالة، شكّ وغيرة، بعيّط علشان ظلمتك… بعيّط علشان عمري ما كنت أتصوّر اني اتحول لواحده شكاكة بالشكل دا، عرفت بعيط ليه يا سيف؟، بس للأسف دا مش بإيدي، دا زرعك إنت يا سيف!، إنت اللي زرعت …إحصد بقه!!، وانخرطت في نحيب عال يقطع نياط القلب…
تركها سيف حتى هدأت نوبة بكائها، جلس بجوارها وقال بهدوء وهو يحتضنها بينما لا تزال تنتفض إثر شهقات بكائها الحاد:
– ومين اللي قالك اني زعلان ولا متضايق ولا معترض على حاجه أنا اللي اتسببت فيها؟، اعملي ما بدالك، غيري عليّا، شُكِّي فيّا، اخنقيني، بس….و أبعدها عن ذراعيه ناظرا لها بعشق صاف متابع:
– ماتسيبينيش!، أي حاجه مستعد أستحملها الا أنك تبعدي عنّي!، وأعاد احتوائها بين ذراعيه مجددا وهو يهمس:
– اوعي تسيبيني يا منة اوعي، لتجيبه منة بخفوت مماثل:
– ولا دقيقة ولا ثانية يا سيفي !!، ليغرقها في عناق قوي ثم حملها بين ذراعيه متجها الى غرفتهما وهو لا يزال معانقا لها، ليتابع بث حبه وعشقه السرمدي لها حاملا إياها الى عالم لا تصله الاّ مع سيفها وحده !!…
===============================
الخاتمة:
– أنا مش فاهم ازاي طاوعتك اننا نسافر اسكندرية وانتي في حالتك دي؟، تساءل سيف بنزق وهو يقود سيارتهم متجها الى الاسكندرية لحضور حفل زفاف نادر ابن خالتها وقد سافر عبدالعظيم وعواطف قبلهما بعدة أيام لتستطيع عواطف مساعدة شقيقها في تجهيزات الفرح، أجابت منة بهدوء بينما تقبع ابنتيها في المقعد الخلفي تتطلعان من النافذة الى الطريق حولهما:
– فيها ايه يا حبيبي بس؟، ما أنا سألت الدكتورة وقالت لي لسه اسبوعين تقريبا على ولادتي، وبعدين طالما الطريق كويس وانت بتسوق هادي خلاص، وبعدين ازاي ما احضرش فرح نادر ، انت عاوز طنط سهام تزعل؟، ونادر جميله هيفضل في رقبتي طول عمري…
اجاب سيف ببرود:
– أنا ماقولتش حاجه، وانا بنفسي سافرت لنادر أشكره على وقوفه جنبي، بس انا بتكلم على حالتك.. انتى على وشّ ولادة، وأنا مش بالع حكاية السفر في الظروف دي، ومتأكد ان خالتك كانت هتقدر ظروفك، كنا بعدين جينا باركناله في شقته..
منة منهية النقاش:
– خلاص يا سيف اللي حصل.. حصل، ربنا يوصلنا بالسلامة وان شاء الله مش هيحصل حاجه…
كانت منة تجلس في مقعدها حول احدى الطاولات المتناثرة في قاعة الزفاف، كانا ابنتيها بصحبة والدتها عواطف لشدة تعلقهما بالأخيرة… عندما همس سيف لها للتوجه للعروسين للمباركة، بعد أن باركا لهما واثناء عودتهما لطاولتهما مجددا ، نادى صوتا أنثويا على سيف، نظرت منة الى سيف شذرا فرفع كتفيه بمعنى انه لا علم له عمّن تناديه، التفتت منة خلفها لتفاجأ بأنثى وكأنها خارجة من مجلة للأزياء بفستانها الذي يلتصق بها وكأنه جلد ثانٍ لها، بلونه البرونزي ، يصل الى فوق الركبة، ويبرز مفاتنها فلا يدع شيئا للخيال، تقدمت منهما وقد تطاير شعرها البني اللون الذي يصل الى كتفيها خلفها، وقفت امامهما لتنبعث رائحة عطر ثقيل يزكم الأنوف، فقارنت منة بين وضعيهما!، هي بعباءتها المطرزة على الحواف والأكمام والتي تتسع الى أسفل فلا تبرز حملها، ووشاحها المعقود بربطة أنيقة خلف عنقها ليخفي خصلاتها الناعمة، بينما تعلو قبة عباءتها لتستر عنقها الطويل كعنق اليمامة، والأخرى بتلك اللاثياب التي ترتديها!!، تحدثت تلك الانثى التي أعطتها منة عمرا لا يزيد عن عشرين عاما بصوت به بحة جذابة:
– انت سيف عبدالهادي صاحب المكتب الهندسي للانشاءات مش كدا؟، أومأ سيف برأسه بينما عيناه تنظر الى منة التي يحتل وجها تعبير اجرامي وهي ترمق تلك الفتاة من أعلى الى أسفل بقرف واضح، تابعت الفتاة وهي تزيح شعرها جانبا بغرور أنثى تعلم مجى فتنتها وجمالها:
– انا نانسي سليمان، انت كنت عملت ديكور شقة اخويا عادل سليمان وبصراحه الديكور حلو اوي وانا كنت عاوزاك تعمللي ديكور …، لم تمهلها منة لتتابع وجذبت سيف من يده مزيحة اياه جانبا لتتصدر هي الموقف مواجهة لها وهى تقول بأبتسامة صفراء:
– ايوة يا آنسة، بس للأسف معلوماتك قديمة، سيف قفل المكتب!
حدقت الفتاة غير مصدقة وهتفت بينما سيف يطالع منة في دهشة:
– قفله؟، خسارة .. طيب ليه؟، همّ سيف بالكلام لتقاطعه منة متحدثة بجدية شديدة:
– مزيّنْ!!، حدّق فيها سيف بشدة وكتم ضحكته بصعوبة حتى أنه اصدر صوتا فسارع للسعال حتى لا تنتبه اليه الفتاة التي حولت انظارها اليه معلقة بدهشة:
– مزيّنْ؟. يعني ايه مزين دي؟، أجابت منة وهي تأبط ذراع سيف وتستدير مبتعدة:
– يعني قلبه مزيّن!!، مزيّن…اللي بيزين الرُّوس، ومش أي رُوس، مزيّن رجالي يا آنسة، حلّاق من الآخر !!، لو عاوزة حد يزين لبابي راسه ممكن ما تقوليلناش!…
وانصرفت منة مبتعدة متأبطة ذراع سيف الذي انطلقت ضحكاته عاليا، بينما نفخت منة بضيق والتي شعرت بالانقباضات التي أتتها في وقت سابق وقد عادت بقوة عن ذي قبل، قالت منة بنزق:
– آه، اضحك انت ولا همّك، أجاب سيف وابتسامة واسعه تحتل وجهه:
– حبيبتي يا منايا، ما تتصوريش فرحتي وانتي غيرانه عليا أد ايه!، أد كدا بتحبيني يا منة؟..
هتفت منة وهي تفتح عينيها على وسعهما:
– آه،… فهتف سيف:-
– بجد؟،…. لتجيب منة بصوت أعلى وهي تمسك بطنها من أسفل :
– آآآآه..، شعر سيف بشيء مريب في صوت منة فمال ناحيتها ممسكا يدها التي تقبض بها على أسفل بطنها وهو يتساءل في ريبة عاقدا جبينه:
– منة حبيبتي مالك؟، انتي تعبانه؟. فصرخت من بين أسنانها ولم تستطع احتمال ألمها أكثر من ذلك:
– آآآآه، الحقني يا سيف، شكلي هولد!!….
في الساعات اللاحقة لا يتذكر سيف تماماً ما حدث، فهو لا يذكر سوى حمله لها وذهابه سريعا الى والدتها التي سارعت بتوجيهه أن يذهب رأسا الى المشفى وانها ستلحق به مع والدها تاركة البنتين مع سهام..
لا يعلم سيف كيف وصل المشفى وسط صرخات الألم المستمرة من فم منة، صفّ سيارته أمام المشفى وخرج سريعا تاركا الابواب مشرعة، وحمل منة، توجه اليه حارس أمن المشفى ليخبره ان وقوف السيارة ممنوع بهذا الشكل فهتف سيف به:
– المفاتيح في العربية اركنها انت في الحتة اللي تعجبك…
تم ادخال منة فورا الى الشمفى واستدعاء طبيبة التوليد، التي عاينتها مؤكدة انها قد دخلت في مرحلة المخاض بالفعل….
بعد سويعات من الألم والعذاب وكان سيف قد أصر على حضور الولادة، حضر ” زياد سيف عبدالهادي”، الذي ما إن نزل حتى ملأ الدنيا صراخا، حمله سيف وتوجه به الى منة الراقدة فوق فراش التوليد وكان سيف قد ارتدى الزي الخاص بغرفة العمليات، مال فوقها وهو يحمل وليدهما الذي لم يكن أكبر من راحة الكف وقد احمرت بشرته لشدة صراخه، وضعه على صدرها وهو يهمس من بين دموعه التي انهمرت رغما عنه:
– حمدلله على السلامة يا أم زياد، فاحتضنت منة وليدها هامسة بفرح أمومي وهي تتطلع الى كتلة الزغب الصغير الذي يتحرك بنشاط زائد بين يديها:
– زياد؟!،… مال عليها سيف هامسا امام شفتيها:
– شكله كدا هيطلع مطرب، شوفتي بيسلك الحنجرة عنده ازاي؟، اطلقت ضحكة ضعيفة فيما احتضنت وليدها الى صدرها بينما احتواهما سيف الى صدره وعيناه تدمعان ولسانه يلهج بالشكر لله بأن حفظ عليه أسرته بل وقد زاد عدد أفرادها بفضل من الله سبحانه، وعاهد الله أن يحاول الحفاظ على سعادة تلك الاسرة الصغيرة التي هي حياته بأكملها

– تمت بحمد الله –

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *